الإخوان المسلمون: مفاهيم وتطبيقات تؤشر إلى الانفصال عن الأمة 2

6668
عدد القراءات

2018-06-04

يمكن ملاحظة آلاف الأمثلة والحالات العملية والتطبيقية في سلوك الإخوان المسلمين، التي تؤكد أنهم يعيشون، عملياً وشعورياً، حالة انفصال عن الأمة والأوطان، وأنّهم ينظرون إلى أنفسهم كأمة أو طائفة مستقلة ومختلفة، وفي الأردن، وهو مثال قابل للتعميم بنسب ودرجات معقولة، يمكن أن تقرأ وتسمع كلّ يوم عشرات المواقف والكتابات والتدوينات في شبكات التواصل الاجتماعي، التي تؤكد هذه المقولة؛ فالإخوان في ردّهم على خصومهم ومخالفيهم يستحضرون الأمثلة التاريخية في الصراع مع أعداء الأمة الإسلامية، الذين يتركونهم مثل "مسجد ضرار"، والخلاف بينهم وبين مخالفيهم يشبه الصراع بين المسلمين والمنافقين، وعندما يتراجعون في انتخابات عامة، يتذكرون هزيمة "أُحُد" و"حُنَيْن"، ويذكّرون أنفسهم بالآية القرآنية الكريمة: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ}، ويؤكدون دائماً، علناً أو ضمناً، أنّهم لا يعترفون بالقوانين والأنظمة السائدة، باعتبارها قوانين باطلة لم تصدر عن دولة إسلامية، وليست مستمدة من الشريعة الإسلامية، بل إنّ "أبو فارس" في كتابه "مفاهيم إسلامية" يعدّ أنها نغمة نشاز، وصوت شاذ، ومقولة غريبة من يدعو إلى تنظيم العمل الإسلامي، وفق القوانين النافذة في البلاد، ذلك أنّ الحزب الإسلامي، أو الحركة الإسلامية، أو الجماعة الإسلامية، أو غيرها من التنظيمات الإسلامية في غياب الدولة الإسلامية، يكون في مقدمة مهماتها الدعوة إلى الإسلام، والعمل لدين الله، وإقامة الشريعة الإسلامية في واقع الحياة، لا يحتاج إلى إذن من أية جهة كانت، سواء كانت سلطة تنفيذية أو قضائية.

الإخوان بردّهم على مخالفيهم يستحضرون الأمثلة التاريخية في الصراع مع أعداء الأمة!

ويتساءل مستنكراً: هل اعتناق هذا الدين ونشره يحتاج إلى إذن؟ ويستشهد هنا بقصة موسى وهارون مع فرعون، ليؤكّد مرة أخرى أنّ شرعية العمل لدين الله، والتمكين لشريعة الإسلام لتحكم الناس، مستمدة من كتاب الله، وليست من إرادة حاكم أو نظام، ويرى أنّ الآية القرآنية: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، تنصّ صراحة على أنّ العمل الإسلامي والدعوة الى الإسلام واجب شرعي، أَذِنَ أصحاب الجاه والسلطان أم لم يأذنوا، ثم يتساءل قائلاً: إنّ الإسلام جاء ليغير الأنظمة الجاهلية، فكيف يربط الدعاة عملهم لدين الله بإذن من هذه الأنظمة؟ ثم يخلص إلى كلّ جماعة إسلامية، أو تنظيم إسلامي، أو حزب إسلامي، أو حركة إسلامية، أو غير ذلك من مسميات العمل الإسلامي، تعمل لدين الله واستئناف الحياة الإسلامية، فهي مشروعة، وتستمد شرعيتها من كتاب الله وسنّة رسوله، وقد لا تكون قانونية؛ لأنّ القانون الوضعي لم يأذن لها، فعليها ألا ترضخ له، وقد يكون العمل شرعياً وقانونياً إذا جاء القانون ملبياً لإرادة الشارع الحكيم سبحانه، غير مقيد بقيود غير شرعية إرادة الدعاة وأهدافهم ووسائلهم في أعمال لإقامة الدولة الإسلامية، والأصل أن يحرص الدعاة على الشرعية الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنّة، فإن وافق القانون هذه الشرعية الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنّة، فمقبول، وإن خالفها فمرفوض، ولا يجوز الالتزام به شرعاً، والرخصة الحقيقية ليست من القوانين الوضعية، إنما هي من الشريعة الربّانية، نعم، إنّ العمل لدين الله مقرر شرعاً لا يحتاج إلى رخصة من أحد، ولا إذن من أحد.

في التناقض الفكري والمبدئي بين فلسفة الدولة والجماعة يحصل التطرف والنفاق والأزمات

في التناقض الفكري والمبدئي بين فلسفة الدولة والجماعة السرية يحصل التطرف والنفاق والأزمات الاجتماعية والسياسية، وتعود هذه الجماعات غير مؤهلة، ولا تصلح لعمل سياسي أو عام.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: مفاهيم وتطبيقات تؤشر إلى الانفصال عن الأمة 1

فما يزال مجلس الشورى في جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، يقرر لمجلس شورى حزب جبهة العمل الإسلامي، من هو الأمين العام للحزب، والذي يجري انتخابه شكلياً بحسب توصية الجماعة. كيف تحصل أحزاب وجماعات ومؤسسات في دولة على حق العمل والتشكل، وفي الوقت نفسه لا ترى بأساً بانتهاك القوانين المنظمة لهذا العمل، وترفض ولايتها على هذه المؤسسات؟ فإن كانت تقبل بهذه القوانين والتشريعات (وقد قبلت بذلك عملياً بمشاركتها في العمل العام العلني والانتخابات العامة)، فلا يجوز انتهاك هذه القوانين والاعتداء عليها؛ لأنّها تعبّر بذلك عن تناقض ونفاق وتقية مفسدة للعمل العام والانتماء والمشاركة، وإن كانت لا تؤمن بهذه القوانين، أو لا تعترف بها، فليس أقل من أن تتجنّب المؤسسات والأعمال المفترض أن تجري وفق القوانين والتشريعات النافذة.

الإخوان بشغلهم الدعوي بعيداً عن السياسة الميدانية ظلت تغلب على أدبياتهم النظرة المثالية

والحال أنّ جماعة الإخوان المسلمين في شغلها الاجتماعي والدعوي، بعيداً من السياسة الميدانية، ظلت تغلب على أدبياتها النظرة المثالية، واستلهام وتقديس تجربة عصر المدينة والخلفاء الراشدين؛ ففي عام 1980، صدر لمحمد أبو فارس، أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين في الأردن في ذلك الوقت، كتاب "النظام السياسي في الإسلام"، وكان هذا الكتاب مفروضاً على تشكيلات الجماعة، وهو في مجمله تلخيص انتقائي لكتاب "الأحكام السلطانية"، لمؤلفه أبو يعلى الفراء (القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي)، وأضاف إليه المؤلف رفضه لفكرة الانتخاب؛ لأنّ المجتمع الإسلامي يقدم قادته على نحو تلقائي طبيعي، كما اختير الخلفاء الراشدون، ثم ترشّح المؤلف للانتخابات النيابية عام 1989، وصار نائباً ومقرراً للجنة القانونية في البرلمان، رغم أنّه كان ينظر إلى الأنظمة السياسية القائمة في البلاد العربية والإسلامية، بأنها ينطبق عليها قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، ومن ثم تحرم المشاركة السياسية فيها، وما تزال الأنظمة الانتخابية الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين تمنع الترشح للانتخابات، عملاً بالحديث النبوي الذي ينهى عن طلب الولاية، وإن تساهلت الجماعة في الترشح للانتخابات العامة.

ربما تحتاج المسألة إلى وقفة فاحصة، أكثر مما هي عابرة في مقالة محدودة، ففي فهم اختلاف النظرة بين الجماعة والمجتمع واختلاف الأحكام الشرعية المطبقة في الحالتين، وما تبعها من نشوء فقه خاص يخاطب به فقط الإخوان المسلمون، يمكن ملاحظة تشكل طائفة ترى لها أحكامها وتقاليدها وفقهها الخاص بها، كما يمكن ملاحظة ذلك حتى في رسائل جامعية نوقشت في الجامعات، تلمس فيها بوضوح أنها تتضمن استنتاجات وأحكاماً فقهية تخصّ الإخوان المسلمين، وتنطبق عليهم فقط، وكأنّ ثمة خطاباً إلهياً خاصاً بهم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: