احتدام الأزمات في مناطق الإدارة الذاتيّة.. هل ينذر بمواجهة بين واشنطن وروسيا لإعادة ترتيب المنطقة؟

احتدام الأزمات في مناطق الإدارة الذاتيّة.. هل ينذر بمواجهة بين واشنطن وروسيا لإعادة ترتيب المنطقة؟

مشاهدة

04/02/2021

تقع المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية، شمال شرق سوريا، تحت وطأة أحداث عنف كبيرة، وغير مسبوقة، خلال الأيام الماضية؛ إذ احتدمت الاشتباكات بين القوات الأمنية الكردية "الأسايش"، من جهة، ومثيلاتها من العناصر الأمنية الموالية للنظام السوري، من جهة أخرى، وذلك في مدينة الحسكة، إثر خروج مظاهرات مؤيدة للنظام، ما تسبّب في مقتل متظاهر، وإصابة آخرين، إثر إطلاق النار من جانب القوات الكردية على المحتجين، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، في لندن.

التوتر الحالي بين الإدارة الذاتية والنظام السوري، في محافظة الحسكة، متكرّر وله سوابق عديدة، ويتعلّق بالخلاف حول وجود النظام في "المربعات الأمنية"

ليست المرة الأولى التي تحدث فيها مواجهات بين النظام السوري والقوات الكردية، لكن دائرة العنف التي اندلعت، قبل أيام، تعدّ الأقوى والأوسع انتشاراً، في المناطق الخاضعة في غالبيتها إلى الإدارة الذاتية، بينما لم تشهد المناطق، المحدودة والصغيرة، التي يسيطر النظام السوري في الحسكة والقامشلي، سوى توترات عرضية ومؤقتة، تمثلت في محاولات توقيف عناصر واعتقالها من جانب الطرفين، أحياناً.

الصراع على الشمال السوري.. ما الجديد؟

شهدت الفترة الأخيرة هجوماً على المقار الأمنية الكردية، وفي المقابل، خروج احتجاجات متصاعدة، تسببت في مواجهات ميدانية دموية متواصلة، وتشير منصة "فويس أوف أمريكا"، إلى أنّه "عندما فتحت قوات الأمن الكردية النار لتفريق المظاهرة؛ أصيب أربعة متظاهرين، توفَّى أحدهم بعد فترة وجيزة في المستشفى، كما هاجمت ميليشيا تابعة للنظام السوري نقطة تفتيش أمنية للأكراد، ما أدّى إلى تبادل إطلاق النار بين الجانبين".

ومن جانبها، قالت القوات الكردية إنّ "حصارها لا يستهدف سوى قوات النظام في المدينتين، الحسكة والقامشلي، وذلك على خلفية الحظر الذي يفرضه النظام على المدنيين الأكراد في الشهباء"، كما لفتت المسؤولة بالإدارة الذاتية، سمر حسين، إلى أنّه "منذ فترة، فرض نظام البعث قيوداً على حركة الأشخاص، والسلع الأساسية، في منطقة الشهباء، وقد حاولت السلطات الكردية، كثيراً، إقناع النظام برفع الحظر، غير أنّها فشلت في ذلك، ولهذا قررنا فرض حظر على قواته في القامشلي والحسكة".

وفي حديثه لـ "حفريات"، يشير الصحفي السوري الكردي، باز علي بكاري؛ إلى أنّ "التوتر الحالي بين الإدارة الذاتية والنظام السوري، في محافظة الحسكة، متكرّر وله سوابق عديدة، ويتعلّق بالخلاف حول وجود النظام في المنطقة المعروفة بـ "المربعات الأمنية"؛ إذ إنّ "هذا التوتر المتجدد بين الطرفين بسبب الأزمات حول الحواجز الأمنية، أو تحركات النظام في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، يفصح في جانب منه عن شكل العلاقة بين النظام والقوات الكردية، إثر التطورات الحاصلة، سواء على المستوى والمحلي، أو المستوى الدولي، وبالتحديد التغيير في الإدارة الأمريكية".

الترتيبات الأمريكية 

ويضيف علي بكاري: "التوتر الأخير الحاصل بين الطرفين، يبرز تعقيدات جمّة، على خلفية المطالب التي يبدو سقفها مرتفعاً، تلك المرة؛ حيث تطلب قوات الأمن التابعة للإدارة الذاتية من النظام إخلاء كلّ مراكزه الأمنية في المدن التي تحت سيطرة الأكراد؛ وهذا ما يدفعنا للتفكير بأنّ الأمر ليس مجرد قرار منفرد من الإدارة الذاتية، بل بناء على تفاهمات أمريكية؛ والهدف أو الأهداف من وراء هذا التحرك، قد يكون لعدة أسباب؛ من بينها رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في استعادة وجودها الفعلي في منطقة تعدّ ضمن نفوذ واشنطن، وهذا ما خسرته نتيجة لسياسات الإدارة الأمريكية السابقة، حينما سمحت لتركيا بالتوغل في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، واحتلال كلّ من رأس العين/ سرّي كانيه، وتل أبيض، ما دفع، في المقابل، الإدارة الذاتية لعقد تفاهمات مع الروس، انتشرت بموجبها قوات النظام والقوات الروسية في مناطق ما كانت لتحلم بالانتشار فيها بهذه السهولة".

الصحفي السوري الكردي باز علي بكاري

وهذه النتيجة الأخيرة، بحسب الصحفي السوري الكردي، قد نتجت عنها "عوائق كثيرة للقوات الأمريكية في المنطقة؛ إثر تراجع نفوذها التقليدي؛ حيث بتنا نشهد اعتراضاً للدوريات الأمريكية من الجانب الروسي، وحتى من جانب قوات النظام، واليوم، يبدو أنّ الإدارة الأمريكية تريد استرجاع السيطرة الكاملة على مناطق نفوذها".

المدنيون يدفعون الثمن دائماً

وبالتزامن مع موجة الاحتجاجات والمواجهات بين النظام السوري والقوات الكردية، وقعت انفجارات في المنطقة الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، والتي تسببت هي الأخرى في سقوط ضحايا من المدنيين، ومقتل 20 شخصاً، على الأقل، من بينهم أطفال، الأمر الذي فاقم من الأوضاع الصعبة التي يعيشها السوريون بشمال شرق سوريا؛ إذ قالت الأمم المتحدة: إنّ "أكثر من 120 ألف لاجئ يعيشون في مخيمات بشمال سوريا، يكافحون للبقاء على قيد الحياة بسبب التساقط الكثيف للأمطار والرياح العاتية التي ألحقت أضراراً كبيرة بمخيماتهم".

الصحفي الكردي باز علي بكاري لـ"حفريات": تحركات الإدارة الذاتية تستهدف إنهاء الوجود الإيراني في شمال سوريا بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية الجديدة

ووصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الوضع بأنّه "كارثي"، لافتاً إلى أنّ "العاملين في المجال الإغاثي يبذلون جهوداً كبيرة على مدار الساعة لإعادة فتح الطرق الموحلة والمليئة بالحطام، للوصول إلى ضحايا هذه الكارثة القاسية"، كما قال الناطق الرسمي بلسان مكتب الأمم المتحدة، ينس ليركه، إنّ "الأمطار الغزيرة والرياح القوية ألحقت أضراراً، أو دمّرت، ما لا يقل عن 21700 خيمة، كانت تؤوي عشرات الآلاف من الأشخاص في حوالي 300 موقع، ما تسبّب في مقتل طفل وإصابة ثلاثة أشخاص، على الأقل".

كما دانت واشنطن "الهجمات على المدنيين في سوريا، التي وقعت نهاية الأسبوع الماضي، في إعزاز والباب وعفرين، والتي أسفرت عن مقتل 20 مدنياً، على الأقل، بينهم أطفال"، وقالت في بيان رسمي: "تشعر الولايات المتحدة بقلق عميق من تكرار مثل هذه الهجمات، في الأشهر الأخيرة ، بما في ذلك الاستخدام المتكرر للعبوات الناسفة المحمولة على السيارات".

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة تحذر من توقف المساعدات شمال سوريا.. ما علاقة النظام السوري؟

بين موسكو وواشنطن.. المآل السوري الصعب

وإلى ذلك، يلفت باز علي بكاري، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ التحركات التي تقوم بها الإدارة الذاتية بناء على تفاهمات مع الإدارة الأمريكية الجديدة تستهدف "إنهاء الوجود الإيراني في المنطقة بشمال سوريا؛ إذ تتواجد ميليشيات تتبع لإيران، في مطار قامشلي، وكذا في المربعات الأمنية، في مدينتي الحسكة وقامشلي أيضاً؛ وهذا ما يؤرق القوات الأمريكية في المنطقة، خاصة أنّها في الأساس تبحث عن تصفية الوجود الإيراني في عموم الجغرافيا السورية، بالتالي، وجودها في عمق مناطق نفوذ واشنطن، يعدّ أمراً غير مقبول".

أما بخصوص ما تُعرف بقوات "الدفاع الوطني" الموجودة بالمنطقة، وطبيعة دورها وتأثيرها في الأحداث العنيفة الأخيرة، يجيب المصدر ذاته: تعدّ قوات الدفاع الوطني ميليشيا تتبع بشكل أو بآخر طهران، واستفادت من الفوضى الأمنية، والوضع المادي السيّئ لشباب عرب من أهل المنطقة بغية تجنيدهم، إضافة إلى إثارة النزعات القومية بين الكرد والعرب، والدعاية المستمرة بضرورة مواجهة نفوذ الأولى الذي يتسع على حساب الأخيرة، وهذا ما حاولت أن تفعله أو تدعمه موسكو في ريف دير الزور والرقة أيضاً، لكنّ محاولاتهم باءت بالفشل، وعلى ما يبدو فإنّ أهل المنطقة، من كرد وعرب وسريان، وغيرهم من المكوّنات، هم أقرب للمشروع الأمريكي منه للروسي؛ لأنّ الأخير يطالبهم بأن يعودوا إلى "حضن النظام السوري"، فيما يطرح عليهم الأمريكيون أن يكونوا شركاء في إدارة مناطقهم، الغنية بكلّ الأسباب التي تحقق الاستقرار السياسي والمجتمعي، عوضاً عن حالة الدمار التي هي فيها".

الصفحة الرئيسية