هل يكون ختام 2020 مِسكاً على السودانيين؟

هل يكون ختام 2020 مِسكاً على السودانيين؟


29/12/2020

ختم السودان عاماً متخماً بالأحداث المتسارعة، بالحدث الأهم والمنتظر منذ ثلاثة عقود، وهو رفع اسم السودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب، وعودة الحصانة السيادية، للدولة التي أنهكتها الصراعات، والمستفيقة لتوّها من ثورة شعبية أطاحت النظام الإسلاميّ / العسكريّ، للرئيس المخلوع عمر البشير.

يستقبل السودانيون عاماً جديداً، بمزيج من التوجّس والأمل، عسى أن يمنحهم 2021 ثمار ما قدّموه من تضحيات، في سبيل التخلص من الديكتاتورية، وبناء النظام الديمقراطي.

حزمة إصلاحات قانونية، في صالح النساء، كانت أحد أهم مكتسبات السودانيات، 2020، واللاتي بدأن في حصاد ثمار تضحياتهنّ، بعد عقود من حكم الظلاميّة

إخفاقات سياسية وإنجازات سياسية استهلّ السودانيون عامهم بها، بإفشال تمّرد على النظام الحاكم بعد الثورة؛ حيث هزّت اشتباكات بالأسلحة النارية العاصمة السودانية، في منتصف كانون الثاني (يناير)، بعد تمرّد أعضاء جهاز الأمن العام، وجهاز المخابرات العامة، ضدّ الحكومة، وأدّى التمرّد إلى إغلاق مطار الخرطوم، وأثار المخاوف من حدوث انقلاب قد يقلب التقدم الديمقراطي الذي حققته البلاد منذ ثورة أطاحت بالرئيس، عمر حسن البشير، العام الماضي، لكنّ تجاوز النظام الحاكم لهذه الأزمة أعاد للسودان توازناً كاد يفقده، ليخيّم بعد ذلك فيروس كورونا على المشهد العام في السودان، الذي يعيش بدوره أزمة اقتصاديّة وسياسيّة منذ خلع البشير.

اقرأ أيضاً: دليل استرشادي: ماذا يحدث بين السودان وإثيوبيا؟

 ويرى الكاتب الصحفيّ والمحلّل السياسيّ السودانيّ، محمد الأسباط؛ أنّ عام 2020 كان أحد أكثر السنوات صعوبة على الشعب السوداني، لما حمله من تهديدات ومخاطر، كان من الممكن أن تنهي حكومة ما بعد الثورة.

الكاتب الصحفيّ والمحلّل السياسيّ السودانيّ، محمد الأسباط

 ويقول في تصريح لـ "حفريات": "كان هذا العام الأكثر قسوة على السودان والسودانيين، بعد أن بدأت حكومة الثورة ممارسة مهامها في إدارة البلاد وواجهت أزمة اقتصادية طاحنة، ووعود من المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي لم يتم الوفاء بها".

اقرأ أيضاً: هل انقضى شهر العسل بين السودان وإثيوبيا؟

يتابع الأسباط: "إضافة إلى التخريب الذي عاشته البلاد لثلاثة عقود، جاء أيضاً وباء كورونا، الذي هزّ أقوى اقتصاديات العالم، لذلك كان عاماً مليئاً بالإحباطات، خاصة بعد أن تزايدت حدّة الأزمات في مجال الوقود والطاقة والخبز والدواء، أيضاً كان هناك الضغط الشعبيّ على الحكومة من أجل استكمال مطالب الثورة، لكن رغم كلّ هذه التحدّيات، استطاعت الحكومة تحقيق مكسب مهمّ، بعد توقيع الاتفاقية الجمركية مع الاتحاد الأوروبيّ، وهي بالمناسبة اتفاقية لم توقَّع مع أيّة دولة خارج دول الاتّحاد، والذي تمّ توقيعه أواخر كانون الثاني (يناير) الماضي".

اقرأ أيضاً: ما النتائج المترتبة على إخراج السودان من قائمة "رعاة الإرهاب"؟

كان توقيع المصالحة السياسية مع الفصائل المسلحة السودانية، خطوة مهمّة أيضاً على طريق استقرار السودان، الذي عاش عقوداً من النزاعات المسلحة، وفق الأسباط، كانت اتفاقية السلام  في جوبا، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بالرغم من الأزمات الاقتصادية، تقدّماً كبيراً

لإحلال السلام في الداخل، كما يرى الأسباط؛ أنّ انتهاء العام الجاري برفع اسم البلاد من قوائم الدول رعاة الإرهاب، يعدّ من أهمّ إنجازات الحكومة الحالية.

الاقتصاد المتعثّر والآمال المعقودة

نشرت الأمم المتحدة، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عن الحالة الاقتصادية المتردية التي يشهدها السودان، بعد ارتفاع سعر الغذاء والسلع الأساسية ثلاثة أضعاف خلال أقلّ من عام، وزيادة تكاليف الخدمات الصحّية بنحو 90% منذ مطلع 2020، كلّ هذه الأوضاع كشفت عن وضع اجتماعي واقتصادي هشّ يعيشه السودانيون، الذين يعانون أيضاً من أكبر نسبة تضخّم في العالم، أعلن عنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء؛ حيث بلغت نسبة التضخم في النصف الأول من كانون الأول (ديسمبر) الجاري 254.23%، كما كان السودانيون على موعد في الشهر ذاته مع تحرير أسعار الوقود، التي جلبت المزيد من القلق والتوجس، بعد وصول سعر صرف الدولار الأمريكي إلى 245 جنيهاً سودانياً.

اقرأ أيضاً: ماذا فعل الترابي بالسودان؟

جاء القرار الأمريكي برفع اسم السودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب، وتبعه قرار بعودة الحصانة السيادية للسودان، كأهم مقومات إنعاش الاقتصاد الغارق في العجز والتردّي.

 يوضح الكاتب الصحفي السوداني، والباحث في السياسة الأفريقية، عبد الجليل سليمان؛ أنّ رفع اسم السودان كان خطوة كبيرة لدخول السودان إلى معترك الاقتصاد العالمي، الذي تمّ اقصاؤه منه طويلاً، ويسترسل، في تصريح لـ "حفريات": "استعادة السودان لحصانته السيادية أيضاً أحد العوامل المهمّة للتعافي الاقتصادي الذي سيأخذ وقتاً طويلاً، لا شكّ، أيضاً ما يزال السودان يعاني من مشكلات اقتصادية كبيرة، فهو بلد متخم بالديون، عانى تخريباً كاملاً في مجال الاقتصاد والتنمية وجهاز الدولة والأجهزة الأمنية والإدارية، وهو ما يحتاج إلى عمل كبير، ووقت وصبر وجهد، يتطلب من القوى السياسية الارتفاع فوق الصغائر، وأن تضع مطلوبات ثورة ديسمبر في أولويات برامجها السياسية".

الكاتب الصحفي السوداني، والباحث في السياسة الأفريقية، عبد الجليل سليمان

مثّلت التعويضات التي سيدفعها السودان، مقابل رفع البلاد من قوائم الارهاب، لضحايا تفجيرات لوكيربي، عبئاً اقتصادياً، أيضاً، على الموازنة المتخمة بالديون، لكن بإعلان وزيرة المالية، هبة محمد علي، عن صياغة قوانين جديدة للاستثمار، بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عزمه رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فإنّه من المقرّر أن تدعم هذه القوانين جذب الاستثمار، ووقف نزيف الدين العام، والعمل على تحرير سعر الصرف المتسبّب بأزمات داخلية أهمّها التضخم.

سودان متحرّر من قوى الظلاميّة

كان إعلان وزير العدل السودانيّ، نصر الدين عبد الباري، عن حزمة إصلاحات قانونية، في صالح النساء، أحد أهم مكتسبات السودانيات، عام 2020، واللاتي بدأن في حصاد ثمار تضحياتهنّ، بعد عقود من حكم الظلاميّة الإخوانيّة للنظام السابق؛ حيث شملت الإصلاحات تجريم ختان الإناث، وإلغاء حدّ الرّدة، وإلغاء حظر الخمور لغير المسلمين، كما منحت هذه التعديلات للمرأة المتزوجة حقّ اصطحاب أطفالها خارج البلاد، دون الحاجة إلى إذن الزوج، كما تمّ إلغاء المادة الخاصة بالزيّ الفاضح، والتي تصل عقوبتها إلى الجلد، وبحسب الناشطة السودانية، وعضو الوفد التفاوضي لقوى الحرية والتغيير، ميرفت حمد النيل؛ فإنّ ما قدّمه عبد الباري من خطوات لإصلاح المنظومة العدلية، أمر محمود، ونحن على هذا الطريق ماضون، فالمرأة السودانية كانت الأكثر تضرراً من حكم النظام البائد، الذي فرض عليها قيوداً ظلامية باسم الدين.

عضو الوفد التفاوضي لقوى الحرية والتغيير، ميرفت حمد النيل

تتابع حمد النيل، في تصريح لـ "حفريات": "نصّت الوثيقة الدستورية على إصلاح وضع النساء في السودان، وهناك فرق بين وجود النساء في المجال العام ومشاركتهنّ، وصعود الحركة النسوية، وبين الوضع القانونيّ والعنف الهيكليّ نحو النساء؛ حيث إنّ التزام المشرّعين بتغيير هذا الوضع القانونيّ المؤسف للنساء، هو الضمانة الوحيدة، لإنهاء التمييز الذي طال أمده".

اقرأ أيضاً: المدعية العامة للجنائية الدولية في السودان... هل يُحاكم البشير في لاهاي؟

 على الرغم ممّا حظيت به النساء في التعديلات الدستورية من اهتمام؛ فإنّ بنود التعديلات عكست حرص المشرّع على ترسيخ الظهير القانونيّ الحامي لحقوق الجميع، بداية من حدّ الردّة، الذي لطالما استخدمه النظام السابق لإعدام المعارضة السياسية، وانتهاك النساء اللاتي قتلن تحت ستار هذه التهمة الفضفاضة، وتكشف حمد النيل عن العلاقة بين إصلاح المنظومة العدلية، وتطوّر النظام الاجتماعي، وتعتب بأنّ ما قدّمته لجنة التعديلات الدستوريّة، كان خطوة كبيرة على طريق تطوّر المجتمع السودانيّ، الذي عانى من الجمود طيلة العقود الثلاث السابقة. 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية