أحداث فيينا حين تغذي النزعات المتطرفة: إلى اليمين دُر

أحداث فيينا حين تغذي النزعات المتطرفة: إلى اليمين دُر

مشاهدة

05/11/2020

يفتح الهجوم الدمويّ، الذي تعرّضت له العاصمة النمساوية، فيينا، الباب على مصراعيه، أمام اليمين الأوروبي المتطرف، والآخذ نجمه في الصعود، منذ أكثر من عقد زمني، خاصّة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، ليردّ بالمثل على هذه الجرائم بأخرى ربما تكون أكثر دموية؛ إذ وقع الهجوم بعد عدة حوادث مماثلة، شهدتها فرنسا، اضطرت الدولة، الأكثر استيعاباً للمهاجرين، إلى إعادة النظر في مسألة الهجرة، وأغلقت أبوابها أمام الجميع، في خطوات احترازية، تتزامن مع الموجة الثانية من فيروس كورونا المستجد.

اقرأ أيضاً: هجوم فيينا.. هل هو إيذان بموجة إرهاب جديدة؟

ومع تعدّد الهجمات الإرهابية، وتنوّع محيطها الجغرافي، هناك توقعات تشير بردّ فعل أكثر عنفاً من اليمين الأوروبي؛ فهل بات العالم أسير يمينَين كلاهما متعطّش للدماء؟

القومية الأوروبية والفاشية الجديدة

تعدّ حادثة محطّة قطار بولونيا في إيطاليا، عام 1980، أحد أكثر الجرائم الإرهابية دموية في القرن العشرين؛ إذ أسفرت عن مقتل 85 شخصاً، وإصابة 200 آخرين، بعد هجوم بالقنابل تعرضت له المحطة، من قبل مجهولين، اعتُقِد بعدها أنّهم جماعة يمينية متطرفة في إيطاليا تدعى "نار"، وتمّ إلقاء القبض على ثلاثة من أعضائها وحكم عليهم بالسجن مدى الحياة، فيما كان أهل الضحايا على يقين أنّ مدبّري هذه العملية أعضاء في جماعات يمينية متطرفة، تسعى لزعزعة أمن بولونيا الشيوعية.

 حادث فيينا؛ هو تجلّ للصراع الآخذ في التفاقم

تكرّرت هذه الحوادث، مثل حادث تفجير أوكلاهوما، في الولايات المتحدة، عام 1995، والعديد من هجمات اليمين المتطرف الأوروبي والأمريكي، ذات النمط الثابت والمتكرر، كان أحدثها في شباط (فبراير) عام 2018، حين فتح رجل مسلح، من اليمين المتطرف الإيطالي، النيران على المارة في الشارع من سيارته، إلّا أنّ الطابع المميز لهجمات اليمين المتطرف، يكمن في تكبيد العامّة خسائر أكبر، من حيث الأرواح والبنية التحتية في حالة التفجيرات.

نشر مجلس أوروبا المعني بحقوق الانسان تقريراً على موقعه الرسمي، في شباط (فبراير) الماضي، عن التأثير المتزايد للسياسات القومية المتطرفة وكراهية الأجانب في جميع أنحاء أوروبا

 ومؤخراً أصبحت الهجمات التي تستهدف المهاجرين، أحدث صيحات يمارسها الإرهاب الأبيض، مثلما حدث في روسيا، بين عامي 2006 و2010، من هجمات متكررة في أوقات قصيرة نسبياً على عائلات من المهاجرين.

 ووفق دراسة نشرها الباحثان في شؤون الإرهاب الدولي والجماعات المتطرفة، تور بوجورجو وجاكوب رافاندال، تحمل عنوان "عنف اليمين المتطرف: مبادىء، أنماط، واستجابات"؛ فإنّ وتيرة الهجمات الإرهابية المتطرفة في أوروبا كانت منخفضة، لكنّها متكررة وثابتة النمط، كما يرون أنّ تعداد ضحايا الإرهاب اليميني المتطرف في أوروبا، يفوق عدد ضحايا الإرهاب الإسلاموي، ويبرهن الباحثان من خلال حادثة كرايست تشيرش في نيوزيلندا، التي وقعت العام الماضي، على أنّ النظريات القومية المتعصبّة التي ينطلق منها اليمين المتطرف، تجعلهم غير عابئين لأعداد الضحايا، كما  تحوّلهم لأشخاص متعطّشين للدماء.

اقرأ أيضاً: السلطات النمساوية تكشف علاقة منفذ هجوم فيينا بداعش.. تفاصيل

ويرى رافاندال؛ أنّ حوادث القتل الجماعي من قبل اليمين المتطرف الإسلامي أو الأوربي، لم تعد حالات استثنائية، ويبدو أنّها وضعت معياراً جديداً لجيل صاعد من إرهابيي اليمين المتطرف على الجانبين؛ "حيث يعملون في مجتمعات افتراضية عبر الإنترنت، وتنتقل أفكارهم بسرعة لم نكن نتخيلها، ولا أحد يقدر على مواكبتها، إلّا من خلال آليات أكثر إبداعاً".

الإرهاب الإسلاموي فعل أم ردّ فعل؟

صرّح رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، في أحد خطاباته عن حالة الاتحاد الأوروبي؛ بأنّ هناك انتشاراً لليمين المتطرف في أوروبا، منذ مطلع القرن الجديد، واصفاً هذا الفكر بـ "القومية غير الصحية"،  وتحدث عن خمس دول أوروبية تشهد صعود اليمين المتطرف، هي إيطاليا وألمانيا والسويد وفرنسا والمجر، هناك بالطبع دول أخرى، لكنّ التركيز الأكبر على هذه الدول.

رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر

 ووفق الدراسة المذكورة؛ فإنّ اليمين الإسلاموي يتركز في ألمانيا وفرنسا والسويد، إلى جانب المملكة المتحدة، التي ربما حصدت النسبة الأقل من صعود اليمين المحلي، كما كان أبرز ما توصلّت إليه الدراسة، أنّه "رغم بشاعة الإرهاب اليميني بقطبيه، فإنّ الإرهاب الأبيض كان أكثر فتكاً بأوروبا، من الإسلامويين، الذين يتميّزون بالتنظيم المتماسك، والعمل كمجموعات وشبكات عالمية، بينما اليمين الأوروبي يعمل بشكل منفرد، ربما أقرب إلى التشكيلات العصابية الصغيرة.

الباحث الفرنسي المتخصص في شؤون الإرهاب جون ميشيل ألكسندر لـ"حفريات": خطاب الكراهية الذي تتبنّاه بعض الحكومات اليمينية، هو السبب في قيام الإرهاب، بشقّيه، من سباته العميق

ونظراً إلى التقارب الكبير بين أفكار القطبين المتصارعين؛ فإنّ كليهما يجذب الآخر، كما تجذب النار الفراشات، ومع تفشي وباء كورونا، وجد الجانبان البيئة الخصبة للعمل، إذ دعا الزعيم اليميني الإيطالي، ماتيو سالفيني، رئيس وزراء البلاد إلى الاستقالة، في أعقاب تفشي فيروس كورونا، وعلّق بأنّ "السماح بإنقاذ المهاجرين كان سبباً في تفشي الفيروس عبر البلاد، فيما كان الوباء هو السبب الرئيس الذي جعل اليمين المتطرف في اليونان يضيّق الخناق على اللاجئين في جزيرتَي ليسبوس وخيوس، حتى انتهى الأمر بمأساة مخيّم موريا.

اقرأ أيضاً: بعد هجوم فيينا.. ميركل تهاجم ما وصفته بـ "الإرهاب الإسلامي".. ماذا قالت؟

 ويعلق الكاتب الصحفي الفرنسي، والباحث المتخصص في شؤون الإرهاب، جون ميشيل ألكسندر، بأنّ "خطاب الكراهية الذي تتبنّاه بعض الحكومات اليمينية، هو السبب في قيام الإرهاب، بشقّيه، من سباته العميق؛ إذ كانت أحداث أيلول (سبتمبر) 2001، هي الفيصل في تحوّل شكل الإرهاب الإسلاموي، بعد عقود من الصمت على الإرهاب الأبيض، من قبل زعماء اليمين الأوروبي، الذين يشهدون صعوداً صاروخياً، بفضل تخويف ناخبيهم من اليمين الإسلاموي".

اقرأ أيضاً: السويد تطرد اليميني المتطرّف راسموس بالودان.. ماذا فعل؟

يتابع ألكسندر، في حديثه لـ "حفريات": "المستفيد الأول والأخير من تفشي الإرهاب هي النظم الأوروبية القومية، التي تريد إغلاق الحدود حتى أمام مواطني دول الجوار، مثلما انتقدت مارين لوبين فكرة الحدود المفتوحة بين الدول الأوروبية، ومواطنيها الذين ينتمون إلى قوميات متشابهة إلى حدّ كبير، فما بالنا بمواقفهم نحو المهاجرين العرب أو الأفارقة؟ بالطبع، هناك خطاب كراهية متبادل من الجانبين، لا تستفيد منه سوى التحالفات السياسية، مثلما حدث قبيل الحرب العالمية الثانية، لكن في هذا التوقيت لم يكن التطرف الإسلاموي قد ولد بعد، وبميلاده فإنّ الحرب ستبقى مستعرة، ما لم تطفئها سياسات حازمة تُلزم الحكومات الأوروبية، التي تؤوي بالفعل بعض العناصر الإرهابية، دون اتخاذ إجراءات ضدّهم، التزام الجديّة في القضاء على هذه الظاهرة التي تهدّد السلم المجتمعي، وتودّ نقل دوائر الصراع من الشرق الأوسط، إلى قلب أوروبا".

أيميناً يسير عالمنا؟

 نشر مجلس أوروبا المعني بحقوق الانسان تقريراً على موقعه الرسمي، في شباط (فبراير) الماضي، يورد أنّ التأثير المتزايد للسياسات القومية المتطرفة وكراهية الأجانب في جميع أنحاء أوروبا، وخطاب الكراهية المنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومعاداة السامية المتفشية والكراهية المعادية للمسلمين، فضلاً عن بيئة عدائية متزايدة للمنظمات غير الحكومية التي تعمل مع الفئات الضعيفة؛ هذه الاتجاهات المقلقة والتحديات الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي حدّدتها اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب، وهي هيئة الخبراء المستقلة التابعة لمجلس أوروبا لمكافحة العنصرية والتعصب، وأوردتها في تقريرها السنوي.

ويرى مراقبون أنّ حادث فيينا؛ هو تجلّ للصراع الآخذ في التفاقم، الذي نوّه إليه التقرير عبر تصريح سابق للأمينة العامة لمجلس أوروبا، مارييا بيتشينوفيتش بوريتش، حيث قالت فيه: "أوروبا تواجه واقعاً مروعاً؛ فجرائم الكراهية المعادية للسامية والمسلمين، وغيرها من جرائم الكراهية العنصرية، تتزايد بمعدّل ينذر بالخطر، وأحدث مثال على ذلك إطلاق النار المتطرف في هاناو، ألمانيا، الذي قُتل فيه 9 أشخاص وجُرح عشرات آخرون، وغالباً ما تعجّل مثل هذه الأعمال الشنيعة بكلمات سامّة ونظريات مؤامرة منتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت".

الصفحة الرئيسية