السلطة الفلسطينية تتجه إلى رفع سنّ زواج المرأة إلى 18 عاماً

فلسطين

السلطة الفلسطينية تتجه إلى رفع سنّ زواج المرأة إلى 18 عاماً

مشاهدة

06/08/2019

في محاولة جادّة للحدّ من ظاهرة الزواج المبكر في الأراضي الفلسطينية، والتي باتت تهدّد تقاليد وعادات المجتمع، وتنعكس سلباً على ارتفاع معدلات الطلاق لمستويات كبيرة، أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد شتية، في 27 تموز (يوليو) الماضي، خلال استقباله وفداً من منظمة "هيومن رايتس ووتش" في مكتبه برام الله؛ إقرار حكومته قانوناً يسمح برفع سنّ زواج المرأة إلى 18 عاماً؛ لحماية العائلة وضمان النهوض بواقع المرأة الفلسطينية.

العادات والتقاليد السائدة في مجتمعنا الفلسطيني ساهمت في ارتفاع ظاهرة الزواج المبكر الذي يعدّ من أخطر الظواهر الاجتماعية

ووقّعت السلطة الفلسطينية، عام 2014، بروتوكول "سيداو"؛ الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979، والذي ينصّ على القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، كما وقّع الجانب الفلسطيني القرار رقم (1325)؛ الذي نصّ على حماية النساء في مناطق النزاع وتحت الاحتلال.
ووفق إحصائية صادرة عن مركز شؤون المرأة في غزة؛ فإنّ 37% من النساء المتزوجات في فلسطين تزوّجن دون سنّ 18 عاماً، و5% تزوّجن دون 15 عاماً، في حين أنّ 63% من المتزوجات الصغيرات قد تعرضن للعنف من أزواجهن، وهناك 95% من المتزوجات مبكراً لا يشجعن على التزويج المبكر لطفلاتهن.

اقرأ أيضاً: الزواج المدني.. ما يجمعه الرب في قبرص لا يفرقه القانون في لبنان
قانون الأحوال المدنية المعدَّل، رقم 61 لسنة 1977؛ الذي حدّد سنّ الزواج في الضفة الغربية 15 عاماً هجرياً للفتاة، و16 عاماً هجرياً للشاب، وفي قطاع غزة تمّ اعتماد قانون رقم 303 لسنة 1954؛ الذي يحدّد سنّ الزواج الأدنى للفتاة 17 عاماً، والشاب 18 عاماً، مع منح القاضي صلاحيات تزويج الفتاة دون هذا السنّ، إذا بلغت سنّ النضج ووافق والدها على ذلك.
عدم تمتّع الشاب والفتاة القاصرين بقدر كافٍ من النضج والمعرفة الكاملة بحقوقهم وواجباتهم

خطوة إيجابية
مديرة مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي بالخليل، أمل جعبة، تقول لـ "حفريات" إنّ "القانون الفلسطيني هو خطوة إيجابية تتطلب ترجمتها على أرض الواقع لضمان حقوق المرأة وتحقيق المساواة بينها وبين الرجل، للنهوض بالأسرة الفلسطينية، مستدركة بأنّ القوانين الفلسطينية لا يوجد سقف محدَّد لتطبيقها، وقد يحتاج هذا القانون فترة طويلة لتنفيذه والعمل به داخل المحاكم الفلسطينية".

اقرأ أيضاً: الزواج العرفي في غزة: عقود خارج إطار القانون.. مَن ضحاياها؟
وأوضحت أنّ "الأوضاع الأسرية في الأراضي الفلسطينية تمرّ بأزمة خطيرة، وتتعرض لهزات عنيفة وصعوبات كبيرة، أدّت إلى ارتفاع نسب الطلاق لمعدلات مرتفعة، وصعود مستويات العنف الأسري بالمجتمع، حتى أصبحت فلسطين من الدول الأعلى عالمياً بمعدلات العنف الأسري؛ وذلك نتيجة للزواج المبكر بين الرجل والمرأة، والذي لا يؤهّلهما لتحمّل مسؤولياتهما الأسرية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية نحو أبنائهم".

خطر مستمر
وترى جعبة؛ أنّ "متوسط أعمار المقبلين على الزواج من الذكور في الأراضي الفلسطينية، خلال عام 2016، يتراوح بين 23 إلى 24 عاماً، بينما يتراوح لدى الإناث بين 18 و19 عاماً، وبلغ معدَّل زواج الفتيات دون سنّ 18 عاماً إلى أكثر من 39%، بينما تصل نسبة زواج الذكور دون سنّ 18 إلى 2% فقط، وتلجأ بعض العائلات الفلسطينية إلى ذلك لأسباب اجتماعية؛ كفقدان الفتى أحد الوالدين، أو كونه الوحيد لدى عائلته".

اقرأ أيضاً: زواج الأطفال: هل تصطدم الفتاوى بالحقائق العلمية؟
وأكّدت أنّ "الطفلات يتزوّجن وينجبن أطفالاً، وهذا يجعل الأسرة الفلسطينية في خطر مستمرّ جراء استمرار الزواج المبكر داخل المجتمع، مع عدم تمتّع الشاب والفتاة القاصرين بقدر كافٍ من النضج والمعرفة الكاملة بحقوقهم وواجباتهم، بالتالي؛ فإنّ الأجيال القادمة سيلجأون إلى سلوك طرق غير سوية، تودي بهم إلى الانحراف، وسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، واللجوء إلى الإدمان".
جعبة: الصعوبات كبيرة ومن أهمّها التحايل على القانون

صعوبات كبيرة
وعن الصعوبات والمعيقات التي يمكن أن يجابه بها القانون، قالت جعبة إنّ "الصعوبات كبيرة، ومن أهمّها التحايل على القانون، مثل لجوء بعض العائلات لتزويج بناتهم بعقود زواج عرفية، وحين تبلغ الفتاة السنّ القانونية للزواج، بحسب القانون الأردني المعمول به داخل الأراضي الفلسطينية، وهو 15 عاماً وثمانية أشهر، تقوم العائلة بالذهاب إلى المحكمة الشرعية لتسجيل الزواج رسمياً، وقد تُرزق الفتاة خلال هذه الفترة بمولودٍ أو أكثر، إضافة إلى إمكانية لجوء بعض العائلات بتزوير الأوراق الرسمية للفتاة كشهادة الميلاد، والطعن في عمرها، لإتمام عقد الزواج رسمياً داخل المحاكم الشرعية".

اقرأ أيضاً: زواج القاصرات في إيران: العمائم تزفّ ابنة التاسعة
وتتابع: "القانون الفلسطيني يهدف إلى توعية المجتمع وتجريم الزواج المبكر، وأنّ المسؤولية يجب أن تقع على عاتق المسجد والمؤسسات التعليمية والإعلامية والأحزاب السياسية؛ لتوعية المجتمع بمخاطر الزواج المبكر، وخلق ثقافة عامة تجرّم قيام العائلات بتزويج فتياتهم القاصرات".

وتذكر جبعة؛ أنّ "السلطة الفلسطينية اتّخذت إجراءات عديدة تهدف إلى رفع مكانة المرأة، وتسهيل أمور حياتها، لكنّ هذه الإجراءات لم تتحول إلى آليات وثقافات على الأرض، مع وجود عدة عقبات، أبرزها الوضع السياسي القائم والانقسام الجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعطيل المجلس التشريعي الفلسطيني، الذي أدّى إلى عدم المصادقة على عدد من المسوّدات والقرارات، ومن بينها القوانين التي تهدف حماية حقوق المرأة الفلسطينية".

 لجوء بعض العائلات إلى تزوير الأوراق الرسمية للفتاة كشهادة الميلاد

حماية حقوق المرأة الاجتماعية
وفي تعليقها على هذه الخطوة، تقول النقابية والناشطة في مجال حقوق المرأة، سحر أبو عيدة إنّ "القانون الفلسطيني يأتي انسجاماً مع القوانين الدولية التي قامت بتوقيعها السلطة الفلسطينية، لزيادة مشاركة المرأة في صنع القرار، دون تمييز، وحماية حقوقها الاجتماعية، وتوفير بيئة قانونية لها؛ لتأهيلها كي تكون امرأة صالحة قادرة على إدارة أسرتها وتربية أبنائها بشكل سليم".

اقرأ أيضاً: زواج القاصرات بين الموروثات الدينية ووطأة الفقر
وأشارت أبو عيدة لـ "حفريات"؛ "لدى قاضي المحكمة الشرعية صلاحية عقد قران الفتاة دون سنّ 18 عاماً في بعض الحالات، إذا اقتضت مصلحة الفتاة القيام بذلك، وفي حال تمّ ذلك يتوجب خضوع الفتاة لدورات إرشادية وتوعوية قبل الزواج، لتكون على قدرٍ كافٍ من النضج العقلي، ليمكّنها من التعامل السليم مع زوجها وأبنائها، إضافة إلى ضرورة حصولها على تعليمها الثانوي لتطوير مفاهيمها، لتصبح قادرة على معرفة واجباتها وحقوقها لتحقيق الاستقرار والأمن داخل الأسرة".
بعض العائلات تنظر لبناتهم على أنهنّ عبء عليها

حبر على ورق
وتتابع أبو عيدة: "القانون الجديد يحتاج إلى موازنات وكوادر بشرية كي يتمّ تطبيقه على أرض الواقع، وأنّ انعدام الموازنات المناسبة قد يحول دون تنفيذ هذا القانون، وسيبقى حبراً على ورق؛ حيث بقيت العديد من المسودات والقوانين التي قدمت لمجلس الوزراء الفلسطيني دون أن يتم إقرارها؛ كقانون الأحوال الشخصية، وقانون العقوبات، والذي يبين مفهوم العنف ضدّ المرأة".

اقرأ أيضاً: زواج قاصرات اللجوء السوري: طفلات في مرتبة أمهات
وبيّنت أنّه "لا بدّ من تكاثف جهود الجبهة الداخلية الفلسطينية؛ لتعميم ثقافة حماية الأسرة، ونبذ العنف، ونشر القيم الإيجابية، وعدم التمييز بين الأبناء، خاصة مع قيام بعض العائلات بالنظر لبناتهم على أنهنّ عبء عليهم، ويجب التخلص منهنّ وتزويجهنّ، حتى وإن لم يتجاوزن السنّ القانونية، كما يجب على السلطة الفلسطينية إقرار القوانين التي تحمي الأسرة واحتياجاتها الأساسية، باعتبارها النواة الأولى لتكوين أسرة سليمة على درجة عالية من المسؤولية المجتمعية والنفسية والثقافية".
المصري: العادات والتقاليد السائدة ساهمت في ارتفاع ظاهرة الزواج المبكر

ظاهرة اجتماعية خطيرة
من جهته، يقول أستاذ علم الاجتماع، عبد الفتاح المصري، لـ "حفريات" إنّ "القانون الفلسطيني الجديد، المزمع إقراره قريباً، هو النواة الأولى لبناء الأسرة السليمة، باعتبار الزواج هو من أهم مظاهر الحياة الاجتماعية التي تقوم على تلبية حاجة الفرد النفسية والعاطفية والاقتصادية والجنسية والإنجابية".

القانون الفلسطيني يهدف إلى توعية المجتمع وتجريم الزواج المبكر، والمسؤولية تقع على عاتق المسجد والمؤسسات التعليمية والإعلامية والأحزاب السياسية

ويرى المصري أنّ العادات والتقاليد السائدة في مجتمعنا الفلسطيني، "ساهمت في ارتفاع ظاهرة الزواج المبكر، الذي يعدّ من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تشكّل انتهاكاً واضحاً لحقوق المرأة، وأركان الأسرة الفلسطينية كاملة، وهي جريمة تشارك فيها الجهات الرسمية، القضائية والدينية، بتمرير زواج بعض الفتيات القاصرات، متجاهلة الأضرار الوخيمة التي ستنتج عن هذا الزواج المبكر، وما يحمله من آثار نفسية واجتماعية، قد تدفع الفتيات للجوء لاستخدام بعض أساليب العنف؛ كاللجوء إلى الانتحار للتخلّص من حياتهنّ".
ودعا المصري إلى "بذل المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني المزيد من الجهود لتوعية المجتمع بمخاطر الزواج المبكّر، خاصة في المناطق النائية والمهمّشة، والضغط على المحاكم الشرعية بعدم تزويج الفتيات دون سنّ 18 عاماً، وإقرار قانون أحوال شخصية موحّد، يتمّ العمل به في قطاع غزة الضفة الغربية على غرار القانونَين الأردني والمصري، وسنّ قانون عقوبات رادع يجرّم تزويج الفتيات القاصرات، ويعاقب المخالفين بإصدار أحكام قضائية مشدّدة بحقّهم".

الصفحة الرئيسية