أفريقيا الوسطى: هل الإمبريالية الروسية خير من الأمريكية والأوروبية؟

أفريقيا الوسطى: هل الإمبريالية الروسية خير من الأمريكية والأوروبية؟

مشاهدة

05/01/2021

موجة جديدة من الحرب الأهلية تضرب أفريقيا الوسطى، منذ الشهر الأخير في العام الماضي، ظاهرها الخلاف بين الرئيس والمعارضة المسلحة حول إجراء الانتخابات، وباطنها صراع النفوذ بين المستعمر القديم، فرنسا، والوافد الجديد على المنطقة، روسيا.

وتتصارع الدولتان على الفوز بامتيازات التنقيب عن اليورانيوم والماس، والتحكّم في وسط أفريقيا، لما لها من أهمية إستراتيجية للهيمنة على دول غرب أفريقيا، التي تتشارك في ثروة نفطية كبيرة.

تتنافس روسيا وفرنسا على الفوز بامتيازات التنقيب عن اليورانيوم والماس، والتحكّم في وسط أفريقيا، لأهميتها الإستراتيجية للهيمنة على دول خليج غينيا النفطية

وتأثّر النفوذ الفرنسي سلباً، منذ إطاحة حركة سيليكا الإسلامية، الرئيسَ الموالي لفرنسا، فرانسوا بوزيزيه، وتدخّلت روسيا عسكرياً لدعم العملية الانتخابية، عام 2016، والتي فاز فيها الرئيس الحالي، والمرشَّح للفوز في الانتخابات الجارية، أرشانج تواديرا.

ويخوض تجمّع معارض، على رأسه بوزيزيه، صراعاً مسلّحاً لعرقلة الانتخابات، ويسيطر على ثلثي مساحة البلاد، لكن من المرجَّح أن تُستكمل الانتخابات، التي تحظى بدعم أفريقي ودولي كبير.

الجولة الأولى من الانتخابات

شهدت البلاد إجراء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية والتشريعية، في 27 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، في ظلّ تفشي موجة العنف الأهلي، واستنفار القوات الأممية، وقوات شركة فاجنر الروسية في العاصمة، بانغي.

بوتين مستقبلاً رئيس أفريقيا الوسطى، أرشانج تواديرا

وبحسب بيان صادر عن اللجنة الانتخابية؛ أغلق مسلحون 800 مركز اقتراع في مناطق؛ فيكارنو، ونولا، وبامباري، غرب البلاد ، وتمثّل نسبة 14% من مراكز الاقتراع، على مستوى الدولة.

وأعلنت اللجنة الانتخابية فوز الرئيس فوستين أرشانج تواديرا بولاية رئاسية جديدة، عقب فرز الأصوات، بعد حصوله على نسبة 53.9%، وبذلك لن تذهب البلاد إلى جولة ثانية، في الانتخابات الرئاسية التي تنافس فيها 15 مرشحاً.

اقرأ أيضاً: أفريقيا أمام مخاطر التحول إلى مركز قيادة الجماعات الإرهابية

ونقلت وكالة "فرانس برس" بياناً عن الائتلاف الديمقراطي المعارض (COD-2020)، طالب فيه بإلغاء الانتخابات، التي لم يشارك فيها مواطنو ثلاث مقاطعات، واتّهم البيان الحكومة بتزوير الانتخابات، في المناطق النائية، البعيدة عن الرقابة الدولية، بينما نفت الحكومة اتهامات التزوير.

وفي الوقت نفسه؛ رحّب عبد الله حسين، أحد قادة جماعة نور الدين آدم المسلحة، في اليوم التالي للاقتراع، بإجراء الاقتراع في ثلاث محافظات تحت سيطرة حركته، واستنكر اتفاقية إنشاء تحالف الوطنيين من أجل التغيير (CPC)، المعارضة.

اقرأ أيضاً: هل تتفاوض فرنسا مع داعش والقاعدة بأفريقيا؟

وفي السياق نفسه؛ عقد رؤساء دول وسط أفريقيا مؤتمراً افتراضياً، في 28 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، لبحث إرسال قوات إلى دولة أفريقيا الوسطى، وشارك رؤساء دول أفريقيا الوسطى، والكونغو برازافيل، والكونغو الديمقراطية، وبوروندي، وغينيا الاستوائية، إضافة إلى ممثلين عن أنغولا، والكاميرون، والغابون، ورواندا، وساوتومي وبرينسيب، وتشاد.

ودعا الاجتماع إلى ""فتح حوار سياسيّ شامل، برعاية المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا".

هل تدعم فرنسا المعارضة؟

وتتّهم الحكومة الرئيس السابق، بوزيزيه، بمحاولة الانقلاب على السلطة، بينما ينفي الأخير ذلك، ويطالب بالمشاركة في الانتخابات، التي استبعدته المحكمة الدستورية منها، عام 2016، بسبب فرض عقوبات دولية عليه.

اقرأ أيضاً: هل تتعاون مصر وموريتانيا لمواجهة التمدّد التركي غرب أفريقيا؟

وحول ذلك، يقول الباحث النيجيري في الشؤون الأمنية والإستراتيجية الأفريقية، إدريس آيات: "تسعى الميليشيات المسلّحة وفصائل من المعارضة إلى عرقلة الانتخابات، وإجبار الحكومة على الدخول في مرحلة انتقالية، لنزع صفة الرئاسة عن تواديرا، وتنظيم انتخابات يتساوى فيها جميع المرشحين، وتتذرّع الميليشيات المسلحة، التي تتشكّل من ستّ ميليشيات تضمّ السيليكا، وخصمها السابق، أنتي بالاكا، بعدم تطبيق الرئيس تواديرا لكلّ بنود اتفاقية الخرطوم، في شباط (فبراير) 2019".

الباحث النيجيري في الشؤون الأمنية والإستراتيجية الأفريقية إدريس آيات

ويردف آيات، لـ "حفريات": "يبدو أنّ ما يحدث هي الخطة التي رسمتها فرنسا لأنصارها من المعارضة، بعد أن أغلقت الأمم المتحدة بوابة الانقلابات الرئاسية، حين هدّدت باستخدام القوة لإعادة الشرعية في حال حدوث انقلاب عسكريّ آخر، في هذه الدولة التي عرفت منذ استقلالها خمسة انقلابات".

اقرأ أيضاً: بوكو حرام.. غول الإرهاب غربي أفريقيا

ولم تصدر بيانات حول هذه الاتهامات عن فرنسا، التي أجرى رئيسها، إيمانويل ماكرون، اتصالاً هاتفياً، في 24 من الشهر الماضي، بالرئيس تواديرا، دان فيه زعزعة الاستقرار، وذكر بيان الرئاسة الفرنسية؛ أنّ ماكرون أمر بتحليق مقاتلات فرنسية فوق سماء البلاد، لإظهار الدعم الفرنسي للعملية الانتخابية.

وأكّد البيان؛ أنّ ماكرون دان معرقلي الانتخابات، ومن بينهم الرئيس السابق، بوزيزيه.

الناشط السياسيّ الأفريقي هاكي أوهورو لـ"حفريات": عانينا الكثير من الإمبريالية الأوروبية والأمريكية؛ لذلك فإنّ خيار قادة أفريقيا الوسطى بالعمل مع روسيا صائب

وكانت فرنسا قد نشرت 1000 جندي في أفريقيا الوسطى، عقب انقلاب 2013، بتفويض من الأمم المتحدة، ضمن عملية "سانغاريس"، لفرض الأمن، واستمرّت العملية، التي وصل عدد أفرادها إلى 1600 عسكري، حتى عام 2016.

وتُتَّهم فرنسا بتغذية العنف الطائفي في البلاد، بدعمها حركة "أنتي بالاكا" المسيحية، عام 2013، ردّاً على انقلاب حركة "السيليكا"، ذات الغالبية المسلمة، وتخضع الحركتان لعقوبات دولية، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.

وعقب الانسحاب الفرنسي، لمواجهة توسع الجماعات الإرهابية في دول الساحل الأفريقي، حدث فراغ كبير في أفريقيا الوسطى، قامت روسيا بملئه، عبر توقيع اتفاقيات عسكرية، ونشر مدربين عسكريين، وافتتاح مكتب تمثيل عسكري في بانغي، عام 2019.

صراع النفوذ بين روسيا وفرنسا

وتشارك روسيا بقوات من شركة فاجنر، يُقدَّر عددها بالمئات في تدريب الجيش، وحماية الرئيس تواديرا، كما أرسلت روندا مئات العسكريين إلى بانغي، للتصدي لتقدم المعارضة المسلحة نحو العاصمة، فضلاً عن وجود بعثة أممية عسكرية.

اقرأ أيضاً: الإيكونوميست تكشف عن آخر المؤامرات الإيرانية في أفريقيا

وحول التدخّل الروسيّ، يقول الناشط السياسيّ الأفريقي، هاكي أوهورو: "ساندت روسيا الأفارقة منذ وقت طويل، ونحن، كأفارقة، عانينا الكثير من الإمبريالية الأوروبية والأمريكية، ولم نعد نثق بهم، وعلى رأسهم الفرنسيين؛ لذلك فإنّ خيار قادة أفريقيا الوسطى بالعمل مع روسيا صائب".

الناشط السياسي الأفريقي، هاكي أوهورو

ويردف أوهورو، لـ "حفريات": "أشجّع القادة الأفارقة على العمل مع شركاء لم يتسببوا في مشكلاتنا، التي ورثناها عن الاستعمار، الذي يريد إبقاء هيمنته على القارة، ولذلك أرى أنّ مشاركة رواندا إلى جانب روسيا في حفظ الأمن في أفريقيا الوسطى بمثابة فخر لنا كأفارقة".

اقرأ أيضاً: ما هي مؤشرات عودة داعش في أفريقيا؟

وعن المصالح الفرنسية المهددة، يقول الباحث النيجيري، إدريس آيات: "الحضور الروسي في بواكير 2017، تضمّن توقيع اتفاقيات تعاون عسكري مع حكومة بانغي، عطفاً على استيلاء شركات روسية على مناجم الماس، التي تخلّت عنها شركات كندية لدواعٍ أمنية، ما كان بمثابة صافرة إنذار لفرنسا، كي تخشى على مصالحها النفطية في غابة سانغا، التي تقع على الحدود كلّ من؛ أفريقيا الوسطى والكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وتتضمّن ثلث احتياطيات الهيدروكربون لخليج غينيا".

ويتابع آيات: "فضلاً عن التنقيب عن اليورانيوم؛ لذلك كان اندلاع العنف الأخير تكتيكاً يائساً من فرنسا لاستعادة نفوذها عبر حكومة موالية لها، في شخصية الرئيس السابق، فرانسوا بوزيزيه".

اقرأ أيضاً: 5 أسباب وراء عدد الوفيات المنخفض جراء وباء كورونا في أفريقيا

وحول الدوافع الروسية، يوضح الباحث آيات: "أرست روسيا قدمها في جنوب السودان، وعطفت ذلك بفتح قاعدة عسكرية في السودان وأفريقيا الوسطى، ذات الأهمية الجيوإستراتيجية لتحقيق الهدف الروسي، بتحقيق هيمنة متوازنة مع الهيمنة الغربية، بدءاً من خليج سرت في ليبيا، حتى خليج غينيا".

وفي سياق متصل؛ لقي ثلاثة صحفيين روس حتفهم في أفريقيا الوسطى، عام 2018، أثناء إجرائهم تحقيقاً حول نشاط "فاغنر"، ولم يخلص التحقيق بخلفيات مقتلهم إلى نتيجة حتى الآن.

وكانت شركة فيسبوك قد أغلقت عدّة صفحات مهتمة بأفريقيا الوسطى، وتموَّل من شخصيات محسوبة على الحكومتين الروسية والفرنسية.

مخاوف من تمدّد الإرهاب

هناك مخاوف من تمدّد الجماعات الإرهابية في دول الساحل، إلى أفريقيا الوسطى، مستغلة الفوضى الأمنية، والصراع بين فرنسا وروسيا.

جماعات مسلحة في أفريقيا الوسطى

 إلى جانب وجود ثروات طبيعية؛ تتنافس الجماعات المسلحة على السيطرة عليها، وهو ما يمثّل إغراءً للجماعات الإرهابية، مثل داعش، للتمدد في الدولة الهشّة، التي يعاني فيها المسلمون من تردي الحياة المعيشية.

وتبلغ نسبة المسلمين من السكان حوالي 15%، وتعرضوا إلى عمليات قتل وتهجير على يد ميليشيات مسيحية، كما تورّطت ميليشيات إسلامية في جرائم قتل بحقّ المسيحيين، وهي بيئة مهيّأة لانتشار داعش، عبر استغلال وتر المظلومية، وتوظيفها دينياً.

اقرأ أيضاً: أفريقيا بعيون أردوغان: قارة تحتاج إلى مُنقذ وأطماع كبرى

ويحذّر الباحث في الشؤون الأمنية والإستراتيجية الأفريقية، إدريس آيات، من تمدّد الجماعات الإرهابية، ويقول: "نظراً لوجود ملاذات جغرافية آمنة، وتيارات مالية غير مشروعة من مناجم المعادن النفيسة، فقد يغري ذلك كلّاً من: تنظيم القاعدة في المغرب العربي، وبوكو حرام، والدولة الإسلامية، للتمدّد في أفريقيا الوسطى، ما يؤدي إلى انزلاق الشباب في ديناميكيات العنف".

وتسبّب العنف الذي تشهده البلاد منذ عقود، في نزوح ما يصل إلى 1.5 مليون نسمة، داخل وخارج البلاد، من أصل 4.5 مليون نسمة، هم سكان البلاد، وفق بيانات الأمم المتحدة.

وتعد أفريقيا الوسطى، الغنية بالمعادن النفيسة، من أشدّ دول العالم فقراً، وتفتقر إلى الخدمات الأساسية.

وشهدت البلاد خمسة انقلابات عسكرية، منذ الاستقلال عن فرنسا، عام 1960.

الصفحة الرئيسية