الشعراوي حين سجد لله شكراً بعد نكسة 1967!

الشعراوي حين سجد لله شكراً بعد نكسة 1967!
13582
عدد القراءات

2018-02-18

لا يبدو المَشهد بعيداً بين سجدة الشيخ محمد متولي الشعراوي شكراً لله على نكسة العام 1967، قائلاً "فرحت أننا لم ننتصر، ونحن في أحضان الشيوعية؛ لأننا لو ُنصِرنا ونحن في أحضان الشيوعية لأُصبنا بفتنة في ديننا"، وبين قول المرشد العام الأسبق للإخوان المسلمين في مصر مهدي عاكف "طز في مصر وأبو مصر واللي في مصر"، وقول الإخواني العتيد سيد قطب "ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن، أما نحن فوطننا الإسلام"، وقول مؤسس الجماعة في مصر حسن البنا "لا وطنية في الإسلام".

الشعراوي كان واحداً من بين الشيوخ الأكثر جدلية لانضوائه تحت عباءة السلاطين، وتحديداً الرئيس المصري الراحل أنور السادات

الشعراوي على وجه التحديد، كان واحداً من بين الشيوخ الأكثر جدلية لانضوائه تحت عباءة السلاطين، وتحديداً الرئيس المصري الراحل أنور السادات؛ إذ شدّ على يده حين أقبل على معاهدة كامب ديفيد، مستشهداً بالآية "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله"، وقائلاً عنه عقب انتقاد عضو في مجلس الشعب المصري لوزارة الأوقاف التي كان يشغلها الشعراوي "والذي نفسي بيده، لو كان لي في الأمر شيء لحكمت للرجل الذي رفعنا تلك الرفعة، وانتشلنا إلى القمة ألا يُسأل عما يفعل"، وما كان منه حين قال له النائب إن من لا يُسأل عما يفعل هو الله إلا أن قال إنه يعرف الله أكثر من النائب. الطريف في الأمر أنّ الشعراوي برّر قوله ذاك، بعد رحيل السادات، بأنّ معناه أن الأخير مجنون وفي هذه الحالة فهو لا يُسأل عما يفعل!

موقف الشعراوي من السادات لم يكن مستغرَباً؛ فهذا الرئيس تحديداً حرِصَ على استرضاء التيار الإسلامي

موقف الشعراوي من السادات لم يكن مستغرَباً؛ فهذا الرئيس تحديداً حرِصَ على استرضاء التيار الإسلامي بعد أعوام من قمعه الدموي إبّان حُكم جمال عبد الناصر، لكن لا يبدو الأمر محصوراً في هذا السبب فحسب؛ ذلك أن من يتأمل مواقف الشعراوي، التي عادت المفكرة الناصرية فريدة الشوباشي لتسليط الضوء عليها مجدداً، يجدها لا تبتعد كثيراً عن البراغماتية التي تسم سلوك كثيرٍ من الأسماء الدينية التي سَطَع نجمها على امتداد العالم العربي، والتي تنحاز للفكر الديني البحت على حساب الوطني والقومي العربي، وهو ما يصار للمجاهرة به كأنما هو مفخرة، كمثل قول عاكف ذات مرة إنه لا يمانع أن يحكمه في مصر ماليزي طالما كان مسلماً.

كان شخصية شعبوية واستطاع تقريب القرآن وحكاياته من العامة واقترب من أوساط بعيدة عن التديّن كالوسط الفني

الشعراوي، المولود في العام 1911، كان واحداً ممّن روّجوا؛ بل تصدّروا إعلانات الريّان في نهاية الثمانينيات، والتي لم تكن سوى شركات لتوظيف أموال المصريين، بيد أن من كانوا يقومون عليها لا خبرة لهم في عوالم الاقتصاد وتعقيداته، ما أفضى لضياع أموال كثير من المصريين وتبديد ممتلكاتهم بعد أن قطِعت لهم الوعود بأرباح تصل حتى 25 % بدلاً من 9 % كما كان معمولاً به في البنوك، كما استفاد نجل الشعراوي أحمد من مكانة والده الدينية، فتقلّد منصب رئيس مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر، رغم كونه لا يحمل شهادة الدكتوراة في العلوم الدينية ولا قدّم مجهوداً بحثياً أو فكرياً، ما اعتبِر مخالفاً لقانون الأزهر نفسه.

لعلّ ما لا يشهد خلافاً حوله هو أنّ الشعراوي كان شخصية شعبوية بامتياز، واستطاع تقريب القرآن الكريم وحكاياته من أذهان العامة، كما استطاع الاقتراب من أوساط بعيدة عن التديّن كما الوسط الفني، ما جعل شائعة زواجه من الفنانة الراحلة شادية تنتشر عقب اعتزالها، بيد أنه لم يتمكّن من التغلّب على عقدة الإسلاميين وانحيازهم الديني الضيق على حساب الوطني والعروبي؛ إذ هو أيضاً من بين من يؤمنون بأنّ الحل للقضية الفلسطينية ديني وليس سياسياً أو عروبياً، وهو ما لا ينفك مشايخ كثر يردّدونه، ولعل المتأمل يتساءل: إن كان تحرير فلسطين مرتبطاً بقيام الساعة، فلماذا النضال من الأساس؟ وأي وطنية هي تلك التي تجعلك تشتم بلادك علانية وتتمنى لو أن آخرين من جنسيات مغايرة يتولّون مقاليد الحُكم فيها؟ وما التبرير الذي يُمكن أن يُساق حول سجدة شكر لله على ضياع شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري، دفعة واحدة، وبكل إرهاصات الأمر من تدمير الطيران المصري وتهجير الآلاف ودخول الإسرائيليين أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين؟

يبدو الشعراوي، الذي لعب الممثل حسن يوسف دوره بمسلسل "إمام الدعاة" في العام 2003، مهتماً بالتفاصيل الدنيوية

يبدو الشعراوي، الذي لعب الممثل حسن يوسف دوره في المسلسل الذي يروي سيرة حياته "إمام الدعاة" في العام 2003، مهتماً بالتفاصيل الدنيوية، بحكم طبيعته الشعبية، وهو ما كان يجاهر به؛ إذ ذكر في أحد حواراته الصحافية أنه كان يجلس في كازينو طلعت حرب مع أصدقاء له، في مرحلة الشباب، فمرّت فتاة بثوبٍ ضيق، فاستهلّ ما يشبه المبارزة الشعرية بينه وبين أصدقائه بقول "فضفضي الثوب"، ليردّ صديق "بل وزيديه طولاً"، فردّ ثالث "وارحمينا"، ومن ثم طلبوا منه أن يكمل، فردّ الشعراوي "لو عرف أبي أني أقول شعراً كهذا وأنا أزهري سيضربني"، فقالوا له "قل ولن يضربك"، فأكمل "واستري الحسن الذي يطلب الحُسن جهاراً".

ما سبق، من شعبوية وحكايات "خفيفة ظل" عن مرحلة الشباب وتبرّع بالأجر التلفزيوني لعمل الخير، لا يشفع لسقطات سياسية ووطنية بهذا الحجم لشخصية دينية معروفة على مستوى العالمين؛ العربي والإسلامي، وإن كانت تلك "الخطايا" الوطنية تهيمن على سلوكيات التيار الديني برمّته تقريباً، ليس مصرياً فحسب؛ بل وعربياً كذلك، وما رَفعُ أعلام الفصائل الدينية عوضاً عن العَلَم الوطني سوى نزر يسير من تلك الدلائل.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الإسلامي الليبرالي محمد توفيق علاوي: هل يستقيم مع داعميه المسلحين؟

2020-02-09

عام 1977؛ تخلّص ابن العائلة الغنية من مخالب السلطات الأمنية والحزبية البعثية، لينفذ بجلده، مضحياً بشهادة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة بغداد، حين تصاعدت حملة اعتقالات طالت إسلاميين شيعة، بعد أن تجرأ عدد منهم على إطلاق تصريحات ضدّ السلطة الحاكمة في مسيرة زيارة أربعين الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، من النجف إلى كربلاء.

كان علاوي في قربه من "الدعوة الإسلامية" وتأثّره بالسيد محمد باقر الصدر غريباً عن نسق سياسي امتازت به عائلته

النصف اللبناني من عائلته، فضلاً عن حالته الموسورة، مكّناه من إكمال دراسته في الجامعة الأمريكية ببيروت، في تخصصه الهندسي، ليبدأ بعد ذلك رحلة في المال والأعمال امتدّت من بغداد إلى لندن، مرورواً بالعاصمة اللبنانية.
كان محمد توفيق علاوي في قربه من "الدعوة الإسلامية" وتأثره بالسيد محمد باقر الصدر (أعدمه صدام حسين في نيسان/ أبريل 1980)، غريباً على نسق سياسي امتازت به عائلته؛ فهي كانت من الجهات العروبية المحسوبة على ليبرالية النظام الملكي، ومن دعائمه قبل 1958، وبعيدة عن التيارات الإسلامية حتى وإن كانت تدين بالولاء للمرجعية الشيعية في النجف. 

إقامته في الغرب (بريطانيا)، وعمله المهني، أسهما في تغليب ليبراليته على انتمائه الإسلامي "الحزبي"، ليتبنّى مفهوم الدولة المدنية في التفريق بين السياسة والدين، فدخل المعترك السياسي ضمن قائمة ابن عمّه، زعيم "الوطنية"، إياد علاوي، منذ عام 2005، لينتخب عضواً لمجلس النواب العراقي، بداية عام 2006، حتى تعيينه وزيراً للاتصالات أواسط العام ذاته حتى نهاية عام 2007، ليعود إلى البرلمان عوضاً عن النائبة الراحلة، السيدة عايدة عسيران (من النصف اللبناني في عائلته)، عام 2008.

اقرأ أيضاً: أي دور للسفير مسجدي في تثبيت أركان الحكم العراقي؟
انتخب عام 2010 نائباً في البرلمان، ثم عُيِّن وزيراً للاتصالات نهاية العام ذاته، ليقدم استقالته أواخر عام 2012 إثر خلاف مع رئيس الوزراء حينذاك، نوري المالكي، الذي سارع إلى توجيه تهم الفساد لـ "الداعية" السابق والليبرالي حينذاك، محمد توفيق علاوي.
مافيات السلاح والفساد العراقية واجهت بقوة مشروعات اتسمت بالجرأة والجدية اقترحها علاوي عام 2007، وهي:
*مشروع أمني متكامل لحماية بغداد والمدن المهمة من التفجيرات الإرهابية والحيلولة دون دخول الإرهابيين من الأراضي السورية إلى العراق، الذين كانوا يتدفقون على بلاده بعلم دمشق وتسهيلاتها.
*تمكين العراق من تحقيق مورد مالي (غير النفط) قد يتجاوز 20 مليار دولار سنوياً، من خلال موقعه الجغرافي عبر مشروع الكابل الضوئي الذي يربط شرق الكرة الأرضية (الصين والهند وأستراليا وكوريا والباكستان وغيرها) بغربها، وبالذات أوروبا وأمريكا.

*مشروع القناة الجافة التي تربط ميناء الفاو من خلال شبكة ثنائية جديدة للسكك الحديدية بشبكة السكك الحديدية التركية، وهذه القناة الجافة تكون موازية لقناة السويس؛ حيث يمكن من خلالها إيصال البضائع التي تفرغ في ميناء الفاو خلال بضعة أيام إلى كافة المدن المهمة في كافة الدول الأوروبية.
*مشروع طريق الحرير؛ عبر خط ثنائي للسكك الحديدية بين العراق وإيران، يرتبط العراق من جهة الشرق بأغلب دول شرق آسيا، من الصين والهند والباكستان وماليزيا وغيرها، فضلاً عن كافة الدول الأوروبية من جهة الغرب.
وحاول الرجل البقاء على جانبه المهني الرافض للحزبي الضيق، وهو ما برز في رسالته 2018 إلى رئيس الوزراء حينذاك، حيدر العبادي، وجاء فيها: "أما إذا بقيت متردداً، وبقيت حاشيتك نفسها، وبقيت أنفاسك الحزبية طاغية على أنفاسك الوطنية، وبقيت رؤوس الفساد طليقة، فسيستمر حينها تدهور البلد، وستستمر معاناة الناس، وسيدمر المجتمع، وأخشى ألّا يذكرك التأريخ بخير".

ساهمت إقامة علاوي في الغرب في تعزيز ليبراليته وتبنيه مفهوم الدولة المدنية

كلّ هذه المحطات بدت وكأنّها تأكيد على مهنية الرجل وليبراليته، وظلّ على صلة بفكرته الإسلامية، حتى وإن لاحقه "الدعاة"، الحاكمون بين 2006-2018، بالاتهامات والأباطيل، وهو ما جعله يقول: "للأسف، لم يستطع أغلب أعضاء الطبقة السياسية تقبّل حقيقة أنّهم مرفوضون من قبل الشعب، وللأسف، لم يفهموا حينما لم يصوّت في الانتخابات الأخيرة (2018) أكثر من 19٪ من المواطنين المؤهلين للتصويت؛ أنّهم لا يمثلون أغلبية الشعب، بل تمادوا في الأمر وقاموا بحملة من التزوير أفقدتهم الكثير من شرعيتهم؛ وأستطيع هنا أن أقول بكل ثقة؛ إنّ هذا البرلمان لا يبلغ تمثيله الحقيقي لـ 15٪ من الشعب العراقي بل أقل من ذلك".
تأييد الاحتجاجات الشعبية

الباحث والأكاديمي الأمريكي إيريك بوردنكيرشر: الحكومة العراقية الحالية أثبتت عدة مرات أنّها ليست شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة

بدا علاوي مؤيداً لحركة الاحتجاجات الشعبية، التي انطلقت في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، معتبراً أنّها "صوت 81٪ من العراقيين الذين لم يصوتوا في الانتخابات الأخيرة؛ لذلك فالمشاركون الحقيقيون في هذه التظاهرات هم بالملايين، حتى إن بقوا في بيوتهم ولم يخرجوا إلى الشارع، إن لم يفهم السياسيون هذه الحقيقة فالمستقبل الذي ينتظر البلد خطير وخطير جداً".
هذا الموقف لعلاوي كرره في كلمته الأولى التي وجهها بعد دقائق من تكليفه، في الأول من شباط (فبراير) الحالي، بتشكيل حكومة جديدة خلفاً لحكومة عبد المهدي، فدعا المتظاهرين إلى مواصلة احتجاجاتهم وأن يراقبوه و"يرفعوا الصوت ضدّه إن أخطأ".

اقرأ أيضاً: من هو شريك سليماني في قتل العراقيين والأمريكيين؟

لكنّ جواب ساحات الاحتجاج جاء بما لا يسرّ علاوي، ولتبدأ الصورة في إظهار تفاصيلها الدقيقة، ومنها كيف تمّ تكليفه برئاسة الحكومة باتفاق أكبر قوتين، وهما "الفتح" بزعامة هادي العامري، و"سائرون" بزعامة مقتدى الصدر، اللتين سبق أن اتفقتا على تسمية رئيس الحكومة المستقيل، عبد المهدي، وليس هذا فحسب؛ بل ثمة من قال إنّه "خيار إيراني"، بدليل عناوين الصحف الإيرانية حول تكليف علاوي.
وفي الأيام التي تلت التكليف؛ بدا واضحاً رفض الشارع العراقي لتصريحات الصدر بأنّ "رئيس الوزراء المكلف جاء متناسباً مع خيارات المتظاهرين"، مشيرين إلى أنّ علاوي هو نتاج اتفاقات سياسية بين قوى مسلحة تابعة لإيران، ملمحين إلى أنّ اجتماعات قم (حيث يقيم الصدر) هي التي أفرزت تلك الشخصية.
وكانت قد وردت أنباء عن اجتماع عقد في إيران، جمع زعيم التيار الصدري (مقتدى) وزعيم تحالف الفتح (العامري)، برعاية النظام الإيراني، خلال الأسابيع الماضية، بحث فيه الطرفان تسمية مرشح لرئاسة الوزراء.

هذه الأنباء حصلت على جانب من المصداقية من حملات قمع شنّها أنصار مقتدى الصدر (المؤيد لمحمد توفيق علاوي) على المتظاهرين الرافضين الترشيح، وبما يؤكد أنّ ظلّ إيران الثقيل في العراق ليس من السهل تجاوزه، وأنّ القرار العراقي لم يعد في بغداد، بل في طهران، حتى إن كرّر المسؤولون العراقيون القول إنّهم على مسافة واحدة من طرفَي الصراع الإيراني- الأمريكي.
ويقول الباحث والأكاديمي الأمريكي، إيريك بوردنكيرشر، وهو زميل بحثي في "مركز تنمية الشرق الأوسط"، التابع لجامعة لوس أنجلوس -كاليفورنيا: "الحكومة الحالية في بغداد أثبتت عدة مرات أنّها ليست شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة، من خلال إهمال واجباتها الأساسية، بما في ذلك عجزها عن حماية الموظفين الأمريكيين في الخارج".

اقرأ أيضاً: ناديا لطفي معشوقة الجماهير ورفيقة الفدائيين المحاصرين في لبنان
ويضيف، في دراسة نشرها "معهد واشنطن" قبل أيام: "عملية التصويت المثيرة للجدل، التي أجراها البرلمان العراقي مؤخراً لإنهاء وجود القوات الأمريكية في العراق، تؤكّد ما تمّ تداوله لأشهر، إن لم يكن لأعوام، من أنّ الحكومة العراقية في بغداد خاضعة لعناصر موالية لإيران، ويثبت هذا التصويت أيضاً قبولاً باستمرار تواجد الميليشيات خارج سيطرة الدولة، على غرار "كتائب حزب الله"، وبالتالي رغبة في تجاهل سيادة القانون".

للمشاركة:

ناديا لطفي معشوقة الجماهير ورفيقة الفدائيين المحاصرين في لبنان

2020-02-05

قليلات ونادرات هن الفنانات العربيات اللواتي تركن أثراً كالذي تركته النجمة نادية لطفي التي غيّبها الموت أمس، بعد أن تدهورت حالتها الصحية، وشهقت أنفاسها الأخيرة في مستشفى المعادي بالقاهرة. وسيشيع جثمانها اليوم الأربعاء، بعد رحلة مع الفن طرزتها بمواقف مشرّفة من القضايا السياسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث يذكرها الفدائيون في لبنان في أيام الحصار الطويلة في بيروت 1982، وهناك التقت الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

يذكر الفدائيون في لبنان ناديا لطفي في أيام الحصار الطويلة في بيروت 1982، وهناك التقت الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات

وقامت نادية لطفي (واسمها الحقيقي بولا محمد لطفي شفيق)، بتسجيل ما حدث من مجازر في لبنان، ونقلته لمحطات تلفزيون عالمية، كما ذكرت صحيفة "الشرق الأوسط" مما دفع العديد من الصحف والقنوات للقول بأنّ "كاميرا نادية لطفي التي رصدت ما قام به السفاح الإسرائيلي في صبرا وشاتيلا، لم تكن كاميرا بل كانت مدفعاً رشاشاً في وجه القوات الإسرائيلية."
وظلت نادية لطفي تطوف لشهور على العديد من عواصم العالم، لتعرض ما قام به أرئيل شارون في ذلك الوقت من أعمال عدائية. كما قررت عام 2003، إعداد كتاب وثائقي يسجل الحروب التي تعرض لها العالم العربي منذ عام 1956 وحتى 2003، خصوصاً أحداث الهجمات الأمريكية والبريطانية على العراق، حيث صرّحت بأنها تعتبر نفسها "شاهد عيان على هذه الأحداث"، مضيفة أنّها لن تكتب الأحداث ولكنها ستتحدث عنها كمواطنة.
اسمها الحقيقي بولا محمد لطفي شفيق

دور الفن في الأحداث السياسية
ولفتت إلى أنّها ستخصص فصلًا من الكتاب للحديث عن دور الفن في الأحداث التي تعرضت لها مصر، وكيف صوّر الفن الحروب التي وقعت على مصر ودور الفنانين في دعم الحالة المعنوية للجنود على جبهة القتال. وفي سياق متصل، قالت إنها تعكف على كتابة قصة حياة الفنانة الراحلة أمينة رزق، منذ مولدها حتى رحيلها، ساردة واقع المجتمع المصري من خلال هذه الفترة.
وكانت لطفي قامت بنقل مقر إقامتها، إلى مستشفى القصر العيني، أثناء حرب السادس من أكتوبر 1973 بين الجرحى من أجل رعايتهم.

اقرأ أيضاً: وفاة الفنانة ماجدة.. ماذا تعرف عنها؟
وتقول عن هذه الفترة، إنها تعتز بها كثيراً، بالإضافة إلى أنها تشعر بالفخر من دورها الكبير في هذه الحرب، التي قررت ألا يكون مقتصراً فقط على الأفلام السينمائية.
وفي غمرة هذا الزخم الكبير عاشت نادية لطفي الملقبة بـ"الصعيدية الأوروبية"، حيث ولدت في حي عابدين في القاهرة عام 1938 لعائلة مؤلفة من أب صعيدي يعمل محاسباً، وأم من محافظة الزقازيق.
درست في المدرسة الألمانية في القاهرة، وكانت هواياتها فنية بامتياز، فكانت ترسم وتكتب روايات قصيرة ولم يخطر على بالها التمثيل بسبب تجربة صغيرة على مسرح المدرسة حيث نسيت الكلام أمام الجمهور. لكنّ الصدفة لعبت دورها وكانت سبباً في دخولها مجال التمثيل. ففي سهرة اجتماعية قابلت المنتج رمسيس نجيب الذي رأى فيها بطلة فيلمه القادم "سلطان" مع "وحش الشاشة" فريد شوقي عام 1958. ولكن بسبب غرابة اسمها على الجمهور قرر تغييره واختار لها اسم "نادية لطفي" بطلة رواية "لا أنام" للكاتب إحسان عبد القدوس والتي أصبحت فيلماً من بطولة فاتن حمامة.
نادية لطفي الحقيقية
نجح فيلم "سلطان" نجاحاً كبيراً معلناً ولادة نجمة جديدة من نجمات الشاشة البيضاء.
وفي يوم العرض الخاص لفيلمها الأول، وجه نجيب دعوة لكل من إحسان عبد القدوس وفاتن حمامة للحضور، وبالفعل حضرا وأعجبا كثيراً بأداء الفنانة الشابة وشجعها عبد القدوس بقوله: "إنتي بالفعل نادية لطفي اللي ألهمتني فكرة القصة"، أما فاتن حمامة فهنأتها على نجاحها وقالت لها ضاحكة: "لا تنسي أنني نادية لطفي الحقيقية".

اقرأ أيضاً: ميرفت أمين: تزوجت 5 مرات وأندم على زواجي من هذا الفنان
تزوجت نادية لطفي 3 مرات، كان أكثرها بؤساً هي الزيجة الأولى؛ فبعد أن تزوجت من الكابتن البحري عادل البشاري وأنجبت منه ابنها الوحيد أحمد، قرر تركها بعد فترة قصيرة وسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا من أجل جني المال، بحسب مجلة "ليالينا".

طافت نادية لطفي على العديد من عواصم العالم، لتعرض ما قام به أرئيل شارون من أعمال عدائية ضد الفلسطينيين

ووافقت مضطرة على سفره وعلى أمل العودة بعد عام أو اثنين، ولكنّ الزوج بقي سنوات كثيرة يراسلها من هناك ويتذرّع لها بأشياء لم يقبلها عقل الفنانة، وأحست بأنّ شيئًا قد اجتذبه هناك وأنه لن يعود، ومن هنا قررت أن تطلب الطلاق، وبعد فترة من الوقت، وافق الزوج، وطلقها عن طريق المراسلة.
تزوجت من المهندس إبراهيم صادق في بداية السبعينيات، ولكنّ زواجها الثاني لم يثمر عن أولاد.
في جميع الأحاديث الصحفية أو التلفزيونية التي قامت بها نادية لطفي، لم يظهر ابنها الوحيد "أحمد" مطلقاً، وكانت تبرر ذلك دائماً بأنه يتعلم بالخارج في أمريكا. وتردد أنها كانت تمانع من ظهور ابنها في الإعلام، بسبب إعطائه بعض الخصوصية، وبخاصة أنها كانت تخاف عليه كثيراً.
وبسبب نشاطاتها السياسية أواخر ستينيات القرن الماضي، غابت نادية لطفي أربع سنوات عن الفن لتعود عام 1986 وتقدم فيلم "منزل العائلة المسمومة" إخراج محمد عبد العزيز.
في عام 1988 قدمت آخر أفلامها وهو فيلم "الأب الشرعي" مع محمود ياسين ومن إخراج ناجي أنجلو. وفي عام 1993 قدمت آخر أعمالها الفنية وهو مسلسل "ناس ولاد ناس" لتتوقف بعده عن التمثيل مكتفية بنشاطها الإنساني.

إنقاص 9 كيلو غرام من أجل "النظارة السوداء"
وتعود لطفي بذاكرتها إلى أزمنة النجومية التي جعلتها "معشوقة الجماهير"، فتذكر في تصريحات صحفية أنها قررت تعيين سكرتير خاص بها، لينظم لها مواعيد عملها ويختار لها الفساتين التي ترتديها، بعد أن طلب منها المخرج حسام الدين مصطفى، أن تُنقص من وزنها حوالي 9 كيلوغرامات، من أجل دورها في فيلم "النظارة السوداء".
وبالفعل، قام السكرتير بتنظيم مواعيد الطعام لها، واختيار الأصناف، بالإضافة إلى طريقة ملابسها، لتحصل في النهاية على الدور.

تزوجت لطفي 3 مرات، أكثرها بؤساً هي الزيجة الأولى من الكابتن البحري عادل البشاري الذي أنجبت منه ابنها أحمد

وكان فيلم "النظارة السوداء" من بطولة أحمد مظهر ونادية لطفي، وظهر الفنان أحمد رمزي كضيف شرف، وهو من إخراج حسام الدين مصطفى، وتم إنتاجه عام 1963.
وفي سياق الذكريات أيضاً، نشرت مجلة "الموعد"، التي كانت تصدر في الستينيات، قصة حول العلاقة القوية التي كانت تربط، نادية لطفي بالسندريلا سعاد حسني، ومدى صداقتهما، إلا أن ثمة شيئاً عكر ذلك فيما بعد، عندما قرر العندليب عبد الحليم حافظ بدء تصوير فيلم "الخطايا"، أحد أهم أفلام السينما المصرية، وكانت الفنانتان متحفزتين للقيام بالدور، وكانت كل واحدة منهما تتمنى الوقوف أمام عبد الحليم، ومن ثم وقع الاختيار على سعاد حسني وليس نادية لطفي، لتبدأ حرب صحفية شرسة على "العندليب والسندريلا"، وتم تداول إشاعات كثيرة حول وجود علاقة بينهما.
وأثارت هذه الإشاعات حفيظة عبد الحليم، ليقرر بعدها مهاتفة جميع رؤساء التحرير من أجل نفي كل هذا، وهو ما أثار استياء السندريلا، التي قررت رد الصاع صاعين للعندليب، والتهرب منه ومن الدور.
بعد فترة قصيرة قرر حافظ أن تكون نادية لطفي هي البطلة أمامه، وعندما عرض عليها العمل، ترددت بسبب علاقتها بسعاد حسني، التي سوف تخسرها إن قامت بالدور، ولكنها ضحت بكل شيء واختارت الوقوف أمام العندليب.

في عام 1959 قدمت فيلم "حب إلى الأبد" مع أحمد رمزي ومن إخراج يوسف شاهين

مسيرة سينمائية حافلة
في عام 1959 قدمت فيلم "حب إلى الأبد" مع أحمد رمزي ومن إخراج يوسف شاهين. وفي فترة الستينيات قدمت عدداً كبيراً من الأعمال وهي:
فيلم "حبي الوحيد"، فيلم "عمالقة البحار"، فيلم "السبع بنات"، فيلم "مع الذكريات"، فيلم "نصف عذراء"، فيلم "لا تطفئ الشمس"، فيلم "عودي يا أمي"، فيلم "من غير ميعاد"، فيلم "أيام بلا حب"، فيلم "الخطايا"، فيلم "مذكرات تلميذة"، فيلم "قاضي الغرام"، فيلم "صراع الجبابرة"، فيلم "حب لا أنساه"، فيلم "جواز في خطر"، فيلم "سنوات الحب"، فيلم "حياة عازب"، فيلم "النظارة السوداء"، فيلم "الناصر صلاح الدين"، فيلم "القاهرة في الليل"، فيلم "دعني والدموع"، فيلم "حب ومرح وشباب"، فيلم "الباحثة عن الحب"، فيلم "ثورة البنات"، فيلم "للرجال فقط"، فيلم "هارب من الحياة"، فيلم "الحياة حلوة"، فيلم "الخائنة"، فيلم "مطلوب أرملة"، فيلم "المستحيل"، فيلم "مدرس خصوصي"، فيلم "عدو المرأة"، فيلم "قصر الشوق"، فيلم "بنت شقية"، فيلم "جريمة في الحي الهادئ"، فيلم "السمان والخريف"، فيلم "الليالي الطويلة"، فيلم "غراميات مجنون"، فيلم "عندما نحب"، فيلم "خمس ساعات"، فيلم "ثلاث قصص"، فيلم "أيام الحب"، فيلم "كيف تسرق مليونير"، فيلم "الحاجز"، فيلم "سكرتير ماما"، فيلم "نشال رغم أنفه"، فيلم "أبي فوق الشجرة"، بالإضافة إلى فيلم "المومياء" من إخراج شادي عبد السلام، الذي يعد أفضل فيلم في تاريخ السينما المصرية والعربية.

اقرأ أيضاً: الموت يغيب الفنان المصري عزت أبوعوف
خلال سنوات السبعينيات قدمت نادية لطفي العديد من الأعمال وهي: فيلم "كانت أيام"، فيلم "الرجل المناسب"، فيلم "اعترافات امرأة"، فيلم "عشاق الحياة"، فيلم "الظريف والشهم والطماع"، فيلم "أضواء المدينة"، فيلم "زهور برية"، فيلم "الزائرة"، فيلم "رجال بلا ملامح"، فيلم "الأخوة الأعداء"، فيلم "قاع المدينة"، فيلم "بديعة مصابني"، فيلم "على ورق سيلوفان"، فيلم "أبداً لن أعود"، فيلم "حبيبة غيري"، فيلم "بيت بلا حنان"، فيلم "وسقطت في بحر العسل"، فيلم "الأقمر"، فيلم "وراء الشمس"، فيلم "رحلة داخل امرأة" والمسلسل الأول الذي شاركت فيه في مسيرتها الفنية "إلا دمعة الحزن".
عام 1980 قدمت فيلمين هما فيلم "سنوات الانتقام" وفيلم "أين تخبئون الشمس".
عام 1982 قدمت فيلماً وحيداً هو فيلم "الأقدار الدامية" من إخراج خيري بشارة.

لا تحب الشهرة!

ورغم أنها ملأت حياة أجيال بالفن والجمال، إلا أنّ نادية لطفي اعترفت في لقاء ببرنامج "لقاء المشاهير"، إنها لم تكن تحب الشهرة، ولكن كان يجذبها فقط حب الجمهور، مشيرة إلى أنّ الشهرة سلبتها الخصوصية في حياتها، بالإضافة إلى أنها تعرضت لإشاعات كثيرة وصفتها بـ"السخيفة"، وكل هذا كان بسبب الشهرة.
احتفلت نادية لطفي في الثالث من الشهر الماضي بعيد ميلادها، قبل أن يداهمها المرض. كما ظهرت قبل أيام من وفاتها في مقطع مصور نعت فيه النجمة الراحلة ماجدة الصباحي. وأعربت نادية لطفي وقتها عن حزنها الشديد، بعد تلقيها خبر وفاة الصباحي، معربة عن صدمتها الكبيرة من الخبر المؤلم. لكنّ الخبر الأكثر إيلاماً أنها لحقت بصديقتها، تاركة لجماهيرها التي عشقتها إرثاً عذباً من الجمال الذي لا يموت.

للمشاركة:

محمود محمد طه.. رؤية حيّة للسودان بعد 35 عاماً

2020-02-02

صادف 18 كانون الثاني (يناير) الماضي ذكرى إعدام المفكر السوداني محمود محمد طه العام 1985؛ إثر محاكمة سياسية كشفت بحيثياتها المتهافتة أي دورٍ تلعبه أيديولوجيا الإسلام السياسي حين تتحالف مع أنظمة القمع، كالحالة التي تحالف فيها حسن الترابي مع نظام الديكتاتور جعفر النميري، ليطلقا ما سُمِّي آنذاك بقوانين الشريعة الإسلامية التي كان محمود محمد طه أول المقاومين لها، وأول ضحاياها، بعد أن أصدر بياناً من صفحة واحدة ضد تلك القوانين بعنوان "هذا أو الطوفان" أبان فيه بوضوح: أنّ تلك القوانين: تهدد الوحدة الوطنية، وستستخدم لإرهاب المعارضين السياسيين، وإهانة الفكر وإذلال الشعب وإضاعة الحقوق وتشويه الإسلام.

اقرأ أيضاً: محمد شحرور لمن لم يقرأه.. ماذا تعرف عن ركائز مشروعه الفكري؟
اليوم وبعد خمسة وثلاثين عاماً من تلك المحاكمة (التي سعى فيها الترابي وتنصّل منها)، وبعد ثلاثين عاماً من حكم الإخوان المسلمين عبر انقلاب البشير في العام 1989، يتبين بوضوح قدرة المفكر على رؤية حقائق الواقع عبر صواب الفكر ودقة التأويل.

طور الراحل أفكاراً روحية أساسية في رؤيته من خلال تأثره العميق بالتصوف
بين مسارين سودانِيَيْن لتأويل الإسلام؛ مسار الإخوان المسلمين بقيادة حسن الترابي، ومسار الإخوان الجمهوريين بقيادة محمود محمد طه، ربما يسمح لنا الزمن بقراءة جديدة لأفكار طه، بعد أن جرّب السودانيون ثلاثين عاماً من الفساد والتسلط جرّاء التجربة المريرة لنظام الإخوان المسلمين.
انتصار خط الترابي (أيّاً كانت أدوات هذا الانتصار) على خط محمود محمد طه في السودان كان بمثابة انتصار خطاب الكراهية على خطاب الفكر، وخطاب التضليل على خطاب التأويل، وخطاب الحرب على خطاب السلم.

اقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد غرّد خارج السرب فأزهرت كلماته ومات غريباً
واليوم، من الأهمية بمكان أن تكون هناك قراءة مستحقة على الفكر السوداني لإعادة فحص الأفكار الكلية لمحمود محمد طه، وطبيعة الخطاب الذي قدم فيه نموذجاً محفزاً لرؤية تستقطب تناقضات المسلم المعاصر مع هوية الحداثة.
بداية، لا بد من القول، إنّ قوة الهوية الإسلامية وتجذّرها في حياة المسلمين، بصورة عامة، لا ينفع معها أي محاولة ميكانيكية للاقتلاع، وفي الوقت ذاته لا تصلح بيئة تخلف المسلمين التي تعبّر بشكل مغلوط عن تلك الهوية اليوم أن تُترك كما هي، ما يعني أنّ هناك مرحلة ضرورية من الإصلاح الديني لا بد من المرور بها في حياة المسلمين المعاصرة.

كشفت محاكمة محمود طه بحيثياتها المتهافتة أي دورٍ تلعبه أيديولوجيا الإسلام السياسي حين تتحالف مع أنظمة القمع

لقد كان الفكر الذي طرحه محمود محمد طه فكراً مختلفاً عن كونه تقليداً للحداثة التي هضم محمود فكرها وخبر تياراته في ذلك الوقت، كما أنّ طه، وإن طرح رؤية إسلامية بنظم إدراك جديدة ووعي جديد، إلا أنّها لم تكن لها أي علاقة بالبنى الأيدولوجية التي قام عليها الإسلام السياسي كما طرحته جماعة الإخوان المسلمون وفق أفكار حسن البنا وسيد قطب.
يمكن القول، إذاً، إنّ طه طرح فكراً بشّر برؤية جديدة لمشكلات البشرية المعاصرة؛ حين جعل من رؤيته الإسلامية صنواً للرؤية الانسانية ذاتها، عبر فهم مختلف لمعنى عالمية الإسلام وكونيّته. بمعنى آخر، إنّ المقتضيات المنهجية التي أسّس بها محمود محمد طه الفكرة الجمهورية من حيث اشتغالها على التبشير بروحانية جديدة ومدنية جديدة، يمكن القول إنّها كانت تختبر مفاهيم كان لا بد من الخوض فيها لتركيب جدل متصالح مع الذات والعالم في رؤية المسلمين لأنفسهم.
وكان في بنية هذا الفكر الجمهوري الجديد؛ قدرة على التجاوز المعرفي لتناقضات أيديولوجيا الإسلام السياسي للإخوان المسلمين.

اقرأ أيضاً: نصر أبو زيد مشتبكاً مع ابن عربي: تصالح العقل والتصوف
هكذا، بينما كان مفهوم "التكفير" سلاحاً سياسوياً بيد الإخوان وحكماً أيديولوجياً عبَّرَ عن علاقة مأزومة تجاوزت الانقسام السياسي إلى الانقسام المجتمعي داخل الجماعة الوطنية (كتفكير الشيوعيين السودانيين مثلاً)، كانت أفكار محمود محمد طه تختبر وعياً نقدياً حديثاً للفكرة الشيوعية باعتبارها فكرة إنسانية واجتهاداً بشرياً، لكنها تقصر عن أفق الإسلام في تدبيره النظري لعلاقة متناغمة بين الفرد والمجتمع.
ففي الفكرة الماركسية التي تقول "التاريخ ما هو إلا سجل لحرب الطبقات" يعلق محمود طه قائلاً: "إنّ هذه الصورة التي رسمها كارل ماركس على بشاعتها فيها كثير من الحق، ولكن إنما هي مرحلية، تذهب البشرية بها إلى الخير المطلق وإلى المحبة الشاملة والسلام التام، فهي ليست كما ظنّها ماركس صورة ملازمة للإنسان وللمجتمع الإنساني لا تتطور إلا في داخلها وبوسائلها المتكررة وباختلاف يسير لا يخرجها من القيد إلى الإطلاق".

انتصار خط الترابي على خط طه في السودان كان بمثابة انتصار لخطاب الكراهية على خطاب الفكر
ووفق هذه الرؤية الإنسانية للإسلام، لا تتأسس الفكرة الجمهورية على الصراع، لا مع الذات ولا مع العالم الحديث، ولا داخل المجتمع. ذلك أنّ المبدأ التفسيري لرؤية الأستاذ حول مسار التاريخ البشري تقوم على أنّ فكرة التقدم، الذي سارت عليه المجتمعات الإنسانية منذ فجر البشرية الأولى، هو تقدم باتجاه الإسلام، وهذا هو الذي جعله، منذ الخمسينيات، يتصور مفهوم الديمقراطية بأنّه المفهوم الذي يتجه إليه العالم. لهذا يقول طه عن الديمقراطية: "الديمقراطية ليست أسلوب حكم فحسب، وإنّما هي منهاج حياة؛ الفرد البشري فيه غاية، وكل ما عداه وسيلة إليه، ولا يجد أسلوب الحكم الديمقراطي الكرامة التي يجدها عند الناس إلا من كونه أمثل أسلوب لتحقيق كرامة الانسان. وفي النهج الديمقراطي الحاضر خطأ هو أقل من الخطأ الذي تورطت فيه الماركسية بكثير".

من أهم المبادئ التفسيرية الأساسية لمحمود طه في رؤيته للإسلام فكرتا الكرامة والحرية

كما نجد أنّ من أهم المبادئ التفسيرية الأساسية لمحمود طه في رؤيته للإسلام؛ فكرتا الكرامة والحرية وهما فكرتان ترتبطان ارتباطاً جدلياً.
يقول المفكر السوداني: "ومن كرامة الإنسان عند الله أنّ الحرية الفردية لم يجعل عليها وصياً حتى ولو كان هذا الوصي هو النبي، على رفعة خلقه وكمال سجاياه. فقد قال تعالى في ذلك (فذكّر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)، ومن هذا نأخذ أنّه ليس هناك رجل هو من الكمال بحيث يؤتمن على حريات الآخرين. وإنّ ثمن الحرية الفردية هو دوام السهر الفردي عليها. وفي الحق أن ممارسة الحرية الفردية حق أساسي يقابله واجب هو حسن التصرف في ممارستها" (كتاب الرسالة الثانية). ولطالما كان شعار الحزب الجمهوري الذي أسسه محمود محمد طه في أربعينيات القرن الماضي هو: "الحرية لنا ولسوانا".

اقرأ أيضاً: سدنة الهيكل يغمدون سيفاً آخر في قلب فرج فودة
إنّ القدرة الفكرية التأويلية لمحمود طه على رؤيته للإسلام كانت باستمرار تنفي أوهام التناقضات التي وقعت فيها أيديولوجيا الإسلام السياسي، فقد كان يؤمن إيماناً حقيقياً بفكرة الدولة والمواطنة في صلب الخطاب التأويلي لأفكاره، ولهذا كان لافتاً تنبه طه إلى خطورة أفكار حسن الترابي منذ ستينيات القرن العشرين، حين ألقى محاضرة بعنوان "الدستور الإسلامي المزيف" (موجودة في اليوتيوب)، ردّ فيها على مقال طويل للدكتور الترابي بعنوان: (أضواء على المشكلة الدستورية) حول الدستور الإسلامي؛ مفنّداً خطورة أفكار الترابي منذ ذلك الوقت المبكر (العام 1969)، داعياً إلى فكرة الدستور الدائم الذي يقوم على مبدأ المواطنة. لأنّه كان يدرك أنّ الاجتماع السياسي للسودانيين سيتفكك نتيجة لضمور فكرة الوطن والمواطنة لدى الإسلاميين حال تطبيق ما كانوا يدعونه بقوانين الشريعة، وهو بالفعل ما أدّى بعد ذلك بأعوام إلى تقسيم السودان إلى شمالي وجنوبي.

ضرب طه مثالاً نادراً للمفكر الشجاع وسجّل موقفاً متسقاً جعله ضميراً وطنياً وأخلاقياً لحرية الفكر
يمكن القول، إنّ إعطاء الأولوية لفكرة الفردية عند محمود محمد طه باعتبارها حجر الزاوية في فلسفته، نابعة من استقراء تصوره للإسلام، وفي الوقت ذاته من مسار التأمل في تاريخ الأفكار التي أنتجت مساراً متقدماً للإبداع في سياق الحداثة؛ فالفردية هي هوية العالم الحديث، وهي الفكرة التي تحرر الإنسان وتعكس كرامته واستقلاله وفرادته. ولهذا هناك مزيج بين فكرة الفردية وبين اعتبارها فكرة مركزية في التدين عند طه؛ إذ يقول: "شريعة العبادات كلها شريعة فردية لأنّ مدارها الضمير المغيب، ولا يطعن في هذا التقرير أن بعض العبادات تؤدى جماعياً".

إعادة الاعتبار لفكر محمود محمد طه من أهم الأسئلة التي تطرح نفسها على الفكر السوداني اليوم

وفي تقديرنا أنّ ذلك الفهم لفكرة الفردية بصورة عامة، ووضعها ضمن سياق فهم إسلامي معاصر، هو الذي يستقطب التناقض الظاهر للبعض بين الهوية السياسية للحزب الجمهوري، وبين المرجعية الإسلامية الحضارية لأفكاره. 
كمفكر كبير، كان طه مدركاً للتناقض الأصلي في نظام الحداثة السياسية للعالم المعاصر، الذي انفصلت فيه القوة عن الحق والعدل بفعل الأصول المادية لذلك النظام، لكن، فيما يتوقف بعض المفكرين عند حدود التفسير الذي يفكك طبيعة ذلك القصور دون أن يكشف عن السبب وراء ذلك التناقض؛ يطرح طه ما أسماه بالروحانية الجديدة، وهي فكرة تقوم على أنّ الاسلام يوفر للبشر جميعاً إمكانية التحرر من الخوف من الموت بوصفه امتداداً لخط الحياة، فحين يتحرر الإنسان من الخوف من الموت، يصبح العالم أكثر إنسانيةً.
ذلك أنّ الطبيعة الميتافزيقية لمبدأ الروحانية الجديدة لا تنعكس جدواها فقط كخلاص فردي للإنسان، بل تقترح الروحانية الجديدة بالأساس جدواها كخلاص للعالم من فكرة الأنانية المادية وإكراهاتها الخطيرة في نمط الاستهلاك المدمر، ذلك الذي وصفه هيربرت ماركوزة في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد" وهو أمر لا يمكن أن يحدث أبداً إلا بالتفكير في مبدأ عقلاني لمفهوم اليوم الآخر.
محمود طه والتصوف
محمود طه أحد كبار المفكرين الذي اشتغلوا على تأويل الفكر الصوفي في مختبر معاصر للعلاقة مع الواقع، فهو الذي تمثل في رؤيته هوية التصوف عبر معرفة عميقة ووراثة روحية لكبار المتصوفة من أمثال ابن عربي، تميز بالقدرة على تحرير التصوف بطريقين؛ الأول إدماج الرؤية الصوفية في حياة معاصرة وفك عزلة التصوف بتسييل أفكاره في مفهوم الروحانية الجديدة عبر انتظام مدني حديث، والثاني؛ التحقق بقيم التصوف في سلوك شخصي كان مضرباً للمثل السائر والقدوة المؤثرة في الاتساق بين القول والفعل، ونموذجاً للتصالح مع الذات عبر سيرة شهد له بها الجميع وطغى تأثيرها البارز في من حوله من كافة الناس.

 

وفي تقديرنا، أنّ تلك الطريقة في تأطير التصوف وتمثُّله عبر الفكر الجمهوري عكست وعياً عميقاً لرؤية طه؛ ودلّت على فهم دقيق لتاريخ السودانيين وإدراك للعلاقة العضوية بين الحرية والتدين الصوفي في ذلك التاريخ منذ أن توقف العرب عند فتح السودان في عهد عمرو بن العاص.
ولقد طور محمود محمد طه أفكاراً روحية أساسية في رؤيته من خلال تأثره العميق بالتصوف، ويبدو ذلك أحياناً في تفسيره لبعض آيات القرآن الكريم على الطريقة الرمزية للتصوف.
ضريبة الفكر وشجاعة المواجهة
ضرب طه مثالاً نادراً للمفكر الشجاع وسجل موقفاً متسقاً جعله ضميراً وطنياً وأخلاقياً لحرية الفكر في مواجهة محاكمة سياسية انتهت بإعدامه، وكان موقفه المبدئي المتصل بالدفاع عن حرية الفكر والضمير ووحدة الوطن وحماية المواطنين من القمع، واضحاً في صلب مرافعته التي دافع بها عن نفسه (يوجد فيديو على يوتيوب يوثقها) من أبرز المواقف التي سجلها له التاريخ في تلك المحاكمة.
واليوم، بعد انتصار الإسلام السياسي عبر انقلاب العام 1989 بتدبير من الترابي والبشير، وإسقاط نظامه بثورة شعبية في نيسان (أبريل) من العام الماضي، وفي ضوء فداحة الثمن الذي دفعه السودانيون جراء نظام الإسلام السياسي، سيظل استحقاق إعادة الاعتبار لفكر محمود محمد طه من أهم الأسئلة التي تطرح نفسها على الفكر السوداني، لاسيما في واقع جديد يتيح حرية قراءة الأفكار ونقدها بعيداً عن إكراهات السلطة السياسية.
كما أنّه من الأهمية بمكان أن يشتغل الجمهوريون على تطوير فكر نقدي في ظل تلك الحريات، واختبار إضافات جديدة على أطروحات طه دون الوقوف على تخومها واجترار أفكارها، بعد أن جرت مياه كثيرة تحت الجسر!

 

للمشاركة:



تحذيرات دولية من استمرار انتهاكات أردوغان لحظر الأسلحة على ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-16

حذّرت نائبة المبعوث الأممي إلى ليبيا، ستيفاني وليامز، من خطر انتهاك القرار الأممي بفرض حظر للأسلحة على ليبيا، مؤكدة أنّ لديها الآن أسلحة متطورة جداً، وأنّ هذا الأمر يهدّد الأمن المحلي والدولي.

وقال وليامز، في مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس: "هناك انتهاكات خطيرة جداً تحدث، في البرّ والبحر والجو، ولا بدّ من مراقبتها ومحاسبة المسؤولية عنها"، مضيفة أنّ "ليبيا لديها أسلحة متطورة جداً، وهذا يهدّد الأمن المحلي والدولي"، وفق ما أوردت "سبوتنيك".

وأكدت نائبة المبعوث الأممي إلى ليبيا؛ أنّ "الوضع الميداني في ليبيا هشّ ومقلق"، مشيرة إلى أنّ لجنة متابعة مؤتمر برلين ستتمع مجدداً، في 26 من الشهر الجاري.

ستيفاني وليامز: ليبيا لديها الآن أسلحة متطورة جداً وهذا الأمر يهدّد الأمن المحلي والدولي

وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت، في وقت سابق اليوم، خطة الاستجابة الإنسانية 2020 في مدن طرابلس وبنغازي وسبها الليبية، في مسعى لجمع ما يقرب من 115 مليون دولاراً أمريكياً، لتوفير الدعم لمن هم في حاجة إليه.

هذا وقد أكّد المشاركون في مؤتمر ميونخ حول ليبيا، الأحد، على ضرورة الالتزام بمخرجات مؤتمر برلين، الذي عقد في 19 كانون الثاني (يناير) الماضي.

وشدّد المجتمعون على ضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار في البلاد التي مزقتها الحرب منذ أعوام، وحظر الأسلحة، وناقشوا الخروقات الأخيرة لوقف النار وحظر السلاح، لا سيما في العاصمة طرابلس، التي شهدت خلال الأيام الماضية، تجدداً للاشتباكات، بمشاركة المرتزقة السوريين.

وفي سياق متصل؛ كشفت إذاعة "يورب1" الفرنسية، في تقرير لها، اليوم، وقائع تؤكد انتهاك تركيا لقرار حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا.

مؤتمر ميونيخ يناقش الخروقات الأخيرة لوقف النار وحظر السلاح في ليبيا ومشاركة المرتزقة السوريين

وقالت الإذاعة؛ إنّها حصلت على معلومات وأدلة تؤكد انتهاك تركيا قرار حظر الأسلحة، أبرزها رصد سفينة تحمل اسم "ميدكون سينوب" وصلت إلى المياه الإقليمية الليبية.

وأشارت إلى أنّ السفينة وصلت برفقة فرقاطتين تابعتين للبحرية التركية، "جوكسو" مسجلة برقم F497 والفرقاطة الثانية "جوكوفا" مسجلة برقم F496  ، وكان دورهما هو حظر كلّ  مراقبة ومصادرة الشحنة.

وتحت عنوان "أدلة اختراق تركيا لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا"، لفتت الإذاعة الفرنسية إلى أنّ تركيا تتجاهل تنديد الأمم المتحدة، مراراً وتكراراً، بانتهاك حظر الأسلحة المفروض على ليبيا.

وأضافت أنّ القوات البحرية الفرنسية رصدت هذه التحركات التركية في البحر المتوسط منذ بداية العام الجاري.

وأشارت الإذاعة الفرنسية إلى أنّه "حتى وقت قريب، استمرت انتهاكات حظر الأسلحة التركية"، وتابعت: "الأربعاء الماضي، بينما اعتمد مجلس الأمن الدولي قراراً يدعو إلى وقف دائم لإطلاق النار في ليبيا، كانت سفينة تركية تحمل شحنة أسلحة متجهة إلى المليشيات الليبية في ميناء مصراتة".

وصل 4700 مرتزق سوري إلى ليبيا وهناك 1500 آخرون بقوائم الانتظار لنقلهم من شمال سوريا

وأكدت الإذاعة الفرنسية؛ أنّ الأسلحة التركية تمّ تسليمها للميليشيات الليبية، والمرتزقة السوريين، مشيرة إلى أنّه "وصل بالفعل 4700 مرتزق سوري، وهناك 1500 آخرون على قوائم الانتظار، لنقلهم من شمال سوريا، حيث يشاركون في الهجوم التركي ضدّ الأكراد تحت راية الجماعة الإرهابية".

وأضافت: "على الجبهة الليبية، يتحرك المرتزقة الأتراك ضدّ قوات الجيش الوطني، تحت إشراف وتدريب القوات الخاصة التركية".

للمشاركة:

حركة النهضة الإسلامية تعرقل تشكيل الحكومة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-16

تحاول حركة النهضة الإسلامية مرة أخرى عرقلة تشكيل الحكومة التونسية، برئاسة إلياس الفخفاخ، بحثاً عن مكتسبات حزبية ضيقة.

وأعلن رئيس الحكومة التونسي المكلف، أمس، تشكيلة حكومته التي سرعان ما اصطدمت بعقبة إعلان حركة النهضة الإسلامية انسحابها منها، وفق "فرانس برس".

وضمّت تشكيلة الفخفاخ العديد من الوزراء الذين ينتمون إلى حركة النهضة التي آثرت إعلان انسحابها حتى قبل الكشف عن أسماء الوزراء رسمياً.

رئيس الوزراء التونسي يقدّم تشكيلته الحكومية ويعلن أنّ حركة النهضة أعلنت انسحابها من التشكيلة

وقال الفخفاخ، خلال تقديم حكومته من قصر قرطاج، في كلمة نقلها التلفزيون التونسي: إنّ "شريكاً أساسياً، وأعني حركة النهضة، التي اختارت الانسحاب، عشية اليوم، وقبل ساعة من الإعلان عن هذه التركيبة".

وأضاف: "النهضة قررت أيضاً عدم منح حكومتنا الثقة"، وذلك بسبب "عدم إشراك حزب قلب تونس في الائتلاف الحكومي".

ولفت إلى أنّ؛ هذا القرار "يضع البلاد أمام وضعية صعبة".

وتزعم الحركة أنّها تريد حكومة وحدة وطنية تشمل حزب "قلب تونس"، الذي يعدّ ثاني أكبر الأحزاب في البرلمان بـ 38 مقعداً، ويتزعمه رجل الإعلام والمرشح الرئاسي الخاسر نبيل القروي.

لكن الفخفاخ قال إنّه اتفق مع الرئيس للبحث عن حلول من خلال الخيارات الدستورية والقانونية والسياسية المتاحة، في إشارة إلى أنّ حكومته يمكن أن تخضع للتعديل.

وتصدّرت حركة النهضة انتخابات تشرين الأول (أكتوبر)، إلا أنّها لم تتمكن من إحراز الغالبية.

وقال رئيس مجلس الشورى في النهضة، عبد الكريم الهاروني، في تصريح صحفي: "قررت حركة النهضة عدم المشاركة في الحكومة أو في التصويت على الثقة".

ولنيل الحكومة ثقة البرلمان عليها أن تحوز على أصوات 109 نواب من أصل 217 يتشكّل منهم مجلس نواب الشعب.

وانخرط الفخفاخ في السياسة، بعد ثورة عام 2011، في صفوف حزب التكتّل الاجتماعي الديمقراطي الذي تحالف مع النهضة في حكومة "الترويكا".

وفي أواخر 2011؛ عيّن الفخفاخ وزيراً للسياحة، قبل أن يتولى وزارة المالية، في كانون الأول (ديسمبر) 2012، وهو منصب استمرّ فيه لغاية كانون الثاني (يناير) 2014.

في حال عدم تشكيل حكومة بحلول 15 آذار (مارس) بإمكان الرئيس حلّ البرلمان والدعوة الى انتخابات جديدة

وفي 2019؛ خاض الفخفاخ الانتخابات الرئاسية مرشّحاً عن "التكتّل" لكنّه لم يحز سوى على 0,34% من الأصوات.

وكان الرئيس التونسي، قيس سعيّد، قد كلّف الفخفاخ وزير المالية السابق تشكيل حكومة جديدة، وذلك بعد فشل حكومة سلفه حبيب الجملي، مرشّح النهضة، في نيل ثقة البرلمان.

وإضافة إلى الأزمة السياسية الراهنة، تكافح تونس لتلبية متطلبات شعبها؛ حيث يتوقع أن تنتهي، في نيسان (أبريل)، حزمة مساعدات اقتصادية من صندوق النقد الدولي بدأت عام 2016.

وفي حال عدم القدرة على تشكيل حكومة، بحلول 15 آذار (مارس)، بإمكان الرئيس قيس سعيّد، حلّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة.

 

للمشاركة:

ماذا فعلت القوات المسلحة الإماراتية في اليمن؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-16

لم يقتصر دور القوات المسلحة الإماراتية على مشاركتها العسكرية الفعّالة في تحرير المحافظات اليمنية، وتأمينها ومحاربة الإرهاب فيها؛ بل كان لهذه القوات دور إنساني كبير منذ اللحظات الأولى لانطلاق عاصفة الحزم، وهو ما ساهم في تخفيف معاناة أبناء اليمن.

دور الإمارات، منذ آذار (مارس) 2015، اتخذ 3 مسارات بشكل متزامن: الأول مسار عسكري، والثاني تطبيع الحياة وإغاثة أبناء المحافظات المحررة، والمسار الثالث تأمين المحافظات المحررة ومحاربة الإرهاب، وفق ما أوردت صحيفة "البيان" الإماراتية.

الإمارات اتّخذت 3 مسارات في اليمن: الأول عسكري، والثاني إغاثي، والثالث تأمين المحافظات ومحاربة الإرهاب

كما لعبت القوات المسلحة دوراً مهماً وبارزاً في عملية تأمين وصول المساعدات الإنسانية وإيصالها إلى مناطق الصراع، وكذلك إجلاء الآلاف من جرحى الحرب من مختلف المحافظات اليمنية والذين تكفلت الإمارات بنفقة علاجهم في الخارج.

وقدّمت الإمارات مساعدات إغاثية وداعمة الاستقرار تقدر بقرابة ستة مليارات دولار من خلال المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إضافة إلى إعادة بناء المستشفيات والمدارس، والبنية التحتية، مثل أنظمة الماء والكهرباء، كما تمّ توزيع عشرات الآلاف من الأطنان كتموين ومواد غذائية.

وساهمت القوات المسلحة الإماراتية في مساعدة عدن عقب تحريرها؛ حيث تدفقت سفن وطائرات الإغاثة، وتمّ توزيعها على مختلف المحافظات المحرّرة، ليسهم ذلك في تطبيع الحياة والتخفيف من معاناة اليمنيين. وساهمت القوات المسلحة أيضاً في إعادة تأهيل وصيانة مطار عدن الدولي، بهدف استقبال النازحين الذين غادروا عدن بسبب الحرب، واستقبال طائرات الإغاثة التي جاءت من مختلف دول التحالف العربي.

القوات المسلحة لعبت دوراً مهماً في تأمين وصول المساعدات الإنسانية وإجلاء آلاف الجرحى لعلاجهم في الخارج

ونظمت القوات المسلحة، عقب الحرب، عملية إجلاء الجرحى عبر مطار عدن الدولي، ورغم صعوبة الأوضاع الأمنية في عدن بعد تحريرها، إلا أنّ القوات الإماراتية بذلت جهوداً كبيرة للتخفيف من معاناة الجرحى، من خلال تسهيل إجراءات سفرهم.

أما في منطقة الساحل الغربي؛ فقد لعبت القوات المسلحة دوراً إنسانياً مهماً وبارزاً في مساعدة أبناء مناطق الساحل الغربي، منذ بدء عمليات تحرير منطقة باب المندب، نهاية عام 2015، وكان هناك عمل إنساني كبير متعدّد الأوجه لهذه القوات، التي وضعت نصب أعينها مساعدة أبناء هذه المناطق في مواجهة الظروف الصعبة.

كما أشرفت القوات المسلحة على تأمين وصول فرق الهلال الأحمر الإماراتي والمنظمات الأجنبية العاملة في اليمن، بهدف تلمّس احتياجات سكان تلك المناطق، والمساهمة في إعادة تأهيل القطاعات الخدمية.

ولمس اليمنيون في شتى المحافظات أنّ القوات المسلحة الإماراتية لعبت دوراً ليس فقط بدعم تحريرها، ولكن من خلال تأمين وصول المساعدات إلى مختلف مديريات المحافظة التي ظلت لأعوام تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، وهذا الدعم ما يزال متواصلاً.

القوات الإماراتية أشرفت على تأمين وصول مساعدات الهلال الأحمر والمنظمات الأجنبية العاملة في اليمن إلى المنكوبين

وساهمت القوات المسلّحة، إلى جانب الفرق العسكرية المتخصصة بنزع الألغام وفتح الطرقات والممرات الرئيسة، وفي توعية اليمنيين، خاصة الأطفال، بمخاطر الألغام.

نتج عن تلك الجهود تشكيل فرق توعية مجتمعية وصلت إلى مئات اليمنيين في المناطق المحررة في الساحل الغربي من المخا تعز إلى الخوخة وحيس والدريهمي والتحيتا في الحديدة.

وقامت القوات المسلحة الإماراتية بدور الإسعافات الأولية، حين هرعت لإنقاذ وإسعاف الأطفال ضحايا الحرب، كما أسهمت في مساعدة ضحايا الألغام، ونقلهم إلى مستشفيات الداخل والخارج للعلاج.

هذا وقد بلغ إجمالي المساعدات التي قدمتها دولة الإمارات للشعب اليمني، منذ نيسان (أبريل) 2015 حتى حزيران (يونيو) 2019، نحو 20. 5.59 مليارات دولار؛ ثلثي المساعدات خُصّصت للمشاريع التنموية، واستفاد منها ملايين اليمنيين في ٢٢ محافظة.

 

 

للمشاركة:



هل يمكن لبوتين أن يُضحي بأردوغان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-16

بُراق تويغان

العلاقات التركية الروسية تشهد أكثر أيامها توترًا بعد وقوع حادثة إسقاط الطائرة الروسية في 2015. وإن إرسال آلاف الجنود ومئات العربات المدرعة إلى المنطقة من أجل إيقاف التقدم السريع لقوات النظام السورية المدعومة من روسيا في إدلب، والتحرّك السريع للقوات المسلحة التركية الذي تمّ في أعقاب ذلك بتعليمات من الرئيس رجب طيب أردوغان جعل كلًّا من أنقرة وموسكو في مواجهة مباشرة.
وفي هذه المرحلة يبقى أمام موسكو خياران: إما أن تتخذ موقفًا إلى جانب الزعيم السوري بشار الأسد فتُصدر إنذارًا لأنقرة كي تسحب جنودها، وإما أن تتغاضى عن تقدم القوات المسلحة التركية. وهناك خيار ثالث أيضًا يتمثل في تجميد الاشتباكات في الوقت الراهن، على غرار قرارات وقف إطلاق النار السابقة. إلا أنه لا يبدو ممكنًا في الوقت الراهن أن يتراجع أردوغان خطوة إلى الوراء، لا سيما في ظل وجود الدعم الجديد الذي تلقاه من الولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو.
وقد أرسلت موسكو وفدًا إلى أنقرة مرتين لوقف أردوغان، ويوم الثلاثاء أيضًا أعلن وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو أن أردوغان أجرى مكالمة هاتفية مع بوتين. لكن الكرملين أعلن أنه ليس هناك قرار حول لقاء الرئيسين في هذا الاتجاه. ولا يُعرف ماذا يعني عدم لقاء بوتين مع أردوغان: هل هو احتجاج مثل ما فعلته تركيا عبر امتناعها عن الخروج في دورية مشتركة مع روسيا في شمال سورية، أم أنّه حادثة إساءة فهم كثيرًا ما تحدث في الدبلوماسية التركية.
ولأسباب ظاهرة مثل محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو، وتصرف الدول الغربية بحذر إزاء خطاب أردوغان عن الانقلاب في أعقاب تلك الحادثة، والخلاف القائم مع الولايات المتحدة الأميركية حول صواريخ باتريوت، فقد تطورت العلاقات بين تركيا وروسيا من الوقوف على حافة أزمة إلى تعاون وثيق، بل وحتى إلى زواج استراتيجي يتم تفسيره على أنه تحول محوري. فبموافقة البلدين بدأت قوات النظام السوري في استعادة الأراضي التي كانت خسرتها أمام جماعات المعارضة في وقت قصير منذ عام 2012. وفي المقابل نفذت تركيا أيضا عمليات "غصن الزيتون" و"درع الفرات" العسكرية، وسيطرت على عفرين مع خط جرابلس-الباب.
ولكن بالرغم من اللقاءات المتكررة ومشاهد الحفاوة الروسية مثل الإكرام بالمثلجات والتي عُرضت أمام الكاميرات، فقد ذُكر مرارًا وتكرارًا في الكواليس الدبلوماسية أن الزعيمين لا يثق أحدهما بالآخر أبدًا.
والواقع أنه بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية، كانت عبارات بوتين بصفة خاصة والموجهة لأردوغان مثل"لقد طُعنوا في الظهر من قبل المتعاونين مع الإرهابيين" و"أم أنكم وضعتم الناتو في خدمة داعش الميليشيا الإرهابية" في إشارة إلى أن عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي لا تزال تحتفظ بنضارتها وبحضورها في الأذهان. ولم يقف بوتين عند هذا، بل لم يرد على اتصالات أردوغان، ورفض أيضًا طلبه الاجتماع في قمة المناخ التي انعقدت في باريس.
إن إقامة الزعيمين جسور الصداقة فيما بينهما، بينما يشنّان في الوقت نفسه حربًا بالوكالة ضد بعضهما البعض في سورية التي تُعدّ واحدة من أكثر ساحات الحروب دموية في القرن العشرين، تشكل واحدًا من الأمثلة النادرة في التاريخ حول السياسات الدولية المُتناقضة.
وليس في سوريا وفي ليبيا وفي مناقشات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط فحسب، بل في كل مجال تقريبًا، ولا سيما في مشاكل بحر إيجة وقبرص، والقوقاز، والبلقان وآسيا الوسطى، يوجد لدى روسيا سياسة واضحة ضدّ تركيا تمامًا.
إلا أن أردوغان مضطر لإقامة صداقة مع بوتين. فعلى حين أن علاقاته مع الغرب صارت في الحضيض باتت روسيا تمثل المخرج الوحيد بالنسبة له. إلا انه تبيَّن من خلال التطورات الجارية في إدلب أنّ شهر العسل هذا لن يستمر طويلًا جدًا.
هناك تحليلات تُنشر مرارًا وتكرارًا تدور حول أن أردوغان لن يواجه أزمة مع روسيا وهو في خضم أزمة اقتصادية، وتراجع شعبيته بسرعة، وعدم قدرته على الكشف عن قصة أو بطولة جديدة، والزعم بأنه سيقع مرة أخرى في مواجهة مع أرغنكون. ومع ذلك، هناك شبكة علاقات تمثل أحد الأمور التي لن تستطيع روسيا وبوتين أيضًا أن تتجاهل فيها أردوغان وتركيا بسهولة.
ومما لا شك فيه فإنه يأتي على رأس شبكة العلاقات هذه فائض التجارة الخارجية الكبيرة الذي تحقق لصالح تركيا. فوفقًا لأرقام 2018 فإنّ التجارة بين البلدين بلغت نحو خمسة وعشرين مليار و500 مليون دولار، حوالي أربع مليارات دولار منها تمثل صادرات تركيا إلى روسيا. ففي صفقة واحدة باعت روسيا أنظمة الدفاع الصاروخية إس-400 بقيمة مليارين و500 مليون دولار. وقد صرح أردوغان وبوتين أنهما يريدان زيادة حجم التجارة الثنائية إلى مائة مليار دولار في المستقبل القريب.
وعلى سبيل المثال، تبلغ تجارة روسيا الخارجية مع إيران حليفتها في سوريا، حوالي ملياري دولار فقط.
ومن التطورات الجديدة التي عززت يد أردوغان ضد بوتين إطلاق خط أنابيب الغاز الطبيعي "تورك ستريم" في يناير الماضي. وعلى الرغم من أن قدرة نقله للغاز ليست عالية جدا إلا أن القدرة على مواصلة فعاليات هذا المشروع الذي يكلف مليارات الدولارات تخضع لسيطرة تركيا.
أولا: على الرغم من أن البلدين لم يتواجها بشكل جاد في سوريا حتى الآن، فإن علاقات تركيا الوثيقة مع الجماعات الموجودة في سوريا تشكل رادعًا رئيسيًا. ولا يمكن لنظام الأسد أن يحمي أرضه ضد المنشقين وجماعات القاعدة بدون روسيا وإيران. وبالتالي فإن أي توتر قد ينشأ مع تركيا ربما يهز عرش روسيا في سوريا.

ثانيا: بدء تركيا في تحسين علاقاتها مع الغرب من جديد ربما يقوض أحلام روسيا في أن تُصبح قوة عظمى مرة أخرى في الشرق الأوسط. وبسياسة مشابهة لاستراتيجية تركيا في أن تصبح صاحبة القوة في الشرق الأوسط عبر الإخوان المسلمين تقترب روسيا من تركيا. وبعد سورية بدأت موسكو تتبع مسارًا مماثلًا في ليبيا.

ثالثا: قد لا يكون من الممكن لشخص يأتي بدلًا عن أردوغان حال ضعفه كرئيس، أن يُكوِّن علاقات مع روسيا بنفس المستوى. وبالتالي فإن بقاء أردوغان في مقعد السلطة بشكل قوي أمر ضروري بالنسبة لمصالح روسيا في الوقت الراهن.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

مقتدى الصدر والمرأة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-16

حازم صاغية

حين بدأت تتشكّل الأحزاب الحديثة في العالم العربيّ، استلّ التقليديّون في وجهها سيف الأخلاق. فالحزبيّون بلا أخلاق، والدليل اختلاط الرجال بالنساء فيها.
تتمّة الشتيمة كانت متوقّعة: في تلك الأحزاب المختلطة، تحدث أمور شائنة، بما فيها سفاح القربى.
السيّد مقتدى الصدر يعيد إلى الصدارة، بعد قرابة ثلثي قرن، ذاك النقد الذي واجه به العالمُ القديم، الضعيف الحجج، عالماً جديداً بأفكاره وتنظيماته ومؤسّساته. لكنّه، بدل الأحزاب بالأمس، يركّز اليوم على التظاهرات والاعتصامات التي تشهدها الثورة العراقيّة. يقول، هو وأصحابه في بعض تغريداتهم، إنّ هذا الاختلاط ينافي الأخلاق والدين والقيم والوطنيّة، وأنّه بالضرورة مصحوب بتعاطي المخدّرات والكحول. يحذّر من التحوّل إلى... شيكاغو!
بالطبع لا يملك مقتدى العدّة الفكريّة لمثقّفين كليو ستراوس نقدوا الحداثة بجذريّة، مستندين إلى قافلة من الفلاسفة تبدأ بأفلاطون ولا تنتهي بابن ميمون.
أفكار مقتدى، في المقابل، يمكن الاستدلال عليها، بين أمثلة عدّة، في مثلين باهرين: مرّة هاجم كرة القدم وركْضَ الشبّان وراء كرة، بدل أن يركضوا وراء الفروسيّة والمبارزة. لم يكتفِ بهذا، بل جزم بأنّ الغرب، «وخصوصاً إسرائيل واليهود»، تركوا ألعاباً كهذه لنا، كي نتلهّى بها، بينما انصرفوا هم إلى العلوم والتقدّم.
وفي مرّة أخرى أفتى، فيما عُرف بفتوى «الحواسم» التي أريد لها أن تمهّد لمعاركه مع الأميركيّين، بإجازة أعمال السرقة والنهب شريطة أن يُقدّم خُمس الأسلاب له ولمؤسّساته.
لكنّ أفكار الصدر لا يمكن التعامل معها إلاّ على مدى زمني طويل. فالثورة الراهنة شارك في الدعوة إليها، وانخرط فيها، وانسحب منها، وعاد إليها، ثمّ باشر قمعها بأقسى من أي قمع آخر. الشيء نفسه يمكن قوله عن علاقته بإيران التي أيّدها وانتقدها وهاجمها وامتدحها وانتقل، حتّى إشعار آخر، إلى العيش فيها. أمّا في العلاقة بالطائفة السنّيّة، فهو شارك بنشاط في حرب 2006 الأهليّة، وكانت «فِرق الموت» التابعة له تخرج من مدينة الصدر لتعيث قتلاً وخطفاً. لكنّه هو نفسه تضامن لاحقاً مع المحتجّين السنّة في الأنبار ضدّ حكومة نوري المالكي، وذهب أبعد بكثير، إذ اعترف بولاية الخلفاء الراشدين، ونفى أن يكون يزيد بن معاوية قد قتل الحسين بن عليّ. وقل الشيء نفسه عن التنظيمات الكثيرة التي كان يؤسّسها، وآخرها «القبّعات الزرق»، ثمّ يحلّها ويشهّر ببعضها، أو عن بعض مساعديه الذين طردهم وشتمهم ثمّ أعادهم إلى حيث كانوا مقرّبين منه.
مع هذا، فمقتدى لا يُدرَس انطلاقاً من أفكاره، ولا من تكوينه النفسي أو العصبي المتقلّب، ولا حتّى من حبّه للضجيج. لقد بات المدخل إليه، خصوصاً بعد اندلاع الثورة العراقيّة، مزدوجاً:
من جهة، لم يعد يستطيع الحفاظ على وحدة مؤيّديه من الفقراء الذين تعصف بهم الأزمة الاقتصاديّة بأكثر ممّا تعصف بسواهم. ولمّا كان «العدوّ» السنّي والكردي محتجباً عن الفضاء السياسيّ، يستحيل بالتالي التحريض عليه والتعبئة ضدّه، حفاظاً منه على تماسك قاعدته، أضحت المسألة الأخلاقيّة مُطالَبَة بأن تؤدّي هذه الوظيفة. والنساء، في نظر السيّد، خصم ضعيف يمكن أن تتكتّل في وجهه قاعدة تقليديّة ومحافظة.
من جهة أخرى، فإنّ مبدأ الطاعة العمياء الذي يربطه تقليديّاً بقاعدته لا يسري على شبيبة العراق، لا سيّما النساء، ممّن تعولمت أمزجتهم وأذواقهم، وصاروا يطالبون بالحقوق وبالمساواة والشفافيّة. هذا ما يرفع جرعة الغضب والتوتّر لديه، خصوصاً أنّ انسحابه من الثورة لم يوقف الثورة، تماماً كما أنّ مقتل قاسم سليماني لم ينجح في ذلك.
ما يهمّ، في النهاية، وعلى عكس الصورة التي يحاول إشاعتها عن نفسه كطرف محايد، فإنّ الصدر يقع في قلب السلطة التي يريد لها أن تبقى. لولاه لما شكّل عادل عبد المهدي حكومته، ولولاه لما كُلّف محمّد توفيق علاّوي بتشكيل حكومة جديدة، أمّا تحالف كتلته النيابيّة «سائرون» مع كتلة «الفتح» فهو ما يحفظ مقاليد تلك السلطة في أيدٍ طائفيّة مضمونة. إنّ ما يريده، في آخر المطاف، هو ضمان شراكته في مغانمها من موقع قويّ، مع الاحتفاظ بـ«حقّه» في الظهور على شكل معارض متذمّر يحبّ الظهور بمظهر الضحيّة.
لكنّ نساء العراق لن يكنّ الجسر الذي يوفّر له الوصول إلى ذاك الهدف. إنهنّ لم يعدن ذاك الخصم الضعيف الذي يتوهّمه السيد الصدر. لقد سقط في التظاهرات عدد من أشجع سيّدات العراق وفتياته، واعتُدي على بعضهنّ بما في ذلك حالة طعن بالسكاكين، وهنّ خرجن في تظاهرات حاشدة شهدتها بغداد ومحافظات في الوسط والجنوب كبابل وذي قار. هؤلاء بات ينبغي للسيّد الصدر أن ينتبه قليلاً حين يتحدّث عنهن.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

روحاني.. الانتحاري

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-16

حسن فحص

المستمع لخطاب الرئيس الإيراني حسن روحاني في احتفال ذكرى انتصار الثورة الحادي والأربعين، يدرك عمق الازمة التي يمر بها النظام من جهة، والتحدي الذي تخوضه من جهة اخرى القوى والأحزاب الاصلاحية والمعتدلة ومن ورائها المدنية في معركتها السياسية والثقافية والاجتماعية دفاعا عما تبقى لديها من أمل دفاعاً عن المبادئ التي قامت عليها معادلة "الجمهورية الإسلامية" التي أسست للنظام قبل اربعة عقود، والطريق الواصل بينهما الذي يمر عبر صندوق الاقتراع وحرية الاختيار والانتخاب.

روحاني ودفاعا عما تتعرض له قوى تعتبر من صلب الكتلة الاجتماعية والفكرية والثقافية الحاملة لمشروع الثورة ورؤية المؤسس الإمام الخميني، لم يتردد في رفع الصوت وتعليق جرس الانذار محذراً من المسار الذي وصلت اليه الامور والاجراءات التي يقوم بها النظام "الإسلامي" والهادفة للاستحواذ على السلطة بكل مفاصلها مستفيدا من توظيف الآليات الدستورية والديمقراطية التي تخدم اهدافه، معتبرا ان "الحرية" كانت المطلب الأساس الذي خرج الشعب الايراني معترضا على النظام الملكي الشاهنشاهي، وان اصرار النظام السابق على حرمان الشعب من الحريات الفكرية والسياسية والثقافية هي ما أوصل الأمور الى طريق مسدود انتهت بسقوطه.

استعادة روحاني لمواقف الإمام الخميني المؤسس للثورة والنظام على الرغم من حساسيته وخطورته في المعركة السياسية والفكرية والدينية مع قوى النظام، قد تعتبر الملجأ الاخير الذي مازال متاحا امام القوى الاصلاحية التي عايشت التجربة الاولى والوعود التي حملتها في ظل دستور يقوم على اعطاء الشعب الكلمة الفصل في القرارات المصيرية، فالنظام عمل وخلال العقود التالية لوفاة المؤسس  على أن يحتكر التفسير والقراءة الصحيحة لأفكار ومواقف هذا الرجل بما يخدم السياقات والمواقف والقراءات التي تتوافق مع رؤيته وتخدم سياساته وتشكل المسوغ والغطاء لها، ما يعني بالتالي ان روحاني اختار اللعب والمواجهة في الساحة التي يعتبرها النظام خاصة به حكرا عليه، خصوصا ما يتعلق بتذكير السلطة بدور الشعب الذي مثل ويمثل في مواقف الامام الخميني اساس السلطة ومصدر شرعيتها والمقدم على كل الاعتبارات السياسية، خصوصا وانه وضع البرلمان على "رأس الامور والسلطات" وصاحب الكلمة النهائية في القرارات المصيرية مع الأخذ بالاعتبار موقع وسلطة ولي الفقيه في اطارها الدستوري والتي لم تكن مطلقة في العقد الاول من عمر الثورة والنظام، الا انها كانت تتمتع بسلطة معنوية مستمدة من الكاريزما والحضور الطاغي للمؤسس والزعيم. مع العلم ان الامام الخميني لم يعمد الى استخدام هذه السلطة الدستورية او الكاريزماتية سوى في المفاصل المصيرية مع الحرص على ان تمر عبر القنوات والقانونية والدستورية، ولعل اجراءات عزل اول رئيس للجمهورية ابو الحسن بني صدر من الرئاسة لم تصدر بقرار او "حكم ولائي" من المرشد الاول مباشرة، بل كان الحرص ان تأخذ سياقاتها القانونية وان تصدر عن البرلمان لتكون معبرة عن ارادة شعبية مصدر السلطات.

متمسكا بالبعد الجمهوري واساسه القائم على الانتخاب وحرية الاختيار، حذر روحاني السلطة وقوى النظام من مخاطر المس بهذه المسلمة، لانها تطال البعد الذي قامت من اجله الثورة، لأن "الانتخاب" هو خيار يومي للشعب الايراني منذ واحد واربعين عاما من عمر الثورة، مشيرا الى أن "في أي مجتمع يتمتع بالحرية، وتتم ترجمتها بشكل مستمر، والمجتمع الذي فيه ديمقراطية، فان الشعب هو الذي يتخذ القرار النهائي، دائما من خلال الانتخابات". وانطلاقا من هذه الرؤية التي تؤكد حرية الشعب في تقرير مصيره "قامت الثورة والنظام الاسلامي عبر الاستفتاء الشعبي الحر، وان مسار ايران قائم على الانتخابات والثورة قامت على اختيار عظيم للشعب قبل واحد وأربعين عاما واستمرت وتكاملت في الانتخابات اللاحقة"، وهذا التمسك يكشف ان المواجهة بين روحاني قد وصلت الى طريق لا عودة فيه، ولعل مسارعته كرئيس للجمهورية والسلطة التنفيذية والمؤتمن والحارس على تطبيق الدستور بالايعاز للدوائر القانونية في رئاسة الجمهورية بالبدء في وضع مسودة الدعوة الى استفتاء عام وشعبي حول " تفسير مجلس صيانة الدستور المتعلق بالانتخابات والمادة 99 من الدستور.

وعلى الرغم من إدراك روحاني للعوائق التي تقف امام اجراء اي استفتاء، ان كان من الناحية الدستورية التي تتطلب موافقة المرشد الاعلى، وان كان من ناحية استثارة مخاوف النظام والسلطة من الدعوة الى اي استفتاء خشية من أن تؤدي أي موافقة على أي استفتاء مهما كانت طبيعته الى فتح الباب أمام استفتاءات اخرى، والتي قد تدفع البعض الى طرح الاستفتاء حول اصل النظام الذي تطالب به بعض القوى والاحزاب العلمانية في الخارج والتي يعتبر النظام أنها تصب في اطار الاهداف الامريكية التآمرية لتغيير التظام الاسلامي والاطاحة به.

وهنا يمكن القول ان روحاني اختار اللعب في دائرة "الرئيس الانتحاري" متسلحا باصوات نحو 23 مليون صوت اوصلته الى موقع الرئاسة في مواجهة مرشح النظام الذي حصل على نحو 16 مليون صوت، وهو الرئيس الذي تجرأ على اصدار الامر لتسويد مثل هذا القانون على العكس من الرئيس الاسبق محمد خاتمي الذي اجبر على سحب مشروع قانون يطلب فيه تحديد وتوضيح صلاحيات الرئيس المتداخلة مع صلاحيات المرشد الاعلى وولي الفقيه المطلق خصوصا لجهة كونه حارساً للدستور ومنفذاً له.

قد لا يتمكن روحاني من المضي حتى النهاية في مشروع القانون الاستفتاء هذا، لكنه أسس لمرحلة جديدة خرجت فيها كل المواقف المعترضة حول صلاحيات مجلس صيانة الدستور في العملية الانتخابية وأهلية المرشحين من دائرة المواقف الحزبية والقوى المدنية الى دائرة المواقف الرسمية داخل السلطة والنظام، وبالتالي ستؤسس لتعامل مختلف في المستقبل مع العملية الانتخابية وحرية التعبير السياسي، ما قد يفتح الحياة السياسية الايرانية على متغيرات ايجابية اكثر انفتاحا وتنوعا.

عن "المدن"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية