"الحوثي" و"داعش" و"القاعدة"... إرهاب ثلاثي يضرب اليمن بغطاء إيراني

814
عدد القراءات

2019-02-05

كشفت الأیام الأخیرة وتطورات الأحداث على الأرض في الیمن أن میلیشیات الحوثي الإرھابیة التي تدور في فلك الإرھاب الإیراني الأسوأ من نوعھ في تاریخ الخلیج العربي والشرق الأوسط ھي من یوفر الغطاء لتنظیمي القاعدة وداعش، وبدعم من طھران مباشرة في محاولة لا تخطئھا العین لإثارة المزید من الفوضى القاتلة في المنطقة.

الشاھد أنھ في الأیام القلیلة الماضیة كشفت وزارة الداخلیة الیمنیة عن ضبط خلایا إرھابیة تابعة لجماعة الحوثي تعمل تحت اسمي «داعش» و«القاعدة» على زعزعة الأمن والاستقرار، واستھداف قیادات الدولة، وتنفیذ عملیات الاغتیالات، وفي السیاق نفسھ كان الجیش الیمني یعلن عن إطلاق حملة أمنیة واسعة النطاق لملاحقة عناصر تنظیم داعش ومحاولة تحجیم فلول «القاعدة» المنتشرین في الریف الغربي لمحافظة تعز جنوب صنعاء.
ولعل علامة الاستفھام الأولى في ھذه السطور: «ھل قدم الحوثیون إن بطریق مباشر أو غیر مباشر الدعم اللازم والمطلوب للإرھاب وجماعاتھ المختلفة، لیزداد انتشارا في الیمن على النحو الذي جعل ذلك البلد بقعة مشتعلة في الحال والاستقبال؟».
المقرر بالتجربة التاریخیة أن الإرھاب وخلایاه المختلفة لا تعیش إلا في بیئات منفلتة أمنیا عنوانھا الفوضى وعدم الاستقرار، ولھذا فإنھ ومنذ الانقلاب الحوثي في سبتمبر (أیلول) من عام 2014 فإن التنظیمات الإرھابیة في الیمن تسعى جاھدة لاستغلال الأوضاع الأمنیة المتردیة من أجل محاولة فرض نفوذھا على الساحة الیمنیة.
على أن الخبراء في مجال تحلیل ودراسة ھویة الجماعات الإرھابیة، لا سیما «داعش» و«القاعدة»، یدركون جیدا أن ھناك خلافات بینیة وفكریة عمیقة إلى الدرجة التي جعلت بعضھم یتصادم بالفعل في المیدان.
أضف إلى ذلك أن إیران لھا توجھات مغایرة عن الجماعتین، وعلیھ فقد باتت علامة الاستفھام: ما الذي یجمع الأضداد في إطار واحد وإن تقطعت بھم سبل التوجھات الآیدیولوجیة والعقائدیة؟
المؤكد بدایة أنھ رغم اختلاف المرجعیات المذھبیة لأطراف الثلاثي الإرھابي المتقدم، فإن المتابع لما یجري على الأرض في الیمن یدرك أن تضافر جھود الحوثي مع «القاعدة» و«داعش»، إنما یصب في نھایة المشھد لصالح المعسكر الإیراني ذاك الذي یسعى لتشتیت وإرباك الجیش الیمني والمقاومة والتحالف العربي ویسعى لأجل استنزافھم وإنھاكھم وھو ما لم ولن یدركوه.

في تقریر أخیر لھا كانت صحیفة «واشنطن بوست» ترصد عبر عیون الباحثة في جامعة أكسفورد، إلیزابیث كیندال، كیف تمكنت «القاعدة» بدایة من تعزیز حضورھا في الیمن، لا سیما أنھا استفادت بشكل بالغ من الفوضى التي أعقبت الحرب في 2015 ،لا سیما بعد استیلاء جماعات الحوثي على معدات عسكریة یمتلكھا الجیش الیمني وإقدام مقاتلیھا على سرقة البنك المركزي.

ترى كیندال أن مفتاح نجاح تنظیم القاعدة في جزیرة العرب وبخاصة في الیمن لم یكن بفعل التجنید المباشر، لا سیما أن عدد مقاتلیھ الأساسیین لم یتجاوز أربعة آلاف عنصر في قمة صعوده إنما جاء بفعل الجھود التي بذلھا التنظیم بغیة الحصول على دعم كبار قادة المدن وشیوخ القبائل، إلى جانب مساعیھ لـ«كسب التعاطف الضمني من جانب السكان المحلیین».

في ھذا الإطار بدا «القاعدة» مختلفا في توجھاتھ عن «داعش» في أنھ اعتمد نھجا متدرجا في ممارسة أعمال الحكم ضمن نطاق سیطرتھ حیث عقد صیغا تشاركیة ومحلیة الطابع لتقاسم السلطة مع أبناء تلك المناطق.

ھل الیمن یمثل بالنسبة لـ«القاعدة» أھمیة استراتیجیة عالیة، لا سیما أن التنظیم یخطط للعودة بقوة بعد الضربات الشدیدة الوقع والخسائر الھائلة التي تعرض لھا منافسھ الأشد تنظیم دولة الخلافة «داعش»؟

یمكن القطع بأن ذلك كذلك بالفعل، فالیمن یمثل بیئة تتقاطع فیھا الجغرافیا والدیموغرافیا في خلق بؤر تمرد ذات إمكانیة بقاء عالیة، كما أن الیمن یقع في منطقة بؤریة محوریة تحمل تھدیدا خطیرا لأمن القوى الإقلیمیة والدولیة، كما أن القدرة على التمدد الأفقي عبر توظیف العامل القبلي في الیمن والسعودیة أمر من شأنه أن یرفد «القاعدة»  بالمزید من الأنصار وأن یوسع قاعدة الأفراد الساعین إلى القیام بعملیات انتحاریة.

لم یكن لتنظیم داعش حضورا قویا أو ملحوظا في الیمن قبل الانقلاب الحوثي لكن أجواء الاضطراب والانشقاق الداخلي من جھة، والھزائم التي مني بھا التنظیم في العراق وسوریا على ید قوات التحالف الدولي من جھة ثانیة، یسرت وبشكل كبیر لتسرب أعداد من «الدواعش» إلى الداخل الیمني، لا سیما في المواقع المتقدمة التي یسیطر علیھا الحوثي وجماعتھ كما حدثت بعض الانشقاقات المبكرة في صفوف «القاعدة» لصالح «داعش»، وتم الإعلان عن قیام إمارات مزعومة تابعة لتنظیم الدولة في عدد من مناطق الیمن، إلى جانب تنفیذ ھجمات استحوذت على عناوین الصحافة في عامي 2015 و2016 .إلا أن «داعش» بحال من الأحوال لم یستطع أن ینافس «القاعدة» على النفوذ في الیمن. بدأت «داعش» تظھر في الیمن في بدایات عام 2014 عندما أعلن أبو بكر البغدادي أن مقاتلین في الیمن تعھدوا بالبیعة أي بقسم الولاء الرسمي لھ، وفي ذلك الوقت كان تنظیم الدولة یتمتع باكتساب عناصر جدیدة بشكل كبیر في جمیع أنحاء العراق وسوریا فیما كانت ذروة شعبیتھ تتصاعد بین السلفیین المتشددین، وعلیھ فإنھ ابتداء من نوفمبر (تشرین الثاني) 2014 انشق عدد من نشطاء «القاعدة» في شبھ الجزیرة العربیة وانضموا إلى تنظیم الدولة في الیمن.
لم یكن الاندماج واردا بین «القاعدة» و«داعش» بالمرة فقد اعتبر رجالات «القاعدة» فكر «داعش» بالنسبة لھم فكرا دخیلا، حیث أعلن القیادي بـ«القاعدة» حارث النظاري الذي قتل لاحقا أن تنظیم داعش لا یتجاوز كونھ جماعة من الجماعات المتطرفة، وأن إعلان «داعش» لم یستوف الشروط اللازمة، ومن ثم فإن ھذا الإعلان لا یبطل شرعیة الجماعات الأخرى التي تعمل في الساحة، وبدا أن خطاب النظاري موجھ بشكل أساسي لأنصاره في الیمن قبل أن یكون ردا على إعلان البغدادي.
كان للخلاف بین «القاعدة» و«داعش» أن یطفو على السطح في كل الأحوال فعلى الرغم من أن الأول حاول مرارا تأخیر إعلان موقفھ من الخلاف الذي جرت به المقادیر بین الرجل الأول في تنظیم القاعدة والمسؤول عن ھیكلھا الحالي أیمن الظواھري، وبین تنظیم داعش الذي رأى في نفسه الأحق بقیادة التنظیم، فإن «القاعدة» في نھایة المطاف أعلنت تجدید بیعتھا في الیمن للظواھري، ورفض فكرة قیام البغدادي بإعلان الخلافة بشكل منفصل.

أخفق «داعش» في الیمن في بدایة الأمر فیما نجحت فیھ «القاعدة»، وفي المقدمة من ذلك عجزه عن بلورة رؤیة مجتمعیة ثقافیة محددة قادرة على التحدث بلسان الیمنیین ومخاطبتھم أو دغدغة مشاعرھم من أجل كسب المزید من عناصرھم، فضلا عن غیاب مشاركات في مشروعات تنمیة المجتمع المحلي إلى جانب توجیھ انتقادات قاسیة لتكتیكات «داعش» من قبل مقاتلین انشقوا عن صفوفھ إلى صفوف «القاعدة». ولأن «القاعدة» تنظیم مؤدلج فكریا فیما «داعش» عملیاتي بشكل أكبر وأخطر، بدأ المشھد على الأرض یكاد یتحول إلى سباق دام بین المجموعتین لإحداث أكبر عملیات إرھابیة، ففي مارس (آذار) 2015 أعلن ما یعرف بولایة صنعاء التابعة لتنظیم الدولة مسؤولیته عن تفجیرات صنعاء الأخیرة حیث فجر أربعة انتحاریین أنفسھم في مسجدي بدر والحشوش مما أسفر عن مقتل 142 شخصا في حین تبرأ «القاعدة» من العملیة واتھم تنظیم داعش بالتساھل في سفك الدماء.

لم تتوقف المناوشات بین «القاعدة» و«داعش» عند المقارعات الفكریة، بل حدثت معارك فعلیة على الأرض لا سیما في محافظات جنوبیة ما اعتبر دلیلا آخر على شعور تنظیم القاعدة بخطر استلاب الدواعش لمكان ومكانة أوسع وأعمق في المجتمع الیمني، ولاحقا بطغیان یمكن لھ أن یزیح مكتسبات «القاعدة» عبر الأعوام الماضیة، لا سیما أن تنظیم داعش كان یتھم «القاعدة» في الیمن بأنھ «تنظیم جھادي إسلامي لكن بما لا یكفي لأن یستحق ھذا الوصف».
مرة أخرى كیف لتنظیمات متقاتلة على ھذا النحو أن تتشارك ولو مرحلیا تحت عباءة وغطاء واحد في الداخل الیمني؟... لتكن البدایة من عند الحوثي و«القاعدة» وھي علاقة معقدة ومركبة فمع الإقرار بالاختلاف العقائدي أولا والآیدیولوجي ثانیا، فإن المحلل المحقق والمدقق لتقاریر مجلس الأمن والأمم المتحدة منذ 2014 وحتى الیوم یستطیع أن یرصد وبأقل مجھود فكري العلاقات الوثیقة التي ربطت علي عبد الله صالح مع تنظیم القاعدة، إضافة إلى أن التحقیقات تؤكد تورط میلیشیات الحوثي في زرع عبوات ناسفة بالمدن الیمنیة ونسبتھا لـ«داعش»، ما یؤكد كذلك تورط المیلیشیات الحوثیة مع «القاعدة»، وھنا الدلیل الأول على أن «القاعدة» والحوثي وجھان لعملة واحدة صناعتھا إیرانیة فالعلاقة المزدوجة بین تنظیم القاعدة بإیران من جھة وبالحوثیین من جھة أخرى، تؤكد أن إیران نجحت وبكل أسف في استقطاب كثیر من مقاتلي «القاعدة» وبینھم قیادات في الخط الأول والقیادات الوسطى، كما أنھا قامت بتقارب بین میلیشیات الحوثي ومیلیشیات «القاعدة»، والجمیع یعلم أن ھناك صفقات تبادل أسرى بین الحوثیین و«القاعدة» برعایة إیرانیة، كما كشفت المفاوضات في مراحلھا المختلفة عن العلاقة بین تنظیم القاعدة وجماعة الحوثي وذلك عندما رفضت میلیشیات الحوثي مقترحا من الأمم المتحدة بإصدار بیان یؤید العملیة العسكریة ضد تنظیم القاعدة في المكلا وأبین.

ھل من خیط یربط بین «داعش» وإیران، لا سیما في الیمن؟
لیس سرا القول إن الإیرانیین الذین أطلقوا ظاھریا فتاوى ما عرف بـ«الجھاد الكفائي» ضد «داعش»» علنا ھم أكثر المستفیدین منھا سرا لتحقیق مصالحھم في المنطقة، فطھران التي لا تستنكف تدین «داعش» لفظیا ھي التي لا تحاربھ على أرض الواقع عسكریا أو لوجیستیا، ولھذا نرى «داعش» یتحاشى استھدافھا رغم شعاراتھ العلنیة المضادة والمھاجمة للشیعة مما یؤكد وجود مصالح خلفیة بین الجانبین في الماضي والحاضر.
أحد أفضل الأصوات التي كشفت لنا أبعاد العلاقات الخفیة بین الإیرانیین و«الدواعش» دكتور مجید رفیع زاده الباحث الإیراني الأمیركي بجامعة ھارفارد، والذي أشار إلى أن طھران استخدمت «داعش» في تعزیز قوتھا الإقلیمیة، حیث كانت تواجھ صعوبة في إضفاء الشرعیة على دورھا في العراق ودعمھا لنظام الرئیس السوري بشار الأسد، كما أن إیران استغلت «الدواعش» في زخم ودعم قوة المیلیشیات الشیعیة التي تدعمھا والتي تلعب دورا خطیرا الیوم في بلدان عربیة مثل العراق وسوریا ولبنان والبحرین والیمن، وعلیھ فإن تظاھر إیران بأنھا تقاوم «داعش» ھو شأن منحول وغیر صحیح؛ إذ من مصلحتھا بقاء التنظیم الإرھابي قویا ومنتشرا، الأمر الذي جعل البعض ینظرون إلى «داعش» على أنھ حصان طروادة بالنسبة لإیران.

یوما تلو الآخر تتضح معالم التنسیق بین «الحوثي» و«القاعدة» و«داعش» في الیمن بمظلة مالیة وعسكریة إیرانیة، فقد ظھر الأمر قبل فترة عندما أقدم «الدواعش» على قتل عناصر یمنیة في محافظة البیضاء كانوا في طریقھم إلى محافظة مأرب للالتحاق
بصفوف الجیش الوطني الذي یواجھ جماعة الحوثي الانقلابیة، العملیة التي تؤكد أن المستفید الأول من تنفیذھا ھي المیلیشیا الحوثیة رغم اختلاف المرجعیة المذھبیة للطرفین.
ھل التحالف الثلاثي الشریر المتقدم یعني أن قوات التحالف الدولي تحقق نجاحات بالفعل على الأرض؟ المؤكد أن قوات التحالف العربي لدعم الشرعیة في الیمن قد نجحت في التصدي للمیلشیات الإرھابیة من خلال الانتصارات المیدانیة الكبیرة التي تحققت منذ انطلاق «عملیة الحزم» في مارس 2015 وحتى اللحظة، حیث عملت قوات التحالف العربي على كبح جماح المیلیشیات الحوثیة، وتمكنت عبر إسناد القوات الیمنیة والمقاومة الشعبیة من استعادة 85 في المائة من الأراضي الیمنیة التي كانت مھددة بالسقوط في براثن المشروع الإیراني الرامي لضرب المنطقة وتھدید الأمن الإقلیمي والعالمي، وفي مواجھة تلك الانتصارات یُضحي من الطبیعي أن ینشأ تحالف «حوثي - داعشي – قاعدي»، یسعى لتنفیذ ھجمات إرھابیة جدیدة في الیمن تستھدف المناطق المحررة من قبل القوات الشرعیة.

عن "المشهد اليمني"

اقرأ المزيد...

الوسوم: