القاهرة الفاطمية.. عبقرية عابرة للأزمان

القاهرة الفاطمية.. عبقرية عابرة للأزمان
13140
عدد القراءات

2018-03-25

هنا القاهرة الفاطمية.. وهذا شارع المعز لدين الله، الإمام الرابع للإسماعيلية، وكان أمر قائده العسكري (جوهر الصقلي) ببنائها، على أنقاض الدولة الإخشيدية، ومدينتها الفسطاط نحو العام 970م، وأُطلق عليها اسم (المنصورية)، بداية الأمر، ثم لاحقاً، اكتسبت اسم القاهرة.

لم يكن مؤسّس القاهرة المنسوب إلى جزيرة صقلية، قائداً عسكرياً فذّاً فحسب؛ بل كان سياسياً ضليعاً وماهراً، فحالما وطأت قدماه أرض الفسطاط، شرع في بناء مسجد كبير، ليكون رمزاً لمدينته الجديدة، عاصمة الدولة الفاطمية ومركز الطائفة الإسماعيلية الشيعية، لكنّه أبقى على كلّ المظاهر السنيِّة، لم يمسسها بتغيير جذري، غير إضافته للأذان المعروف والشائع عبارة "حيّ إلى خير العمل"، بحسب بعض المؤرخين.

باكتمال بناء جامعها الكبير ونصب أبوابها الثماني دانت مصر كلّها لسلطة الفاطميين وانتعش فسطاطها ونهضت قاهرتها

باكتمال بناء الجامع الكبير، الموسوم بالجامع (الأزهر)، مُذكّر (الزهراء) فاطمة بنت رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وبنصب الأبواب الثمانية: "الفتوح، الفرج، زويلة، القنطرة، البرقية، النصر، القراطين، والمحروق"، على سور المدينة الكبير، دانت مصر كلّها لسلطة الفاطميين، وانتعش فسطاطها، ونهضت قاهرتها.

عبق الأزقة وضجيج المكان

الآن وهنا، وبعد مرور أكثر من عشرة قرون من تأسيس القاهرة الفاطمية، يمكن للزائر أن يستشعر روحَي المعز وقائده مؤسس المدينة العريقة وجامعها الأزهر، اليوناني جوهر الصقلي، تترقرقان في شارع المعز، وباحات الأزهر وإيواناته ومآذنه، وفي مسجد الإمام الحسين، والأزقة النحيلة التي تتشابك وتفترق وتلتئم لتنفض، وتضيق لتنفرج مجدداً، وفي المقاهي الشعبية العتيقة، والمحال التجارية العتيدة، وعلى أوشام الحناء في أيدي الصبايا اليانعات، وعلى أجيج النار وزمزمة اللهب في سوق النحاسين، يصيغون من المعدن أباريق وقصعات وصحائف، وبين حواجب عيون السياح الأجانب تنفرج وتضيق دهشة ممّا وقعوا عليه من بانوراما "أم الدنيا" التي لا مثيل لها ولا نظير.

هنا تلتحم الأجساد والأنفاس من ضيق المكان لكنّها تتنفس بهدوء وعمق من سعة روحه العبقة

هنا، في الشارع المكتظ بالبشر من كلّ حدب وصوب، ومن كلّ سحنة ولمحة، والمحتشد بالدكاكين التي تبيع كلّ شيء، من الأنتيكات والتحف والسجاد، إلى الفول السوداني والبوشار، والكشري وفطائر العسل بالزبدة البلدية.. هنا تلتحم الأجساد والأنفاس من ضيق المكان، لكنّها تتنفس بهدوء وعمق من سعة روحه العبقة، وكأنما سحر ما يفضّ كلّ تلك التشابكات فتنداح دائرتها، تماماً كـ"صفحة الماء يُرمى فيه بالحجر" كما قال ابن الرومي في قصيدته الشهيرة.

الجامع الأزهر هو مركز القاهرة الفاطمية وقلبها النابض

في رحاب الأزهر الشريف  

ليس ثمة أثر أبرز  في هذه المدينة الساحرة، أكثر من الجامع الأزهر؛ بل هو مركز القاهرة الفاطمية وقلبها النابض، فمنذ افتتاحه العام 972م، وإلى يومنا هذا، ما يزال يُعدّ  أحد أقدم الجوامع والجامعات في المنطقة العربية والإسلامية، وأكثرها تأثيراً في الحياة الدينية والسياسية، وكأنّه شاهد (ملك) على كلّ الحقب السياسية، الاستعمارية والوطنية، التي تقلبت مصر (المحروسة) بين يديها لحقب ودهور، حيث عاصر  الدولة  الأيوبية، والمملوكية، والعثمانية، والخديوية، ولم يتأثر بالمدّ الثقافي الفرنسي أو الإنجليزي، ومارس وجوده وتأثيره بذكاء وسط كافة التقلبات التي اجتاحت أرض الكنانة إبان حكوماتها الوطنية، فإلى اليوم، ما يزال تلك المؤسسة صاحبة التأثير العميق في المجتمع المصري.

مئذنتان، قبو أسطواني، نقوش مذهلة ورقيقة، كأنّها منمنمات رُسمت على المدخل المُفضي إلى الإيوان المتموضع في الناحية الجنوبية الشرقية، الموسوم بـ"إيوان القبلة"؛ حيث يضمّ 5 أروقة، يقابلها في الاتجاه الآخر رواقان، هذا غير القباب الرائعة، خاصة قبة المحراب، إلى جانب الأبواب التسعة، بما فيها باب الخطيب، والنوافذ ذات الزخارف الهندسية والنباتية المحفورة والمتسلقة على الخشب.  

مدرسة وقبة السلطان الناصر محمد بن قلاوون

مسجد  الحسين وخان الخليلي

يُحكى أنّه، وإبان ما عرف بالحروب الصليبية، خشي الخليفة الفاطمي على مصر حينها، من أن يلحق الغزاة الأذى بمدفن رأس الحسين، رضي الله عنه، الموجود في عسقلان بفلسطين، فطلب حمله إلى مصر، ودفنه في مكان آمن؛ حيث ما يعرف بمسجد سيدنا الحسين، الكائن بالقاهرة الفاطمية الآن، ورغم الاختلاف بشأن هذه الرواية، إلّا أنّ هذا ما أشار إليه المقريزي، وابن خلكان، في روايتيهما الشائعتين.  

على كلٍّ، يقوم مسجد الإمام الحسين بن علي، المبني بالحجر الأحمر على الطراز الغوطي، العام 1154م، وفق مصادر تاريخية متطابقة، في القاهرة الفاطمية بأربعة أبواب تطلّ ثلاثة منها مبنية بالرخام الأبيض على خان الخليلي، فيما يوجد الرابع المعروف بالباب الأخضر جوار قبة المسجد.

على تخوم مسجد الحسين وقبل نحو أكثر من 600 عام أسّس الأمير المملوكي جركس الخليلي الخان الذي حمل اسمه

ما يجعلك تحمل دهشة لا تزول، في أنّ المسجد، رغم مرور قرون طويلة شهدت مصر خلالها، تقلبات سياسية كثيرة، وتحولات اجتماعية عميقة، ما يزال محتفظاً بمكانته في قلوب الناس، يقصدونه للصلاة ونيل البركات والدعاء، وهنا لا أحد يلزم آخر بأسلوب محدد لنيل ما يريد، فحول محيط المسجد يمكنك أن تستمع لمنشدٍ أو مغنٍ، في الوقت ذاته الذي تدقّ أصوات الابتهالات والتضرعات طبلتَي أذنيك.

وهنا أيضاً، وعلى تخوم مسجد الحسين، وقبل نحو أكثر من 600 عام، أسّس الأمير المملوكي (جركس الخليلي) هذا الخان؛ أي الحي، وأطلق عليه اسمه، فصار (خان الخليلي)؛ حيث المطاعم والمقاهي الشعبية، والبازارات وسوق الحليّ، فالحي الذي يُروى أنّه بُني فوق مقابر (الموتى الفاطميين)؛ هو الآن أكثر أحياء مدينة حاكمهم "المعز لدين الله الفاطمي" نبضاً بالحياة.

 جامع الناصر بن قلاوون

قلعة الناصر قلاوون وقصر الأمير بشتاك

وكأنّ أحشاء شارع المعز تستبطن كلّ القاهرة الفاطمية داخلها، فبين تضاعيفه تستلقي قلعة الحاكم المملوكي الناصر بن قلاوون؛ حيث تضمّ مسجداً ومدرسة تعرف بالمدرسة الناصرية، ولعلّ ما يميز جامع الناصر بن قلاوون، أنّه، وعلى عكس بقية مساجد القاهرة القديمة، يبدو شبه خال من الزخارف، ويتخذ في معماريته أنماطاً شتى، ذات طابع فرعوني، وبطلمي، وروماني.  

لكن، يظلّ قصر الأمير سيف الدين بشتاك، أحد أمراء الملك الناصر قلاوون، الذي تم بناؤه 1339م، تحفة معمارية لا مثيل لها في منطقة (النحاسين) بشارع المعز في القاهرة الفاطمية؛ إذ يتكون من ثلاثة جوانب، أبرزها المطل على شارع المعز بثلاث طبقات مطعّمة بالمشربيات المحفورة والبارزة، بجانب إسطبلات الخيول، ومستودعات الغلال، وقاعة الاحتفالات، ونسق الإضاءة الفريد.

لم يزر القاهرة القديمة من لم يقف بخشوع أمام الجامع الأقمر حيث الواجهة البديعة المبنيِّة بحجارة بيضاء كضوء القمر

وقفة خشوع أخيرة

لم يزر القاهرة القديمة، من لم يقف بخشوع أمام الجامع الأقمر؛ حيث الواجهة البديعة المبنيِّة بحجارة بيضاء كضوء القمر، ومن لم يلقِ ببصره، ولو خطفاً، على زخارف واجهته المدهشة، وسقفه المعشق بالأسلوب المملوكي في العمارة.

لم يزر القاهرة الفاطمية من لم يمر بجامع الجيوشي ليجلي ناظريه بتلك الزخارف الإسلامية الموحية والرائعة.

ولكن، من يزور تلك البقعة التي تضجّ بالحياة، عليه أيضاً، أن يخطف اللحظات ويقتنصها، ليتأمّل روعة مدرسة "الصالح نجم الدين أيوب"، ومسجد السلطان "برقوق"، وبيت السحيمي، وأزقة حي الجمالية، وأن يتناول الفطائر البلدية المحلاة بالقشطة والعسل، ويختم جولته بكوب شاي (منعنع) في مقهى شعبي، ويردّد بهمس مع الشاعر السوداني الراحل محجوب شريف: "كم في الذهن عالق ثرثرة الملاعق والشاي اللطيفة".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مصطفى محمود: رحلة بين الشكّ والإيمان لم ينتهِ الجدل حولها

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-12-12

لثمانية وعشرين عاماً؛ استّمر الطبيب والكاتب المصري الراحل، مصطفى محمود، في تقديم أشهر برامج التلفزيون المصري "العلم والإيمان"، بعد حياة حافلة بالإسهامات الأدبية والعلمية والثقافية، اكتسب فيها الراحل شهرة إضافية، وأثار حالة من الجدل؛ كونه العائد من عالم الإلحاد، إلى عالم العلم والإيمان.

بدايات غير مبشرة

بجسد نحيل وعلل صحية، ولد مصطفى محمود، في مدينة شبين الكوم، بمحافظة المنوفية، في كانون الأول (ديسمبر) عام 1921، لأب من الطبقة الوسطى؛ حيث كان يعمل موظفاً لدى الحكومة، وله عدد كبير من الأبناء، كان الراحل أضعفهم بنياناً، حتّى إنّ الأطباء تنبأوا له بوفاة مبكرة، لكنّه خالف تلك التوقعات، ومنحته تلك العلة الصحية الوقت الكافي لأن يمضي وقته في القراءة والاطلاع، بدل الجري واللهو؛ إذ انتقل للدراسة بمدينة طنطا في محافظة الغربية، والتي كان الحضور الصوفي فيها طاغياً، وما يزال، كما أنّ فترة التحاقة بالمدرسة كانت زاخمة بالأحداث الثقافية والسياسية المهمة التي ساهمت في تكوينه، فالبلاد تشهد وفاة الزعيم الراحل، سعد زغلول، بعد أن كان رئيساً لوزراء مصر، وبداية تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، والتي كان لها الفضل في المدّ الإسلاموي الذي حدث لأبناء الريف المصري بشكل خاص، ولم يستثنِ الراحل منهم، ولضرب شعبية حزب الوفد الحاكم في مقتل، في ظلّ هذا التشوش والزخم، تكوّن وعي الكاتب الصغير.

نقاد مصطفى محمود: كان حرياً به نقد سياسات الانفتاح التي أفقرت المصريين، وهدمت المجتمع الزراعي- الصناعي الواعد في مصر الناصرية

مخالفاً التوقعات مرّة أخرى، تفوق الصبي في دراسته، وارتاد كلية الطب، وبدأ مسيرته الأكاديمية، التي أعيقت لـ 3 Hعوام، انعزل فيها داخل المستشفى بسبب مرضه الشديد، ما أتاح له فرصة الانعزال والعكوف على قراءة كلّ ما كان يقع تحت يده، متأثراً بالفلسفة الوجودية الوليدة في فرنسا.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبعد تعافيه استأنف الدراسة مرة أخرى، حتى تخرّج بعد عام واحد من اندلاع ثورة يوليو 1953، والتي سيكشف الراحل لاحقاً عن عدائه لها في كتاباته، كما ساعدته دراسة الطبّ في استكشاف نفسه من جديد، فمع ارتياده المشرحة الطبية التي أرخ لأيامها في كتاباته، اكتشف جلال الموت في نفسه، حتى إنّ أول كتاباته المكتملة كانت بعنوان "لغز الموت"، عام 1959، وهي أشبه ما تكون بطرح فلسفي عن الموت، لم يخفِ فيها خلفيته الأكاديمية، والتي ترى الموت عبر الخلايا، بعيداً عن الروح،  لكنّه وقف متسائلاً فيها عن الإنسان وماهيته، وحقيقة الزمن والروح والوجود والعدم، بدا فيها متشككاً في الأديان وأجوبتها الجاهزة عن الحياة والموت، متأثراً بفلسفة ألبير كامو، وجان بول سارتر، رهبان الوجودية، إذ كان لكتاباتهم حضور كبير في فترة الأربعينيات والخمسينيات.

كاتب كثيف الاطلاع
لقارئ كتابات الدكتور مصطفى محمود أن يستشعر أنّه أمام كاتب يملك حساًّ أدبياً، وربما شاعرياً، أكثر من الشعراء، رغم خلفيته العلمية البحتة، وهو أيضاً كاتب مطلع على كلّ جديد في مجال علم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وهو ما مكّنه من الكتابة في عدة صحف ومجلات قومية، منها: "روز اليوسف"، ومؤسسة "الأهرام"، و"أخبار اليوم"، وحصل منها على عضوية نقابة الصحفيين إلى جانب عضويته في نقابة الأطباء، وهنا وقع الصدام الأول بينه وبين الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر، الذي فتح عليه محمود النار حتى آخر أيام حياته، ففي ظلّ اقتصاديات التأميم، وإعادة هيكلة الطبقة الوسطى المصرية، قرّر عبد الناصر ألا يسمح للمواطنين بالجمع بين أكثر من عضوية نقابية، فقرّر محمود التخلي عن عضوية الأطباء، والاحتفاظ بعضوية نقابة الصحفيين، واعتزال العمل الطبّي وتفرّغ للكتابة، وبعناوين نارية هاجم في "الأهرام" و"روز اليوسف" نظام عبد الناصر، منتقداً ما سمّاه النظام الحاكم بالناصرية، وعليه تمّ إيقافه عن الكتابة؛ حيث قال له رئيس تحرير مجلة "روز اليوسف"، الكاتب إحسان عبد القدوس: "اقعد في بيتك... دي أوامر".

اقرأ أيضاً: رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي

كان الراحل على محطة جديدة من الخلاف مع عبد الناصر، لكن هذه المرّة ليس بسبب السياسة، بل بوشاية من المؤسسة الدينية الرسمية "دار الإفتاء"، إذ رفعت تقريراً إلى الرئيس عبد الناصر، بعد نشر كتاب الدكتور مصطفى محمود "الله والإنسان"؛ فالكاتب يتحدث عن الألوهية كفكرة في التاريخ الإنساني تتطور بتطور الإنسان والمجتمعات، وهذا ما أثار حفيظة رجال الدين، ما دفع عبد الناصر إلى تحويل التقرير المقدم من الأزهر إلى المحاكمة، لتكتفي المحكمة بمنع الكتاب من النشر والتداول، ليعاد طبعه فيما بعد، لكن بصيغة التوبة، في كتابه الأشهر "حوار مع صديقي الملحد"، لكن بعد قدوم الرئيس المؤمن، السادات، وما صديقه الملحد إلّا نفسه العائدة من الإلحاد إلى الإيمان، كما زعم، وطوال فترة منعه من الكتابة عكف على كتابة مسرحيات، كانت أشهرها: "الإسكندر الأكبر"، "الزلزال"، "الإنسان والظلّ"؛ إذ دارت جميعها في فلك الدولة الظالمة، وقمع الحريات الشخصية، فتكرر منعه من الكتابة كثيراً، فمع وقوع نكسة حزيران (يونيو) 1967، عاد الراحل بكتابه "لغز الحياة"، الذي بدا فيه متأثراً بكتابات داروين، ونظريات فرويد في الطبّ النفسي، ومنتقداً لها من وجهة نظر دينية.

الشكّ والإيمان
يستشعر القارئ؛ أنّ الشكّ والإيمان هما محور حياة مصطفى محمود، ولكن يبدو أنّ وفاة عبد الناصر كانت توقيتاً مناسباً لعودة مصطفى محمود إلى حظيرة الإيمان، ورحلته بينهما، التي نشرها في كتاب عام 1971، تبعها بحواره مع صديقه الملحد، وبينهما عدة محطات من الكتابات التي حاول فيها الجمع بين الدين والعلم، مستعيناً بخلفيته الأكاديمية، والتي ساعدته على كتابة روائع أدبية في الخيال العلمي، كان أهمها روايته "العنكبوت" (عام 1965)، التي تحولت فيما بعد إلى مسلسل تلفزيوني عرضه التلفزيون المصري، وأضاف إليها روايته "رجل تحت الصفر"، عام 1966، متحلياً فيها بروح الأديب الجامع بين اللغة المتقنة والمطلع العالم على أحدث نظريات الفيزياء، فكانت تلك الرواية محطته الأخيرة مع عبد الناصر، الذي كرّمه ومنحه جائزة الدولة التشجيعية في الأدب قبل أشهر قليلة من وفاته، فكان القارئ المصري والعربي على موعدٍ من كتابات أخرى غريبة على الدكتور مصطفى محمود، يفتح فيها النيران على المعسكر الشيوعي، خاصة في فترة حرب الاستنزاف التي تمّ طرد الاتحاد السوفييتي فيها من تواجده في مصر الناصرية.

حلقات مسلسل العنكبوت
ربما جاءت وفاة مصطفى محمود في وقت مناسب قبل أن يشهد انقلاب الشباب الذي تربّى على كتاباته، قبل ثورة يناير2011.
وعبّرت عبير هاشم (34 عاماً)، معلمة فلسفة في إحدى المدارس في القاهرة، عن رأيها لـ "حفريات": "لا أستطيع إنكار أنّ قراءاتي وتبلور وعيي في المرحلة الثانوية والجامعة، كان بفضل كتابات مصطفى محمود، الذي اتّسمت كتبه بسلاسة الطرح، فلم يكن من المتحذلقين، وهو ما دفع الآلاف من شباب التسعينيات، ومن كانوا في عمري، أن نقرأ له، لكن بعد تجربة ثورة يناير، وانكشاف غمامة الزيف الديني الذي تربينا عليه، وبدأت في مراجعة كلّ ما قرأت من كتبه، اكتشفت أنّه كان مجرد غطاء سياسي لنظام السادات الذي انقلب على ناصر".

اقرأ أيضاً: أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية
ولفتت عبير هاشم التي ساعدتها دراستها الفلسفة على قراءة الماركسية، إلى أنّ انتقادات محمود الكثيرة للماركسية، "ليست سوى تناول سطحي يصدقه البسطاء ومحدودي الثقافة، هدفه الأول إضعاف المعسكر الشيوعي في مصر"، ربّما يجهل كثيرون أنّ الراحل في بداية حياته آمن بالاشتراكية والماركسية ثمّ انقلب عليها لاحقاً وأفرد لنقدها مؤلفات كاملة، أهمها: "الماركسية والإسلام"، "لماذا رفضت الماركسية؟"، "سقوط اليسار"، و"أكذوبة اليسار الإسلامي"، و"عصر القرود".

 

الإيمان دعامة العلم
ثلاثة عقود عكف الدكتور مصطفى محمود على تقديم حلقات برنامجه الأشهر "العلم والإيمان"، مرتدياً ثوباً جديداً يحاول فيه أن يخضع العلم لكلّ ما جاء في النصّ الديني، وعلى أنشودة الناي الأشهر لعازف الناي المصري، محمود عفت، التي تستجلب الخشوع الصوفي إلى النفس، تجتمع الأسرة المصرية حول برنامجه كلّ أسبوع، فيستشعر العوام من الناس عظمة دينهم، وببساطة تحدث إلى العاديين من الشعب فتقرّب إليهم، وبصوته المميز شكّل وجدان أجيال كاملة، هي ذاتها الأجيال التي ستطلق سهام النقد عليه.
تقول الطبيبة المصرية الدكتورة هناء شوقي (63 عاماً)، لـ "حفريات": "كنت من الأجيال التي عاصرت كتابات الراحل فور إطلاقها، فقد ملأت كتبه حقائب أبناء الجماعات الإسلامية، الذين انتشروا كالنار في الهشيم في السبعينيات من القرن الماضي؛ إذ كنت ضمن الطلبة المستهدفين للتجنيد آنذاك، وكانت كتاباته عن الماركسية بشكل خاص، تروّج في الجامعة لضرب حركات طلاب الأحزاب اليسارية والشيوعية، والتي كانت في أوج نشاطها، خاصة بعد قرارات الانفتاح".

لقارئ مصطفى محمود أن يستشعر أنّه أمام كاتب يملك حسّاً أدبياً أكثر من الشعراء، رغم خلفيته العلمية البحتة

وتسترسل قائلة: "إلى جوار سيد قطب وحسن البنا، روّج طلاب جماعة الإخوان لكتب مصطفى محمود عن الاشتراكية والإسلام كرأس حربة في مواجهتهم المفتوحة مع اليسار المصري، وكان سبباً في وقوع العديد من شباب جامعة القاهرة بشكل خاص، في شرك الجماعات الإسلامية".
وإلى جانب كونه كاتباً يمتلك أدواته، فقد أثار الراحل حالة من الجدل السياسي والديني، منذ انطلاقه في عالم الكتابة، أوقعته في شرك التناقضات، خاصة إنكاره لمرحلة الشكّ الإلهي التي عاشها، بعد عودته إلى حظيرة الإيمان، ومدحه المستمر لسياسات السادات، خاصة أنّه أبى أن يمتدح ناصر، الذي عدّه المصريون الأب الروحي للطبقة الوسطى، وتبنى النهج الإصلاحي نفسه لمنظّري الإسلام السياسي، فرأى الحلّ في الأعمال الخيرية، وتقديم المساعدات من الأغنياء للفقراء، وكرّس لنهجه في الجمعية الخيرية التي أنشأها باسمه "جمعية مصطفى محمود الطبية"، والتي تضمّ مستشفى للفقراء، ومسجداً وداراً للمناسبات، بينما يرى كثيرون أنّه كان حرياً به نقد سياسات الانفتاح التي أفقرت المصريين، وهدمت المجتمع الزراعي-الصناعي الواعد في مصر الناصرية، وجعلت معظم شرائح شعب العلم والإيمان تمدّ يدها إلى الصدقات والمعونات.

للمشاركة:

رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي

صورة منى شكري
كاتبة وصحافية أردنية
2019-12-03

اختار صالح علماني، الذي توفي اليوم في إسبانيا، ذات وسم في صفحته على فيسبوك نهاية عام 2010، أن يلخّص حياته ببساطة "عشتُ لأترجم"، مستوحياً ما كتبه من العبارة التي عنون بها ماركيز مذكراته.
بدت رحلة علماني في الحياة أشبه بواقعية سحرية لشاب فلسطيني بدأ في دراسته طبيباً، تراوده أحلام رومانسية أن يغدو روائياً عظيماً، قبل أن يحزم قراره الذي سيكرّسه واحداً من أهم المترجمين العرب الذين طوعوا الإسبانية لتنطق بالعربية مع أكثر من مئة عمل بين رواية وقصة وشعر، جعلت قارئ الضاد يتنقل مع عوالم نيرودا ولوركا وماركيز وإيزابيل الليندي .. كأنّه يقلب بأُلفة صفحات خطّها نجيب محفوظ أو محمود درويش.

كانت رحلته في الحياة أشبه بواقعية سحرية لشاب فلسطيني، بدأ في دراسته طبيباً، تراوده أحلام رومانسية أن يغدو روائياً عظيماً

من آخر معقل مقاوم في فلسطين عام 1948، غادر الفلاح عمر علماني ابن "ترشيحا" أو "جبل الشيح" كما كانت تعرف بالكنعانية تلك القرية الموشحة بأشجار الزيتون شمال عكا؛ حيث تعايش المسلمون والمسيحيون قروناً، لتبدأ التغريبة، ويشارك الآلاف من أبناء شعبه الذين هُجروا في تلك الرحلة التي ستطول كأنّها مئة عام من العزلة، لينتهي به المطاف في سورية، وفي شهر شباط (فبراير) من عام 1949، رزق الحكّاء الأمي بمدينة حمص بذلك الطفل الذي سيولع بالقراءة، وأطلق عليه اسم "صالح".

 

 

استقر مقام العائلة في الحجر الأسود ذلك الاتساع الغرائبي لمخيم اليرموك جنوب دمشق؛ حيث أكمل صالح علماني دراسته، ليحزم حقائبه نهاية الستينيات صوب مدريد لدراسة الطب حاملاً معه دواوين لصلاح عبدالصبور، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وديوان محمود درويش الأول "آخر الليل" مما كان يثير سخرية زملائه، فلم يكن مستغرباً ألا يتوافق مع هذا التخصص، رغم نجاحه في السنة الأولى، ليتحول إلى دراسة الصحافة التي وجدها أكثر صعوبة! ثم يترك الدراسة فترة بعد أن ساءت أحواله المادية، خصوصاً مع اشتعال حرب تشرين عام 1973، واضطر للعمل في الميناء وأماكن أخرى، ليوفر تكاليف دراسته الجديدة "الأدب الإسباني"، وكانت بدايته في الترجمة مع مقررات المجلس الوطني الفلسطيني التي كان يقوم بنقلها لرفاق شيوعيين إسبان، لتنشر في مجلة يشرف عليها الحزب الشيوعي الإسباني.

اللقاء الأول مع أدب أمريكا اللاتينية

ذات مساء قاده التسكع في قاع مدينة برشلونة إلى أحد المقاهي؛ حيث كان لقاؤه الأول مع أدب أمريكا اللاتينية برواية "مئة عام من العزلة" التي أهداه إياها أحد أصدقائه الإسبان، ليُؤخذ بذلك السرد العجائبي لغابرييل غارسيا ماركيز، ما جعله يحسم أمره ويمزق مخطوط روايته الأولى، ويغادر حلمه الأثير بأن يكون روائياً معروفاً "أن تكون مترجماً مهمّاً أفضل من أن تكون روائياً سيئاً"، ليشرع بترجمتها، وداوم على ذلك لاحقاً بعد إنهاء دراسته في معسكرات الجيش أثناء تأديته الخدمة الإجبارية في سورية، قبل أن يتوقف بعد صدور أول ترجمة عربية للرواية بقلمي سامي وإنعام الجندي.. لكن ظل في نفسه شيء من هذا العمل، حتى بعد أن تُرجِم أكثر من مرة، وكان على القارئ العربي أن ينتظر حتى عام 2005، لتصدر الرواية بعربيّة علماني.

اقرأ أيضاً: هل يرحل الشعراء: عن الكتابة الحيّة لأمجد ناصر في لحظة الاحتضار
دفعَهُ حرص التّرجمان إلى الانتساب لجامعة دمشق، ودراسة الأدب العربي، حتى يتسلح باللغتين؛ العربية والإسبانية، ويذكر الروائي والقاص الفلسطيني رشاد أبو شاور أنّ أول عمل ترجمه صديقه صالح كتاب صغير عن شاعر التشيلي بابلو نيرودا، ولكن لم تلتفت إليه الأنظار إلا عام 1979، بعد أن انتهى من ترجمة رائعة ماركيز "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" لتتسابق بعدها دور النشر للتعامل مع هذا المترجم الواعد، "كنت أعمل في وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) وذهب عبدالله حوراني (من دار الفارابي) إلى مدير دائرة الثقافة وسأله: ماذا يعمل صالح علماني معكم، فأخبره لا أعرفه، وبعد أن سأل، أخبروه أنني أعمل محرراً في الوكالة، فقال لا هذا احبسوه معكم في غرفة وخلوه يترجم فقط!"، وكان من ضمن متابعيه محمود درويش أثناء عمله محرراً في مجلة "شؤون فلسطينية"، بعد أن وقع على نسخة مترجمة له لأشعار "رافئيل ألبيرتي" ليعلق درويش "هذا الرجل ثروة وطنية ينبغي تأميمها"، ويطلب من الشاعر أحمد دحبور التواصل مع علماني، وإخباره بنية المجلة نشر بعض هذه الأشعار المترجمة.

الترجمة أداة للديمقراطية

الترجمة في نظر علماني، أداة للديمقراطية تتساوى فيها جميع اللغات، ولكنه يؤمن أنّها في الوقت نفسه ضرب من الخيانة الأمينة؛ لأن الترجمة الحرفية كما يعترف جريمة لا تغتفر "المنطق البلاغي بين لغتين قد لا يتقاطع دائماً.. لا يمكن لأي مترجم أن يختفي وأن يتلاشى، هذا مستحيل.." لكنه يرى أنّ "الخيانة" الآن أقل مع التقدم التقني؛ لأن المترجم أصبح يطّلع الآن بكل سهولة على حقيقة المنطقة والثقافة التي يترجم عنها، "عندما تواجهني كلمة أبحث في غوغل عنها، وأطلب معرفة معناها في منطقة البيرو وأحصل على المعنى فوراً ... هذا سهّل عمل المترجم وقلل خيانته".

اقرأ أيضاً: يا أمجد ناصر: الإنسان لا يفنى وإن فني الوجود بأسره

كرس علماني حياته لترجمة الأدب المكتوب بالإسبانية، لكنه لم يقاوم في عام 2006 إغراء ترجمة الديكاميرون للإيطالي بوكاشيو، وكانت هذه أوّل مرّة ينقل فيها عملاً من اللغة الإسبانيّة لم يكتب بها، بعد أن رأى أنّ سبعة قرون فترة امتدت أكثر مما يحتمل، لنقل "ألف ليلة وليلة الإيطالية" كاملة إلى العربية؛ فهو ما يزال ينظر إلى الترجمة بوصفها في الدرجة الأولى علاقة حبّ مع النص. "أحب رواية "الحب في زمن الكوليرا" كثيراً، أحبها لأنني أحبها لا لأمر آخر، أحبها ليس لأنني ترجمتها، بل لأنني قرأتها أولاً".

حلم استحال إلى لجوء

بعد أن تحسنت أحواله المادية نسبياً لم يطل مقامه في "الحجر الأسود" بحثاً عن حياة أهدأ، فغادره مع زوجته وابنيه عمر ولارا ليبتني بيتاً في معضمية الشام. كان يعمل عشر ساعات يومياً، وهو منبطح على الأرض قبل أن يشتري آلة كاتبة استغنى عنها بجهاز الحاسوب، "أقرأ النص خمس مرات، ثم أترجمه مباشرة على شاشة الكمبيوتر. وعندما أنجز بضع صفحات، أقرأ النص الذي ترجمته بصوت عال لمعرفة الإيقاع السمعي للجملة".
عمل علماني مترجماً في السفارة الكوبية وموظفاً في وزارة الثقافة السورية لسنوات طويلة قبل تقاعده عندما بلغ الستين، وبحكم علاقته التي وثقها مع "ثورة المعلومات" ما فتئ ينبش في مواقع الكتب الإسبانية على شبكة الإنترنت، وعندما يعجبه كتاب جديد، يسارع إلى اقتنائه علّه يكون مشروع مولود ترجمة جديداً آخر.
لكم راوده حلم ببناء بيت ريفي في ضواحي دمشق، يكون محراباً لعمله، لكن أطاحت به قذيفة من "الربيع السوري" أتت على معظم بيته في المعضمية، لينتقل منه لاجئاً في مسقط رأسه سورية قبل أن يجبر على مغادرتها والإقامة في إسبانيا التي كرمته في عام 2015، عندما أعلنت "مدرسة طليطلة للمترجمين" عن منحه جائزتها السنوية للترجمة، في دورتها الأولى، مؤكدة أن "لا كرامة لنبيّ في وطنه".

رحلة صعبة أهلته للنجومية

نجح صالح علماني في تكريس نجوميّة المترجم؛ لأنه آمن أنّ الترجمة جنس أدبي قائم بذاته، وأنّ المترجم هو مؤلف مستقل آخر للترجمة يندمج مع النص ويعيد إنتاجه، لكنه ظل وفياً لتواضعه الذي ميزه طوال حياته، فرغم أنّه ترجم جميع أعمال ماركيز، إلا أنّه رفض ترجمة رواية "خريف البطريرك" التي يعدها بعض النقاد أهم أعمال صاحب "مئة عام من العزلة"، والتي نقلها إلى العربية عن الفرنسية محمد اليوسفي، وحين سئل علماني عن ذلك أجاب "لن يكون بإمكاني ترجمتها أفضل منه".
عناوين كثيرة مهمة لم يترجمها علماني، مرجعاً ذلك إلى "صعوبة تسويق الأسماء المجهولة إلى قرّاء العربية"، من جهة وإلى أنّ "دور النشر تلحق الأسماء الرائجة" من جهة أخرى، مستدركاً في إحدى تصريحاته على ما سبق "من المؤسف ألّا تصلنا أعمال الأرجنتيني توماس إيلوي، أو خوان كارلوس وينتي من الأوروغواي، هذا الروائي هو الأب الشرعي للواقعية السحرية".
لم تكن رحلة "كولونيل الترجمة" سهلة، بل كافح ليصل إلى قلوب القراء، ويحصد محبتهم؛ فقد باتوا يدركون معنى كتابة اسم علماني على غلاف الكتاب، ليكون جديراً بالاقتناء، وعن ذلك قال في مداخلة له بأحد المؤتمرات: "إن مهنة المترجم دائماً في الظل؛ لأنه يقدم شخصاً آخر، والمصادفات وحدها هي التي جعلتني نجماً. وأقبل محبة الناس لكنني أخجل، وأرجو لكل المترجمين حظاً مثل حظي في الشهرة".

علماني من أهم المترجمين العرب الذين طوعوا الإسبانية لتنطق بالعربية مع أكثر من مئة عمل بين رواية وقصة وشعر

علماني الأكثر وفاء لخيانة الترجمة

المترجم العراقي الدكتور محسن الرملي في حديثه مع مدونة وطن   "eSyria" قال عن "عرّاب أدب أمريكا اللاتينية": "إن الحديث عن صالح علماني يقتضي تذكر عبارة تقول: "إن الترجمة خيانة"، فإذا كانت كذلك، فإن أكثرنا وفاء لهذه الخيانة هو صالح علماني".

بفضل دأب وصبر وشغف صالح علماني، صرنا نتوافر على الأعمال الكاملة لأبرز كتّاب الرواية في أمريكا اللاتينية

وأضاف الرملي "صالح علماني درسٌ حيّ وتاريخي لنا جميعاً نحن المترجمين، حيث تخلى عن كل شيء، ليجعل الترجمة طريقاً وهدفاً له، تخلى عن دراسته الأكاديمية، وتخلى عن الكاتب فيه لمصلحة المترجِم فأذاب الروائي في المترجِم كما تذوب قطعة سُكّر في قدح الشاي، لذا نلمس هذه العذوبة في أسلوبه لكل ما ترجمه. وقد راهن علماني على الترجمة ولم يخسر، فحقق شهرة تفوق شهرة الكثير من الكُتاب، حيث لا تكاد تخلو أية مكتبة عربية عامة أو خاصة من كتاب يحمل اسمه".
وفي مقالة له نشرت في صحيفة "القدس العربي" روى الروائي والقاص الفلسطيني رشاد أبو شاور علاقة تربطه بصديقه وجاره صالح علماني قائلاً: "صالح علماني وأنا عشنا لسنوات جارين في (الحجر الأسود) جار مخيم اليرموك، الذي لا يفصله عنه سوى شارع الثلاثين، وتتداخل سبل الحياة بينهما، ففي الحجر أسر فلسطينية كثيرة، والمخيم موئل، كان هكذا قبل تفجّر الاقتتال".

ويمضي أبو شاور في حديثه عن تجربة علماني قائلاً: "بعد معركة بيروت غادرت إلى دمشق، فالتقيت بجاري صالح الذي أقام في الحجر الأسود مع زوجته مستقلاً عن بيت أسرته، فكان أن تساءل بحيرة: لقد فقدت كتاباً ترجمته عن بابلو نيرودا، ولا أدري أين أضعته! قلت له: يا صالح: أذكر أنني حملته إلى بيروت، وأن الدكتور الكيالي وعد بنشره. رد: لا أتذكر".

المفاجأة التي وقعت فيما بعد يقصها أبوشاور "ذات يوم كنت أمر بمكتبة (النوري) المقابلة للبريد المركزي، في دمشق، وكالعادة دخلت إليها، وبدأت أتصفح المنشورات الجديدة.. فإذا بي، ويا للمفاجأة السارة، أجد كتاب نيرودا الصادر حديثاً عن المؤسسة العربية. كانت فرحة صالح كبيرة عندما فاجأته بنسختين من الكتاب".

ترجمات علماني ماركة مسجلة!

ويمضي أبو شاور بالثناء على علماني "المبدع الكبير، المثقف الرقيق النبيل"، مخاطباً إياه: لست وحدك الفلسطيني الذي يتعذب ويشقى بفلسطينيته، ولست وحدك من يعتز بهذه الفلسطينية التي يحملها صليباً يمضي به في هذا العالم، لا متمسكناً، ولكن معطاء، رغم الصدمات، والمحن، ورحلة الآلام التي يبدو أنها لن تنتهي في المدى المنظور.

وكان الشاعر والأديب الأردني الراحل أمجد ناصر، قد وصف ترجمات علماني بعلامة الجودة المسجلة، حيث كتب في إحدى مقالاته: "إننا نكاد أن نكون، اليوم، بفضل دأب وصبر وشغف صالح علماني، نتوافر على الأعمال الكاملة لأبرز كتّاب الرواية في أمريكا اللاتينية؛ مثل ماركيز وماريو فارغاس يوسا، وإيزابيل الليندي، إضافة إلى أصوات أخرى أقل شهرة عالمياً مثل؛ الفارو مويتس وغوليانو.. وقد لاحظت، شخصياً، في أكثر من معرض عربي للكتاب، مثقفين وقراء يسألون دور النشر عن ترجمات جديدة لصالح علماني بصرف النظر عن موضوع الكتاب أو هويّة الكاتب، فإن لم تكن هذه هي علامة الجودة المسجلة فما عساها تكون؟".

للمشاركة:

أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية

2019-12-02

يقول المفكر المصري أنور عبد الملك (1924-2012) : "سميت بهذا الاسم تيّمناً بالفريق أول أنور باشا رئيس هيئة الأركان العامة للجيش العثماني، ورائد حركة "الأتراك الشباب" ثم جمعية "الاتحاد والترقي" التي كان لها أبلغ الأثر على شباب الحركة الوطنية المصرية في مطلع هذا القرن".

أدرك أنّ مع كل أزمة دولية تمسك بتلابيب الدول العظمى كالحروب لابد أن تتغير معها أوضاع المستعمرات والدول الخاضعة لهيمنتها

ويستأنف عبد الملك، المولود في أسرة سياسية قبطية عريقة، حديثه عن المؤثرات التكوينية في شخصيته في مجلة المصور، والتي جمعته بعد ذلك في كتاب "التكوين..حياة المفكرين والأدباء والفنانين..بأقلامهم" الصادر عن دار الهلال في شباط (فبراير) 1998 العدد 566، فيرى أنّ هذا الأب الوطني الذي قضى كل يوم بين الثالثة والثامنة من عمر المفكر أنور عبد الملك، يعلمه التاريخ والجغرافيا وحضارة مصر والاكتشافات البحرية وتاريخ المعارك الكبرى، وكثيراً ما ردد على مسامع الفتى الصغير: "عندما تصبح رجلاً تتولى هذه الأمور مع زملائك، مثلنا اليوم" ليصبح الانضمام للحركة الوطنية هو المؤثر الأول في تكوينه، والمؤثر التكويني الثاني "مدرسة العائلة المقدسة" لهيئة اليسوعيين (1929-1940) في القسم العربي منها، وهي المدرسة المرموقة لمن أراد أن يجمع بين التكوين الفكري والروحي والأخلاقي، والوطنية الجارفة وحب مصر، كما فتحت أمامه أبواب التعمق في آداب اللغة العربية.

توفي الأب عن عمر يناهز التاسعة والثلاثين عاماً في العام 1932، لتضطرب أحوال الفتى؛ حيث كانت الظروف الاقتصادية غاية القسوة، وسعى أصدقاء والده إلى سد الفراغ المعنوي الذي تركه الوالد، فيذكر منهم عبد الملك عمه فؤاد بيك عبد الملك مؤسس "جمعية أصدقاء الفنون الجميلة"، والمشارك في توجيه العديد من المؤسسات، مثل: "الجمعية الزراعية الملكية" و"الجمعية الجغرافية الملكية"، ومستشار الملك فؤاد ثم الملك فاروق، وعبد الحليم البيلي بيك قائد جماعة "اليد السوداء" التي شارك فيها الأب.

في القاهرة يقابل عبد الملك المفكر الجزائري مالك بن نبي ليعي معه مفاهيم الحركة الأفريقية-الآسيوية وخاصة الإسلام الحضاري العصري

انجذب عبد الملك إلى القراءة، فكان يقرأ كتاباً كل يوم خلال وبعد ساعات الدراسة، ونتيجة لتدهور أوضاع الأسرة الاقتصادية عمل الفتى في "البنك الأهلي المصري" من خريف العام 1940 حتى ربيع العام 1943، ثم انتقل موظفاً في البنك العقاري المصري ثلاثة أعوام بالقسم القانوني (1943- 1946)، وبعد الانتهاء من العمل اليومي درس اللغة الإنجليزية لأربعة أعوام في المعهد البريطاني، ليحصل على الثانوية العامة البريطانية والتوجيهية المصرية في العام 1944.

اقرأ أيضاً: جاد الكريم الجباعي: مولع بالاستنارة لم يفقد دهشة المعرفة
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، بدأ عبد الملك في البحث يميناً ويساراً عن حل ومخرج لأزمة مصر التاريخية، كدولة خاضعة للاحتلال البريطاني، ملتهماً الكتب السياسية والفلسفية؛ حيث أدرك أنّ مع كل أزمة دولية تمسك بتلابيب الدول العظمى كالحروب العالمية، لابد أن تتغير معها أوضاع المستعمرات والدول الخاضعة لهيمنتها، وقد حدث هذا بعيد الحرب العالمية الأولى، فلِمَ لا يتكرر بعيد الحرب العالمية الثانية؟!

كتاب "التكوين..حياة المفكرين والأدباء والفنانين..بأقلامهم"
تساؤلات تلو تساؤلات تعصف بعقل أنور عبد الملك حول معنى التحرير، أو الاستقلال الحقيقي بعد أن ثبت أنّ معاهدة 1923 لم تمنع مصر من أن تصبح دولة تابعة للاحتلال الغربي والسيطرة الاقتصادية والسياسية للحليف البريطاني؟ ما العلاقة بين الاستقلال الحقيقي والنظام الداخلي السياسي؟ كيف يمكن تأمين سيادة القانون وتمثيل إرادة الشعب في البرلمان والحكم وكذا دعم الاقتصاد المصري زراعة وصناعة ومالاً؟ ثم ما العلاقة بين هذا كله والمعاني الكبرى التي أحاطت بتحرك مصر منذ منتصف القرن الثامن عشر وخاصة منذ محمد علي وثورة العام 1881 وكذلك ثورة العام 1919، وما تلاها من وثبات ثورية شعبية حادة؟ وما العلاقة بين الثورة والنهضة؟

كل تلك الشخصيات والتجارب جعلت البعد الحضاري هو المحور الرئيس لأفكاره واجتهاداته ليصدر العديد من الكتب عن الخصوصية الحضارية

ومع تلك القراءات العريضة اكتشف الفلسفة؛ فأحب محاورات أفلاطون، والفلسفة التساؤلية وأشعار أبي العلاء المعري والفارابي وابن سينا، واكتشف مقدمة ابن خلدون وفلسفة التاريخ الهيجيلية، وكتب الموسوعيين الفرنسيين، وبعد المقاومة البطولية للاتحاد السوفييتي والتضحيات التي قدمها الشعب السوفييتي وانتصاره على النازية، بدأ جيل كامل في الالتفات إلى تلك التجربة التنموية والعسكرية الجبارة، فبدأ عبد الملك يقرأ في التراث الاشتراكي الماركسي، ومدارسه المتنوعة التي حققت على أرض الواقع انتصارات هائلة، مثل: الماوية التى كتب عنها الصحفي الأمريكي "ادجار سنو"  كتابه: "النجم الأحمر فوق الصين"، والذي كشف حقيقة ثورة الصين التحررية.

اقرأ أيضاً: إحسان عبّاس المثقف الموسوعي إذ يستشعر "غربة الراعي"
بدأ عبد الملك يجمع أصدقاءه لعقد حلقة لدراسة الاشتراكية وسبل تحرير مصر، حوارات وسجالات ساخنة جمعت الفتى وأصدقاءه حول تلك التساؤلات التي كانت عبئاً حقيقيّاً على هذا الجيل، الذي كان على موعد مع القدر والصراع ضد الدولة، والدخول معها في معركة تكسير عظام.

جلس الشاب أنور عبد الملك إلى المرشد العام حسن البنا يستمع لخطبته الأسبوعية، ويتحسس معها استجابات الجمهور ليتعرف على مشاعر وتوجهات إخوانه في الوطن.

ومع تجربته السياسية يعود إلى عالم الفلسفة، ليعيد اكتشاف هيجل ويربط مقولاته بمقولات "كتاب الموتى" المصري القديم، ومنه إلى ماركس:"لقد اكتفى الفلاسفة حتى الآن بتفسير العالم، وقد آن الآوان لتغييره"، وربط تلك المقولة بقول الله في كتابه الكريم:"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم" الصلة التي لا تنفصم بين الفكر والعمل.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني

وتأخذ التجربة منعطفاً جديداً حينما قابل أنور عبد الملك مفتش اللغة الإنجليزية شهدي عطية الشافعي في دار الأبحاث العلمية، ليصبح انضمامه إلى الحركة الاشتراكية واقعاً لا لبس فيه، وتدور ماكينة الاعتقال في عهد رئيس الوزراء إسماعيل صدقي، فيهرب حتى يتم الإفراج عمن تم اعتقالهم.
ويصر نسيبه الأستاذ الدكتور جرجس متى، على الاستمرار في التعليم الجامعي، فيستثنيه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين من الروتين، ويلتحق بقسم الفلسفة جامعة عين شمس، ويلتقي بالدكتور عبد الرحمن بدوي في قاعة المحاضرات، ويصبح من حوارييه برغم اختلافهما، فأستاذ الفلسفة وجودي النزعة يعلي من الذاتية والفردية، والطالب ماركسي شديد الإيمان بحتمية تثوير الواقع، يقول أنور عبد الملك: "تعلمت منه، على وجه التخصيص، أنّ واجب المفكر المصري أن ينكب على أصول الفكر والثقافة الوطنية ليطورهما". وكان لبدوي الفضل في اختيار عنوان لموضوع رسالة دكتوراه الدولة في الآداب التي تمت بين (1955-1969) عن "تكون الأيديولوجيا في نهضة مصر القومية (1805-1892) بعيداً عن فلسفة التاريخ عند هيجل، الموضوع الذي استوقفه قبل أن يرى أستاذه بدوي، وينجح في فرنسا، وينضم للمركز القومي للبحث العلمي بباريس في العام 1960م، ليصبح مدرساً ثم أستاذاً للأبحاث، ثم مديراً للبحوث عام 1970.

اقرأ أيضاً: أكاديمي فلسطيني متخصص في حل النزاعات من دون إحراق المراكب
كان هدف عبد الملك من وراء أطروحته الجامعية أن يعي لماذا أقصى جمال عبد الناصر اليساريين، وأودعهم المعتقلات التي دمرت الأغلبية منهم في "أبي زعبل" ثم "الواحات"، فخرجت تلك الأفكار في كتابه "نهضة مصر".
وتتكرر نصائح عبد الرحمن بدوي لتلميذه النجيب، وينصحه أن يقرأ لمارتن هيدجر صاحب "الزمن والكينونة"، فتجذبه دراسته "ما الميتافزيقا"، ويكتشف مع هيدجر أنّ العقل أعدى أعداء الفكر، فالفكر مقولة تستوعب العقل والتحليل والتركيب والعيان الوجداني والإيمان ومنهج واقعية الإنجاز العلمي.

 كتاب "نهضة مصر"
وفي العام 1943، يجد بالصدفة كتاب "الزمان، النهر المنعش" في مكتبة الأنجلو المصرية لجوزيف نيدهام، ليجد فيه مزيجاً من التنقيب في الاشتراكية، وفي الأديان، وحضارات الشرق، والعلاقة بين التحليل الفلسفي وعلم الفيزيولوجيا والطب، ويراسل عبد الملك الكاتب، ويدعو نيدهام الشاب إلى زيارته بجامعة كامبريدج، ليكتشف معه معنى الشرق الحضاري .
وفي القاهرة يقابل عبد الملك المفكر الجزائري مالك بن نبي، ليعي معه مفاهيم الحركة الأفريقية-الآسيوية وخاصة الإسلام الحضاري العصري، ويتزامن مع الحديث عن الإسلام الحضاري موجة تجديد لاهوتي وحضاري في الكنيسة الكاثوليكية، تحت عنوان لاهوت التحرير على يد الرئيس الأعلى السابق لهيئة اليسوعيين "بيدرو أروبيه"، الذي آمن بالحوار بين الحضارات والتثاقف بينهم.

اقرأ أيضاً: حبيب الصايغ.. شراع لم يتعب في رحلة بين ضفتي التسامح والحلم الإنساني
في العام 1963 نشر أنور عبد الملك مقالة بعنوان "الاستشراق في أزمة" في مجلّة "Diogène" (ديوجين). ألقت المقالة حجراً في بحيرة راكدة، وقوبلت بهجوم حادّ بعدما عدّها كثيرون "تصفية حساب مع الغرب". لكنّ عبد الملك التزم الصمت تجاه منتقديه حتى جاء إدوارد سعيد وأخذ الفكرة إلى آفاق أوسع. أحدثت المقالة ضجة واسعة في صفوف علماء الاستشراق الغربيين حتى أنّها أخرجت بعض العلماء عن صمتهم الذي اعتادوا عليه، فنشروا ردوداً على هذه المقالة التي تصف الاستشراق بأنّه في أزمة أخلاقية؛ بسبب صلة هذا العلم بالحملات الاستعمارية التي قام بها الغرب في دول الشرق، فكان رائداً في مجال نقد الدراسات الاستشراقية؛ وقد سببت له هذه الدراسة عزلة عميقة في الوسط الأكاديمي الغربي، لم يخرج منها سوى بالعودة إلى القاهرة.

اقرأ أيضاً: روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد
كل تلك الشخصيات والتجارب جعلت البعد الحضاري هو المحور الرئيس لأفكاره واجتهاداته، ليصدر العديد من الكتب عن الخصوصية الحضارية، مثل: ريح الشرق، في أصول المسألة الحضارية، تغيير العالم؛ رافضاً وجود قالب غربي واحد ثابت تتشكل داخله الحضارة، دون مراعاة للخصوصيات الثقافية.
توفي عبد الملك في 17 حزيرا (يونيو) العام 2012 بباريس؛ حيث كان يقيم عن ثمانية وثمانين عاماً، ليترك للأجيال من بعده تراثا فكريّاً، واجتهاداً أصيلا في معنى وشروط تقديم نموذج حضاري مختلف.

للمشاركة:



تكتلات جديدة في البرلمان التونسي لمواجهة حركة النهضة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف رئيس كتلة الإصلاح الوطني المعارضة في البرلمان التونسي، حسونة الناصفي، أنّ هناك لقاءات ومشاورات لتنسيق جهود كتلته، التي تضم 15 نائباً، وكتلة حزب قلب تونس التي تضم 38 نائباً، إضافة إلى حزب المستقبل، الذي يضمّ 9 نواب، لمواجهة مساعي النهضة لتقديم مشاريع قوانين يراها البعض أنّها محاولة لأخونة المجتمع التونسي.

وأشار الناصفي، في مداخلة عبر إذاعة "جوهرة" الخاصة، اليوم، إلى أنّ المرحلة الأولى ستكون في إطار تنسيق الجهود، وذلك لتوحيد العمل البرلماني على غرار ما حصل من التوافق على انتخاب نائبي رئيس البرلمان وإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها من التيارات الإسلامية، كمشروع إنشاء صندوق للزكاة.

مشاورات لتنسيق جهود كتلة الإصلاح الوطني مع حزب قلب تونس وحزب المستقبل لمواجهة النهضة

وأكد حسونة الناصفي؛ أنّه من الممكن أن تتحول هذه التنسيقية المشتركة إلى كتلة برلمانية موحدة، مؤكداً إمكانية انضمام كتل سياسية أخرى لديها الرؤى والمشاريع نفسها.

وأسقط البرلمان التونسي مقترح كتلة حركة النهضة الإسلامية، الذي طالبت فيه بإحداث "صندوق للزكاة" ضمن مشروع موازنة 2020، لجمع التبرعات بمشاركة جمعيات وهيئات دينية تحت غطاء مؤسسات الدولة، في خطوة عدّها التونسيون بمثابة إثقال كاهلهم بضرائب إضافية بمسميات أيديولوجية مراوغة.

المرحلة الأولى ستكون في إطار توحيد العمل البرلماني لإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها

وكان عدد من النواب، على غرار النائب فيصل التبيني، قد طالبوا باستقالة الغنوشي من رئاسة البرلمان، نظراً لعدم قدرته على مواجهة أزمة الخلاف الذي حصل بين نواب الدستور الحر ونواب النهضة، على خلفية الاعتداء اللفظي التي تعرضت له رئيس كتلة الدستور، عبير موسى، من قبل النائبة جميلة الكسيكسي.

ويتزامن الجدل داخل البرلمان مع المصاعب التي يواجهها رئيس الحكومة، الحبيب الجملي، في تشكيل حكومته مع إعلان كلّ من حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب الانسحاب من المشاورات.

 

 

للمشاركة:

تقرير يكشف دور التحالف القطري التركي في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف تقرير أمريكي دور التحالف القطري- التركي في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، خاصة بما يتعلق بالصراع الليبي الليبي.

وأفاد تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية، الصادر في شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري؛ بأنّ ليبيا كانت واحدة من أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها جلياً التحالف القطري-التركي، مشيراً إلى دعم البلدين للميليشيات المتطرفة والإرهابية، وفق "سكاي نيوز".

 

 

وذكر التقرير أّنه "حين بدأ الصراع، عام 2011، أصبحت قطر أول دولة عربية تعترف رسمياً بمتمردي ليبيا، كما أنها أرسلت المئات من قواتها لدعمهم".

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية: ليبيا كانت أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها التحالف القطري-التركي

ويؤكد التقرير كذلك؛ أنّ الدوحة أشرفت على تدريب المقاتلين الليبيين في مناطق مختلفة من البلاد، لافتاً إلى أنّ "الدور القطري كان كبيراً لدرجة أنّ الليبيين في بعض المناطق باتوا يرفعون العلم القطري إلى جانب نظيره الليبي".

وذكرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومقرها واشنطن؛ أنّ الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً من الأقمار الصناعية، تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة وحتى المقاتلين لدعم الميليشيات الليبية.

وخلص التقرير إلى أنّه "رغم كلّ هذا الدعم والتحالف، إلا أن الدوحة وأنقرة لم تتمكنا من التأثير في أيّ ممثل ليبي كبير".

ويتناغم التقرير مع الاتفاقين اللذين وُقِّعا مؤخراً بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة فائز السرّاج في طرابلس، بخصوص الحدود البحرية والتعاون الأمني، وواجها رفضاً قاطعاً من جانب دول المتوسط، وأهمّها مصر واليونان وقبرص، إضافة إلى دول أوروبية.

التقرير: الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة للميليشيات

ومؤخراً ألمح أردوغان إلى إمكانية إرسال تركيا لقوات عسكرية إلى طرابلس، إذا طلب السرّاج ذلك، فيما كشفت مصادر من الجيش الوطني الليبي أن أيّة سفينة تركية ستقترب من الحدود الليبية ستعدّ هدفاً مشروعاً.

وكان تقرير للأمم المتحدة قد خلص، في آذار (مارس) 2013، إلى أنّ قطر أرسلت أسلحة للقوات المناهضة للرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، في عامي 2011 و2012، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، كما سلمت الشركات التركية الأسلحة إلى "تحالف فجر ليبيا"، وهو تكتل لميليشيات متشددة.

ويؤكد الجيش الوطني الليبي، في أكثر من مناسبة، أنّه يقاتل جماعات مسلّحة مدعومة من تركيا وقطر، خلال حربه مع ميليشيات متطرفة في العاصمة الليبية طرابلس.

 

 

للمشاركة:

أمريكا تفرض عقوبات جديدة على شركات إيرانية.. هذا ما تفعله

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

فرضت الولايات المتحدة، أمس، عقوبات جديدة على أكبر شركة طيران في إيران وعلى قطاع الشحن الإيراني بتهمة نقل أسلحة من إيران لليمن ونشر أسلحة للدمار الشامل.

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، للصحفيين، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء: إنّ واشنطن استهدفت ثلاثة وكلاء مبيعات عامة لشركة "ماهان إير"؛ بسبب الدور الذي تلعبه شركة الطيران في نشر أسلحة الدمار الشامل.

بدورها، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية؛ أنّه "تمّت أيضاً إضافة شبكة شحن إيرانية لقائمة سوداء بسبب تورطها في تهريب مساعدات فتاكة من إيران لليمن نيابة عن الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس التابع له".

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شركة "ماهان إير" وعدد من وكلاء مبيعاتها لنقلها مساعدات فتاكة لليمن

وتأتي العقوبات الجديدة بعد أيام فقط من تبادل للأسرى مطلع الأسبوع بين الولايات المتحدة وإيران في تعاون نادر منذ تصاعد التوتر بينهما، عقب انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015.

من جانبه، أكّد بومبيو، أنّ واشنطن ستواصل "حملة الضغوط القصوى" على إيران، لكنّه عبّر، في الوقت ذاته، عن أمله في أن يؤدي تبادل الأسرى مع إيران إلى مسعى أوسع نطاقاً لإطلاق سراح معتقلين أمريكيين.

أيضاً، قال وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، أمس: إنّ "جهود طهران لزعزعة استقرار المنطقة تتفاقم".

وأضاف أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب؛ أنّ بلاده تسعى لتعزيز دفاعاتها وتمكين شركائها من مواجهة تهديدات إيران، وتابع إسبر: "سنردّ بقوة حاسمة إذا هاجمت إيران مصالحنا أو قواتنا".

 

للمشاركة:



الهيمنة الإيرانية تنتكس في مواقع نفوذها!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

هدى الحسيني

عبر وكلائها الإقليميين مثل «حزب الله» في لبنان والميليشيات المتحالفة معها في اليمن والعراق، مدت إيران نفوذها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، لكن اليوم، كثير من هؤلاء الوكلاء يواجهون ما يشبه «المحاكمات» الشعبية في مناطق وجودهم. ولا يمكن أن تأتي الاحتجاجات في وقت أسوأ منه بالنسبة إلى النظام الإيراني، الذي يكافح من أجل القضاء على اندلاع الاضطرابات العنيفة داخل إيران، التي يغذيها الفساد المستشري وتدهور الوضع الاقتصادي.
ظهرت قواسم مشتركة مثيرة للاهتمام داخل عقول المتظاهرين في الدول الثلاث، ترتبط بها الجوانب الأجنبية والمحلية، لكن برز أن الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني سببت تفاقم الحرمان لدى الفقراء والطبقة العاملة في هذه الدول، رغم أن إيران تطلق على ثورتها اسم «ثورة المستضعفين». كل هذا ينذر بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تواجه لحظة محاسبة قاسية لمكانتها الإقليمية.
تحاول بعض الأبواق الإيرانية، في لبنان بالذات، الإشارة إلى أن ما جرى في سوريا هو درس لأولئك الذين يتوقعون نوعاً من الربيع العربي، على أساس أن العنف والحرب الأهلية أمران ممكنان، مثل الانفتاح والإصلاح وسط الانهيار المنهجي، وإن لم يكن أكثر بالنظر إلى وجود الجماعات شبه العسكرية المسلحة، إضافة إلى مصالحهم التجارية الواسعة، التي ستخسر كل شيء في حالة انهيار النظام في الوقت الحالي.
في إيران اندلعت الاحتجاجات في أغلبية المدن إثر قرار حكومي يخفض دعم الوقود. كان رد الفعل الشعبي شديداً أدى إلى رد فعل دموي من جانب الحكومة، ولتخويف الناس أكثر اعترف التلفزيون الحكومي بأن قوات الأمن تقتل المتظاهرين. الجدير بالذكر أن كثيراً من أعمال العنف الحادة كانت في خوزستان موطن العرب الذين لهم تاريخ طويل من الصدامات مع سلطة الدولة، ما يوضح كيف أن الاضطرابات الاقتصادية الحالية تهدد بتفاقم الانقسامات الطائفية داخل إيران والمنطقة الأوسع. هذه المخاطر لا تقتصر على عرب خوزستان، إنها موجودة لدى الأكراد والآذريين، وربما الأخطر لدى البلوش في الجنوب، وكل هذه الأعراق لهم إخوة، في بعض الحالات متمردون نشطون، على الجانب الآخر من الحدود الإيرانية.
بعد «العصا» لوحت الحكومة الإيرانية «بالجزرة» عبر مساعدات مباشرة طبقت على الفور واستهدفت 70 في المائة من السكان! أرادت الحكومة دعم الركائز الأساسية للنظام (الفقراء). نجح أسلوب العصا والجزرة حتى الآن في قمع الاحتجاجات لكن الهدوء سوف يتلاشى طالما أن الاقتصاد الإيراني يتعرض لأقصى أنواع الضغوط.
أما العراق فإنه لا يزال يعيش موجة احتجاجات عنيفة واسعة النطاق، تغذيها قضايا الخبز والغضب من الفساد الحكومي. ثار العراقيون بعد صبر على نظام الحكم في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي. وزع النظام الوظائف العليا على أساس الانتماء الطائفي، وتُلقي الاحتجاجات اللوم عليه في إثراء الزعماء الدينيين والمجموعات شبه العسكرية على حساب الشعب العراقي. ولأن العراق دولة ذات أغلبية شيعية فقد أفاد هذا، النظام الإيراني الذي مارس نفوذاً على السياسة العراقية ورعى وجوداً عسكرياً وصاروخياً وأنشأ مجموعات «الحشد الشعبي» التي يبلغ عدد أعضائها مئات الآلاف، إنها تمثل قوات موازية للقوات المسلحة، تأخذ رواتبها وتُمنح الرتب الرسمية من الدولة العراقية، لكن افتقارها للاندماج في القوات العراقية هو شهادة على ضعف مؤسسات الدولة. ورغم أنها تحت قيادات عراقية الاسم، فإن لإيران التأثير الأكبر على هذه الجماعات. ما مقدار هذا التأثير؟ يقول لي مصدر عراقي معارض، إن هذا سيظهر فقط في حالة وجود خلاف استراتيجي خطير بين بغداد وطهران! العراقيون الغاضبون يعتبرون أن تأثير إيران على العراق مفرط ويضرّ بالبلاد، ولم يتأخر المتظاهرون في إشعال النيران في القنصليات الإيرانية في جنوب العراق حيث المراقد الشيعية.
غرقت حركة الاحتجاجات في العراق في أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الأمن والقوات شبه العسكرية (الحشد الشعبي)، ورغم عدد القتلى الذي فاق الـ400 لم تتوقف الحركة وحققت نجاحاً في 29 من الشهر الماضي بإعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي عزمه على التنحي «بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة»، وهنا تكمن الخدعة؛ إذ إن اختيار عبد المهدي استغرق ما يقرب من نصف العام، وسيخضع بديله لعملية التثبيت الطويلة والشاقة للغاية من قبل الأحزاب السياسية والرائدة والتي لن تتنازل عن امتيازاتها. لذلك فإن قصة العراق ستكون معقدة ومن غير المرجح أن يحصل المتظاهرون على عملية الإصلاح الشامل الذي يطالبون به في أي وقت قريب. وبالتالي فإن الحرب الأهلية ليست ببعيدة. لكن من ناحية أخرى، ورغم أن التغيير المنهجي في العراق بعيد المنال، ورغم ما قد يحدث على المدى القريب، فإن الموقف الجغرافي السياسي لإيران تآكل بشكل ملموس منذ اندلاع حركة الاحتجاج. قد يقتل عملاؤها كثيرين، لكن ضربة الفأس الأخيرة ستكون على الرأس الإيراني داخل العراق.
أما في لبنان فيريد الشعب إنهاء نظام المحاصصة والمحسوبية على أسس دينية، الذي بني على حساب الحكم الرشيد. وكما في العراق ستخسر إيران من أي إصلاح شامل لأنه يؤذي أهم وكلائها والأكثر موثوقية من قبلها، أي «حزب الله». يتمتع «حزب الله» بتاريخ طويل كوحدة شبه عسكرية وحزب سياسي في لبنان، ولاؤه لإيران، ومع ذلك فإن دخول الحزب إلى المسرح السوري دفع بعض المتظاهرين حتى عدداً كبيراً من الشيعة إلى التشكيك في التزامه بالمشروع الوطني اللبناني. مع قيام الثورة في لبنان التي أسقطت رئيس الوزراء، رغم أن الأمين العام للحزب حسن نصر الله أنذر اللبنانيين بأنه لا إسقاط للحكومة، ولا تغيير للعهد، ولا إصلاحات، قام بتعبئة مؤيديه ووحداته لضرب الثورة ودعم الحصص الطائفية السابقة، فسقط مشروعه بشكل فاضح. استمرت الثورة ورفض الثوار خياره الثاني لرئاسة الحكومة، كما أظهرت سلمية الثورة نوعية بلطجية مؤيدي الحزب ووحداته. يهدد الحزب عبر المقربين منه بأن الثورة هي مؤامرة عليه، وقد تؤدي إلى حدوث اشتباكات في المستقبل بين قواته وقوات الجيش اللبناني، إذا حدث هذا يكون الحزب قد ارتكب غلطة العمر.
القواسم المشتركة بين السياقات الوطنية الثلاثة صارخة. كل حركة تقاتل من أجل نظام سياسي واقتصادي أكثر عدالة وشفاف وغير فاسد، وترفض الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني. الديمقراطية لها ثمن، لكن في هذه الدول قد يكون ثمنها أغلى من بقية الدول، لأنها تشكل ضربة قاسمة لأهداف السياسة الخارجية الطويلة المدى لإيران. ستحاول هذه فرض العنف المستمر والاضطرابات وعدم الاستقرار على المدى القصير. لقد وضع المتظاهرون سقفاً عالياً لإصلاح الأنظمة الطائفية الفاسدة. وهذه الأهداف ستعمل على تنشيط الاحتجاجات إلى أبعد من المتوقع. لكن المزيج من مؤسسات الدولة الضعيفة المتعفنة، والقوات شبه العسكرية المدعومة بالسلاح، وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، وعلى سبيل المثال ديون لبنان المتضخمة، كلها تجعل المطلوب من المتظاهرين المثابرة والاستمرار وعدم التراجع.
ويجب الإيمان حقاً بأن لبنان ينتفض، والعراق ينتفض، وإيران تنتفض أيضاً. وستحتفل شعوب هذه الدول بالولادة الثانية لأوطانها، وهذا حتماً سيحصل، فالتنين يقترب من نهاية عمره!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

المصالحة مع قطر لم تنضج بعد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

جويس كرم

عامان ونصف على أزمة الرباعية العربية مع قطر. وعلى الرغم من بعض المؤشرات الأخيرة الموحية بحل وشيك، فإن عمق الخلاف واتساع مداه الجيوسياسي والإقليمي يشير إلى أن هذه المصالحة لم تنضج بعد.

توقع كثيرون أن تكون القمة الخليجية هذا الأسبوع منبر المصافحة بين أمير قطر تميم بن حمد والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز. إلا أن عدم حضور الأمير وإرسال رئيس وزرائه عبدالله بن ناصر يؤكد أن إطار المصالحة لم يكتمل بعد وأن هناك عراقيل جمة على المستويين الداخلي والإقليمي قد تؤخر حدوثها.

بالنظر إلى المؤشرات التي كادت توصل إلى مصالحة في الرياض هذا الأسبوع، فيمكن اختصارها بثلاث:

أولا، زيارة وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن إلى السعودية في أكتوبر الفائت كانت مفصلا رئيسيا باتجاه الحل. صحيفة "وول ستريت جورنال" التي كشفت عن الزيارة قالت إن الجانب القطري تعهد بوقف الدعم لتنظيم الإخوان المسلمين وأي تنظيمات تابعة له. مصادر مطلعة تقول إن ولي العهد السعودي استقبل وزير الخارجية القطري على العشاء في تلك الزيارة.

ثانيا، الضغط الأميركي في الفترة الأخيرة لإيجاد حل أو على الأقل رفع بعض وسائل المقاطعة التي وضعتها الرباعية (السعودية، الإمارات، مصر والبحرين) في العام 2017. وهذا ما توجته اجتماعات دفاعية في الرياض وواشنطن تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، وخطوات مثل المشاركة من قبل البحرين والسعودية والإمارات في كأس الخليج الذي استضافته قطر قبل أيام.

ثالثا، العوامل الاقتصادية وتطلع معظم الأطراف إلى رفع الإجراءات التي تمنع التسهيلات الاقتصادية والاستثمارات. هذا الدافع تعززه المقاربة الأميركية وتذمر كبار الشركات في الولايات المتحدة من كلفة القطيعة على الحركة المصرفية والبحرية والجوية لهذه الشركات في الخليج.

في الوقت نفسه، اصطدم هذا المناخ الإيجابي تجاه المصالحة بعدة عوامل على أرض الواقع أدت إلى عرقلته حتى اليوم؛ ومن أبرزها:

أولا، انتظار دول الرباعية خطوات ملموسة حول وقف قطر لدعم تنظيم الإخوان وفروعه وليس فقط تعهدات. فحتى حين قدمت قطر تعهدات خطية لمجلس التعاون في الماضي، نكثت بها على أرض الواقع. من هنا، لا يكفي تعهد وزير خارجيتها، وهناك ترقب من الدول المقاطعة لخطوات محددة في هذا المجال.

ثانيا، زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الدوحة بعد أسبوعين من زيارة وزير الخارجية القطري للسعودية، وضعت أنقرة في صلب هذه المعادلة. فالوجود العسكري التركي في قطر ما زال مرفوضا من دول المقاطعة، وما من مؤشر بأن إردوغان في صدد الانسحاب لا بل هو يبدي استعدادا لاستنساخ هذه الاستراتيجية في ليبيا.

ثالثا، هناك وجهات نظر مختلفة داخل الرباعية ومطالب تتمايز بين دولة وأخرى رغم الالتقاء على الإطار الأوسع. من هذا المنطلق قد يكون هناك حاجة إلى مفاوضات متعددة الأطراف وليس فقط سعودية ـ قطرية لإنجاح مساعي إنهاء الأزمة.

رابعا، رغم الهدنة الإعلامية القصيرة، ما زال التشنج في الخطاب الإعلامي بين قطر والرباعية يطبع الموقف بسبب التباعد الجيوسياسي والإقليمي المستمر في أكثر من ملف.

خامسا، العلاقة الإيرانية ـ القطرية، التي شهدت تقاربا منذ الأزمة الخليجية، مصدر قلق لدول الرباعية والولايات المتحدة. وهذا سيتطلب التزامات من الدوحة للبقاء ضمن المظلة الخليجية من دون أن يعني مقاطعتها لطهران.

هذه المعطيات ترجئ المصالحة مع قطر اليوم وترجح خطوات تدريجية قبل حل شامل للأزمة. إنما أي مصالحة كاملة ستستوجب خطوات ملموسة وليس فقط تعهدات، وعليها أن تنال موافقة كل الدول المقاطعة بمن فيها مصر. الى حين اتمام ذلك، ستضغط الولايات المتحدة لاتخاذ تسهيلات في القطاع المصرفي أو لرفع الحظر الجوي والبحري تخفف العبء على شركاتها وتفسح المجال لخطوات أكبر.

عن "الحرة"

للمشاركة:

عام على اتفاق ستوكهولم.. تعنت حوثي يفاقم معاناة اليمنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

يدخل اتفاق ستوكهولم بشأن الأزمة اليمنية، اليوم الخميس، عامه الثاني، وسط مماطلات حوثية عرقلت تنفيذ غالبية بنوده التي كانت ستُسهم في تخفيف معاناة اليمنيين، وخصوصا سكان مدينة الحديدة غربي البلاد.

وفي 12 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، رعت الأمم المتحدة مشاورات سلام بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي، أثمرت توقيع ما عُرف بـ"اتفاق ستوكهولم" في السويد.

ونص الاتفاق على عدة تفاهمات؛ أبرزها وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة الساحلية، فضلا عن تبادل الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسريا، وفك الحصار الحوثي على مدينة تعز، جنوب غربي البلاد.

وطيلة عام كامل، لم يحقق اتفاق ستوكهولم سوى اختراقات طفيفة في جانب تخفيف التصعيد العسكري بالحديدة.

ومن المقرر أن يقدم المبعوث الأممي مارتن جريفيث، مساء الخميس، إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن اتفاق ستوكهولم، وما تحقق منه والمؤشرات القادمة بشأن ملف الحديدة.

مسرحية هزلية
كان "ملف مدينة الحديدة" هو القضية الأبرز في اتفاق ستوكهولم؛ حيث نص على هدنة إنسانية تبدأ منذ 18 ديسمبر/ كانون الأول 2018، فضلا عن فتح الممرات الإنسانية والسماح بمرور قوافل الإغاثة.

كما أكدت بنود الاتفاق انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة الـ3 خلال 14 يوما، ثم من مدينة الحديدة إلى أطرافها في غضون 21 يوما.

ومنذ تلك الفترة، واصلت مليشيا الحوثي مراوغاتها للتنصل من اتفاق الحديدة، عبر تنفيذ انسحاب وهمي أحادي الجانب من موانئ الحديدة.

وارتكزت الخدعة الحوثية على استبدال عناصر المليشيا المدعومة من إيران بقوات موالية لها، في خطوة رفضتها الحكومة اليمنية ووصفتها بـ"المسرحية الهزلية".

مراوغات الحوثيين لم تتوقف عند خدعة الحديدة، بل واصلت المليشيا حفر الخنادق وزراعة الألغام في محيط ميناء الحديدة والشوارع المؤدية إليه، بالتوازي مع تحويل الأحياء السكنية إلى ثكنات عسكرية.

وفيما توقفت الضربات الجوية للتحالف العربي بشكل كامل منذ عام على مواقع الحوثيين في مدينة الحديدة، واصلت المليشيا الانقلابية إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع القوات المشتركة.

وكانت آخرها الهجمات الإرهابية المزدوجة بأكثر من 5 صواريخ باليستية و13 طائرة مسيرة على مدينة المخا في الساحل الغربي لليمن.

وفي الشق الاقتصادي لملف الحديدة، كان من المفترض أن تقوم المليشيا الحوثية بالانسحاب من ميناء الحديدة وتسليم إدارته للأمم المتحدة من أجل توريد إيراداته المهولة إلى البنك المركزي في عدن حتى يتسنى للحكومة اليمنية صرف مرتبات جميع موظفي الدولة.

إلا أن المليشيا رفضت التخلي عن موارد ميناء الحديدة التي تستغلها في شراء السلاح، وهو ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من مرتباتهم ومفاقمة الأوضاع الإنسانية.

أزمة الأسرى

منذ توقيع اتفاق ستوكهولم، عقدت لجنة الأسرى والمعتقلين المشتركة عدة اجتماعات في العاصمة الأردنية عمّان، لكنها لم تخرج بنتائج إيجابية جراء استمرار التعنت الحوثي في الملف الإنساني المفتاحي لبناء الثقة بين الأطراف.

وطالبت الحكومة اليمنية بالبدء بصفقة تبادلية كاملة يتم بموجبها إطلاق جميع الأسرى من الجانبين دفعة واحدة، لكن المليشيا الحوثية اشترطت أن يتم إطلاق 50% فقط، بهدف الاحتفاظ بما تبقى واستخدامهم كورقة للابتزاز السياسي.

وفيما وافقت الحكومة على تبادل 50% من القوائم الخاصة بالأسرى والمخفيين قسريا، وعلى رأسهم 10 صحفيين وعدد من الناشطين والأكاديميين الذين تم اعتقالهم دون وجود أي تهمة، ماطلت المليشيا الحوثية في هذا الجانب، ورفضت تنفيذ تعهداتها حتى الآن.

وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، حاولت مليشيا الحوثي امتصاص الضغط الأممي، وقامت بإطلاق 290 أسيرا فقط من معتقلاتها في صنعاء.

فيما أكد مراقبون أن جميع المفرج عنهم مواطنون عاديون قامت المليشيا الانقلابية باختطافهم من منازلهم وحواجز التفتيش على مداخل المدن.

وتواصل المليشيا الحوثية اختطاف أكثر من 4 آلاف معتقل ومخفي قسريا في سجونها بصنعاء وذمار وإب والحديدة.

ملف تعز
وبالتوازي مع تعنتها في جميع الملفات واصلت مليشيا الحوثي فرض حصارها الخانق على مدينة تعز للعام الرابع على التوالي، رغم الالتزامات التي قطعتها في اتفاق ستوكهولم.

وضرب الحوثيون عرض الحائط بالالتزامات المترتبة عليهم بناء على الاتفاق، ليرفضوا كل الدعوات الأممية والدولية بتسهيل مرور المدنيين.

وتفرض المليشيا الحوثية حصارا على سكان تعز من جميع المنافذ الرئيسية الشرقية والغربية والشمالية.

كما تمنع دخول الإغاثات والمواد الغذائية، كعقاب جماعي للمدنيين القاطنين في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية.

وكان من المفترض، أن تقوم المليشيا الحوثية بفتح أحد الممرات الرئيسية للمدينة وهو الذي يربط مدينة تعز بالعاصمة صنعاء، لكنها واصلت مماطلتها، وقرنت ذلك باستئناف الرحلات الجوية من مطار صنعاء الدولي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية