سامر عساف: العنف قادم بقوة!

صورة منى شكري
كاتبة وصحافية أردنية
5022
عدد القراءات

2018-01-11

حذّر الباحث السوري، سامر عساف، من التبعات والآثار والندبات النفسية، التي ستخلّفها الحروب على جيل كامل، على الأقل، من الأطفال، منوهاً إلى أنّ الحرب لا تنقضي بتوقف القتال؛ بل أصبحت "ثقافة" تأصلت، ومفاعيلها "مستمرة" بشكل واعٍ ولاواع.
وشدد الباحث، في حواره مع "حفريات"، على أهمية تأهيل ومعالجة أطفال الحروب نفسياً، حتى لا يتحولوا إلى قنابل موقوتة بيننا، فالتأخّر أو عدم التصدّي لهذه الأزمة النفسية، عربياً ودولياً، سيؤدي بالضرورة لاستمرار المفاعيل الهدامة في السلوك والأفكار وبشكل خطير في العملية التربوية للأجيال اللاحقة.
عساف الذي وصف الحرب بأنّها "زلزال نفسي وأخلاقي"، يرى أن الجيل القادم سيكون "مأزوماً" بالضرورة، على الصعيد الأخلاقي والتربوي،  وبشكل أساسي على صعيد العلاقات الاجتماعية، المهزوزة،  كما ستهتز الصورة الذاتية والثقة بالنفس ويصبح العنف "سلوكاً شرعياً".
وسامر عساف باحث سوري من مواليد مدينة اللاذقية 1977 مقيم في ألمانيا، متحصل على ماجستير في علم النفس من جامعة لابيزج في ألمانيا، ومختص وباحث تفسي في أثر الحرب على نفسية الأطفال والمراهقين.
يعمل في الإرشاد الأسري والتربوي، وجزء من العمل هو مع المهاجرين واللاجئين إلى ألمانيا الاتحادية.
وفيما يلي نص الحوار:
حملتْ رسالة الماجستير التي اشتغلتَ عليها عنوان "الآثار النفسية للحرب الأهلية السورية على نفسية المراهقين والأطفال"، ما الذي دفعك لتبنّي هذا الموضوع الشائك في ظل كثرة عوامل تلك الآثار وتداخلها؟

تعتبر الأزمة السورية من أخطر الأزمات في التاريخ المعاصر، ليس على الصعيد الوطني فحسب؛ بل على الصعيد الدولي أيضاً، كما أنها من أخطر الأزمات ليس من حيث عدد الذين قضوا في الحرب؛ بل بسبب الآثار والندبات النفسية التي طبعت- على الأقل- جيلاً كاملاً؛ فالحرب لا تنقضي بتوقف القتال، بل أصبحت "ثقافة" تأصلت، ومفاعيلها مستمرة بشكل واعٍ ولاواع.
ما دفعني بشكل أساسي لتبنّي هذا الموضوع،  هو المعرفة بمآلات الحروب وتوابعها النفسية، والتي تقع ضمن اهتماماتي واختصاصي. كما أنه في ظل الأزمة السورية، والتي تعاني من حالة "بات"، كما يقال في الشطرنج، أصيب السوريون بالعجز عن الفعل سياسياً فتوجّه كثيرٌ منهم للمنظمات الإنسانية كنوع من إرضاء الضمير وبعضهم توجّه للبحث العلمي لتقديم معلومةً قد تنفع بعد الحرب؛ إذن هي حالة واجب ومسؤولية تجاه "الوطن" والمواطن، كما أن رسالة الماجستير تهدف إلى لفت انتباه المؤسسات الغربية البحثية لأهمية الموضوع علمياً وإنسانياً.
تقول إحصاءات اليونيسيف: إن الحروب عرَّضَت ما يزيد على عشرة ملايين طفل للاكتئاب والصدمات النفسية، الجزء الأكبر من هذه الأرقام يقَع في بلدان العرب والمسلمين، هل ثمة اضطرابات نفسية وأمراض أخرى تنتشر بين هؤلاء الأطفال وفق مشاهداتك ودراستك؟ وما هي مخاطرها على المديين؛ القريب والبعيد؟ وكيف يمكن معالجتها؟
هذا الرقم لا يدهشني في حقيقة الأمر وبخاصة بعد الدراسة التي أجريتها، فبالإضافة إلى الاكتئاب واضطراب كرب ما بعد الصدمة يعاني الأطفال تقريباً من أغلب المشاكل النفسية والاضطرابات التي يصنفها "نظام الأمراض العالمي" (ICD 10) فهم يعانون من الخوف واضطراب الشخصية،  اضطرابات السلوك،  السلوك الانتحاري والأفكار السلبية والهدّامة.
ويعاني أطفال الحرب بشكل خاص من مشاكل الثقة بالنفس والآخرين،  والاضطرابات الجنسية والاجتماعية بالمعنى العريض للمصطلحات، وأقدم هنا مثالين للتوضيح: في أحد مخيمات اللاجئين،  في سورية،  وأثناء تقديم نشاط ترفيهي لمجموعة من الأطفال،  لا يزيد عددها عن 15 طفلاً،  أخبرتني طفلة عمرها حوالي ثماني سنوات،  أنها جرّحت يدها بشفرة الحلاقة عدّة مرات،  وانبرت أخرى لتؤكّد بنوعٍ من الفخر أنهما فعلا الأمر معاً! فعندما تفصح طفلتان من أصل 15 طفلاً وبشكل تلقائي وبدون سؤال موجّه عن هذا السلوك "الانتحاري"،  يمكننا توقع،  أن نسبةً كبيرةً من الأطفال لديها اضطرابات نفسية.
عندما يصل المراهقون والأطفال إلى ألمانيا بدون ذويهم،  يحاول المربّون عرضهم على مختصين نفسيين بسبب معرفتهم بالحالة السورية، وكونهم لا يتكلمون العربية يحاولون إرسالهم إلى مختصّين عرب،  أغلب من يأتي من هؤلاء يعاني من اضطرابات في التركيز والنوم واضطراب ما بعد الصدمة.

هناك الكثير من البرامج العلاجية التي طوّرها الباحثون في الغرب لا نجد نسخاً عربية منها

لا يمكن التنبؤ بشكل دقيق بآثار الحرب على الأجيال القادمة،  فهي كثيرة وشديدة على الأرجح،  وقد أثبتت الدراسات التي أجريت في ألمانيا،  أن الألمان ولجيلين متعاقبين بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عليهم آثار الحرب وعانوا منها.
إذن لدينا مجتمع مضطرب شعورياً،  مضطرب أخلاقياً و اجتماعياً،  فمهمة التصدّي لهذا الواقع لا تنحصر بمعالجة الاضطرابات النفسية الراهنة والتقليل من آثارها،  بل لابد من عمل وقائي يأخذ بعين الاعتبار أن أطفال الآن هم آباء المستقبل،  فجملة المعطيات النفسية الناجمة عن تجربة الحرب ستبقى محدّداً أساسياً في النظرية التربوية،  على الأقل اللاشعورية منها،  لآباء المستقبل، فعلى سبيل المثال،  يصبح السلوك العنيف لمن عاشوا الصدمات أسلوباً وآلية في التواصل الجسدي والنفسي مع الغير، بل حتى مع الذات؛ حيث إن الكفاءة في قراءة الحاجات الذاتية وفهم حاجات الآخرين والطريقة المناسبة للتعبير عنها،  تعتبر لازمة للحياة السويّة.
لابدّ من أن تتكافل المؤسّسات الحكومية وغير الحكومية،  المحلية والدولية للتصدي لهذه الأزمة النفسية،  كما أنه لابد من الاطلاع على تجارب الشعوب الأخرى،  كما في السلفادور وأوغندا، وعلينا أن لا ننسى غزّة أيضاً؛ فالأخوة في فلسطين لهم تجربة كبيرة في هذا السياق. لابدّ أيضاً من الاهتمام بالبحث العلمي والترجمة،  فهناك الكثير من البرامج العلاجية التي طوّرها الباحثون في الغرب،  لا نجد نسخاً عربية منها، من المهم تأهيل المختصين والمربين ليتمتّعوا بالقدرة على فهم السلوكيّات ومحدّداتها النفسية، وهذا ليس طوباياً بل أساسي،  باختصار يجب أن يتم الفعل على المستوى المجتمعي العام،  فالخطب جلل لما تهدّم في النفوس.

صدمة .. وأفكار سلبية

كيف يمكن الربط بين الصدمات النفسية للأطفال وتأثيرها على الميل إلى الانتحار؟

هذا سؤالٌ مهمٌ جداً، ويمكننا مقاربة الرابطة على مستويين؛ الأول نفسي علمي والثاني فلسفي وجودي.
بالنسبة إلى الأول فقد تمّ، من قبل إحدى الباحثات، تطوير اختبار نفسي لاضطراب ما بعد الصدمة يعتمد على قياس الأفكار السلبية. على أبعاد ثلاثة (أفكار سلبية عن الذات،  أفكار سلبية عن العالم،  والإحساس بالذنب)،  بمعنى آخر إن الأشخاص الذين تعرضّوا للصدمة تتشكّل لديهم منظومة فكرية سلبية "هدّامة" اذاً هناك دراسات نفسية عديدة تكشف العلاقة بين الاثنين،  من المهم هنا التفريق بين الميل للانتحار؛ أي قتل النفس العضوي،  والسلوك الانتحاري بما يمثله من سلوك هدّام،  مثلاً ممارسات رياضات خطرة،  هناك من يجرح نفسه بآلات حادة في الذراع أو الفخذ أو البطن أو يحرق نفسه بسيجارة وما شابه،  هذا أيضا ينضوي تحت نفس التسمية مع أنه لا يبلغ صيغة قتل النفس.

إنْ تأخرَ صديق عن موعد يميل الشخص ذو الأفكار السلبية إلى الظن بأنّ صديقه لا يودّ لقاءه

فالمفهوم هنا عريض يشمل حتى الإدراك والمحاكمة العقلية؛ بل التوقعات أيضاً،  فمثلاً يميل الشخص الذي تعرّض للصدمة،  إلى إدراك الأحداث والصفات السلبية بشكل أسرع من إدراكه للإيجابي منها،  فهو حسّاس جدّاً للنقد،  بينما لا يلفت انتباهه المديح مثلاً.
بنفس الوقت،  إنْ تأخرَ صديق عن موعد،  يميل الشخص،  ذو الأفكار السلبية،  إلى الظن،  أن صديقه لا يود لقاءه،  وقد يكون تأخر بسبب واسطة النقل، باختصار،  تتغير كامل جملة المعطيات الأساسية التي تحدد الوعي والإدراك بناء على هذه الخبرة السلبية التي عايشها المصاب،  فالصدمة تعريفاً هي حدث لم تستطع المنظومة النفسية التعامل معه في تلك اللحظة نظراً لشدته و خطورته. وبالتالي نشأت تشوهات على التركيبة النفسية في مراحل لاحقة، بعضها يصبح صفات تنتمي للشخصية لاحقاً.
من ناحية فلسفية،  وانطلاقاً من نظرية  ثنائية القطبية التي تعتقد أن الوجود يتأرجح بين قطبين (الله والشيطان،  السالب والموجب،  طاقة حركية وطاقة كامنة) يمكن اعتبار الصدمة،  حالة رجحان لدوافع الموت "تناتوس" بمقابل دوافع اللذّه "الليبيدو" بشكل عام،  فتصبح الحياة لـ "العذاب" وليس لـ "اللذّة" أو لنقول "التلذذ بالعذاب".
من ناحية أخرى، ما الآثار المترتبة على التأخر في علاج ضحايا الحروب من الأطفال أو عدم علاجهم؟
إن التأخر في علاج الأطفال أو عدم علاجهم نحصره في خطأين،  كما أسلفنا؛ خطأ مرحلي فهذا واجبنا ومسؤوليتنا تجاه هؤلاء وفعاليتهم البناءة كشرط لازم لبناء ما تهدّم، ومن ناحية أخرى إنّ التأخّر أو عدم التصدّي لهذه الأزمة النفسية سيؤدي بالضرورة إلى استمرار المفاعيل الهدامة في السلوك والأفكار وبشكل خطير في العملية التربوية للأجيال اللاحقة.
ما المسؤولية التي تقع على عاتق الأهل للتخفيف من حدة الحرب على أطفالهم؟ وهل هم مؤهّلون في ظل الظروف التي يعيشونها للقيام بهذا الدور؟
تستهلك الصدمة الطاقة النفسية بشكل كبير،  وهذا يعني أن الطاقة المتوفّرة للوظائف الأخرى،  أقل بالضرورة،  ومن الجدير بالذكر هنا،  أنه بالإضافة إلى الوظائف النفسية اليومية كالتعاملات الاجتماعية والوظيفية وغيرها من الضغوطات،  هناك وظائف تطوريّة تخصّ مراحل عمرية محدّدة كبناء الهوية والثقة بالنفس تستهلك المدّخرات النفسية أيضاً،  إذاً لدينا في حالة الصدمة "أزمة طاقة"،  وتقع مسؤولية الأهل مبدئياً في فهم الواقع النفسي للطفل ومن ثمّ التصرّف بما يخفّف من هذه الضغوطات و"يشحن" المدّخرات النفسية،  ليس هذا ممكناً دائماً للأهل فهم نفسهم يعيشون حالة الفاقة هذه في أغلب الأحيان،  كما أن الاهتمامات في حالة الحرب تعيش حالة نكوص إلى الفيزيولوجي، وتصبح الحاجات النفسية ثانوية.

على الأهل مراجعة المختص عند ملاحظة عوارض الصدمة كالتبول اللاإرادي والسلوك العدواني والسلوك التجنبي

على الأهل إذاً مراعاة الفاقة النفسية وعدم إجهاد الطفل بوظائف تربوية أو مدرسية،  وبالتالي ترسيخ صورة الأبوين "الداعمين" لا صورة "الأبوين المتطلبيّن" في ذهن الطفل.
طبعاً، هناك نقاط تتعلّق بالحدث الصادم وعوارضه وهذه تحتاج إلى مختصيّن نفسيين فهم القادرون بشكل أفضل على تقدير شدّة الصدمة ومبلغ تأثيرها،  ننصح الأهالي هنا بمراجعة المختص عند ملاحظة عوارض الصدمة؛ كالتبول اللاإرادي،  الأحلام المزعجة،  السلوك العدواني،  الخوف والسلوك التجنبي المرتبط به،  والأفكار السلبية اللاإرادية. كما علينا أن لا ننسى أن الحدث الصادم سبق هذه العوارض.

ضحايا تتغذى على الطائفية!
يعاني قرابة 15 مليون طفل من آثار الحروب والصراعات الطائفية، وفق إحصاءات منظمة اليونيسيف في تقريرها عام 2014، أغلبهم في البلدان العربية والإسلامية، هل لمستَ فرقاً بين تأثيرات الحروب الطائفية عن غيرها تجاه الأطفال؟ وهل نحن بصدد أجيال تتغذى على الطائفية، حيث تتحول من ضحية إلى جلاد؟

هذا السؤال يطرح علاقة طبيعة الحرب بآثارها،  ومن جهة أخرى تأثر الأطفال بانتشار الثقافة الطائفية وتأثيرها في الاستعدادات النفسية لممارسة العنف على الغير. بالنسبة إلى الشق الأول من السؤال،  لا توجد حسب علمي دراسات حتى الآن في هذا الخصوص ولكن يمكننا القول،  إن الحروب الأهلية هي من أسوأ أنواع الحروب،  وأن آثارها أشدّ وطأة وأبعد زمناً. ولكن على بعد آخر توضّح التجارب النفسية التي أجراها "أيرمان" وغيره من الباحثين،  أن نصف من تعرض للصدمة، كحدث،  قد طوّر لاحقاً اضطراب كرب ما بعد الصدمة،  فليس كل من تعرّض للصدمة يطوّر هذا الاضطراب لزاماً،  بل تلعب العوامل الشخصية والبيئية دوراً مهمّاً في هذا السياق. من هنا تصبح العوامل الثقافيّة،  وقد أثبتها الباحثون كـ "ميركر" مثلاً،  عاملاً مضادّاً لتطور الاضطراب. بكلمات أخرى تلعب العوامل الاجتماعية كالعائلة والدين وثقافة الحياة السائدة في المجتمع دوراً لا يمكن تجاهله في تطوّر الحدث الصادم إلى اضطراب أو لا.

العنف لن يأتي إلا بالعنف ولا يمكن تحقيق السلام بالرصاص ومن خلال فوهات البنادق

بالنسبة إلى الشقّ الثاني من السؤال فهذا يحتاج إلى شرحٍ طويلٍ على مستويات نفسية واجتماعية وهنا لا أشعر بالحرج لأقول أن الثقافة الطائفية هي ثقافة إلغائية تحطّ من قدر الآخر لانتمائه لا لفعله، وهي مرتبطة بالظن السيئ بالآخر وتنزع إلى "تصغيره" ويكمن الكره بين طياتها.
هنا،  لابد أن نعرّج على الموضوع في سياقه السياسي،  "فالحدود" أو بالأحرى التمايزات الثقافية كالإثنية،  هي أسلحة يجب أن تبقى محرّمة في الحراك السياسي الوطني،  فنحن نلاحظ مثلاً مدى تأثيرها على الوعي الوطني العام،  كما حدث في لبنان ويحدث في سورية وليبيا والعراق. لقد قامت القوى السياسية المتصارعة باستغلال الفروقات الثقافية والإثنية لتحصيل مكاسب سياسية وهذا ما أدى إلى تدمير الوعي والنسيج الوطني بقدر كبير.
من المعلوم والمثبت أيضاً في علم النفس،  أن كثيراً من ضحايا العنف يصبحون لاحقاً أنفسهم جناة، وهذا يوضّح أهمية سلمية الحراك السياسي،  فالعنف لن يأتي إلا بالعنف ولا يمكن تحقيق السلام بالرصاص ومن خلال فوهات البنادق. بعد أن قررت أمريكا غزو أفغانستان والعراق للقضاء على "الإرهاب" نما الحراك الجهادي منذ ذلك الوقت بشكل مضطرد،  إذاً هي دائرة شيطان فكلما استخدمنا العنف للقضاء عليه ازداد وطأةً.
بناء على هذه المعرفة وعلى الأرقام الواردة في السؤال، نستطيع أن نقول،  إن العنف سيكون جزءاً لا يمكن تجاهله من الحياة اليومية للجيل القادم. كما أن المدراس ورياض الأطفال في ألمانيا مثلاً تشتكي من السلوك العنيف للأطفال المهجرين،  ولديّ عدة حالات منها، ويعود سلوكهم إلى سببين؛ الأول يتعلق بالقلق النفسي الداخلي للطفل،  أما الثاني فمرتبط بآلية تواصل وتعبير اجتماعية غير بنّاءة تعلمها الطفل للتعبير عن حاجاته.
الهوية والطائفية
ما العلاقة بين الهوية والطائفية، برأيك، وما تأثيرهما على الانتماء سيما في الحروب وما بعدها؟

الانتماء بحد ذاته هو الجزء الاجتماعي من الهوية؛  فالهوية هي ليست مكان الولادة والإقامة أو الاسم والجنسية،  هي الجواب على سؤال من هو؟ هنا الجواب لا يغني،  أن أقتصر على الجنسية وغيرها من المحددات الموجودة في البطاقة الشخصية،  بل الصفات الشخصية بحد ذاتها وجملة النزوعات والميول هي الجواب الأهم على السؤال،  فلا تقودنا معرفة جنسية ودين شخص ما إلى معرفة شخصيته أو التنبؤ بها، بل يمكننا أن نتنبأ أكثر عنه إذا علمنا توجّهه السياسي مثلاً،  ففي هذا الجزء من الهوية يتضح لنا البعد الاجتماعي لها،  حيث إن الانتماء هنا يعطي صفات أكثر تحديداً من المعلومات الموجودة في البطاقة الشخصية؛ إذاً الهوية الاجتماعية هي معطيات عن الفرد انطلاقاً من انتمائه إلى مجموعة أو مجموعات متعددة،  فكلما ضاقت الدائرة الاجتماعية وتحددت صفات المجموعة،  نستطيع بشكل أسهل تعميم صفات المجموعة على الفرد المنتمي لها، طبعاً هذه آلية إدراك من ناحية،  ومن ناحية أخرى محددات السلوك تجاه المجموعة ذاتها والمجموعات البشرية الأخرى. فالهوية الاجتماعية هي حاجة نفسية للفرد تتعلق شدّة هذه الحاجة بشخصية الفرد من جهة وصفات المجموعة من جهة أخرى.
بالقياس على هذا، يصبح الانتماء الطائفي أكثر قيمة لشخص يعرّف نفسه طائفياً من شخص تتجاوز هويته هذا الحد إلى مستوى فكري مثلاً.

الانتماء للمجموعة يصبح ضرورة في حالات الخطر فالخوف من الانقراض يدعو إلى التماهي مع المجموعة

الجزء المهم في هذا السؤال،  هو علاقة جُزئيّ الهوية (الفردي والاجتماعي) ببعضهما،  وتبرز هنا أهمية دراسة دوافع الانتماء إلى المجموعة،  بغض النظر عن طبيعة وماهية المجموعة.
قدم الباحثون نظريات متعددة تخص هذه المعضلة أو الجدلية (السيكولوجيه ـ السيسولوجيه) أمثال "تاجفل" و "زمبادرو"؛ فالإنسان كائن اجتماعي بطبيعته والانتماء والتجمع سلوك طبيعي. وأظهرت التجارب الحديثة أن الجزئين لا يغنيان بعضهما بالضرورة،  فكلما تطورت القيم الذاتية وأُغني الجزء الفردي بالثقافة والوعي،  تصبح الهوية الاجتماعية أقل أهميةً بما يخص السلوك البشري. إن الانتماء للمجموعة يعني نفسياً؛ سحب وتعميم قيم وصفات المجموعة على الذات الفردية،  وهكذا يصبح الانتماء ضرورة في حالات الضعف والفاقة،  أو الشعور بالدونية.
وتجد الإشارة هنا إلى نقطتين أساسيتين،  أوّلاً: هناك نظرية تعتقد،  أن الانتماء للمجموعة يصبح ضرورة في حالات الخطر؛  فالخوف من الانقراض،  كنوع،  يدعو إلى التماهي مع المجموعة،  التي ستحمل صفات الفرد إلى أجيال قادمة في حال موته. ثانياً: تصبح سعة الاستيعاب وقدرة المحاكمة محدودة في حالات الفاقة،  وبالتالي يميل الفرد الى الأحكام المسبقة،  والتعميمات المطلقة. في ظل هذه الظروف غير المناسبة،  تصبح الهوية الجماعية (الطائفية هنا) طريقاً بديلاً وملجأ، كما تكمن خطورة الهوية الطائفية في مجتمعاتنا بشكل أساسي،  لأهمية الدين،  وبسبب التنوع الإثني لمجتمعنا العربي كما في سورية والعراق.

قنابل موقوتة !
أعلنَت منظَّمة اليونيسيف أن 2014 كانت سنة مليئة بالرُّعب والخوف واليأس لملايين الأطفال؛ حيث إن النزاعات المتزايدة عرَّضَتهم للعنف الشديد والتجنيد الإجباري، والاستهداف المتعمَّد من قِبَل المجموعات المتحاربة والميليشيات الطائفية والعنصرية، ما هو الدور المنوط بالمجتمع الدولي لنزع فتيل هذه القنابل الموقوتة بيننا؟

لا يمكن بشكل مبدئي للحكومات الوطنية مواجهة هذه الأزمة،  التي تتمثّل في تشريد ملايين العائلات ومغادرة الملايين من الأطفال لمدارسهم وتعرضّهم لكلّ أشكال العنف،  لذلك تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية أساسية في الدرجة الأولى،  في نشر الاستقرار السياسي ووقف الحروب من خلال تفعيّل دور الأمم المتحدة و المنظمات الدولية الأخرى،  كما يجب على المجتمع الدولي تحمّل مسؤولياته في تقديم العون لضحايا الحروب من خلال إيوائهم وتقديم العناية الطبية والوسائل التربوية والثقافية اللازمة لهم.
ولكن بالنظر إلى الحالة الدولية الراهنة،  نرى أن التمايز السياسي يزداد شدّةً بما يشابه إلى حدّ ما حالة "الحرب الباردة" كما تصلّبت المحاور السياسية وانتشرت الحروب بالوكالة،  وهذا لا يدعو إلى التفاؤل بالضرورة.
يواجه أطفال الحرب واللاجئون والمهجَّرون "أزمة هوية" ما أبرز المخاطر المتوارية خلف هذه الإشكالية؟
تثبت التجارب النفسية التي بحثت في التأقلم،  أن الشخص المغرّب،  يعيش أزمتين نفسيتين متعاقبتين،  في مسيرة تأقلمه في الموطن الجديد،  تفصل بينهما مسافة زمنية تتراوح من عدة أشهر إلى سنتين. هذه الأزمة،  ناشئة بالدرجة الأولى عن محاولة تغيير "الأنا" بمفهوم "فرويدي"،  بما يتناسب مع المعطيات الاجتماعية الجديدة.
هو صراع إذاً،  بين جملة القيم والخبرة التي حصدها الشخص في موطنه السابق، وهذه التي فرضها المجتمع الجديد.
يعتبر الموطن والشبكة الاجتماعية أحد أهم المدخرات النفسية للأطفال خصوصاً وللبشر عموماً، وقد أظهرت الدراسة التي قمت بها،  أن الأطفال،  الذين فقدوا موطنهم،  أظهروا عوارض الصدمة أكثر من أقرانهم،  الذين بقوا في موطنهم وتعرضوا لنفس الصدمات. كما أن الهجرة بحد ذاتها؛ أي الطريق وظروفها،  تعتبر في علم النفس من الأحداث الصادمة؛ إذن ترتبط الهجرة بفقدان عوامل نفسية داعمة من جهة وتفرض متطلبات تتعلق بالبنية النفسية من جهة أخرى. أما من حيث الهوية،  فليس لديّ معرفة بدراسات أظهرت آثاراً سلبية للانتقال لموطن جديد. قد تكون الهجرة الموفّقة عامل إغناء نفسي،  وقد تنتج العكس،  وقد اطلعت على حالات اغتراب أدت إلى مرض "الشيزوفرينيا". هذا الاضطراب النفسي مرتبط بشكل أقل بالهوية،  بل بعوامل قد يحفزّها الاغتراب.
طبعاً، تلعب الظروف السياسية والثقافية للبلد المضيف دوراً مهماً في الاستقرار النفسي للمهاجرين.
الحرب تتطور إلى أزمة ثقافة
حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) من أن أكثر من 13 مليون طفل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يلتحقون بالمدارس بسبب الصراعات المسلحة المتأججة في بلدانهم، ما المستقبل الذي ينتظر هؤلاء الأطفال ومجتمعاتهم تعليمياً وتنموياً؟

تعيش الشعوب في حالات الحرب،  حالة نكوص ثقافي،  وتتغير الأولويات والاحتياجات،  فتصبح الحاجات الأساسية،  على سلّم "ماسلو" كالمأكل والأمان،  في المقدمة ولا تجد العائلة المساحة الزمنية ولا النفسية للاهتمام بالحاجات الثقافية،  وبالتالي لا تعد هناك سعة كافية للبناء والتطور الثقافي،  أو تحقيق الذات الفردية في الوجود،  هذا من ناحية،  من ناحية أخرى تفرض الحروب حالة أخلاقية ونفسية متدنّية وتزداد ثقافة الغاية تبرّر الوسيلة،  ويصبح الناس انفعاليين أكثر من الطبيعي،  كما أن استهلاك المواد المخدرة يزداد بشكل كبير.
إذن الحروب،  هي حالة ضغط مستمرة وطويلة،  وقد تتطوّر إلى أزمة ثقافة في مراحل لاحقة،  يصعب تجاوزها،  إذا استمرت لوقت طويل.
طبعاً هذا الضغط النفسي لا يصيب الطفل فحسب، بل كامل العائلة،  وبالتالي لابدّ أن يتأثر الجو الأٌسري بهذه العوامل،  كما أن اهتمامات الأهل،  تختلف كما أسلفنا، ويصبح مفهوم المستقبل مقصوراً على النجاة،  ويصبح البناء الثقافي مسألة ترف،  كما يتم تحميل الأولاد مسؤوليات إضافية،  كالعمل والعناية بالأخوة الأصغر،  أو القيام بأعمال منزلية،  ولذلك لا يبقى متّسع لتطوّر شخصية الطفل ويُعرف هذا بالنضوج المبكّر.

العساف: العنف سيكون جزءاً لا يمكن تجاهله من الحياة اليومية للجيل القادم

وهكذا يفقد الطفل العوامل التطورية الضرورية،  كالرعاية الأسرية والمدرسة،  وقد أظهرت الدراسة التي أجريناها،  أن فقدان المدرسة والبيت ومكان اللعب،  كانت عوامل أساسية في اكتئاب الأطفال و ظهور المشاكل النفسية،  وحتى أكثر من فقدان شخص قريب
في علم النفس هناك مصطلح يُعرف بـ " war identity" للباحث ايرمان،  أي هوية الحرب،  وهو مصطلح لهذه الصفات التي تحدثنا عنها مجتمعة،  تميّز الأشخاص الذين عاصروا وعاشوا تجربة الحروب.
نستطيع القول إذن،  إن الجيل القادم سيكون مأزوماّ بالضرورة،  على الصعيد الأخلاقي والتربوي،  وبشكل أساسي على صعيد العلاقات الاجتماعية وسترتفع معدلات الطلاق والمشاكل الأسرية.

استهداف النساء في الحرب!
هروب الفتيات القاصرات في مناطق الحرب والنزاعات بسبب الخوف من الاغتصاب، كارثة أخرى تنضاف لما يعانيه أطفال الحرب، فضلاً عن تعرضهن للانتهاكات الجنسية في منطقة النزاع أو حتى في بلد اللجوء، ما مدى واقعية معالجة هذه الاختلالات في ظل قيود تقاليد وأعراف المجتمعات العربية؟

تعد الفتيات والنساء عموماً في أحوال الحرب في البلدان "الذكورية"،  مجموعة مستهدفة بشكل خاص،  أولاً بسبب الثقافة الذكورية وثقافة الشرف،  التي حرمتها خلال الأجيال الماضية من القدرة على التقرير، وهكذا بقيت "تابع" للذكر في هذه المجتمعات وبالتالي أصبح مصيرها مرتبطاً بشكل أساسي بمصير الزوج و الأب،  لذلك نلاحظ،  أن أغلب الواصلين من اللاجئين إلى ألمانيا مثلاً،  إما العائلة بشكل كامل،  أو ذكوراً حصراً،  إذ تعتبر المرأة في هذه المجتمعات قاصرة و"عورة" يجب حمايتها فهي "ضعيفة". هذه الثقافة ليست إيجابية،  بأنها تحمي المرأة،  بل تخبئ في طيّاتها أيضاً،  أن المرأة هي "فريسة" كما لاحظنا في ليبيا والعراق وسورية،  فقد خطفت النساء واغتصبت،  بل بيعت كالرقيق.
هذا الواقع يفرض على الفتيات متطلبات نفسية إضافية؛  فالحماية والنجاة هنا لا تقتصر على عدم الإصابة الجسدية فقط، بل يقلل هذا الواقع أيضاً من الإمكانيات المتاحة للهرب،  كما أنها في طريقها -إلى وفي- مكان اللجوء ليست بأمان. في ظل هذه الظروف، يصبح البغاء أيضاً سلوكاً ممكناً بسبب تفكك الدوائر الاجتماعية،  وبسبب الظروف المعيشية في مناطق اللجوء،  وقد صادفتُ فتيات في شوارع لبنان وقد امتهنَّ التسوّل. كما أننا سمعنا عن "زواج المسيار" في مخيمات الزعتري وغيرها.
لا يمكن فصل معاناة الفتيات ومقاربتها من دون مقاربة الحالة السياسية والواقع الاجتماعي بشكل عام، فبالدرجة الأولى لابد من مجتمع مستقر سياسياً،  من ثمّ بناء مجتمع يحترم حقوقهن وينظر لهن بعين الاحترام لقدرهن.
نحتاج بشكل أساسي إلى تأهيل مختصين اجتماعيين،  يتناول عملهم الأسرة والمدرسة وكل الدوائر التربوية،  كما نحتاج إلى مختصين نفسيين يتصدون لهذا الواقع المأزوم،  وبشكل عام إلى حركة نسوية سياسية،  تسلط الضوء بشكل مستمر على حقوق النساء ودورهن.
احتواء المهجرين
آلاف الأطفال السوريين فروا من الحرب قاطعين البحر وتعرضوا أثناء رحلة الهجرة غير الشرعية لأوروبا لكثير من المعاناة والصعوبات، ما تأثير تلك التجربة  فيهم، خصوصاً لمن فقدوا أهلهم غرقاً؟ وكيف يمكن احتواؤهم في المجتمع الجديد؟

كما أسلفنا،  يمكن مقاربة الصعوبات التي تعترض المهاجرين على ثلاثة مستويات؛ الأول،  هو فقدانهم لموطنهم ودوائرهم الاجتماعية المألوفة،  والتي تعتبر مدخرات نفسية لازمة لتجاوز الصعوبات. أما المستوى الثاني،  فهو جملة الصعوبات التي تعترضهم في الطريق إلى البلد المضيف،  كالجوع والبرد وبعضهم يتعرض للاستغلال والعنف أيضاً، في حين يتعلق المستوى الثالث،  بالبلد المضيف ومتطلبات التأقلم،  وتلعب هنا الظروف الاقتصادية و الاجتماعية للبلد المضيف دوراً مهماً في معاناة القادمين الجدد. وأثبتت الدراسات النفسية التي أُجريت في مناطق اللجوء،  أن الأطفال اللاجئين في البلدان،  ذات الظروف الاقتصادية "المتدنية"،  يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب،  أكثر من أقرانهم اللاجئين في البلدان الصناعية المتقدمة اقتصادياً.
إذن تلعب ظروف استقبال الأطفال دوراً مهماً في التقليل من المشاكل النفسية لدى الأطفال.
ويفرض الواقع الجديد متطلبات ليست بالهيّنة نفسياً للأطفال،  فلدينا معوقات لغوية،  وتقاليد وأعراف مغايرة في الوسط الجديد. ومن هنا يقع على عاتق الدول المضيفة تأمين حياة كريمة للقادمين الجدد وتأمين احتمالات التأقلم والانخراط بالمجتمع الجديد،  كما تفعل مثلاً السلطات الألمانية في هذا السياق،  من خلال تقديم المساعدات الاجتماعية،  بما فيها المسكن والحاجات المادية المجانية،  وتقديم دورات لغة والتدريب على ممارسة العمل.

فقد جيل كامل
أعربت اليونيسف عن مخاوفها من "فقد جيل" من الأطفال السوريين، هل ترى مبالغة في هذا التحذير؟

لا أعتقد أن هناك مبالغة في هذا التعبير، فبالنظر إلى الحالة السورية، حيث قُتل مئات الآلاف وشُرّد ملايين البشر، يصبح هذا التوصيف ليس مبالغةً،  بل حقيقة يجب التعامل معها خلال عشرات السنين القادمة. فالحالة السورية لن تنتهي بإيقاف الحرب، والتي ستستغرق سنوات حتى بعد توافق الفرق المتصارعة على حل سياسي،  فالسلاح يملأ البلاد ولن تستطيع حكومة أن تفرض سيطرتها على كامل البلاد إلا بعد عدة سنوات. فأغلب من ترك البلاد قد يستوطن في البلد المضيف ومن بقي فيها تنقصه كل إمكانيات البناء في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي المزري.
كشف تقرير لمنظمتي اليونيسيف وإنقاذ الطفولة نشر في تموز 2015 أن المزيد من الأطفال بين اللاجئين السوريين في الأردن وتركيا يضطرون للعمل لإعالة أسرهم، ما يعرضهم لمخاطر كبيرة ويجعلهم عرضة للاستغلال الجنسي. ما الذي يمكن عمله للسيطرة على هذا الأمر وعلى من تقع هذه المسؤولية؟
هذا السلوك هو سلوك طبيعي بالنظر إلى ظروفه،  فلا تستطيع الأسرة التي فقدت معيلها أو تعيش في بلدان تعاني اقتصادياً،  كلبنان والأردن مثلاً، مقارعة صعوباتها الراهنة إلا بتطويع أغلب أعضائها للعمل وجلب القوت. يجب علينا ألا ننسى،  أن إمكانية العمل لهؤلاء في البلدان المضيفة هي محدودة،  فيقعون فريسة "الأعمال القذرة" أيضاً.
تقع مسؤولية حماية اللاجئين،  بما فيهم الأطفال،  على عاتق الدول المضيفة،  وعلى عاتق المجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية العالمية،  التي يجب أن تقوم بتأمين الأمن الغذائي والصحي لهؤلاء،  كما على البلدان،  ذات الإمكانيات الاقتصادية،  أخذ دور أكبر في التصدي لمعاناة اللاجئين واستقبالهم.
هل لاختلاف الثقافات دور في التأثير على أطفال ضحايا الحروب والنزاعات من ناحية، وعلى علاجهم من ناحية أخرى؟
بالتأكيد لاختلاف الثقافات دورٌ مهم، سواء في شدة الإصابة أو من ناحية المناعة والعلاج، فجملة الدعائم النفسية مرتبطة بشكل أساسي بالخلفية الثقافية،  فمفهوم العائلة وجملة المعتقدات والمفاهيم المجتمعية هي مرتبطة بنظرية أنطولوجية خاصة بالمجتمع،  كالدين والعدل والقدر وغيرها من المفاهيم.
في المجتمع الشرقي تعتبر العائلة دعامة أساسية للتركيبة النفسية لما تقدمه من الدعم والإحساس بالقيمة،  كما أن الإيمان "بالقدر المكتوب" "يعفي" الشخص من المسؤولية بعكس مثلاً الثقافة الغربية التي تعتمد على استقلال الشخصية وقدرة السيطرة على الظروف الشخصية.
انطلاقاً من هنا، لا يمكن أخذ المحصلة العلمية للثقافات الأخرى بكليّتها،  بل يجب مراعاة الخصوصية الثقافية للمجتمع وإنشاء المخابر و مراكز البحث المحلية،  التي تنتج المعلومة في حقولها الأصلية.
 كيف يمكن للحروب بإسهامها في التغيير الديمغرافي أن تؤثر على العلاقات الاجتماعية، كما في الحالة السورية؟
في الحقيقة هذا التغيّر خطر جداً،  فهو يؤدي الى تغييرات في الهوية الوطنية،  من خلال هجرة و زوال الأقليات الإثنية، .كما أن الحروب الأهلية تقود إلى هجرة داخلية وبالتالي تتعرض حالة التمازج الإثني إلى مخاطر جديّة. فتنشأ حالة "تجانس" إثني على البعد الجغرافي،  طبعاً سيكون لهذا عواقب ثقافية كثيرة، فتفاعل الثقافات هو ضرورة حقيقية لإنتاج فكر حر.
الحرب زلزال نفسي وأخلاقي
ما الثقافات الجديدة الناشئة في مجتمع تسوده الحرب والنزاعات؟

الحرب هي زلزال نفسي وأخلاقي،  هي انحدار للرغبات،  هي حالة فرض وقسر بقوة السلاح وهذا يعني قهر الآخر،  هي حالة تدمير،  ولو ظهرت بأشكال ووجوه متعددة،  فمهما كانت الحروب "عادلة" تحمل في طيّاتها الهدم والفقر،  التخّريب والقتل،  هي مناقضة لثقافة الحب والسلام،  الخير والبناء.
تتميّز هذه الثقافة بالعلاقات الاجتماعية المهزوزة،  كما تهتزّ الصورة الذاتية والثقة بالنفس، ويصبح العنف سلوكاً شرعياً. تنتشر في الحرب ثقافة الغاية تبرّر الوسيلة ويزدهر الشك والخوف.
طبعاً هذا الكلام عام، وتخضع هذه الأحكام للظروف الموضوعية،  فتظهر ثقافة الحرب بصور متعددة. فبينما اجّتر الشعب الألماني حروبه واستخلص العِبر فنشأ جيل مناهض للحرب تماماً،  لم يكن هذا هو الحال مثلاً بعد انتهاء الحرب الأهلية في السلفادور،  فالقضايا الاجتماعية كالفقر والفروقات الطبقية،  والخلافات السياسية،  هي من يحدّد مسيرة المجتمع بعد انتهاء الحرب. فمثلاً تعتبر السلفادور من أخطر الدول في العالم في الوقت الراهن،  فالحرب لم تؤدِ الى حلّ مشكلة الفقر مثلاً بل أصّلتها وأضافت إليها العنف،  بعكس الحرب الأهلية الأمريكية التي قادت إلى تحرّر الشعب الأسود،  ونشوء "إمبراطورية" العصر!

اقرأ المزيد...
الوسوم:



جان كرم: المؤسسات الإعلامية المتهاونة تكرّس الرداءة

2019-09-15

أجرت الحوار: رشا سلامة


على خلاف ما قد يخاله المتأمّل من قرب أفول الصحافة الورقية؛ فإنّ أستاذ الصحافة والإعلام اللبناني، جان كرم، يرى أنّ "هنالك أملاً في إقامة توازن بين معايير الربح والخسارة، من جهة، والحفاظ على وجود الصحف ومهنيّتها، إلى حدّ ما، من جهة أخرى"، مع إقراره في الوقت نفسه بأنّ المؤسسات الإعلامية المتهاونة تكرّس الرداءة.
يقول كرم، الحائز على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة السوربون الفرنسية في عام 1981، إنّه "لا وجود لتدريس أكاديمي صحفي سليم في ظلّ غياب ممارسة جادة وعميقة للعمل الصحفي في الصحافة المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية، وحتى الإلكترونية".

تقع مجموعة كبيرة من الكليات والمؤسسات الإعلامية العربية في خطأ الاستسهال والتهاون مع القارئ والمستمع والمشاهد

في حواره مع "حفريات"، يقول كرم، الذي تقلّد منصب مدير مركز النهار للتدريب والبحوث، والمشرف العام على الدورات التدريبية للصحفيين اللبنانيين والعرب، بالتعاون مع مؤسستَي "إنترنيوز" و"MEPI" الأميركيتين، إضافة إلى منصبه كمشرف عام على ملاحق عدة في "النهار"؛ إنّه يضع اللمسات الأخيرة على مؤلَّفه "موسوعة الصحافة الميسّرة"، التي جاءت خاتمة لستة عشر كتاباً وعشرات الدراسات والمقالات في مسيرته التأليفية، في مدّة تربو على عشرة أعوام.
يُذكر أنّ جان كرم، من مواليد عام 1941، وقد مارسَ العمل الأكاديمي والإشراف على رسائل الدراسات العليا في أقطار عربية شتى، أبرزها الجامعة اللبنانية، ومعهد الإعلام الأردني، إضافة إلى مناصب عدّة تقلّدها في الصحف والمطبوعات اللبنانية والعربية، كما قدّم مجموعة من المؤلفات التي أثرت المكتبة العربية، منها على، سبيل المثال لا الحصر، "جبران خليل جبران"، و"التوجيه في البلاغة والعروض"، و"مدخل إلى لغة الإعلام"، و"الدليل الصحفي العربي"، و"الإعلام العربي إلى القرن الحادي والعشرين"، و"التحوّلات نحو الحداثة في تحرير الأخبار".
يضع كرم اللمسات الأخيرة على مؤلَّفه "موسوعة الصحافة الميسّرة"

هنا نص الحوار:

يهجس معظم القائمين على الصحافة المكتوبة حالياً بإنقاذها من الإفلاس وإبقاء رأسها فوق مستوى الماء؛ ما الأسباب التي أفضت لكلّ هذا التدهور، وما تقييمك لمدى نجاح هذه الجهات في إحداث توازن بين معايير السوق والأرباح والخسارة من جهة، وبين المهنية الإعلامية من جهة أخرى؟

إذا كان سقوط الصحيفة المطبوعة (المكتوبة أو الورقية) سريعاً ومدوياً في الغرب؛ فهو في العالم العربي يتهادى مترنحاً بين سقوط محدود حاصل وسقوط مرتقب قابل للمعالجة، أما أسباب التدهور والسقوط فهي عديدة، منها: شيوع المواد الإخبارية والإعلامية على وسائل الإعلام والتواصل الأخرى "حالاً حالاً"، وعلى نطاق واسع وشبه مجاني، وفي صيغ جذابة وملحقة بالتحليل المتعدد الأصوات والاتجاهات، ومنها نزعة التفاعل مع البرمجيات الرقمية لدى الأجيال المخضرمة والشابة مما يدخلها لذة الاكتشاف، ومنها ذكاء أجهزة الاتصال والإعلام في دمج المرئي والمسموع بالاتصال الفوري، مما يضاعف الشعور بعجائبية التلقي، ومنها هجرة قسم كبير من الإعلانات مع مردوداتها المالية إلى المواقع والصحف الإلكترونية، ومنها أيضاً عدم تنازل أصحاب الصحف وكبار الكُتّاب والمراسلين عن أرباحهم ومرتباتهم الخيالية المستحقة مداراة للسقوط، وغير ذلك كثير.

لا وجود لتدريس أكاديمي صحفي جامعي سليم في غياب ممارسة جادة وعميقة في الصحافة المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية وحتى الإلكترونية

عربياً؛ لديّ اعتقاد بأنّ إمكانات النجاح في إقامة التوازن بين معايير الربح والخسارة، من جهة، والحفاظ على المهنية القائمة، من جهة أخرى، غير مستبعدة وذلك للأسباب الآتية:

أولاً: طبيعة المساندة الحكومية المستترة والظاهرة، لدى معظم الأنظمة، لمعظم الصحف لقاء تناغمها الصارخ أو المعقول مع السلطة، مما يؤدي إلى ضمان توزيع سخي للأعداد على المؤسسات الرسمية والصديقة، وفي هذا ضمان الربحية كيفما اتفق.
ثانياً: عدم وصول الانتشار الإعلامي والاتصالي المتطور إلى غاياته القصوى في المناطق والكيانات العلمية والثقافية المتوسطة، مما يبقي الصحيفة الورقية المطبوعة هي الأقرب تناولاً وشراء.

ثالثاً: بناء على المعطَيين السابقين تبقى مردودات الإعلان عالية والأرباح مضمونة، ورابعاً: الاستفادة من تجارب الغرب في التحوّلات التي طرأت على صحفه، ما يخلق حذراً من محظور الإغلاق.

لذلك ستبقى الأحوال الصحفية المطبوعة تحت السيطرة.

صحافة بلا أجندة

حائز على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة السوربون الفرنسية في عام 1981
الإعلام متهم دوماً؛ ثمة من يراه مسؤولاً رئيساً عن معظم ما يحدث حالياً من احتقانات واستقطابات، فيما يرى بعض آخر أنّه يقف موقفاً سلبياً ولا يؤدي الدور المنوط به، ما هي وجهة نظرك حول الإعلام العربي عموماً، واللبناني تحديداً، في الوقت الحالي؟

الصحافة، ذات المهنية المؤكدة، لا دور لها سوى الشهادة على الواقع بلا أجندات مغلفة؛ لذلك، تتوالى فيها معالم إخفاقات واستقطابات وغيرها بشكل غير مقصود؛ بل على شكل انعكاس للواقع، وهذه هي مسؤوليتها الوحيدة، أما الصحف الخارجة عن المهنية الصحفية؛ فهي مجرد نشرات إعلانية في خدمة من يموّلها أو من ينشرها؛ لذلك لا يكون لها إلا دور سلبي في التعاطي مع الجمهور العام  يتمثل في الاختلاق والتشويه والتحامل والتحريض وإثارة النعرات من جهة، وتجميل القبح من جهة ثانية؛ هذا الوضع قائم في العالم كلّه، كما في العالم العربي ولبنان، إنّما طغيان اللا مهنية والانحدار نحو الزبائنية هو الممعن في التواجد والهيمنة على مساحة  العالم العربي ولبنان.

عملت عقوداً في الحقل الأكاديمي وفي التحرير الصحفي في كبريات المطبوعات؛ أيّ العملين كان أقرب لنفسك؟ وهل ترى أنّ السلك الأكاديمي أخذك، نوعاً ما، من الممارسة اليومية؟

لا وجود لتدريس أكاديمي صحفي جامعي سليم، في غياب ممارسة جادة وعميقة للعمل الصحفي في الصحافة المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية وحتى الإلكترونية؛ فالنظريات التي يطلقها الأستاذ الجامعي تبقى زاداً فوقياً، ما لم ترفق بأمثلة واقعية عايشها وتمرّغ فيها هو شخصياً.

اقرأ أيضاً: كيف يواجه الإعلام تحديات "الفساد المقدس" في العراق؟

من هنا، أنا لم أفترق يوماً عن ممارسة العمل الصحافي حتى في زمن التدريس، ولم أفصل بين مرحلة وأخرى، وإن كنت مرتاحاً إلى الزمن الأكاديمي ارتياحاً مطلقاً؛ لأنّه كان دائماً مرفقاً باستعادة التحرير ومندرجاته وتطوراته في أثناء ممارسة الأعمال التطبيقية.

تلقيت تعليمك العالي في فرنسا، وقد اختبرت الحياة الأكاديمية الغربية، والآن طلبتك ينتشرون في معظم الدول العربية بعد أن درّست في كثير من أقطار الوطن العربي؛ ما هي الفروقات التي رصدتها بين الحقلين الأكاديميين العربي والغربيّ في تعليم الصحافة والإعلام؟

جئت إلى العالم العربي، بجامعاته ومؤسساته الإعلامية، ومعي مخزون من الفكر والنظريات والرؤى في تدريس الصحافة والإعلام الحديث والتدريب عليهما، أهم ما في ذلك المخزون: المفهوم الحديث المتطوّر لمجمل الشائع عن وظائف الإعلام ومكوّنات الخبر والعلاقة بين المحرّر القائم بعملية الإرسال والمتلقي أينما كان، إضافة إلى الإيمان الواجب وجوده بضرورة الانقلاب المستمر على المفاهيم والممارسات القائمة، كلّما طرأ جديد ومثير عليها؛ فالتحوّل نحو الحداثة شأن يومي؛ بل لحظوي.

اقرأ أيضاً: كيف لا تختار دبي عاصمة للإعلام؟

لقد كان شائعاً عندنا، وعلى مساحة كبيرة من المجال الإعلامي العربي، الاسترخاء والنوم على حرير عند المفكرين الإعلاميين العرب وتطبيقاتهم، فقمت أنا وزملائي المشبعون بالتجارب الغربية على إيجاد فرق وتحوّل وبدا ذلك في النجاحات التي رافقت طلبتنا الخرّيجين والمتدرّبين حيث حطّت بهم الرحال في المؤسسات الإعلامية العربية والعالمية.

مهادن أم فاقد للأمل؟

مارسَ العمل الأكاديمي والإشراف على رسائل الدراسات العليا في أقطار عربية شتى
من يقترب من جان كرم يلحظ كم هو مهادن حالياً من ناحية سياسية، ولا أخال أنّ هذه المهادنة كانت في وقت مضى؛ فهل تكفّل الزمن بالمصالحة بين جان كرم والسياسة، أم أنّ هذه المهادنة دليل على فقدان أمل في التغيير؟

اليومَ أحتفظ لنفسي بالإخفاقات والنجاحات السياسية التي اختبرتها في الأزمنة المتعاقبة، وكلّها يقود إلى فقدان الأمل بالتغيير.

كثر هم من ينعون الصحافة الورقية بشكل شبه يومي، منهم أكاديميون يُدرّسون الصحافة والإعلام في الجامعات؛ ما الذي يستشرفه جان كرم فيما يتعلق بالصحافة الورقية؟ وهل يظن أنّها إلى زوال فعلاً؟ كيف تصف مشاعرك حيال تكهنات من هذا القبيل بعد أن حفرت اسماً عريقاً في تعليم الصحافة المكتوبة؟

انتهى زمن النعي وحلّ زمن الانتقال إلى طبائع ما بعد النعي، الصحافة الورقية أو المطبوعة أو المكتوبة تتموضع اليوم في مكان متعدّد المنازل، منه منزل الموت المنتهي؛ حيث الإقفال إلى غير رجعة، لأسباب موضوعية، أهمها عدم التحسّب للحاصل والآتي، ومنزل الخاضع للمعالجة تيمناً بشفاء ممكن عن طريق خفض الانتشار والإنتاج والأرباح وإشراك العدو اللدود المتمثل بالموقع الإلكتروني بالإنتاج، ومنزل العابث اللاهي عن بكائيات الميت، فاخترع له مكاناً في العالم الرقمي القائم سعيداً، وأوجد صحافة ومواقع في الفضاء الليبرالي الممتد إلى الهواتف الذكية، سارقاً ما شاء من مكونات الصحافة التاريخية، ومضيفاً ما شاء من مخترعات تكنولوجيا الاتصال والإعلام.

اقرأ أيضاً: الإعلام الرسمي والرقمي.. بماذا يثق الشباب العربي؟

هذا هو الواقع اليوم؛ هل أحزن لاطماً باكياً؟ لا، لأنّ منطق الوجود والحياة يقول بحتمية التحوّلات التي ستؤول إلى نهايات لا تستثني البدايات التاريخية، والبدايات الصحفية تكونت مع الصحافة المطبوعة وتحوّلاتها الداخلية.

موسوعة الصحافة الميسّرة

تعكف حالياً على موسوعة الصحافة؛ أين وصلت في كتابة هذه الموسوعة؟ وما الذي ستحمله من فرادة وخصوصية؟ هل استعرضت فيها التجربتين؛ العربية والغربية أم اكتفيت بواحدة؟ هلاّ حدثتنا عنها..

"موسوعة الصحافة الميسّرة" خاتمة ستة عشر كتاباً وعشرات الدراسات والمقالات في مسيرتي التأليفية، انتهت كتابة الموسوعة بعد عشرة أعوام من الإعداد وانتهت المرحلة الأولى من طباعتها بعد عامين من المراجعة وإعادة التحديث، تزامناً مع التطورات المتسارعة الطارئة على الصحافة والإعلام، إلى أن وصلنا للمسات الأخيرة القليلة لإطلاقها.
الموسوعة قسمان: الأول يتناول معاني المفردات والعبارات المتعلقة بالصحافة، وما يدخل في صناعتها ضمن الخصوصيات الآتية:

المطلوب هو أن يكون المواطن الصحفي غير المتخصص ذا حضور نادر في ظروف استثنائية جداً ولزوم محدود الصلاحية

أولاً: العرض باللغة العربية وفقاً للترتيب الأبجدي.

ثانياً: الشرح باللغة العربية: إفرادياً، أو موسّعاً من خلال تحليل، أو مرفقاً بأمثلة.

ثالثاً: في المقابل ما يوازي المفردة أو العبارة بالفرنسية والإنجليزية.

رابعاً: مسرد مستقل للمفردات والعبارات المقابلة باللغة الفرنسية، مرفقة بمعانيها المفردة بالعربية والإنجليزية.

خامساً: مسرد مستقل للمفردات والعبارات المقابلة باللغة الإنجليزية مرفقة بمعانيها المفردة بالعربية والفرنسية.

أما القسم الثاني؛ فيتناول الصحافة العربية في تفصيلين تاريخيين: الأول بداياتها في كلّ بلد عربي، والثاني أهم الروّاد والكبار فيها.

إنّها الموسوعة الأولى من نوعها في العالم العربي، وهي موائمة لمن يريد الاستزادة بالعربية، أو الفرنسية أو الإنجليزية.

ألا تجد أن تخصّص الإعلام في العالم العربي، وبالتالي القطاع المهني، بات يضمّ الغثّ والسمين، والكفؤ وغير الكفؤ، وتحديداً بعد بروز ظاهرة المواطن الصحفي واستسهال ممارسة الصحافة؟ وهل ترى أنّ المؤسسات الأكاديمية العربية تعاني خللاً في هذا السياق، أقصد عدم الغربلة؟

كان بإمكان تحوّل الصحافة والإعلام نحو الصناعة الربحية التجارية في العالم العربي أن يعزز استخدام الكوادر الصحفية والإعلامية عالية الكفاءة للتدريب، وإنتاج مستوى رفيع مدفوع الأجر، وانتشاراً واسعاً، وإعلانات سخية، لكنّ بعض التهاون والغباء جعل الأمر يمشي في اتجاه معاكس، مما راكم الطلب على الغثّ من المراسلين وشبه المراسلين؛ بل من أميّي الصحافة، اتكالاً على تصحيحات مأمولة في الغرف الداخلية، خاصة الـ "ديسك" المركزي، أضف إلى ذلك أنّ شيوع ظاهرة المواطن الصحفي، بما فيها من غياب المهنية وشروط الصحافة الأصيلة واستسهال تصيّد الأخبار الفاقعة ومجانية الاختيار، ضرب اهتمام الأكاديميين بتخريج أفواج من الإعلاميين الممتلئين ثقافة وإحاطة وافية بالمفاهيم وشروط الاختيار السليم والتقديم والتحرير.

اقرأ أيضاً: منتدى الإعلام بدبي.. إحياء الحضارات

وعلى هذا؛ فإنّ المؤسسات الإعلامية المتهاونة تكرّس الرداءة باستخدام المواطن الصحفي على علّاته، المطلوب هو أن يكون المواطن الصحفي، غير المتخصص، ذا حضور نادر في ظروف استثنائية جداً، ولزوم محدود الصلاحية، مرفقاً بكثير من التحفظ.
المطلوب من الأكاديميين الإعلاميين أن يخففوا من اندفاعهم نحو تكريس هذه الظاهرة، وما يرافقها من تخلّ تلقائي عن المبادئ والشروط القاسية لإنتاج صحافة مرموقة.

في خلاصة مبدئية، تقع مجموعة كبيرة من الكليات والمؤسسات الإعلامية العربية في خطأ الاستسهال والتهاون مع القارئ والمستمع والمشاهد، وهو أمر لن يستمرّ القبول به، وستتوالى الانقلابات عليه.

للمشاركة:

فريد بن بلقاسم: ادعاء "النهضة" القطيعة مع "الإخوان" دعاية سياسية انتخابية‎

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
2019-09-10

أجرى الحوار: عيسى جابلي


قال الباحث في الفكر الإسلامي والحركات الإسلاموية، فريد بن بلقاسم، إنّ حركة النهضة فقدت الكثير من رصيدها الانتخابي منذ العام 2011، وإنّ حظوظ مرشّحها للرئاسيات "ضعيفة"، مؤكداً أنّ تماسك قاعدتها الانتخابية، كما يزعم قادتها "صورة متوهمة".

حركة النهضة فقدت منذ انتخابات 2011 إلى الانتخابات المحلية في 2018 ما يقارب المليون ناخب

وأضاف بن بلقاسم، في حواره مع "حفريات"؛ أنّ حركة النهضة كانت مجبرة على المشاركة في الانتخابات الرئاسية رغم تركيزها بالأساس على مجلس النواب "الذي يمكنها من التحكم في السلطة التنفيذية والمناورة في الرئاسية"، مؤكداً أنّ المراجعات التي تروج لها الحركة "مسألة فيها نظر، في ضوء الظروف المحلية والإقليمية التي تمّت فيها، مرجِّحاً أنّها مدرَجة إلى الآن في خانة "صناعة الصورة".
وأوضح، الأستاذ المساعد بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس؛ أنّ مسألة قطيعة حركة النهضة مع الإخوان حولها "أسئلة كثيرة"، وهي داخلة في "باب الدعاية السياسية الانتخابية"، على حد تعبيره، متوقعاً ألا تفرز الانتخابات التونسية القادمة قوّة سياسية متفوّقة على الآخرين بشكل كبير.

اقرأ أيضاً: إما تونس أو النهضة
وفريد بن بلقاسم باحث في الفكر الإسلامي والحركات الإسلاموية، له مقالات في قضايا الهوية وفي الإسلام السياسي، وصدر له، العام 2019، كتاب "الإسلام السياسي ومفهوم المخاطر" عن دار الجنوب في تونس، وشارك في الكتاب الجماعي "ميراث النساء ووهم قطعية الدلالة"، ببحث عنوانه "في علم الفرائض دراسة تحليلية نقدية".
وهنا نصّ الحوار:
حظوظ حركة النهضة الانتخابية

نبدأ بالحديث عن حظوظ حركة النهضة في الانتخابات التشريعية والرئاسية، كيف تراها؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال؛ ينبغي أن نشير إلى أهمية هذا الموعد الانتخابي فيما أطلق عليه مسار الانتقال الديمقراطي في تونس؛ فهذه الانتخابات ستوضّح بنسبة كبيرة مدى النجاح في إقامة نظام حكم مبني على قواعد الديمقراطية، وخصوصاً على مبدأ التداول السلمي للسلطة.

المراجعات في أدبيات الإسلام السياسي ليست أمراً جديداً كلّما وجدت حركاتها نفسها في أزمة

والمتابع للمواعيد الانتخابية في تونس، منذ 2011، يلاحظ التطوّرات الحاصلة؛ على مستوى المشاركة في الانتخابات، ومستوى قدرة القوى السياسية على المحافظة على رصيدها الانتخابي، وفي هذا المضمار نلاحظ أنّ حركة النهضة فقدت الكثير من قدراتها، وخسرت الكثير من خزّانها الانتخابي، ولكنّ حظوظها في هذه الانتخابات ليست مرتبطة فقط بهذا العنصر، وإنّما بعنصرين آخرين، هما: حجم المشاركة في الانتخابات القادمة، الرئاسية والتشريعية، من ناحية، وقدرة الأحزاب الأخرى على أن تكون بديلاً قوياً للطبقة الحاكمة اليوم من ناحية أخرى. وأعتقد، في ظلّ الواقع الراهن؛ أنّه من الصعب التكهّن بنتائج الانتخابات، لا سيما الانتخابات التشريعية، في ظلّ كثرة الترشّحات والضبابية، وتشتّت العائلة المحسوبة على التيار الحداثي في تونس، أمّا في الانتخابات الرئاسية فالأمر مختلف، وأعتقد أنّ حظوظ مرشّح حركة النهضة ضعيفة حتى في بلوغ الدور الثاني.
ولكنّ كثيراً من المحللين يرون أنّ "تماسك" قواعد النهضة مقابل تشتت أحزاب منافسيها قد يقوي حظوظها بالفوز؟
في رأيي؛ ينبغي أن نحدّد مَن هم قواعد النهضة؟ وهل هم يشكّلون كتلة متراصّة متماسكة كما يزعم قادة النهضة أنفسهم؟ أعتقد أنّ الأمر لا يعدو أن يكون صورة متوهّمة: هناك حزام قاعدي حول النهضة متماسك وقوي مبني على نوع من الولاء العقائدي، إضافة إلى روابط عائلية متينة، وهو حزام محدود العدد، ولا يجعل من النهضة قوّة سياسية معتبرة، وهناك حزام انتهازي يعتمد على المصالح السياسية والاقتصادية، وهذا الحزام متحرّك يبحث دوماً عمّن يحمي مصالحه، والنتيجة الماثلة بين أعيننا.

زعم قادة النهضة القطيعة مع الإخوان يدخل في باب الدعاية السياسية الانتخابية

إنّ حركة النهضة فقدت، منذ انتخابات 2011 إلى الانتخابات المحلية في 2018، ما يقارب مليون ناخب، وهي نفسها شهدت في الأعوام الأخيرة صراعات داخلية، ظهرت بشكل بارز أثناء إعداد القائمات الانتخابية هذا العام، وهناك تململ داخل قواعدها الوسطى والصغرى، يضاف إلى ذلك مسؤوليتها في ما تشهده البلاد من أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، وهذا كلّه يلقي بظلاله على حظوظها في الانتخابات التشريعية القادمة، أمّا الحديث عن تشّتت القوى الحداثية واليسارية؛ فهذا أمر لا يمكن إنكاره، رغم أنّها تمثّل، في رأيي، القوّة المجتمعية الأكبر في تونس، ولها إمكانية الحكم دون حاجة إلى ما يسمّى التوافق مع حركة النهضة.
لماذا برأيك أصرّت حركة النهضة على المنافسة على انتخابات النواب والرئاسة معاً؟
أعتقد أنّ وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، رحمه الله، وتقديم الانتخابات الرئاسية على التشريعية، وقرب الموعدين من بعضهما (أقلّ من شهر)، جعل حركة النهضة في مأزق؛ فهي إن لم تشارك في الرئاسية ستفقد الكثير؛ أوّلاً من صورتها التي تحاول ترويجها باعتبارها الحركة السياسية الأقوى، وثانياً من الزخم الذي ستوفّره المشاركة في هذا الموعد الانتخابي، فوجدت نفسها مجبَرة على المشاركة.

اقرأ أيضاً: ساعة "الحقيقة" تقترب: "الجهاز السري لحركة النهضة" في برامج مرشحي الرئاسة
وفي رأيي؛ إنّها لم تكن تريد ذلك؛ لأنّ تركيزها الأساسي على مجلس النواب مصدر السلطة الرئيس، الذي يمكّن من التحكّم في تشكيل الحكومة والإمساك بأغلب مفاصل السلطة التنفيذية، ثمّ بعد الانتهاء من الانتخابات التشريعية يمكنها أن تناور في الرئاسية، لكنّ هذا المخطّط سقط ووجدت نفسها في وضع يفقدها المناورة وهو التكنيك السياسي الذي تتقنه جيداً.
حقيقة مراجعات "النهضة"

ماذا عن المراجعات التي تقول "النهضة" إنّها أقدمت عليها بعد الثورة؟ هل هي مراجعات جذرية برأيك؟
المراجعات في أدبيات الإسلام السياسي ليست أمراً جديداً، كلّما وجدت هذه الحركات نفسها في أزمة لجأت إلى القول إنّها بصدد إجراء مراجعات.

المساواة بين الرجل والمرأة كما هي مطروحة اليوم غير مفكَّر فيها في الرؤية الإسلاموية

أعود إلى سؤالك حول حركة النهضة: أعتقد أنّه ينبغي أن نضع ما تقوله في إطار ما يمكن تسميته بصناعة الصورة، والمهمّ في هذه الصناعة ليس الحقيقة كما هي وإنّما قدرتها التأثيرية في المتلقّي؛ أمّا معرفة إن كان الأمر جدّياً أم لا؟
هناك في رأيي معطيان يجب أن يؤخذا بعين الاعتبار: معطى السياق: في أي ظروف وأحداث أعلنت حركة النهضة هذه المراجعات (تنبغي العودة إلى منتصف عام 2013 وما جرى فيه إقليمياً، بسقوط حكم الإخوان في مصر، ووطنياً باعتصام الرحيل بعد الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية ضدّ الأمن والجيش، يضاف إلى ذلك انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة)؛ فهي إذاً، معطيات ضاغطة شعرت فيها الحركة بالخطر.

اقرأ أيضاً: هل تنوي "النهضة" التغوّل في الساحة السياسية التونسية؟
والأمر الثاني؛ هو إخضاع هذه المراجعات لاختبار النزاهة والمصداقية، معرفياً وأخلاقياً، وفي هذا المضمار ثغرات كثيرة عن مدى استقامة الجمع بين الإسلام باعتباره ديناً، والديمقراطية باعتبارها نظاماً لإدارة شؤون المواطنين، وعن مدى قدرة دعاة حركة النهضة على مراجعة لأصول الإسلام السياسي من قبيل "شمولية الإسلام"، و"الإسلام دين ودولة"، و"حاكمية الشريعة"، وعن مدى قدرتهم على استيعاب القيم الحديثة، وخصوصاً قيمة المساواة وقيم حقوق الإنسان، كما تنصّ عليها المواثيق الدولية.

اقرأ أيضاً: النهضة بين وجهها القبيح وأقنعتها الزائفة
إضافة إلى احتكام هذه المراجعات لمبدأ الحقيقة في الكشف عن الماضي والاعتراف به، إلى غير ذلك من الأسئلة العالقة التي تجعل هذه المراجعات تصبّ إلى الآن في خانة صناعة الصورة، وفي خانة التلاعب من أجل المحافظة على الموقع، وهذه الازدواجية هي التي تخلق الهواجس والشكوك في التعامل مع ما تعلنه الحركة.

من هذه المراجعات؛ ما أعلنه مورو مثلاً، بخصوص قطع علاقة حركة النهضة بالإخوان منذ أواخر السبعينيات.
ما قاله السيد مورو يدخل في باب الدعاية السياسية الانتخابية، طبعاً إذا كان يقصد العلاقة التنظيمية؛ فهذه في الحقيقة حولها أسئلة كثيرة، أمّا الروابط الفكرية والإيديولوجية؛ فهي لا تحتاج إلى جهد لإثباتها، فيكفي أن نستحضر مثلاً ما كان يقوم به الاتجاه الإسلامي سابقاً (حركة النهضة اليوم)، ومورو أحد أبرز قيادييه؛ من تلخيص ونشر لكتب سيد قطب مثلاً، والبيان الذي وقّعه مورو شخصياً ضدّ وزير التربية الأسبق، محمد الشرفي، وفيه شحنة تكفيرية ضدّ توجّهاته في الإصلاح التربوي، وغيرها من الأحداث التي تبين أنّ خزّان النهضة الأيديولوجي هو خزّان إخواني.
يلاحظ أنّ الأغلبية الساحقة في قوائم حركة النهضة من الرجال، كيف تصف موقف حركة النهضة من المرأة؟
بالنسبة إلى موقف حركة النهضة من قضية المرأة فهناك نقطتان مهمّتان؛ الأولى على المستوى السياسي، وباعتبار المرأة مواطنة، وهنا لم تعد الحركة تجد حرجاً في الدعوة إلى مشاركة المرأة في الحياة السياسية، فتبنّيها للديمقراطية الانتخابية يحتّم عليها أن تستثمر في الصوت النسائي، وأن تحاول الاستفادة منه، ولكن دون أن تقطع مع الموقف الذكوري، الذي يرهن ذلك الصوت لصالح الدعوة والحركة التي يسيطر عليها الرجال.

اقرأ أيضاً: سطوة الغنوشي تُفاقم الخلافات داخل حركة النهضة
والنقطة الثانية على مستوى المرأة، باعتبارها امرأة لها حقوق خاصّة بها، أقرّتها العهود والمواثيق الدولية، وحرّرتها من منزلة الدونية والتبعية للرجل؛ فحركة النهضة، وحركات الإسلام السياسي عموماً، تتشبّث بموقف أصولي رافض لهذه المنظومة الحقوقية.
"مدنية" الحركة

رفض حركة النهضة لمسألة المساواة في الميراث متوقَّع
كيف تقرأ رفض "النهضة" لقانون المساواة في الميراث وأسبابه في ظل تأكيها أنّها حركة "مدنية"؟

رفض حركة النهضة لمسألة المساواة في الميراث متوقَّع؛ فهي بذلك منسجمة مع مرجعيتها الإسلامية المعلنة في نظامها الأساسي، ومع روافدها الإخوانية المعتمدة على الموروث الأصولي والفقهي، وهو موروث يرى أنّ مسألة الميراث محسومة بما يسمّيه علم الفرائض، إذاً المساواة، كما هي مطروحة اليوم، غير مفكَّر فيها في الرؤية الإسلاموية، يضاف إلى ذلك أنّ حركة النهضة خسرت كثيراً من قاعدتها الانتخابية، ولم يبقَ لها غير نواتها "الجماهيرية" الصلبة، وهي غير مستعدّة من الناحية السياسية لأن تخسر المزيد.
إذاً، ما مدى جدية الزعم بأنّ الحركة قد تحوّلت إلى حزب مدني؟
مدنية حركة النهضة تحتاج إلى أن نحدّد المقصود بالمدنية، إن كان الأمر يتعلّق بأنّ هذه الحركة غير عسكرية، فهذا أمر واضح، وإن كان غير محسوم تماماً في ظلّ الحديث عن جهاز سرّي تابع لها، وإن كان المقصود حركة غير دينية، فهي فعلاً حركة غير دينية؛ فهي حركة سياسية بمرجعية إسلامية، بحسب نظامها الأساسي، دون أن توضّح لنا المقصود بالمرجعية الإسلامية.

اقرأ أيضاً: وفاة السبسي تخلط أوراق النهضة قبل الانتخابات
أعتقد أنّ مسار تحوّل حركة النهضة في تونس إلى حركة مدنية، بمعنى حركة سياسية تؤمن بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، يحتاج إلى جهد كبير، تنظيري وعملي، وعلى مستوى القمّة والقاعدة، وهو عمل يمكن أن تكون النهضة قد شرعت فيه بضغط الأحداث والظروف، وكلّما ازدادت الضغوط ستبذل الحركة جهوداً أكبر للسير قدماً في هذا المضمار، ونحن اليوم نسمع أصواتاً منفردة، لكنّها مهمّة، في هذا الاتّجاه.
الانتخابات التونسية القادمة لن تفرز قوّة سياسية متفوّقة على الآخرين بشكل كبير

على ذكر الجهاز السرّي؛ هل قدمت النهضة حججاً مقنعة تثبت عدم ارتباطها به وبالاغتيالات السياسية؟
امتلاك الحركات الإسلاموية أجهزة سرّية أمر تؤكّده شواهد كثيرة من داخل هذه الحركات نفسها (راجع ما كتبه قادة النظام الخاصّ التابع لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، مثل: علي عشماوي، ومحمود الصبّاغ، وغيرهما)، وفي وقت سابق؛ امتلك الاتّجاه الإسلامي في تونس مجموعة أمنية وعسكرية تابعة له ضالعة في التخطيط لانقلاب على نظام الرئيس، الحبيب بورقيبة، عام 1987، وهو ما أكّده المنصف بن سالم، الذي أشرف على المجموعة في كتابه "سنوات الجمر".

مسار تحوّل "النهضة" إلى حركة مدنية يحتاج إلى جهد كبير تنظيري وعملي وعلى مستوى القمّة والقاعدة

أمّا اليوم؛ فقد أعادت هيئة الدفاع عن الشهيدَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، إثارة هذا القضية، في أيلول (سبتمبر) 2018، وأصبحت قضية رأي عام، وطرحها الرئيس الراحل، قائد السبسي، في مجلس الأمن القومي، ويبدو أنّنا في تونس في حاجة ملحّة إلى إماطة اللّثام على هذه القضية، والحسم فيها قضائياً؛ حفاظاً على سلامة المناخ السياسي، واستكمالاً لشروط الانتقال الديمقراطي؛ وليس هناك من سبيل سوى التحقيق القضائي، فالقضاء هو الكفيل، في تقديري، بأن يكشف الحقيقة.
كيف تتوقع مستقبل حركة النهضة إذا فازت بالانتخابات وتعاملها مع محيط تونس الإقليمي والدولي؟
هذا سؤال سابق لأوانه، واعتقادي أنّ الانتخابات القادمة لن تفرز قوّة سياسية متفوّقة على الآخرين بشكل كبير؛ هناك تقارب كبير بين القوى المتنافسة في هذه الانتخابات، وربّما قد لا تستطيع تشكيل حكومة مستقرّة، أمّا مستقبل حركة النهضة فتتحكّم فيه عدّة عوامل: وجود قوى سياسية قادرة على المنافسة بقوّة قد يدفعها إلى مواصلة نهج المراجعات، وربّما قد يؤدّي إلى انقسامها تنظيمياً، إضافة إلى موقف القوى الدولية الفاعلة من الإسلام السياسي.
حركة النهضة ليست في وضع مريح يسمح لها بحرّية الاختيار، وبأن تكون المتحكّم في المشهد السياسي في تونس، هناك متغيرات كثيرة والأمور لم تستقرّ بعد، وهو ما يجعل كلّ الاحتمالات واردة.

للمشاركة:

محمد البشاري: جماعات الإسلام السياسي تسعى لاصطدامنا مع الآخر

2019-09-01

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال الأمين العام لـ "المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة" د.محمد البشاري إنّه من الضروري تأصيل الفقه وتذليل الصعاب بين الممارسة الدينية وقوانين بلدان المجتمعات المسلمة في الغرب. ودعا، في حواره مع "حفريات"، إلى الالتزام بخطاب إسلامي وسطي معتدل "يحترم سيادة الدول، ويعزز قيم المواطنة والمشاركة والتوادّ والتعاون والتراحم، واجتناب ما يثير نوازع الفتنة والفرقة بين المسلمين أنفسهم وبين غيرهم".

اقرأ أيضاً: كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟
وأضاف رئيس "الفيدرالية العامة للمسلمين في فرنسا"، أنّ علينا العناية بالفقه الذي يؤصّل للعدالة الاجتماعية، و"مراجعة كل ما يحرض على الصدام مع الآخر، ونقد التراث الفكري القديم الذي يجعل هذه العلاقة علاقة حرب وجزية".

وهنا نصّ الحوار:
العيش المشترك

تيارات الإسلام السياسي تشتغل على ما يسمى "الأسلمة" التي تعطي ولاءات خارج الأوطان
كيف تصف الوجود الإسلامي والمجتمعات المسلمة بأوروبا ومشكلاتها؟

المسلمون في دول أوروبية كثيرة يعيشون كأقلية بشرية أو دينية، ورغم اعتراف دول كثيرة بالإسلام رسمياً، والحضور القوي في بعض الحالات، إلّا أنّ المسلمين في حاجة إلى تشريعات قادرة على حماية الحقوق الثقافية والشعائر التعبدية هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ العمل على تأصيل فقه الأقليات والمواطنة مطلوب، مقابل فتاوى الانزواء، لا سيما ما يخص قضايا العيش المشترك وأسس التواصل الحضاري؛ حيث كان من اللازم تأصيل الفقه وتذليل الصعاب بين الممارسة الدينية وقوانين بلدان المجتمعات المسلمة.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟
وما يجري في أوروبا، على سبيل المثال، من محاولة بعض الجماعات عزل المسلمين في "جيتو"، واستخدامهم كظهير للتنظيمات، لا حلّ له سوى العمل بجدية على إعادة العقل الإسلامي من جديد، للحدّ من وتيرة الحروب الدينية والطائفية، التي لن تتم إلا من خلال إطلاق مبادرات الحوار والتنمية المستدامة والعناية بقضايا الشباب والفقر والجهل.

هل توجد تجربة ناجحة ونموذج يمكن أن نبني عليه على هذا الصعيد؟

في رأيي؛ في كلّ دولة من دول المجتمعات المسلمة تجارب مميزة، فمثلاً روسيا استطاعت أن تقدم نموذجاً يحتذى به في مجال إدارة التعددية الدينية والثقافية، وهو ما تحثّ عليه "وثيقة الإخوة الإنسانية"؛ التي وقّع عليها قداسة البابا فرانسوا، والإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، في أبوظبي، وهي التي بعثت أمل التعايش لأتباع الأديان والثقافات، خاصة أنّ دعوة الإسلام هي السلم بين الدول والتعايش بين الشعوب، وبرّ بالوالدين، وحسن الجوار، والمجادلة بالتي هي أحسن، ودعوة عفو وصفح ومحبة، وتعاون على الخير.

الإسلام يحض على احترام التعددية والاعتراف بالمخالفة الدينية

برأيكم، ما الذي يعيد العمل بالتعددية الدينية والثقافية؟
يمكن أن يتم هذا عبر التفكير والرجوع للخزانة الإسلامية المليئة بالمؤلفات، لكن لا بدّ من أن يلاحظ أنّ المدارس الفقهية، مثل المالكية، اعتنت بفقه النوازل، والنازلة هي المصيبة، نظراً إلى قرب مشايخها من الأندلس، وأما المذهب الحنفي؛ فتميز بفقه الرأي، وأما المالكية فتعاملت مع الوجود كأقلية دينية، وجاءت قضية الهجرة بعد غرناطة، فدعت بعض المدارس الفقهية المجتمعات بعدم العيش في بلاد الكفار، وهناك من أصّل فيما بعد للفقه القتالي، وهنا يأتي علينا الدور في تناول المسألة من حيث الفقه المقاصدي، وتظهر هنا مدرسة عبد الله بين بيه، التي تناولت دور الدولة الإسلامية وجيرانها، والأمن الفقهي الفكري السياسي، الأمر الذي كرّسه إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي.

تأصيل فقه الأقليات والمواطنة مطلوب مقابل فتاوى الانزواء خاصة فيما يخص العيش المشترك والتواصل الحضاري

والذي أعطى للمجتمعات المسلمة نفساً كبيراً مع محاوريها؛ أنّ ديننا الإسلامي يحض على احترام التعددية والاعتراف بالمخالفة الدينية؛ لذا نجد أنّ العلّامة الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، يهتم أكثر بإعادة النظر في تراثنا الفقهي، مستنبطاً منه ما يصلح لنا في عالمنا المعاصر لتحقيق العيش السعيد والسليم، مع كلّ المكونات المجتمعية والدينية، من خلال عقده للمؤتمرات والندوات وإطلاقه مبادرة دولية باسم "حلف الفضول"، من أجل ميثاق عالمي للأديان، قادر على أن يمتصّ كلّ الأحقاد والكراهية ليحولها إلى قوة سلم وسلام.

ما الذي تقصده بالأمن الفقهي الفكري السياسي؟
أقصد أنّ المجتمعات تعيش حالة أمن وليس صداماً، من الطرفين على حدّ سواء، فهناك في المجتمعات الأوروبية متطرفون، لكنّها حالات عرضية، وعلينا هنا العناية بالفقه الذي يؤصّل للعدالة الاجتماعية، ومراجعة كل ما يحرض على الصدام مع الآخر، ونقد التراث الفكري القديم الذي يجعل هذه العلاقة علاقة حرب وجزية.

فقه النوازل

الاجتهاد في قضايا المجتمعات المسلمة في الغرب ضرورة ترتقي إلى مرتبة الواجبات الشرعية
هل كان الاستعمار الأوروبي للشرق سبباً في تلك الأزمات ومنها ظهور الجماعات والتنظيمات؟

طوال التاريخ؛ هناك جماعات متطرفة مثل الخوارج، ولم يكن هناك استعمار، لكن الفقه الذي كان يعمل على ما يسمى النوازل والتمكين والقتال تسبّب في ظهور الإخوان والولي الفقيه وحزب التحرير والقاعدة، وكان هذا منسجماً مع الأصول القديمة.

هل تعتقد أنّ هناك من يحرص على تأصيل هذه التناقضات في المجتمعات المسلمة؟
بكل تأكيد؛ هناك من يعمل على هذا الفقه، وهناك من يؤصّل للتناقض، ويخلق حالة من الصدامية، في ظلّ القوانين الأوروبية التي تعدّ المسلمين جزءاً من نسيج المجتمعات الأوروبية، ولاحظ كيف أنّ آلاف الشبان الأوروبيين والفتيات التحقوا بداعش، وهذا دفع بعض الدول لعدم الاعتراف بالإسلام حتى الآن؛ أي أن تموّل ما يسمى الشأن الديني.
على سبيل المثال؛ في ألمانيا ست عشرة جهة تتحدث باسم المسلمين، ورغم أنّ  الإسلام هو الديانة الثالثة في ألمانيا، لكنّه لا يحظى بالاعتراف الرسمي حتى الآن، أما السبب الأساسي الذي يشار إليه؛ فهو تعدّد الجمعيات الإسلامية واستحالة إمكانية تحدثها بصوت واحد.

الغربيون ليس لديهم توجّس من الإسلام والكلام عن العنف تجاه المسلمين مردود

كما أنّ الاختلاف الذي قد يصل إلى التناحر داخل جماعة المسلمين، هو أمر فعلي، وله أصوله في التعددية الإثنية التي تكون الطائفة الإسلامية (أتراك، بوسنيون، إيرانيون، مغاربة)، وهي اختلافات جعلت الحكومات المتعاقبة تطالب المسلمين بتوحيد الصفوف، والتكلم بلسان واحد حتى يمكن الاعتراف بهم، وفي  فرنسا، المادة الثانية، أنّها جمهورية علمانية لا تعترف بالدين لكنها تعترف بالأديان؛ أي إنّها ليست دولة ملحدة، ورغم ذلك هناك جماعات تؤصّل لفكرة القتال وعدم التواصل مع الغربيين أو تحيّتهم، وإعطاء نظرة سلبية عن المجتمعات المسلمة.

أسطورة المؤامرة

ثمة جماعات تؤصّل لفكرة القتال وعدم التواصل مع الغربيين وإعطاء نظرة سلبية عن المجتمعات المسلمة
ما أهم الأطروحات التي تشتغل عليها جماعات الصِدام الآن؟

أهم شيء هو ما يسمى الأسلمة، وهي المفهوم الذي يعطي ولاءات خارج الأوطان، ومالك بن نبي المفكر الجزائري، انتقد ما يسمى "أسلمة العلوم والمعرفة"؛ بل وكان يقول بعدم وجود حضارة إسلامية خاصة، بل حضارة إنسانية، من هنا كان لازماً لتأسيس الفقه الشهود الحضاري الإنساني ليقود هذه المجتمعات نحو الوئام والتعايش السلمي، عِوَضاً عن فقه الضرورة، أو فقه التمكين لهذه الجماعات.

هل تعتقد أنّ ثمة مؤامرة لتضخيم حجم هذه المشكلات، كحوادث العنف ضدّ المسلمين في أوروبا؟
لا أؤمن بنظرية المؤامرة؛ فحالنا أحسن من حال آخرين، والغربيون ليس لديهم توجّس من الإسلام، والكلام عن العنف تجاه المسلمين مردود؛ فهو يحدث لكنّه حالات نادرة فردية، وبرأيي؛ الحلّ هو في ضرورة تشكيل جبهة الأديان والفلسفات الإنسانية لمواجهة تيارات الإلحاد والإباحية التي تذهب بالبشرية إلى العدمية، التي تؤدي مع تيارات العنف إلى تفريغ الأرض والعباد من البعد الروحي والإنساني، وإلى تحرير الدين من جماعات العنف والاستخدام السياسي، وإعطائه دوره الطبيعي في التربية لتحقيق الأمن المجتمعي، وتأصيل قيم الحبّ والسلم شرعياً في زمن الاضطرابات المفاهيمية.
توسع دائرة الاجتهاد

تعدّد الجمعيات الإسلامية في أوروبا واستحالة تحدثها بصوت واحد يعيق الاعتراف بالإسلام
طالبت بتوسع دائرة الاجتهاد فيما يخصّ الأقليات، ما الذي قصدته تحديداً؟

أقصد أنّ للاجتهاد مكانة وأهمية في إطار النظر إلى مجموع الأمة، التي تعيش في ظل المجتمعات الإسلامية، التي تزخر بالعلماء والمفتين والباحثين، والحديث عن الاجتهاد في المجتمعات المسلمة التي تعيش في دول غير إسلامية، كما هو الحال بالنسبة إلى مسلمي أوروبا في فرنسا وإنجلترا والسويد وألمانيا وغيرها.
ثمة وقائع تستحق أن نذكرها بوصف "النوازل، ومن ثم فإنّ الاجتهاد في قضايا المجتمعات المسلمة ضرورة ترتقي إلى مرتبة الواجبات الشرعية، وهو في حقيقته "فرض كفائي"، أو "فرض تكافلي"، كما يعبر عنه بعض علماء الأصول.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش
لذا فالمطلوب اليوم، تجديد واجتهاد؛ تجديد ينطلق لا من مجرد الاجتهاد في الفروع؛ بل من إعادة "تأصيل الأصول"؛ لأنّ القواعد الأصولية التي ينبني عليها الفقه الإسلامي ترجع إلى عصر التدوين، العصر العباسي الأول، وكثير منها يرجع إلى ما بعده، والقواعد الأصولية التي وضعها الفقهاء القدامى، ومن جملتها القواعد الخاصة بالتعليل والقياس والدوران، وما إلى ذلك، ليست مما نصّ عليه الشرع، في الكتاب أو السنّة؛ بل هي من وضع الأصوليين، إنّها قواعد للتفكير، قواعد منهجية، ولا شيء يمنع من اعتماد قواعد منهجية أخرى إذا كان من شأنها أن تحقق الحكمة من التشريع في زمن معين بطريقة أفضل.

كلمة أخيرة توجهها حول المجتمعات المسلمة؟
لا بدّ من ترجيح كفّة الخير، والبدء بالاشتغال الحقيقي بالصحيح من الدين، والالتزام بخطاب وسطي معتدل يحترم سيادة الدول، ويعزز قيم المواطنة والمشاركة والتواد والتعاون والتراحم، واجتناب ما يثير نوازع الفتنة والفرقة بين المسلمين أنفسهم وبين غيرهم، والتحذير من آفتي الغلو في الدين والتطرف العنيف، وتفعيل مراكز الطفولة والشباب لتحصينهم، وتعريفهم بمبادئ الإسلام، وزرع أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوسهم، ترسيخاً للسلوك والفكر الإسلامي القويم.

للمشاركة:



ميليشيات الحوثي الإرهابية تواصل جرائمها في حيس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

تواصل ميليشيات الحوثي الإرهابية جرائمها في محافظة الحديدة والمدن المحطية بها، مستغلة كافة إمكاناتها الحربية من مقذوفات وأسلحة وألغام وقناصة؛ حيث استهدفت الميليشيات الإرهابية، أمس، تجمّعات سكنية شمال مديرية حيس، جنوب الحديدة، غرب اليمن، مستخدمة الأسلحة القناصة المتوسطة والخفيفة.

الميليشيات الإرهابية فتحت نيران أسلحتها القناصة صوب الأحياء السكنية المكتظة بالسكان في حيس

وأفادت مصادر محلية في حيس، نقلت عنهم صحيفة "المشهد" اليمنية؛ أنّ الميليشيات فتحت نيران أسلحتها القناصة من مناطق تمركزها شمال المديرية صوب الأحياء السكنية المكتظة بالسكان .

وأضافت المصادر: "عمليات القنص متواصلة منذ ساعات ظهيرة أمس حتى اللحظة، بشكل مكثَّف ومستمر" .

وكانت الميليشيات الحوثية قد ارتكبت مجازر مروعة بحقّ السكان في حيس، قبل أيام، سقط إثرها شهداء وجرحى من الأطفال، ودمِّرت عدد من المنازل وسط المدينة.

وفي سياق آخر؛ ذكر مصدر محلي بمحافظة حجة، أنّ ميليشيا الحوثي شيّعت، أمس، قائدها الميداني بجبهة حرض، المدعو حسن محمد فايد الحاتمي.

ميليشيا الحوثي تشيّع قائدها الميداني بجبهة حرض، الإرهابي المدعو حسن محمد فايد الحاتمي

وأشار المصدر إلى أنّ "الحاتمي لقي مصرعه على أيدي قوات الجيش اليمني بالمنطقة العسكرية الخامسة، أثناء صدّ هجوم الميليشيا، الأحد الماضي، على محيط مدينة حرض".

ويعدّ الصريع الحاتمي، شقيق إبراهيم محمد الحاتمي، مشرف الميليشيات بمديرية أفلح اليمن، وكلاهما متورطان في عمليات الاعتقال، وملاحقة أبناء المديرية، وفي جرائم أخرى كثيرة.

 

 

للمشاركة:

المنتدى العربي يحذّر من الاستثمار في تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

حذّر اقتصاديون سعوديون من مخاطر الاستثمار في تركيا؛ بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي، وضعف الثقة في القضاء.

وقال رئيس مجلس الغرف التجارية السعودية، الدكتور سامي العبيدي: إنّ "الاستثمار الناجح يتطلب استقلال القضاء واستقرار الوضع الاقتصادي، وإذا نظرنا إلى تركيا نجدها في المرتبة 116 عالمياً في استقرار الاقتصاد، وفي المرتبة 111 في استقلال القضاء، وبالتأكيد هذا مؤثر سلبي لضمان أيّ استثمار أو تعامل تجاري"، وفق ما أوردت صحيفة "الاقتصادية".

اقتصاديون يؤكدون أنّ الاستثمار في تركيا غير آمن لعدم الاستقرار الاقتصادي وضعف القضاء

العبيدي أوضح، خلال انعقاد المنتدى العربي الأول بعنوان: "دور الإعلام في التوعية بمخاطر الاستثمار الخارجي – تركيا نموذجاً"، في العاصمة السعودية، الرياض، أنّ "أغلب الاستثمارات في تركيا لأفراد وليست استثمارات شركات"، محذراً من الاستثمارات فيها، سواء عقارات أو غيرها؛ إذ لا توجد حماية لحقوق المستثمرين، ومؤكداً أنّ القطاع الخاص السعودي واعٍ لهذا الأمر.

بدوره، رأى مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادي، الدكتور يسري الشرقاوي؛ أنّ "تركيا لا تمتلك مقومات الاستثمار والاستقرار الاقتصادي"، مبيناً أنّ "80% من حجم استثمارات السعوديين في تركيا يعود لأفراد".

وأفاد بأنّ "تركيا تعيش أزمة اقتصادية حادة، بسبب السياسات التي انتهجها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وذلك ما انعكس سلباً على الليرة التركية، التي انهارت أمام الدولار الذي بلغ نحو 5.7 ليرة".

من جهته، دعا رئيس لجنة المكاتب الاستشارية في غرفة الرياض، المهندس خالد العثمان؛ إلى موقف خليجي لتجنّب هذه المخاطر الاستثمارية، منوّهاً إلى أنّ الاستقرار السياسي في تركيا لم يعد موجوداً، وبسببه أصبح الاستثمار خطراً في ظلّ عدم الاستقرار.

كما ذكر العثمان بقضايا النصب العقاري، التي تعرض لها مواطنون كويتيون في تركيا.

يذكر أنّ كثيراً من المواطنين تعرضوا لعمليات نصب واحتيال من شركات عقارية، وعند لجوئهم للقضاء؛ تبيّن أنّ المحتالين يتملصون من مسؤولياتهم عبر منافذ قانونية لا تنصف المستثمرين الأجانب.

 

للمشاركة:

صالح يوجه بمنع نقل المتظاهرين إلى العاصمة الجزائرية.. هذه مبرراته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

أعلن رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، أمس؛ أنّه أعطى تعليمات للقوى الأمنية "للتصدي" للحافلات والعربات التي تقلّ متظاهرين من خارج العاصمة، أيام الجمعة، وتوقيفها، وحجزها، وفرض غرامات مالية على أصحابها.

وقال قايد صالح، خلال تفقد قوات عسكرية في تمنراست: "لاحظنا ميدانياً؛ أنّ هناك أطرافاً من أذناب العصابة ذات النوايا السيئة تعمل على جعل حرية التنقل ذريعة لتبرير سلوكها الخطير، المتمثل في خلق كلّ عوامل التشويش على راحة المواطنين، من خلال الزجّ الأسبوعي بعدد من المواطنين يتمّ جلبهم من مختلف ولايات الوطن إلى العاصمة"، وفق "فرانس برس".

صالح: هناك أطراف تعمل على جعل حرية التنقل ذريعة لتبرير سلوكها الخطير والتشويش على راحة المواطنين

وأشار إلى أنّ الهدف من ذلك "تضخيم الأعداد البشرية في الساحات العامة التي ترفع شعارات مغرضة وغير بريئة"، معتبراً أنّ "الغرض الحقيقي هو تغليط الرأي العام الوطني بهذه الأساليب المخادعة لتجعل من نفسها أبواقاً ناطقة، كذباً وبهتاناً، باسم الشعب الجزائري".

وأضاف: "عليه، أسديت تعليمات إلى الدرك الوطني، بغرض التصدي الصارم لهذه التصرفات، من خلال التطبيق الحرفي للقوانين السارية المفعول، بما في ذلك توقيف العربات والحافلات المستعملة لهذه الأغراض، وحجزها، وفرض غرامات مالية على أصحابها".

ويأتي هذا الإعلان بعد مرور ثلاثة أيام على تحديد الرئيس الجزائري المؤقت، عبد القادر بن صالح، 12 كانون الأول (ديسمبر)، موعداً للانتخابات الرئاسية.

ويرفض المحتجون إجراء الانتخابات في ظلّ الحكومة الحالية، مطالبين بتفكيك النظام الموروث من عشرين عاماً من حكم بوتفليقة.

ويجتاح المتظاهرون شوارع العاصمة الجزائرية، كلّ يوم جمعة، منذ ثلاثين أسبوعاً، للمطالبة برحيل كلّ أركان النظام، بعد أن نجحوا في حمل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة.

 

 

 

للمشاركة:



هجمات 11 أيلول وتاريخ الحرب الباردة.. إعادة تشكيل العالم

2019-09-19

ترجمة: محمد الدخاخني


تمرّ الذّكرى السّنويّة لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) بما يُشبه مرحلة انتقاليّة. فلم تعد الجروح طازجة بعد 18 عاماً، لكن هذا اليوم الرّهيب لم يُكرَّس بعد في الماضي التّاريخيّ السّحيق. وهذا يجعل الوقت مناسباً لتقييم ما حُقِّق في مكافحة الإرهاب العالميّ، وما يجب عمله.

زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين وليس أمريكا

ولا أستطيع التّفكير في أيّ شخص أفضل لمناقشة هذا الأمر من فيليب زيليكو. وقد كان لزيليكو، وهو الآن أستاذ للحوكمة في مركز ميلر بجامعة فرجينيا، تاريخه المهنيّ الطّويل داخل الحكومة، وترقّى إلى منصب مستشار في وزارة الخارجيّة في عهد الرّئيس جورج دبليو بوش. لكنّه اشتُهِر بدوره مديراً تنفيذيّاً لـ "لجنة 9/11 الفيدراليّة"، ومن هنا كان المؤلِّف الرّئيس لتقرير الّلجنة حول الهجمات. (وإذا لم تكن قد قرأته بعد، فإنّه يجب عليك ذلك: فالتّقرير لا يقدّم فحصاً شاملاً لما حدث من أخطاء فحسب، وإنّما يأخذ شكل روايات عالم الجاسوسيّة المثيرة).
هذا الأسبوع، سيصدر لزيليكو، وزميلة قديمة له من أيّام وجوده داخل الحكومة، وزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس، كتاب جديد بعنوان "لبناء عالم أفضل: خيارات لإنهاء الحرب الباردة وخلق كومنولث عالميّ". إنّه عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ عام 1991، وهو موضوع يأتي في الوقت المناسب، بشكل خاصّ في ضوء جهود الصّين وروسيا، و، للأسف، أمريكا دونالد ترامب لهزّ هذا العالم في أسسه. وفي ما يلي نصٌّ معدٌّل لمحادثةٍ أجريناها هذا الأسبوع:

توبين هارشو: قبل أن نعود إلى دروس الماضي البعيد، لنبدأ بذكرى هذا الحدث الحزين. من بين التّوصيات الواردة في تقرير 9/11، هل يمكنك تسمية توصية واحدة أُحرِز فيها تقدّم جيّد؟
فيليب زيليكو: لقد جعلنا من الأصعب بكثيرٍ على الجماعات الإسلامويّة المتطرّفة أن تتشكّل وتعمل بأمانٍ داخل الولايات المتّحدة. وكان مختطِفو طائرات 9/11 قد حصلوا على تدريبهم ونُظِّموا هنا، وهذا يبدو الآن أقلّ احتمالاً. لسوء الحظّ، تحوّل الخطر إلى القتلة المسلّحين الّذين يستهدفون حشوداً بأكملها، وكثيرٌ منهم من القوميّين البيض.

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر: كيف انتهز ترامب آلام الأمريكيين لتعزيز الكراهية؟!
هارشو: هل يرجع التّقدّم في مواجهة الإرهابيّين الإسلامويّين إلى حدّ كبير إلى قانون باتريوت وغيره من تدابير الأمن والمراقبة الوطنيّة؟
زيليكو: لا، ليس هذا فحسب. فقد طوّرنا الكثير من القدرات لحماية البلاد داخليّاً على نحو لا يتحدّد بالضّرورة في التّشريعات. ففي مكتب التّحقيقات الفيدراليّ وفي مختلف الوكالات البلديّة - وانظر إلى الطّريقة الّتي غيّرت بها إدارة شرطة نيويورك المسار الّذي تعمل به في مجال مكافحة الإرهاب منذ أحداث 9/11 - هناك قصّة كبيرة. وبشكل عام، ثمّة وعي أكبر بالخطر، ممّا أدّى إلى تحسين القدرات بطرق عديدة. وأفضل الدّفاعات تأتي في شكل دفاعات ذات طبقات لا تقوم فيها طبقة واحدة بكلّ العمل.

زيليكو: أحد أسباب عملي مع كونداليزا رايس أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه ونتشارك بتفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر

هارشو: لا يزال الإرهابيّون ينشطون في الخارج. على سبيل المثال، يركّز الكثير من النّقاش الخاصّ بالانسحاب من أفغانستان على ما إذا كانت ستُصبِح ملاذاً آمناً للإرهابيّين. فهل تؤمن بنظريّة الملاذ الآمن؟
زيليكو: ساعدت "لجنة 9/11" في ترسيخ نظريّة الملاذ الآمن. فقد جادلنا أنّه إذا تركتَ المُلتجأ يتطوّر إلى نقطةٍ معيّنة، فيمكن للعدوّ حينها بناء قدرات قد تكون خطيرة للغاية. إذاً، تعود المشكلة إلى سؤال أين نرسم الخطّ، فيما يتعلّق بما يحتاج إليه الأمريكيّون وكيف عليهم فعل ذلك. يشعر النّاس بالقلق من أنّنا إذا انسحبنا بالكامل من أفغانستان، فسوف ينزلق البلد إلى حرب أهليّة وقد يصبح ملاذاً آمناً للجماعات الإسلامويّة. لكنّني أستطيع أن أستخدم الحجّة نفسها، ليس فقط بشأن أفغانستان، ولكن أيضاً اليمن وليبيا وسوريا والصّومال وغيرها. وإذا كان هذا سيُجبرنا على الحفاظ على قوّات أمريكيّة كبيرة في كافّة تلك البلدان وأكثر، وعلى أخذ أحد الجوانب في الحروب الأهليّة في كافّة تلك البلدان، فتلك وصفة مستحيلة.

 فيليب زيليكو
هارشو: يعني هذا القيام بالكثير من الأشياء.
زيليكو: هذه التّدابير العسكريّة لا تُعدّ أفضل الطّرق لجعل هذه الدّول أكثر مقاوَمة. إنّ الأمر ينطوي على الكثير من الجهود السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الصّعبة الّتي تحتاج الولايات المتّحدة أيضاً إلى الانخراط فيها بشكل بنّاء، ولكن، بشكل أساسيّ، لا يملك النّاس الصّبر أو الاهتمام لفهم أو متابعة هذه الجهود.
هارشو: بالعودة إلى 9/11 وكتابك الجديد مع رايس، "لبناء عالم أفضل"، يتّضح أنّني قد نسيت أنّه في اليوم التّالي للهجمات، أجرى بوش محادثة هاتفيّة مطوّلة مع الرّئيس الرّوسيّ، فلاديمير بوتين، من أجل التّأسيس لشراكة ما. وقد انحرف ذلك إلى علاقة قوامها القسوة اليوم. فهل هناك أيّ فرصة لحل مشكلاتنا مع روسيا؟

اقرأ أيضاً: مع ذكرى 11 سبتمبر.. أزمات تكبر وترامب لا يكترث
زيليكو: في كتابنا هذا، جادلنا بأنّ القطيعة مع روسيا لم تحدث بشكل حاسم حتّى منتصف العقد الأول من القرن العشرين. وبدلاً من التّعامل مع الأمر باعتباره قصّة نذالة روسيّة، فإنّنا نتعاطى معه على أنّه مأساة حزينة ومعقّدة إلى حدّ ما. لكن منذ منتصف العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، صاغ بوتين سياسته ونظامه حول فكرة العدوّ الأمريكيّ والخطر الّذي تمثّله المجتمعات الحرّة، وليس هذا الخطر بالسّياسيّ أو العسكريّ فقط، وإنّما هو ثقافيّ أيضاً، حيث يصوِّر بوتين المجتمعات الحرّة على أنّها منحطّة ثقافيّاً. وحتّى لو خضتّ بعض النقاشات الجيّدة مع بوتين حول السّياسة، فلن تكون قادراً على عكس الطّريقة الّتي بنى بها عقله من أجل الحصول على السّلطة العليا.

الكتاب الجديد عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ

هارشو: إنّ توسّع حلف شمال الأطلسيّ من بين شكاوى بوتين الكبرى بشأن علاقته بالولايات المتّحدة والغرب. وهناك الكثير من العاملين في مؤسّسة السّياسة الخارجيّة اليوم ينظرون إلى ذلك باعتباره خطأً اقتُرِف في الماضي. فما شعورك حين تنظر إلى الماضي؟
زيليكو: يقدّم كتابنا مناقشة متوازنة لما حدث بالضّبط، ومتى ولماذا اتُّخِذت القرارات الرّئيسة. وأنا لم أكن مؤيّداً كبيراً لتوسّع حلف شمال الأطلسيّ في أوائل التّسعينيّات. واعتقدتّ بشكل أساسيّ أنّنا نحتاج إلى التّركيز على مشكلات أخرى أكثر إلحاحاً، مثل الحروب في البلقان. لكن النّظريّة القائلة بأنّ توسّع الحلف هو سبب هذه القطيعة عن روسيا خاطئة إلى حدّ كبير. لقد كان مصدر توتّر، ولكن ربّما أسوأ مصدر للتوتّر في التّسعينيّات بأكملها هو الحرب على كوسوفو في عامي 1998 و1999، والّتي مزّقت العلاقة مع بوريس يلتسين وخلّفت الكثير من المشاعر الملتهبة عندما وصل بوتين إلى السّلطة.

زيليكو ووزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس
والأسباب الحاسمة الّتي أدت إلى القطيعة مع روسيا وقعت خلال العقد الأول من القرن العشرين. فقد أصبح بوتين يعتقد أنّ الغرب بشكل عام يتبنّى أجندة للحرّيّة يحاول فيها تكرار ثورات عام 1989 - والّتي كان قد عاشها بوتين شخصيّاً في ألمانيا الشّرقيّة - في أوروبا الشّرقيّة. لذلك، في تلك المرحلة، أصبح توسّع المؤسّسات الغربيّة شرقاً مصدر قلق روسيّ أساسيّ، خاصّة رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الغرب. ولم يقتصر الأمر فقط على حلف شمال الأطلسيّ - وقد حُظِرت عضويّة أوكرانيا في الحلف عام 2008 على يد الأعضاء الآخرين، خاصّة ألمانيا. الأهم من ذلك هو توسّع الاتّحاد الأوروبيّ. ومن جانبه، اعتقد بوتين أنّ هذه التّحرّكات تأتي بمثابة مراحل لإحداث ثورة حرّيّات في روسيا. وكان ردّ فعله قويّ للغاية، وهو ما تضمّن بدء الحرب ضدّ أوكرانيا عام 2014.
هارشو: كيف نتعامل معه اليوم؟

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب: أبرز المحطات والأحداث
زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين، وليس الولايات المتّحدة. وتريد روسيا علاقات اقتصاديّة مع أوروبا أكثر بكثير ممّا تريدها مع الولايات المتّحدة. إنّ الأوروبيّين يُدافِعون عن هذه العقوبات لأنّهم بالطّبع قلقون كثيراً من أيّ انهيار قد يلحق بالأمن الأوروبيّ - إنّهم يهتمّون بالوضع، بصراحة، أكثر بكثير ممّا تهتمّ الحكومة الأمريكيّة الحالية.
هارشو: لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض هؤلاء القادة الأوروبيّين، وانتقدهم علناً ووتّر العلاقات. فهل يمكن إصلاح هذه الجسور على يد إدارة أخرى، أم أنّ هناك من الأضرار ما هو دائم؟
زيليكو: هناك بعض الأضرار الدّائمة. وقد أصبح لدى الأوروبيّين الآن شعور أعمق وأكثر مأساويّة بما هو ممكن، ليس فقط مع الولايات المتّحدة، ولكن داخل قارّتهم وبلدانهم. كان هذا أحد أسباب قيامنا بتأليف كتابنا الجديد عن الطّريقة الّتي أُنشئ بها العالم الحديث في بداية التّسعينيّات. فالشّعوب على جانبي المحيط الأطلسيّ - وفي آسيا، بالفعل - تشكّك الآن في هذا النّظام برمّته. لذا، إذا كان لابُدّ من إعادة اختراع هذا النّظام، فقد اعتقدنا [في كتابنا] أنّه من الضّروريّ فهم كيف ولماذا اختُرِع كومنولث الأُمم الحرّة في المقام الأوّل.

اقرأ أيضاً: بوبي فيشر: عبقري الشطرنج الأمريكي الذي فرح بهجمات 11 سبتمبر
إذاً، تكمن إحدى القضايا الحاسمة بشأن المستقبل، ببساطة، في طرح السّؤال التّالي: هل يريد الأمريكيّون تأسيس شراكات مع أوروبا من أجل القيام بعمل مشترك؟ هل يريد الأوروبيّون تأسيس شراكات مع الأميركيّين من أجل القيام بعمل مشترك؟ أعتقد أنّه بالنّسبة إلى معظم الأوروبيّين ومعظم الأمريكيّين، فإنّ الإجابة عن هذين السّؤالين هي نعم. السّؤال التّالي: هل يمكن للأوروبيّين والأمريكيّين إيجاد القادة الّذين بمستطاعهم صياغة تلك الشّراكات وإكسابها طابعاً عمليّاً؟ الأمر بحاجة إلى مبادئ وشراكات وأبعاد عمليّة، ويجب أن تجتمع كلّ هذه الأشياء من خلال بعض القادة.

لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض القادة الأوروبيّين
هارشو: المستشارة الألمانيّة، أنجيلا ميركل، في آخر حياتها السّياسيّة. ويبدو أنّ الرّئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، يحاول الاستيلاء على عباءة القيادة الأوروبيّة. فهل هناك أشخاص آخرون يمكنهم فعل ما تَصِفه؟
زيليكو: من الصّعب التّكهّن بمن سيكون بين قادة أوروبا خلال سنتين أو ثلاث أو خمس سنوات من الآن. وإذا كان هناك أيّ شيء مطمئن، فسأخبرك أنّه في منتصف الثّمانينيّات، لم يكن يعتقد أحد أنّه لدى المستشار الألمانيّ، هيلموت كول، رؤية عظيمة لمستقبل أوروبا. لقد بدا وكأنّه مُحافِظ برجوازيّ حكيم ومستقرّ.
هارشو: في بعض الأحيان يتعلّق الأمر برمّته بالظّروف، أليس كذلك؟
زيليكو: صحيح. في بعض الأحيان، يجتمع مزيج الظّروف والأشخاص والمبادئ. لم يكن كول هو الوحيد الّذي فعل ذلك، ولم يكن فقط الرّئيس الفرنسيّ فرانسوا ميتران، ولا الرّئيس جورج دبليو بوش فحسب. لقد كانوا، كما يُقال، براغماتيّين راديكاليّين.
هارشو: هذا مصطلح عظيم.
زيليكو: لقد كانوا أشخاصاً حَذِري المزاج، لكن نظراً لطابعهم العمليّ الكثيف، كانوا على استعداد للقيادة وتحويل موقف ألمانيا بأسرع طريقة ممكنة، وتحويل حلف شمال الأطلسيّ، والمؤسّسات الماليّة والتّجاريّة الدّوليّة، والأمم المتحدة - كلّ ذلك لأنّ هذا بدا عمليّاً في ظلّ هذه الظّروف.
هارشو: دعنا نذهب إلى الصّين. هل تؤمن بـ "مصيدة ثيوسيديدز" - فكرة أنّ الولايات المتّحدة والصّين مُقدّر لهما الذّهاب إلى الحرب؟
زيليكو: لا أؤمن بذلك. هل هناك خطر صراعٍ مع الصّين الصّاعدة؟ بالطّبع. لكنّنا لسنا متّجهين إلى الحرب. وتقريباً، قراءتي للتّاريخ ليست حتميّة تماماً. ولا أعتقد أنّ الصّينيّين أنفسهم قد اكتشفوا أين سيكونون وأين يريدون أن يكونوا بعد خمسة أو عشرة أعوام من الآن. إنّهم يواجهون الكثير من الصّعوبات في تحقيق المراحل التّالية من النّموّ الاقتصاديّ. كما يقتربون من ذروتهم السّكّانيّة الآن، ومن ثمّ سيتقلّص تعداد سكّانهم ويتقدّم في العمر بسرعة.

اقرأ أيضاً: ما الذي تخبرنا به صور أحداث 11 سبتمبر؟
إنّ الوضع مع الصّين أسوأ ممّا كان عليه قبل خمسة أعوام. ويرجع هذا إلى التّطوّرات الّتي حصلت على جانبي المحيط الهادئ، وطريقة حكم الصّين. لكنّنا نؤكّد في كتابنا الجديد أنّنا لا نعتبر المواجهة الحربيّة حتميّة. ولا نعتقد أنّ نداءات التّشبيه بالحرب الباردة مفيدة للغاية في المساعدة على حلّ مشكلات السّياسة. المفارقة هي أنّ الصّينيّين هم الّذين يدّعون الآن أنّهم يريدون أن يكونوا قادة العالم وبُناة المؤسّسات العالميّة، في حين أنّ الولايات المتّحدة تبتعد عن تلك المؤسّسات.

زيليكو متحدثاً عن كوندوليزا رايس: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً
هارشو: إنّنا نسير في "شراكة عبر المحيط الهادئ" فيما يقومون ببناء مبادرة "الحزام والطّريق".
زيليكو: إنّهم من يحاولون تقديم قيادة عالميّة وشراكات عالميّة. وبالرّغم من أنّنا نحاول المواجهة عن طريق بعض الحجج الخاصّة بالعالم الهنديّ-الباسيفيكيّ، فإنّك إذا تحدّثت إلى قادة في أستراليا أو الهند أو اليابان، أعتقد أنّهم سيقدّمون في السّرّ بعض النّصائح المختلفة للولايات المتّحدة حول أفضل السّبل للتّنافس خلال هذه الأوقات الصّعبة.
هارشو: هل تعتقد أنّ شبكة الحلفاء العالميّة تحاول فقط انتظار رحيل ترامب عن الرّئاسة؟

اقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟
زيليكو: هذا يعتمد على من تتحدّث في هذه البلدان، لأنّهم منقسمون ومشتّتون، أيضاً - مثلاً، يعتقد بعض السّياسيّين الأستراليّين أنّ ترامب رائع. لكنّني أعتقد بشكل عام أنّهم يجدون أنفسهم عالقين في نقاش محتدم. ما يريدونه هو أن تحدّد الولايات المتّحدة كيفيّة القيادة البنّاءة في هذه الشّراكات. ثمّ تسأل نفسك: شراكات لفعل أيّ شيء؟ هل نرغب في نظام اقتصاديّ عالميّ مفتوح؟ ليس من الواضح في الوقت الحالي أنّنا نرغب في ذلك - لكن جميع شركائنا الآسيويّين تقريباً يريدون نظاماً كهذا. حسنٌ، إذا كنا نريد نظاماً اقتصاديّاً مفتوحاً، فسيتعيّن علينا بناء ذلك من خلال الشّراكات، وليس بالاعتماد على أنفسنا فقط. إذا كنّا نريد الحصول على أمنٍ سيبرانيّ وإنترنت يخدم مصالحنا وفق قواعد القرن الواحد والعشرين ولا يخلق تقسيمات رقميّة جديدة، فسوف نحتاج إلى شركاءٍ في بناء هذا العالم أيضاً.
هارشو: بالحديث عن الشّراكات، دعنا ننهي بالشّراكة مع كوندوليزا رايس. هل يمكنك التّحدّث قليلاً عن هذا التّعاون؟

اقرأ أيضاً: كم مليوناً قتلت الولايات المتحدة في الحروب التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر؟
زيليكو: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً - كلّ منّا يعرف ماهية نقاط القوّة والضّعف لدى الآخر، وما الأدوار الّتي يمكن أن يلعبها كلّ منّا على أفضل وجه. على سبيل المثال: هي تقرأ الرّوسيّة، أمّا أنا فلا؛ أستطيع أن أقرأ الألمانيّة، أمّا هي فلا تستطيع ذلك. هناك بعض الموضوعات الّتي تتطلّع إليّ لأخذ زمام المبادرة في الكتابة حولها. ثمّ هناك موضوعات أخرى أرغب أن تقوم هي بكتابة مسوداتها الأولى. وبعد ذلك يقدّم كلّ منّا مساهمته، ونتداول مسوداتنا. لكن أحد الأسباب الّتي جعلتنا نعمل معاً في الحكومة هو أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه، ونتشارك في تفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر.


المصدر: توبين هارشو، بلومبرغ

للمشاركة:

حزب العدالة والتنمية التركي يصفّي نفسه بنفسه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

كشفت الأرقام الرسمية في تركيا عن استقالة نحو مليون عضو من حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ العام الماضي، وهو ما يؤكد توقعات رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو الذي استقال مؤخرا من الحزب بأن “العدالة والتنمية يتجه نحو تصفية نفسه بنفسه”.

وشرعت استقالة أوغلو أحد أبرز مؤسسي العدالة والتنمية الأبواب على مصراعيها نحو تفكك الحزب، الأمر الذي كان متوقعا بعد الخسارة المذلة التي مني بها خلال الانتخابات المحلية في محافظات إسطنبول وأنقرة وإزمير التي فازت بها المعارضة.

ويتساءل مراقبون سياسيون إذا كان المنشقون في السابق يعملون انقلابا ويستولون على الحكم، فإن المنشقين عن أردوغان يتخذون طريقا مغايرة بسحب جمهور الحزب وخزانه الانتخابي، وهي صيغة أخطر لكونها تواجه الرئيس التركي بأسلوبه، عبر اعتماد نتائج الانتخابات كورقة ضغط وفرض للأمر الواقع.

واستنادا إلى موجة الانشقاقات، فإن حظوظ أردوغان وحزب العدالة ستكون محدودة في أي انتخابات مستقبلية، ولن تمكن الرئيس التركي من النفوذ المطلق الذي يحرص على تثبيته الآن، وربما تنجح في قلب المعادلة بخلق تحالف أوسع يطيح به.

وتعكس الاستقالات انفجار الغضب المتراكم داخل حزب العدالة والتنمية على سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان الاستبدادية وعلى تخريب الدبلوماسية عبر خصومات مجانية مع الحلفاء والشركاء.

وزادت سياسات أردوغان التي توصف بالفاشلة لاسيما تلك المتعلقة بالوضع الاقتصادي من حدة نفور قيادات من الحزب وقواعده التي لم تنطل عليها تبريراته بوجود “مؤامرة خارجية لتدمير اقتصاد تركيا”.

وبينت أحدث الأرقام التي نشرتها محكمة النقض التركية مطلع سبتمبر الحالي أن 844.391 شخصا قد استقالوا من حزب العدالة والتنمية منذ أغسطس 2018، ليبقى عدد الأعضاء 9.87 مليون شخص.

واستقال ما يقارب 56 ألفا من هؤلاء في الفترة ما بين الأول من يوليو والسادس من سبتمبر. وبالنظر إلى موجة الاستقالات التي حدثت منذ استقالة داود أوغلو في الثالث عشر من سبتمبر، من المرجح أن يكون هذا الرقم أعلى بكثير عند الإحصاء في المرة القادمة.

وأثرت تلك الاستقالات على شعبية الحزب التي تراجعت بشكل خطير خلال الأشهر القليلة الماضية. وانحدر التأييد الشعبي للعدالة والتنمية من 42 بالمئة وهي النسبة التي حققها في الانتخابات التشريعية التي جرت يونيو الماضي، إلى 30.6 بالمئة حسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة أو.آر.سي البحثية المرتبطة بالحزب.

ومن المتوقع أن يلتحق المستقيلون من الحزب بحزبين جديدين ما زالا في طور التأسيس؛ الأول يعمل أحمد داود أوغلو على إنشائه، والثاني يستعد وزير الاقتصاد السابق علي باباجان لإطلاقه بالتحالف مع الرئيس السابق عبدالله غول، الذي كان أحد المؤسسين البارزين للعدالة والتنمية مع أردوغان.

ويتهم أردوغان بالعمل على تهميش القيادات المهمة داخل الحزب التي لم تكن تبدي له الولاء ولا تذعن لأوامره وإملاءاته وخاصة أحمد داود أوغلو وعبدالله غول وعلي باباجان، وهو ما فتح له الطريق لإرساء نظام دكتاتوري داخل الحزب.

وتتواتر الأنباء عن عزم 80 نائبا من العدالة والتنمية الاستقالة من الحزب وهو ما يهدد بفقدانه للأغلبية داخل البرلمان المتكون من 600 مقعد، وبالتالي عجزه عن إقرار القوانين.

وتثير أزمة الاستقالات والانشقاقات داخل العدالة والتنمية تساؤلات مراقبين للشأن السياسي التركي وما إذا كانت خارطة التحالفات السياسية والحزبية ستتغير على ضوء هذه التطورات.

ولا يستبعد هؤلاء المراقبون أن يتحول الحزبان الجديدان بقيادة أحمد داود أوغلو وعلي باباجان في صورة تحالفهما مع حزب الشعوب الديمقراطي، الذي لعب دورا كبيرا في فوز المعارضة بالبلديات الكبرى، إلى منافس قوي للحزب الحاكم.

وبحسب أحدث استطلاعات للرأي فإن هناك حوالي نسبة 12 بالمئة تعلن تأييدها لحزب باباجان المرتقب، وحوالي 9 بالمئة لحزب أحمد داود أوغلو الذي من المفترض أن ينطلق بدوره قريبا، وهاتان النسبتان تؤثّران على نسبة التأييد للعدالة والتنمية، وهما تعتمدان بشكل رئيسي على قاعدته الشعبية.

وكان أردوغان خاض الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرة متحالفا مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، وتمكن تحالفهما من الحصول على الأغلبية النيابية، في حين خسر سبع بلديات كبرى، بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير.

وأثارت رغبة أردوغان في السيطرة على قرار الحزب استياء عميقا من القيادات المحلية إلى القيادات التنفيذية العليا، وازدادت حدة الاستياء عقب الهجوم العنيف الذي شنه على المنشقين من الحزب في يوليو الماضي، حيث وصفهم بالخونة وتوعدهم بدفع ثمن “تمزيق الأمة”.

ويستبعد محللون أن تدفع الهزائم السياسية والانتخابية والانشقاقات التي مني بها أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى تغيير الرئيس التركي منهجه في الحكم، وتلطيف تعامله مع المعارضة وتجاوز الانقسامات السياسية داخل حزبه.

ولا ترى الكاتبة في صحيفة فايننشال تايمز لورا باتيل أن أردوغان يمكن أن يتخذ منهجا توافقيا بعد ستة أشهر من الانتخابات المحلية التي مُني فيها حزبه بخسائر موجعة في إسطنبول وأنقرة وغيرهما من المدن الكبيرة.

ويؤيد كثيرون ما ذهبت إليه باتيل باعتبار أسلوب العناد الذي يتميز به أردوغان، إذ سبق له أن علق على استعداد باباجان لإطلاق حزبه بالقول “يقولون إن بعضهم يؤسسون حزبا، لا تضعوهم في بالكم، فكم شاهدنا من انشقوا عنا وأسسوا أحزابا، ولم يعد لهم ذكر حاليا، لأن من يقوم بمثل هذه الخيانات حتما يدفع الثمن غاليا”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

بركان في وجه إخوان تونس.. استقالات وانشقاقات وملفات فساد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

بركان يعصف بالبيت الداخلي لتنظيم الإخوان في تونس، إثر هزيمة مرشحها عبدالفتاح مورو في الانتخابات الرئاسية المبكرة، حيث انطلقت سلسلة استقالات ومساءلات داخلية تهيئ لانفجارات بالمستقبل.

وقدم رئيس مكتب الغنوشي زبير الشهودي رسالة إلى الشعب التونسي أعلن فيها استقالته من الحزب، داعيا خلالها رئيس الحركة إلى اعتزال السياسة.

الشهودي، الذي مثل أمين سر الحركة والناطق الرسمي باسمها طيلة عامي 2012 و2013، اتهم صهر الغنوشي "رفيق عبدالسلام" بالفئة الفاسدة والمفسدة، مشيرا إلى وجود دكتاتورية يمارسها رئيس إخوان تونس من خلال هيمنة عائلته.

الكاتب المختص في الجماعات الإسلامية بسام حمدي، قال في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن الاستقالات التي ضربت حركة النهضة هي نتيجة وجود اعتراض كبير على الأسلوب الذي يعتمده زعيمها راشد الغنوشي والقرارات التي يتخذها بشأن البلاد.

وحمل قواعد الإخوان الهزيمة المدوية لمرشحهم عبدالفتاح مورو إلى رئيس الحركة، الذي فشل في لعبته السياسية تجاه تونس.

الاستقالات تبين أن قيادات من الحركة لم تعد تنضبط للتسيير الذي يقوم به راشد الغنوشي رفقة صهره رفيق عبدالسلام، حيث أعلن بعض منهم عن دعمهم للمرشح للجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية قيس سعيد دون انتظار الموقف الرسمي للحركة.

وبيّن بسام حمدي في هذا السياق أن الحركة الإخوانية في تونس هي أسيرة ملفات داخلية مرتبطة بالتهرب المالي والضريبي والاستفادة من مواقع الحكم طيلة 8 سنوات.

عائلة الغنوشي ثراء غير مبرر
تصريحات القيادات الإخوانية المناقضة لسياسة راشد الغنوشي التي تعددت في الفترة الأخيرة، اعتبرها عديد من المراقبين انحدارا في شعبية الإخوان وانكشافا لوجههم الحقيقي.

وعبر عن هذه الصراعات الداخلية للإخوان بشكل مكثف وزير الفلاحة التونسي الأسبق وعضو حركة النهضة محمد بن سالم، في تصريحات إعلامية سابقة وذلك بالقول "الغنوشي يكذب ويحاول توظيف أبنائه في المواقع المتقدمة للدولة".

اتهام الغنوشي بالكذب والتزييف هو السمة البارزة في الفترة الأخيرة لزعيم متورط في بناء جهاز سري في تونس، ومنخرط في التخطيط للاغتيالات السياسية وانتشار الإرهاب منذ عام 2011.

وأكد الباحث في العلوم السياسية مروان عرايبية، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن "الثراء الفاحش لعائلة الغنوشي خاصة ابنه معاذ وصهره رفيق عبدالسلام جاء نتيجة عمليات تبييض أموال خطيرة واختلاسات جعلت من أنصار الحركة بحالة غضب في ظل أقلية تعيش الثراء وغالبية تعاني ضنك الحياة".

وتابع عرايبية "البنك المركزي التونسي مطالب بالتحقيق في التمويلات التي تتلقاها حركة النهضة الإخوانية الجدية، والتي ستكشف مدى تورطها والعناصر التابعة لها في الإرهاب من خلال أموال خارجية مشبوهة".

وقدر حسب رأيه الأموال التي أدخلتها حركة النهضة لتونس لحسابها الخاص منذ سنة 2011 بـ"4 مليارات دولار، مؤكدا أنها "متأتية بالخصوص من تركيا وغيرها عبر وسائل غير قانونية".

التفتت المحتوم
هزيمة عبدالفتاح مورو فتحت أبواب المساءلة أمام قيادات الإخوان وحجم الأموال التي تم ضخها، وجعلت الكثير من المحافظين في تونس يشككون في مصداقية الإخوان، حسب المراقبين.

ويقول أستاذ العلوم الاجتماعية محمد الحفصي، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن "الغطاء الإخواني أصبح مكشوفا، وإن مسار التفتت هو قدر محتوم"، حسب تقديره.

وشهد إخوان تونس استقالات منذ شهر يونيو/حزيران الماضي، حيث انشق منها المكلف بالعلاقات الخارجية لحركة النهضة محمد غراد والمستشار الخاص لراشد الغنوشي لطفي زيتون.

وأكدت مصادر في تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن "المرحلة المقبلة ستعرف فيها الحركة استقالات أخرى، خاصة مع بروز دعوات ضد الغنوشي بالاستقالة واعتزال السياسة وكشف حساباته البنكية المتفرعة في بعض الدول".

وأوضحت أن "البحث عن نتائج أفضل لحركة النهضة في الانتخابات التشريعية هو مجرد أضغاث أحلام يريد حقنها الغنوشي لأنصاره كمسكن للسكوت عن جرائمه".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية