إشعاعات ونفايات مفاعل ديمونا تنشر السرطان في الضفة الغربية

فلسطين

إشعاعات ونفايات مفاعل ديمونا تنشر السرطان في الضفة الغربية

مشاهدة

02/03/2020

يثير مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي بالنقب الفلسطيني المحتل مخاوف متزايدة من ارتفاع معدلات الإصابة بأنواع مختلفة من السرطانات والتشوهات الخلقية والجينية، بنسبٍ مرتفعة في مناطق جنوب الضفة الغربية، نتيجة لتسرب الإشعاعات الضارة عن المفاعل، بعد اتهام الفلسطينيين لإسرائيل، بتحويل مدن وقرى الضفة الغربية إلى مكبّ للنفايات النووية والمشعة.

واتّهم رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد إشتية، إسرائيل بأنّها المسبّب الرئيس في بعض الأمراض، وخصوصاً السرطان، في ظلّ ارتفاع معدل الإصابة بالسرطان بين المواطنين الفلسطينيين، مشيراً إلى أنّ تلك الإصابات لها علاقة بالنفايات النووية والكيماوية الإسرائيلية.

مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي بالنقب الفلسطيني المحتل

وأوضح إشتية، خلال افتتاح مركز لتشخيص السرطان والأمراض الوراثية في رام الله بالضفة الغربية، في أيلول (سبتمبر) الماضي؛ أنّ "هناك 6251 مريض سرطان، وهي نسبة عالية مقارنة بالدول المجاورة، لأنّ الإسرائيليين يستخدمون أرضنا كمكب للنفايات؛ لذلك سنقاضيهم على هذا الفعل الإجرامي بحقّ المواطن والأرض".

وبيّن تقريرٌ لوزارة الصحة الفلسطينية، صدر عام 2013، حول توزيع حالات الإصابة بمرض السرطان؛ أنّ أعلى نسبة سجلت في جنوب محافظة الخليل، وبلغت 25%، من إجمالي معدلات الإصابة بالضفة، يأتي في مقدمتها سرطان الدم، والبروستات، والرئتين، والكبد، والدماغ، والثدي.

يتوجب على وزارة الصحة الفلسطينية إتاحة أقراص "اللوغول" لمواطني جنوب الضفة الغربية، لمنع تسرب المواد المسرطنة إليهم بفعل الإشعاعات

ونشرت صحيفة "الحياة" الجديدة، في نيسان (أبريل)2005؛ أنّ مفاعل ديمونا النووي أنتج أربعة ملايين طنّ من النفايات السامة، واستهلك المفاعل 1400 طن من اليورانيوم الخام، الذي يعمل بضعف طاقته بمعدل 16 ساعة يومياً، بدل 8 ساعات، دون أن يزوّد بأبراج تبريد جديدة منذ العام 1971؛ حيث دفن من هذه المخلفات ما يقارب 52% في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
كما كشفت دراسة جامعية إسرائيلية، نشرت في تموز (يوليو) عام 2004، وجود نشاط إشعاعي في طبقات المياه الجوفية جنوب فلسطين، والمتصلة بالخزان الجوفي لقطاع غزة، ناتجٍ عن تسرب الماء الثقيل المشبع بالإشعاعات إلى المياه الجوفية، وقد بدا واضحاً ارتفاع نسبة الإصابة بمرض السرطان في أقصى مناطق الجنوب الفلسطيني وقطاع غزة.

وبحسب الأبحاث التي أجرتها هيئة الأطباء الدوليين للحماية من الحرب النووية، فرع فلسطين، عام 2012، حول الإشعاعات؛ فإنّ الإشعاعات المنطلقة من "ديمونا" تصل إلى نسبة 11.3% في الظاهرية، و36.1% في يطا، وحلحول 13.2%، وبيت أمر 15%، و9.3% في الفوار، وجميعها تتبع محافظة الخليل.

اقرأ أيضاً: مصانع أدوية فلسطينية تتحدى القيود الإسرائيلية وتصدّر إلى الخارج

ووفق تقارير نشرتها صحيفة "هآرتس"، خلال عام 2016؛ فإنّ نتائج المسح الأخير للمفاعل النووي، تمّ اكتشاف أنّ وسط المفاعل يضمّ 1537 عيباً، وأيّ خلل يمكن أن يؤدي لوقوع كارثة خطيرة.

وحذّر مركز الأسرى الفلسطيني للدراسات، خلال عام 2015، من الخطر البيئي والبيولوجي للغبار الذري المنبعث من مفاعل ديمونا الذي يهدّد 2690 أسير فلسطيني يقبعون في سجون النقب ونفحة وإيشل وريمون التابعة للاحتلال الإسرائيلي.

تحويل مدن وقرى الضفة الغربية إلى مكبّ للنفايات النووية والمشعة

وتكشف دراسة العالم الأمريكي، أفنير بنجوش، الذي يعمل في جامعة بن غوريون بدولة الاحتلال، خلال عام 2011؛ أنّ نسبة التسريب النووي من مفاعل ديمونا في تزايد، خاصة بعد تسربه للمياه الجوفية، نتيجة دفن مخلفات نووية تعود إلى ما قبل عشرين عاماً؛ حيث وصلت تسريبات ديمونا لمناطق عربية واسعة، ووصلت للمياه الجوفية على حدود ليبيا ومنطقة تبوك بالسعودية، والكرك والطفيلة ومأدبا بالأردن.

اقرأ أيضاً: هل يتبرأ الفلسطينيون من الاتفاقيات مع إسرائيل؟
وتسعى إسرائيل لتمديد عمل المفاعل النووي في ديمونة، الواقع في صحراء النقب جنوب إسرائيل، حتى عام 2040، وهو العام الذي سيكتمل فيه المفاعل عامه الـ 80، علماً بأنّه، وعند تأسيسه أشير إلى وجوب إغلاقه عند بلوغه الـ 40 عاماً، وهو ما نفاه وزير السياحة ياريف ليفين، معلناً أنّ بلاده "ستمدّد العمل بالمفاعل أسوة بالدول الأخرى".
انتشار واسع لمرض السرطان
بدوره، يرى اللواء المتقاعد والخبير في الملف النووي والأسلحة الإستراتيجية بمحافظة الخليل، ناصر بني نعيم؛ أنّ "مفاعل ديمونا النووي لا يشكل خطراً على المناطق الفلسطينية فحسب، بل يتهدّد المفاعل الدول العربية المجاورة، بعد وجود دراسات تبين إمكانية انهيار المفاعل في أية لحظة، نتيجة انتهاء عمره الافتراضي، الذي تجاوز الـ 60 عاماً، وأدّى ذلك إلى حدوث تآكل في جدران المفاعل بفعل ارتفاع معدل الإشعاعات الضارة بداخله".

دراسات تبين إمكانية انهيار مفاعل ديمونا في أية لحظة، نتيجة انتهاء عمره الافتراضي، الذي تجاوز الـ 60 عاماً

ويضيف بني نعيم في حديثه لـ "حفريات": "هناك انتشار واسع لسرطان الدم في مناطق واسعة من محافظة الخليل، وتحديداً في بلدتي يطا والسموع، اللتين تبعدان 11 كيلومتراً عن مفاعل ديمونا، نتيجة تركيز عنصر السيزيوم المشع في البلدة بنسب تفوق النسب العالمية والتي تجاوزت 35 بيكريل/كغم (وحدة قياس الإشعاعات)، وقد شهدت البلدة حالات كبيرة من التشوهات الخلفية وإجهاض الأجنة بفعل الإشعاعات النووية".

ولفت إلى أنّ "الدراسات تشير إلى أنّ معدل تركيز اليورانيوم في معظم مناطق الخليل يصل إلى  134- 18 بيكريل/ كغم، في حين يبلغ المتوسط العالمي للتركيز نفسه 20 بيكريل/كغم، وتصل مادة السيزيوم المشعة في معظم مناطق محافظات الخليل، الذي يعدّ المسبب الأول لمرض السرطان واختلال وظائف الجسم وحدوث التشوهات الخلقية والجينية، إلى 1.25 بيكريل/ كغم، ومن المفترض أن تكون نسبته في الطبيعة صفراً، وهي نسبة أعلى بكثير من المتوسط العالمي المسموح به".
 لا يشكل خطراً على المناطق الفلسطينية فحسب، بل يتهدّد المفاعل الدول العربية المجاورة

تلوث الهواء بالإشعاعات النووية
وتابع بني نعيم: "إسرائيل تعمل على استغلال كهوف في جبال الخليل وصحراء بني نعيم لدفن نفاياتها النووية والكيماوية، وتقع هذه المناطق على مقربة من التجمعات السكنية الفلسطينية"، مبيناً إغلاق السلطات الإسرائيلية للكهوف والحفر بواسطة الإسمنت والقضبان الحديدية، ويمنع الجيش الإسرائيلي السكان الفلسطينيين والجهات الرسمية المختصة من الوصول إلى هذه المناطق".
وأكّد أنّ "بلدة حلحلول بالخليل شهدت ارتفاعاً متزايداً في عنصر الراديوم، الذي وصل إلى 185 بيكريل/كغم، خاصة في طبقات المياه الجوفية، وهي نسبة تفوق المعدلات العالمية، ويعدّ الراديوم من العناصر المشعة التي تؤدي إلى الإصابة بمختلف أنواع السرطانات، وحدوث الإجهاض عند النساء الحوامل، وحدوث التشوهات الجينية، والتسبّب بالعقم لدى النساء والرجال".

اقرأ أيضاً: محامٍ إسرائيلي: "خطة سلام" ترامب ستقودنا إلى الحرب
وأشار بني نعيم إلى أنّ "غياب الرقابة والإهمال الإسرائيلي في متابعة مفاعل ديمونا قد يؤدي إلى حدوث كارثة نووية، كالتي حصلت في مفاعل تشيرنوبل في أوكرانيا"، مشيراً إلى أنّ "دراسة قامت بها الجمعية الفلندية (DHF) بعد أخذ عينات من الهواء في مناطق جنوب فلسطين، بينت أنّ 95% من الهواء ملوث بإشعاعات نووية، وأنّ هذه النسبة تصل إلى ذلك المعدل فقط في حال نشوب حرب أو دفن نفايات نووية وإشعاعية في مناطق قريبة من التجمعات السكنية".
أمراض نادرة
من جانبه، يقول مدير فرع فلسطين في منظمة الأطباء الدوليين للحماية من الحرب النووية محمود سعادة لـ "حفريات": "هناك ارتفاع كبير في أعداد المصابين بالسرطان في مناطق مختلفة من محافظة الخليل، ووجود تشوهات لأجنة وأطفال تمتّ ولادتهم بدون رؤوس وبأيدي واحدة وبأعين في منتصف الرأس"، مستدركاً بأنّه "لوحظ انتشار تلك الأمراض والحالات النادرة في ثمانينيات القرن الماضي، خاصة في بلدة الظاهرية جنوب الخليل، بفعل الإشعاعات النووية المنبعثة من مفاعل ديمونا، ودفن أطنان من النفايات النووية الإسرائيلية بالقرب من المناطق السكنية الفلسطينية".

ويشير إلى أنّ "معدل التلوث الإشعاعي في مناطق محافظة الخليل تبلغ ثلاثة أضعاف المعدل الطبيعي"، مبيناً أنّ "200 مواطن في بلدة الظاهرية، التي تبعد 25 كيلومتراً عن مفاعل ديمونا، مصابون بأنواع متنوعة من السرطان، إضافة إلى إصابة 12 شخصاً باللوكيميا، وحدوث عشرات حالات الإجهاض بين النساء".
دراسات تبين إمكانية انهيار المفاعل في أية لحظة

أمراض سببها مفاعل ديمونا
ولفت سعادة إلى أنّ "هناك ربطاً بين الإشعاعات النووية وازدياد حالات الإصابة بالسرطان في جنوب الضفة الغربية؛ حيث لم تشهد هذه المناطق قبل عام 1985 وجود أية حالات إصابة بأنواع مختلفة من السرطان، ولم تشهد هذه الفترة وجود أشخاص مصابين بالسرطان والتشوهات الخلقية، ولم تكن حالات الإجهاض المتكررة للنساء بهذا المعدل الكبير والمتزايد بشكل مستمر، وكان الاحتمال الأبرز أنّ سبب تلك الأمراض هي إشعاعات ونفايات نووية مصدرها مفاعل ديمونا الإسرائيلي".

اقرأ أيضاً: تركيا وإسرائيل: علاقات اقتصادية تكشف أوهام العداء

وعن كيفية محاولة الحدّ من أعداد الإصابات بالسرطان في جنوب الضفة الغربية، بيّن سعادة أنّه "يتوجب على وزارة الصحة الفلسطينية العمل على إتاحة أقراص "اللوغول" لمواطني جنوب الضفة الغربية، وهي أقراص علاجية تعمل على منع تسرب المواد المسرطنة إلى الجسم بفعل الإشعاعات النووية والكيماوية".
وقررت إسرائيل، عام 1958، وبمساعدة فرنسية، إنشاء مفاعل ديمونا النووي، وأعلنت أنّ الهدف من إنشاء مبنى هذا المفاعل هو توفير الطاقة لمنشآت تعمل على استصلاح منطقة النقب المحتلة، أي أنّه لأغراض غير عسكرية محضة، بحسب بيان رئيس وزراء الاحتلال الأسبق "بن غوريون"".

الصفحة الرئيسية