احتجاجات شبابية بعد تراجع الزواج في مصر: "خليها تعنّس"

مصر

احتجاجات شبابية بعد تراجع الزواج في مصر: "خليها تعنّس"

مشاهدة

08/01/2020

في السادس من كانون الأول (ديسمبر) 2019، تلقّت السلطات الأمنية بلاغاً يفيد بوصول مواطن مصري على مشارف العقد الخامس من العمر، إلى مستشفى قلين المركزي التابع لمحافظة كفر الشيخ بدلتا النيل، في حالة إغماء على خلفية تناوله لحبوب حفظ الغلال القاتلة، ومات على الفور، فيما أثبتت تحريات الأجهزة الأمنية أنّ المواطن أقدم على الانتحار، عقب مروره بأزمة نفسية؛ بسبب عجزه المادي عن تجهيز بيت الزوجية الخاص بابنته.
ووجد كثير من متابعي مواقع التواصل الأمر مفزعاً، وهو ما يدفع للتساؤل؛ إلى أيّ مدى يبدو الزواج في مصر كابوساً لدرجة تدفع إلى الانتحار؟

أستاذة علم اجتماع: لا علاقة لمؤسسة الزواج المصري بالدين الإسلامي، فالنبي وأتباعة لم يجهّزوا أعراساً تفوق طاقة العائلتين

منذ عام 2015، ترتفع نسب الطلاق في مصر بشكل لم يسبق له مثيل، حتى وصلت في بعض الإحصائيات إلى 70% من الزواج في السنة الأولى، وللمرة الأولى في تاريخها، تتراجع نسب الزواج في مصر، حسبما كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في أيلول (سبتمبر) 2019، عن تراجع نسب الزواج في مصر بنسبة 25.4%، وربما التحليل الظاهري لتلك الأرقام هو ارتفاع أسعار السلع الأساسية، لكن الحقائق أكثر مرارة من ذلك؛ إذ تشكّل العادات والتقاليد أكبر مشكلات العلاقات الزوجية، ومؤسسة الزواج في مصر، وتتفاقم تلك الظاهرة في الريف بشكل خاص، ربما تلك العادات هي ما قتلت المواطن، الذي فضّلت السلطات عدم الكشف عن اسمه، فإذا كان الزواج في الشرائع والأديان والمخيلة الإنسانية هو البحث عن شريك الحياة ونواة لأسرة تؤسَّس على الحبّ والترابط، أصبح بفضل العادات والتقاليد البالية مجرد صفقة قائمة على الربح والتنافسية، فمع الشروع الأول في مسيرة الزواج يجب أن يكون الرجل مجهزاً بأموال تمكّنه من شراء مقتينات الذهب التي يجب أن تهدى للعروس، وتسمى "الشَبْكَة"..

ترتفع نسب الطلاق في مصر بشكل لم يسبق له مثيل

في مستهلّ العقد الأخير وبداية من عام 2010؛ وصلت أسعار الذهب في مصر لأعلي مستوياتها عما سبق؛ إذ وصل سعر غرام الذهب في أقل أحواله 170 جنيهاً مصرياً، جاءت تلك القفزة بعد انفصال جنوب السودان، وسلسلة من الأحداث السياسية العربية، فيما كانت القفزة الأولى لأسعار الذهب في أعقاب حرب العراق عام 2003؛ إذ تضاعفت أسعار الذهب في مصر إلى 6 أضعاف، لكن بحلول عام 2017 وصل متوسط سعر الذهب في مصر إلى 650 جنيهاً مصرياً، أي قرابة أربعة أضعاف السعر؛ لذلك يعجز كثير من الشباب حتى عن الاستعداد للخطوة الأولى، وهي تقديم ما يناسب أهل العروس من الذهب، وإعلان الخطبة.

اقرأ أيضاً: بين القبول والرفض.. تعرف إلى مبادرة "زواج البركة" في غزة
عام 2015 تمّ إلغاء خطبة تامر عبد الله، محاسب في شركة تأمين، من صديقته الجامعية، بعد قصة حبّ استمرت 6 أعوام، وانتهت بخطبة، بسبب تذمّر الأهل من الخاطب؛ لأنّه لم يقدم سوى خاتم خطبة قيمته 5 آلاف جنيه، وهي كلّ ما يملك، ووعدهم بأنّه حين تتحسن ظروفه سيقدم المزيد من الهدايا للعروس.

تعنّت العائلة
في حديثه مع "حفريات"؛ أوضح تامر أنّ العائلة لم تعترض إلا على ضيق ذات يده، قائلاً: "فور تخرجي لم أجد سوى وظيفة مندوب مبيعات، براتب لم يتجاوز ألفي جنيه، كنت أنفق نصفهم على التنقلات ونفقاتي الشخصية، وما تبقى أساعد به عائلتي؛ لذلك لم يكن لديّ ما أملكه، سوى خاتم خطبة على أمل أن أستعدّ للزواج خلال عامَين أو ثلاثة أعوام، وهي مدة الخطبة، لكنّ العائلة التي وافقت في البداية استجابة لرغبة ابنتها، لم تطق صبراً بضيق ذات يدي، بعد أن تمّت خطبة شقيقتها الصغرى لمحامٍ مرموق، قدّم لها ذهباً بقيمة 80 ألف جنيه، ويملك شقة في حي راقٍ بالقاهرة، وهو ما زاد الضغط على الابنة التي رضخت لطلبات أهلها وأنهت علاقتنا الطويلة من أجل حفنة من الذهب"، ربما تكون إشكالية الذهب هي أقل أزمة يواجهها الخاطب، حتى تبدأ نفقات الزواج اللاحقة في ملاحقته، من تجهيز منزل الوجية بمواصفات هي في الغالب لا تناسب شاباً في مستهل مسيرته المهنية، مقارنة بمتوسط مستويات الدخل في مصر".

اقرأ أيضاً: السلطة الفلسطينية تتجه إلى رفع سنّ زواج المرأة إلى 18 عاماً

أستاذة علم الاجتماع القانوني بجامعة المنوفية، الدكتورة ثريا عبد الجواد، قالت لـ "حفريات" إنّ "الزواج تحوّل إلى صفقة تحدّد معاييرها متطلبات السوق، فتسليع الزواج هو السبب الرئيس وراء العزوف عنه، وإذا ما تمّ فسيؤول إلى الطلاق، كما نشاهد اليوم في تلك المعدلات، يتضمّن تسليع الزواج أيضاً، الشروط التي تضعها العروس وأهلها، أو العكس على الطرف الآخر، لدرجة تخفي معها أنّ الزواج ليس سوى سكن ومودة ورحمة، وليس أجهزة منزلية مرتفعة الثمن كما يحلو للبعض". وعزت تلك الممارسات إلى "مجتمع المظاهر، وتقليد الفتاة أو الشاب لأقرانهما، وحين يتم الزواج على قاعدة أن ينهك كلّ طرف الآخر ويحاول فرض شروط مادية لا داعي لها، فمن الحتميّ أن ينتهي الزواج بالطلاق؛ لأنّه جانب ربحي أيضاً للزوجة في أحيان كثيرة، وللزوج الذي يتعنّت مع الزوجة حتى تدفع له مقابل تطليقها، هذا هو وضع الزواج، وتلك مآلاته، وليس من عاقل يستطيع التمرد على هذا القالب الذي أنهك ودمر مؤسسة الأسرة المصرية".

سوق الطلب والعرض
في حديثها مع "حفريات"، قالت رانيا سالم (33 عاماً) التي تعمل معمارية في شركة خاصة، إنّ عائلتها تتحكم بشكل كبير في أمر زواجها: "بدأ الخطّاب في التوافد على منزلنا منذ أن كان عمري عشرين عاماً، ولأنّ العائلة كانت تعتبرني سلعة رابحة، فتاة عشرينية شقراء من أسرة مرموقة وتدرس بإحدى كليات القمة، فمن الواجب أن يدفع الخاطب كلّ ما يشترطون عليه، وهو ما جعل كلّ خاطب يأتي إلينا بزيارة واحدة يستمع فيها إلى طلبات العائلة ولا يعود، وهو ما سبّب لي إرهاقاً نفسياً، وأصبح الأمر كابوساً بالنسبة إليّ، وبعد أن تجاوزت الثلاثين، استسلمت العائلة، ولم تعد تشترط ما كانت عليه سابقاً، لكنّ الطرف الآخر، الذي غالباً ما يكون أربعينياً، يريد فتاة عشرينية، ويرتعد لفكرة أنّني تجاوزت الثلاثين، وهو ما يشعرني أنّي تجاوزت رغبة الزواج، بعد أن تيقنت أني سلعة عندما كسدت لدى صاحبها، قرّر أن يلقيها، لكنّ المشترين يهربون أيضاً"، تتشارك رانيا مع آلاف الفتيات اللاتي تخطين سنّ الثلاثين، وبدأت عائلاتهنّ في التنازل عن شروط يبدو أنّها لم تجدِ نفعاً.

حملة إلكترونية أطلقها نشطاء شباب على مواقع التواصل الاجتماعي،  تحت اسم "خليها تعنّس"

ويتجلّى هذا في حملة إلكترونية أطلقها نشطاء شباب على مواقع التواصل الاجتماعي،  تحت اسم "خليها تعنّس"، على غرار حملة أطلقها المصريون بعد ارتفاع أسعار السيارات باسم "خليها تصدي"، وهو ما استفزّ الفتيات في المقابل لتشبيههنّ بالسيارات، فأطلقن حملة "خليك جنب أمك"، نكاية بالشباب الذي يمتنع عن أداء مصروفات الزوجية ومستحقات الزوجة؛ إذ بدا أنّ الشباب تعاملوا مع الزوجة كأنّها سلعة ارتفعت أسعارها؛ لذا فالمقاطعة هي طريقهم الأمثل كي ينخفض سعر السلعة، ويبدو أنّ المصريين يحبّون اتّباع سيرة النبي ﷺ وصحابته في كلّ شيء إلّا الزواج؛ إذ إنّ عادات المصريين لا تتماشى مع فلسفة الدين الإسلامي في الزواج، ويتجلى هذا في الأدبيات الإسلامية التي امتدحت من يعفو عن طلب المهور، فقال صلى الله عليه وسلم: "أقلّهنّ مَهراً أكثرهنّ بركة"، لكن يبدو أنّ الأمر في مصر يوحي بأمر ثانٍ، وهو أنّ الأهالي الذين يتساهلون مادياً في زيجة بناتهم، يفعلون ذلك لأنّ الفتاة بها علة أو مرض أو لا أحد يريد الزواج منها، وهو ما يتسبّب، في غالب الأحيان، في تعنّت مقابل من الأهل منعاً للقيل والقال.
الدين من زواج المصريين براء
مثل تلك التضحيات بالمهور، كما أمر النبي ﷺ أتباعه، تبدو في نظر البعض عملية انتحارية، وهو ما حدث مع آية عبد الفتاح (34 عاماً)، وتعمل في أحد البنوك، حيث أخبرت "حفريات": "لطالما آمنت بالمساواة، وكرهت مبدأ تسليع الزواج، الذي يحكم تلك العلاقة التي من المفترض أن تكون مقدسة، ولأنّني أعمل عملاً منتظماً براتب جيد، فقد كان لي من المال ما يغنيني عن طلب المزيد من الأهل أو الزوج، لم آخذ مهراً والهدية كانت خاتماً بسيطاً، ولم أكتب أيّة مستحقات مالية تذكر سوى ما اشتريته في بيت الزوجية، أنّه حقّ لي، ولم يمرّ شهر على زواجي، حتى بدأت في تلقي الإهانات من الزوج الذي يصرخ في وجهي لأتفه الأسباب، ليخبرني بأنني عانس، وأنّه تزوجني ليجرب حظّه مجاناً، وأنّه ما من فتاة تفعل ما فعلته إلّا إذا كان بها عيب يجعل الرجال يهربون منها، تحمّلت تلك الإهانات التي تطورت لاحقاً إلى ضرب مبرح، وطلبت الطلاق بعد عام وأربعة أشهر من الزواج، وخسرت حتى المال الذي تكلفته في تجهيز منزل الزوجية".

اقرأ أيضاً: الزواج المدني.. ما يجمعه الرب في قبرص لا يفرقه القانون في لبنان

وراء تلك الثقافة البالية من طرفَي مؤسسة الزواج، يكمن تاريخ طويل من العادات والتقاليد التي لم تستطع حتى الأديان تجاوزها، وفق حديث أستاذ علم الاجتماع السياسي، هدى زكريا، التي قالت لـ "حفريات": "لا علاقة لمؤسسة الزواج المصري بالدين الإسلامي، فالنبي ﷺ وأتباعه لم يجهّزوا أعراساً تفوق طاقة العائلتين، ولم يستدينوا لشراء متطلبات ثانوية عن حاجياتهم درءاً لكلام الناس، في مؤسسة الزواج، نحن بصدد فهم مشوّه للدين، وتزييف له، فحتى المهر يمكن أن يكون شيئاً أدبياً أو معنوياً، وهذا ما لا يقبله المصريون، وسنجد أنفسنا أمام صفقة استثمارية تنتهي فور ما يعرف الطرفان؛ بأنّ الأمر افتقد أيّ مكسب مادي سطحي، فما يربط طرفين ليعيشا سوياً حتى الموت هو الحب والتفاهم والاحترام والمودة، فإذا اختفت تلك المعاني انتهى الزواج سريعاً، ولنا عبرة في أنّ أكثر الزيجات تنتهي في العام الأول، وهي كارثة أخرى تضاف لكوارثنا الاجتماعية، بلا شكّ".

الصفحة الرئيسية