الاقتصاد السياسي للإسلام الأوروبي: كيف ارتفعت نسبة المسلمين في أوروبا؟

5812
عدد القراءات

2018-02-26

يشكّل المسلمون في البلدان الأوروبية الآن نسبة من السكان تصل الآن إلى حدود 7%، وتتراوح النسبة إلى إجمالي السكان ما بين 8.8% في فرنسا، و6.8% في النمسا، و6.3% في إنجلترا، و6.1% في ألمانيا، كما تشهد أوروبا حالياً تواجد أجيال متعاقبة من المسلمين، وصلت الآن إلى الجيل الثالث (أي أحفاد المهاجرين الأوائل الذين ولدوا هم وآباؤهم في أوروبا)، وقد أسفر هذا التواجد عن مشكلات عديدة، للمسلمين الأوروبيين، وكذلك للدول الأوروبية، ولا أحد يستطيع إنكار جانب المسؤولية الواقع على هؤلاء المسلمين عن هذه المشكلات، لكن هناك جانباً آخر، ربما يكون أكثر أهمية لمشكلات المسلمين الأوروبيين، يرجع إلى التاريخ الأوروبي نفسه، وإلى تاريخ دخول المسلمين للبلدان الأوروبية، وقد كان هذا الدخول مشروطاً بعوامل؛ اقتصادية وسياسية متشابكة؛ حيث يمكنني القول إنّ للإسلام الأوروبي اقتصاداً سياسياً خاصاً به، ولا يمكن فصل مشكلات الإسلام الأوروبي عن تاريخ استقبال أوروبا للمهاجرين المسلمين، والملابسات الاقتصادية السياسية لهذا الاستقبال، وهذا هو ما سأتناوله في هذا المقال.

كيف صارت نسبة المسلمين في أوروبا مرتفعة؟ فقدت أوروبا الملايين من سكانها في الحرب العالمية الثانية، وهبطت أعداد السكان لدرجة كبيرة، ومع الدمار الشامل الذي حلّ بمعظم البلدان الأوروبية، كانت أوروبا في حاجة إلى أيد عاملة كثيفة لإعادة البناء، وكان هذا هو السبب الأول الذي دفع دول أوروبا للسماح بهجرات كثيفة متواصلة من دول الجوار، ودول الجوار هذه ذات أغلبية مسلمة.

ازدادت أعداد المسلمين في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، وبعد  صراع رأس المال الأوروبي مع الأحزاب الاشتراكية والنقابات العمالية

وكان هناك سبب آخر قوي لسماح دول أوروبا بهجرات كثيفة من دول الجنوب "الإسلامي"، خرجت الأحزاب الاشتراكية بعد الحرب العالمية الثانية قوية وذات شعبية كبيرة، وصعدت سياسياً، وزادت قوة النقابات العمالية وقدرتها التفاوضية مع الدولة، وصارت للعامل الأوروبي مكانة غير مسبوقة؛ من حيث ارتفاع الحد الأدنى من الأجور والحقوق الاجتماعية، والتأمينات، والإعانات، وفي ظلّ هذه الظروف، لجأ رأس المال الأوروبي إلى توظيف العمالة المهاجرة، وكانت في أغلبها عمالة مسلمة، نظراً إلى أنّ العامل المهاجر غير منتظم في نقابة، ولا يتبع حزباً، ويقبل أجراً دون الحد الأدنى، ولا يحمّل من يعمل لديه أيّ أعباء تأمينية أو غيرها، كما يمكن الاستغناء عنه في أي وقت، بالتالي، فإن زيادة أعداد المسلمين في أوروبا يرجع، بصفة أساسية، إلى الشرط التاريخي السياسي الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، وإلى سياسات رأس المال الأوروبي في صراعه مع الأحزاب الاشتراكية والنقابات العمالية، وبذلك تمكّن رأس المال الأوروبي من الاستمرار في تحقيق القيمة الزائدة المطلقة؛ أي القيمة الزائدة المتحققة من زيادة استغلال العمل، بإطالة يوم العمل، والإقلال من الأجور، بفضل المسلمين المهاجرين.

كما أنّ التحوّل البنيوي، الذي حدث لتركيب الرأسمالية في منتصف القرن العشرين، المتمثل في توسّع مجال الدوران التجاري لرأس المال مقارنة بالمجال الصناعي، أدّى إلى ارتفاع الطلب على العمالة المشتغلة في الدورة التجارية لرأس المال، وهي عمالة الخدمات.

عمالة الخدمات هذه، بحسب طبيعتها، ليست عمالة ماهرة مثل؛ الأخرى المشتغلة في الإنتاج الصناعي؛ بل هي نصف ماهرة، أو غير ماهرة من الأصل، وكان العامل المهاجر من الدول الإسلامية هو الأنسب للعمل في مثل هذه الأشغال.

وبذلك احتلّ العامل المسلم مستويات أدنى من العامل الأوروبي، ولا نستطيع الحديث عن اضطهاد أوروبي للمسلمين؛ لأنّ الدول الأوروبية نفسها هي التي سمحت لهم بالهجرة في المقام الأول، وهي كذلك التي منحت كثيرين منهم حق المواطنة والجنسية، لكن نظراً إلى دخول المسلمين إلى بناء طبقي معدّ لهم سلفاً، واحتلالهم المرتبة الدنيا منه، فقد كانت أوضاعهم في البداية سيئة، لذلك فقبل أن نفكر في تضييق أوروبي مسيحي على المسلمين، يجب علينا الانتباه إلى السياق الاقتصادي الذي تواجد فيه المسلمون في أوروبا بأعداد كبيرة، فإذا كانت هناك مشكلة في أوروبا مع المسلمين، فهي، في المقام الأول، مشكلة أوروبية خالصة، ناتجة عن حاجة بلدان أوروبا إلى العمالة المهاجرة من دول الجوار الإسلامي بصفة أساسية، فالأوضاع الأوروبية هي المسؤولية عن التواجد الكثيف للمسلمين هناك.

وإنني أعتقد أنّ تاريخ دخول المسلمين لأوروبا بشروط، وأوضاع رأس المال الأوروبي وسياساته، سوف يؤثّر في مستقبلهم هناك؛ لأنّ طريقة الدخول السابق الإشارة إليها، جعلت أغلب المهاجرين المسلمين من الأقطار الإسلامية، التي تعاني الفقر الشديد، والطاردة لسكّانها، هؤلاء السكان الذين ما أن يصلوا إلى القارة الأوروبية حتى يتحوّلوا إلى متمسّكين متشدّدين بهوياتهم الدينية التقليدية، وهذا ما يمثّل عقبة أمام اندماجهم الثقافي والاجتماعي في الثقافة الأوروبية. 

إنّ جانباً كبيراً من الأزمات التي يعاني منها الإسلام المعاصر يرجع إلى فشل المجتمعات الإسلامية في اختبار الحداثة

كما لا يمكننا الحديث عن "إسلام أوروبي"، وإغفال الطبيعة النوعية للهجرات الإسلامية لأوروبا، فنسبة عالية من مسلمي ألمانيا والنمسا من الأتراك، ونسبة عالية من مسلمي فرنسا من دول المغرب العربي؛ نظراً إلى الماضي الاستعماري الفرنسي في هذه الدول، ولارتباط شعوبها ثقافياً بفرنسا، ونسبة كبيرة من مسلمي إنجلترا من باكستان وبنجلادش لنفس الأسباب، هؤلاء المهاجرون المسلمون لا يحملون الهوية الإسلامية وحسب؛ بل يحملون بجانبها بقايا من هوياتهم القومية الأصلية؛ بل إنّ هوياتهم الإسلامية ليست واحدة، فهي تتعدّد باختلاف أشكال التدين الإسلامي في العالم العربي وتركيا وجنوب شرق آسيا، ونخطئ كثيراً إذا ما وضعنا كلّ هذه الاختلافات في سلة واحدة، وتحدّثنا عن إسلام أوروبي، ربما كان الحديث عمّا يسمى "الإسلام الأوروبي" نابعاً من توجّه مزدوج لدى بعض الأوروبيين لمعاملة كلّ المهاجرين من خلال هوياتهم الدينية، بحيث تكون المشكلة هي مشكلة المسلمين في أوروبا المسيحية، ولدى بعض الإسلاميين الذين يريدون جمع كلّ مسلمي أوروبا في هوية واحدة، ومعالجة مشكلاتهم على أنّها مشكلة واحدة دينية، فالأمر أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

إذا كان على مسلمي أوروبا التعايش والاندماج هناك، فإنّ الأمر الواقع يفرض عليهم تبنّي القيم الأوروبية نفسها؛ في التسامح ومبادئ الحياة المشتركة، وهذا لا يتم إلّا بالتخلي عن كثير من التراث السلفي الذي ورثوه من بلادهم الأصلية، ومن المجتمعات الإسلامية المغلقة التي تشكلت في أوروبا، ويبدو أنّ هذا التعايش الذي سيفرض عليهم ممارسات جديدة للتدين، وفهماً مختلفاً لدينهم، يمكنه أن يغيّر من وجه الإسلام الأوروبي، وربما الإسلام نفسه في كلّ العالم.

إنّ جانباً كبيراً من الأزمات التي يعاني منها الإسلام المعاصر يرجع إلى فشل المجتمعات الإسلامية في اختبار الحداثة، لكنّ هذه الحداثة كانت، بالنسبة إلى العالم الإسلامي، آتية من خارجه، وفي الغالب مفروضة عليه سلطوياً. أما المسلمون في أوروبا، فهم في قلب الحداثة، ويعيشون وسط مكان نشأتها، بالتالي، فإنّ تجربتهم هناك مختلفة نوعياً عن تجربة اللقاء بين الحداثة والمجتمعات الإسلامية داخل العالم الإسلامي، ويمكن أن يشكّل وجود المسلمين في بلاد منشأ الحداثة فرصة تاريخية لإيجاد حلّ لأزمة الإسلام مع الحداثة.

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



عنترة.. عندما تتحول الذبابة الزرقاء إلى صقر جارح

2019-07-18

يعشق العرب السواد، وتنشدّ غرائزهم إليه، لكنهم يحتقرونه ويتعالون عليه، عصبية وعنصرية مقيتة.
عندما رأى شداد تلك الأمَة التي ساقوها مع النياق، حلت في عينه، وبدت وكأنها بدر التمام تسطع في مقلتيه، وتمنى لو أنه ظفر بها وحده، فكأنه تذكر قول الشاعر: "وفي السود معنى لو عرفت بيانه ... لما نظرت عيناك بيضاً ولا حمرا.. ليانة أعطاف وغنج لواحظ.. تعلم هاروت الكهانة والسحرا.. ولولا سواد الخال في خد أبيض.. لما عرف العشاق يوماً له قدرا.. ولولا سواد المسك ما كان غالياً.. ولولا سواد الليل لم تنظر الفجرا".

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
اختلى بها شداد في البطاح، وراودها عن نفسه فأبت، وقالت: حاشا مثلك أن يأخذ بالسفاح، فضحك من كلامها.. كانت أمَة لا سبية بيضاء عربية، يستبيحها العربان ولا يعترفون لها بولد، لكنه استجاب لها وعقد عليها قبل الدخول.
غراب العرب
ما لبث أن أخذ بغيته حتى عزف عنها، ولم يكلف نفسه عناء النظر لوليده الأسود الأدغم، أفطس المنخار، واسع المحجر، متهدل الأشداق، مكدر الأماق، صلب العظام، مفلفل الشعر، لكنه استعبده، واستخدمه في حلب الأغنام، ورعاية الإبل.

لم يخلد ذكر أعرابي في الجاهلية كما خلد عنتره حتى تمنى النبي أن يراه بعينيه على كرهه للجاهلية

شعر شداد بالعار من هذا الوليد، فلم يكن يسمح بأن يتلقى منه نظرة بنوة، وهو السيد الفارس في قومه، لكن الفتى عنترة، كان قادراً على لفت الانتباه، حينما اكتمل بنيانه، فقرر أن يقتل ذئباً في البرية، لكن ذلك لم يكن كافياً لدى أبيه وقومه.
لم يكن لأمه زبيبة حلم بأن يكون من الأسياد حينما وضعته، فجعلت من مسمى الذباب الأزرق، ذباب الخيل، اسماً له "عنترة" لكنه عندما شبّ استطاع أن يجعل من الاسم هذا، معنى مختلفاً، فبات معنى للشجاعة في القتال، والفروسية في الحرب، والصولة والجولة، والاختراق والانغماس. وسقط المعنى القديم قبل أن يولد في غياهب النسيان... فالعرب يعرفون أنّ الأسماء لا تصنع الرجال، ولكن الرجال هي التي تصنع الأسماء.
دلف إلى دنيا الوجود من رحم أمَة حبشية تدعى "زبيبة" سباها أبوه في إحدى غاراته، وكان من نكد الدهر على هذا الفتى أن جاء، شأن أمه، أسود البشرة، فكيف يسامحه الناس، وقد خيم السواد على عقولهم البدوية، وانعقدت العنصرية في نفوسهم، فكان أن سموه الخسف وعيروه، وجلعوه هدفاً لسخريتهم، وصرفه أبوه إلى رعاية الإبل، بحيث يحلب الحلاب والصر، غير مكترث به، ولا معترف بأبوته له.

اقرأ أيضاً: النثر والشعر.. التوأمان اللدودان
يقول الباحث أحمد علبي، في كتابه "ثورة العبيد في الإسلام": زبيبة في التقسيم الطبقي هي في المرتبة الدنيا، فهي ليست حرة ولا سبية موقوفة على رجل واحد ويقر لها المجتمع ويعترف بأبنائها، وإنما هي أمَة، والأمَة في ذلك الزمن لم تكن وقفاً على رجل واحد دون غيره، فهي بالتالي متاع مشاع، لأنّ سيدها قد يستخدمها في مهنة البغاء لتحصيل المال، ومن هنا ندرك على المستوى الاجتماعي، نكوص والد عنترة عن الاعتراف به بيسر، فقد نفاه شداد في البداية واستعبده، ثم اضطر على مضض الى الاعتراف به وادعائه وإلحاقه بنسبه، على عادة عرب الجاهلية في الاعتراف بأبناء الإماء إذا ظهرت النجابة عليهم، وإلا ظلوا في قيود العبودية.

صوت الضمير
شكل "شيبوب"، أخوه من أمه، صوت ضميره الداخلي، ومكنون ذاته، فكان نصيراً له، ومرآته المقعرة في الوقت ذاته.
فشيبوب كان يقرأ ما يدور في عقل الفتى وتطلعاته، لكنه كان يرى أنّ ما يرومه من حرية لن تكون كافية لتغيير نظرة القوم إليه، فسيظل كما هو العبد الأسود، الذي منحه الله قوة في الجسم، وقدرة على المقاتلة، لكنه ابن الأمة، وضيع الأخوال.

اقرأ أيضاً: فكرة المختارات تجوز في الشعر ولا تجوز في النثر
رأى شيبوب في عنترة، شاباً يحاول الانتصار لذاته، لكنه ذهب للانصهار في القبيلة، مانحاً روحه للذبّ عنها، عسى أن تعتبره نداً لساداتها، لكنها لن تفعل يوماً، وأنها ستحرمه من شرف مصاهرة عمه، الذي أحب ابنته، لكن نسبه لم يرقَ لشرف الاقتران بها.
طالما قال له شيبوب وهم في البراري: لا تكثر الشرود، فإنّ الشرود يكثر الأحلام، والأحلام تكثر الأخطاء.
حلم عنترة بأن يكون حراً يدافع عن الأحرار، إلى الحد الذي انحاز فيه لسيدة حرة تطاول عليها العبد داجي، فذهب فقتله دون أن يقصد، هكذا تحدثت كتب التاريخ، لكن هل حقاً لم يقصد عنترة قتله؟ أم لم يكن يعتبر نفسه عبداً فذهب للانتصار للأحرار على حساب العبيد؟
صائد الفرائس
لم يرض بوصف الغراب "أغربة العرب" الذي كانت تتشاءم منه العرب، فحول نفسه من غراب إلى صقر جارح صيّاد للفرائس.

عنترة استطاع أن يفرض نفسه على قومه وأن ينتزع الحرية من أبيه رغماً عنه عندما أغار الأعداء على المضارب

لم يكن للعبيد خبرة كبيرة بالحروب والغارات، لكنه نجح بذكائه الفطري، أن يضع إستراتيجية عسكرية، فقيل له: أنت أشجع العرب وأشدها؟ فأجاب: لا قيل: فبماذا شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزماً، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزماً، ولا أدخل إلا موضعاً يطير له قلب الشجاع فأثني عليه فأقتله".
لم يدخل معركة يوماً إلا إذا كان يعلم متى وكيف ينهيها، ولا يهجم في موضع إلا إذا حدد ثغرة يخرج منها، وهو الشجاع المهيب، القوي الشكيمة، إلا أنه كان يدرك، وهو قائد جيوش عبس، أنّ كل ذلك لا يكفي دون تكتيك حربي عبقري.
وبالرغم أنه كان قتّالاً شرساً، إلا أنه كان حنوناً عطوفاً، ليس في مقابلة عبلة، بل ظهر ذلك في حبه لفرسه، وإشفاقه عليه، في خضم الحرب الطاحنة، التي لا يرحم فيها البشر أنفسهم.
فعندما خرقت السهام جسد الفرس وصفه عنترة بالقول: "فازورّ من وقع القنا بلبانه.. وشكا إلي بعبرة وتحمحم.. لو كان يدري ما المحاورة اشتكى.. ولكان لو علم الكلام مكلمي".
نحيل الجسد
هذا المحارب الضروس لم يكن، كما شاءت له الأسطورة، عريض المنكبين، متورد الخدين، جهم القسمات كأنه ليل مدلهم، فإنّ شِعر عنترة يعطينا صورة رقيقة، فيها الشفافية والإنسانية، فكان نحيل الجسم، بحيث بدت العروق في ظاهر كفه، وكان أيضاً شاحب اللون كالمنصل، ومع أنه كان من طلاب الهوى، إلا أنه لم يتأنق، ولم يسع للظهور أمام ابنة عمه التي شغف بها بلباس الفتى المتطيب المصفف الشعر، فهو يتسريل بسربال بال، ويظل متبذل الهندام، مشعث الهام، إنه رجل المعارك يسعى إلى غمرات السيوف اللوامع، وهذه الملامح أثبتها عنترة لنفسه، فهو قد ترحم على حاله حين قال من قصيدة: "عجبت عبيلة من فتى متبذل.. عاري الأشاجع شاحب كالمنصل .. شعث المفارق منهج سرباله .. لم يدّهن حولاً ولم يترجل"

اقرأ أيضاً: أشهر 10 شعراء مديح في التاريخ الإسلامي
لكن هذا النحيل استطاع أن يفرض نفسه على قومه، وأن ينتزع الحرية من أبيه رغماً عنه، عندما أغار الأعداء على المضارب، وكادت القبيلة أن تهلك، لكنه رفض أن ينتفض ويهزم الأعداء، فرجاه أبوه، فأبى قائلاً: إنما أنا عبد لا يحسن إلا الحلب والصر، فخرجت من أبيه جملة تحت وقع الخوف من الفناء: كرَّ وأنت حر.. ففزع بعدها فزعة واحدة قضى فيها على العربان الغازية.
ومع أنه اقتنص حريته بالقوة، ومعاملة قومه معاملة براجماتية، إلا أنه ظل حتى قتل، كهلاً على يد الليث الرهيصي، ينافح عن قومه، حتى قيل عنه "رحم الله عنترة حمى قومه حياً وميتاً".
لم يخلد ذكر أعرابي في الجاهلية كما خلد ذلك عنتره، حتى تمنى النبي، عليه السلام، أن يراه بعينيه على كرهه للجاهلية وأهلها: "ما وُصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة".

للمشاركة:

صفقة القرن ووهم الزخم .. وخداع عناوين الصراع

2019-07-18

الصراع الفلسطيني الإسرائيلي/العربي الإسرائيلي، صراع تاريخي، وإن كان صراعاً حديثاً، وذلك بالنظر إلى العقود الطويلة التي مرت عليه، والعقود الطويلة التي ستأتي والتي تروج لها المرويات الدينية باعتباره صراع وجود لا صراع حدود، ومرتبطاً بمتون أحاديث النهايات وقصص آخر الزمان، وبغض النظر عن صدقية هذه المرويات وثبوتها وتأويلاتها، إلا أنّ الفكرة التي نريدها هنا، من توصيف هذا الصراع بالتاريخي، أنّه امتد على مساحة زمنية واسعة نبتت جذوره في نهايات القرن التاسع عشر، وامتدت إلى أن أصبح موضوعاً أو قضية دولية، ابتداء من بروز إسرائيل كدولة وشعب -بشكل ما- إلى الوجود عام 1948.

اقرأ أيضاً: الرفض الفلسطيني لصفقة القرن هل يدفع واشنطن للبحث عن قيادة بديلة؟

ولأنّ مشروع هذه المقالة يبحث في عناوين الصراع، أو عناوين الحل للصراع؛ فإنّ هذه العناوين هي بحد ذاتها ليست حلولاً بقدر ما هي شكل إطاري لصورة الصراع، كانت البدايات تعود إلى عهد المقاومة الشعبية العربية الفلسطينية الأولى، ثم الانتفاضة ثم عناوين التسويات ابتداء ربما من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 عام  1967، وهو القرار الذي صاغ لأول مرة عنوان "الأرض مقابل السلام".

المؤجل في العرف السياسي لإسرائيل كما لو أنه غير موجود طالما أنها لا تدفع كلفة سياسية أو اقتصادية أو أي شيء إزاءه

هذا القرار اعتمد على "دعوة" إسرائيل، بهذه الكلمة الرخوة، "دعوة" إسرائيل إلى الانسحاب، ليس من مشروعها الاستيطاني الاحتلالي، وإنّما من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير السابق لتاريخ القرار، بمعنى أنّ القرار صادق مضموناً على احتلال إسرائيل لأراضي ما قبل النزاع الأخير، ودعا لخروجها من ما عدا ذلك من أراضٍ فلسطينية، وبالمناسبة القرار نفسه جاء في صيغة مخادعة في عبارة "انسحاب من أراضٍ" وليس من الأراضي الفلسطينية.

من تاريخ هذا العنوان المخادع، إلى عنوان "كامب ديفيد"، تلك الاتفاقيات التي استمرت 12 يوماً، وعادت إلى العنوان الأول "قرار 242"، لتوسيعه، وتلك خدعة أخرى بإنشاء "سلطة حكم ذاتي" في الضفة وغزة، رغم أنّ الفلسطينيين أنفسهم لم يكونوا طرفاً في هذا الاتفاق، وأيضاً دون تراجع إسرائيل عن احتلالها لـ "أراضٍ" فلسطينية. لكن الشرح الحقيقي لكامب ديفيد هو اتفاقية السلام الإسرائيلية المصرية كاعتراف عربي أول بإسرائيل كدولة، فيما دعا عنوان كامبد ديفيد أيضاً إلى اتفاقيات سلام أخرى مع دول الجوار الفلسطيني.

اقرأ أيضاً: غزة.. بيضة قبان "صفقة القرن" وموقف حماس الصعب

عناوين كان يراد لها أو يشاع أنّه يراد منها أن تكون عناوين حلول، لكنها كانت عناوين تكريس وجود إسرائيل كدولة واليهود كشعب على الأرض الفلسطينية، تلا ذلك اتفاقات مدريد 1991 وأوسلو 1993، وكامب ديفيد نسخة 2000، وطابا 2001، وخيرطة الطريق وجنيف أيضاً في عام واحد 2003 ، وأنابوليس 2007، وصولاً إلى "صفقة القرن" التي تلخص الخبرة الإسرائيلية في التفاوض عبر المحطات والعناوين لم تخسر فيها إسرائيل شيئاً من وجودها واستيطانها، ولم يربح الفلسطينيون ولا العرب شيئاً من غاياتهم في تسوية شاملة وعادلة.

اقرأ أيضاً: الانقسام وصفقة القرن ليسا قدراً على الشعب الفلسطيني

قد يكون القول بأنّ "صفقة القرن" مجرد عنوان مخادع، مغامرة، لكنه يثير تساؤلات مهمة، ماذا لو لم تنجح الصفقة، ماذا يمكن لإسرائيل أن تخسر وماذا يمكن أن يربح العرب؟ بخصوص اللاجئين، إنّها قضية أو أزمة بقيت على الدوام أزمة مؤجلة، والمؤجل في العرف السياسي لإسرائيل كما لو أنّه غير موجود طالما أنّها لا تدفع كلفة سياسية أو اقتصادية أو أي شيء إزاءه.

اقرأ أيضاً: هل ستكون حماس الطرف الفلسطيني الذي سيمرر "صفقة القرن"؟

أما بخصوص حق العودة، فهو حق من ورق بالعرف السياسي الإسرائيلي أيضاً، وإسرائيل لن تخسر شيئاً ولا تخشى شيئاً فيما لو بقي يتكرر في أوراق المحادثات والاتفاقيات إلى أمد طويل. وفيما يتعلق بالدولة الفلسطينية أو حل الدولتين، فهو حل يموت ببطء، نشأ كما لو أنّه وهم يُراد له أن يكون حقيقة في وقت ما ثم يعود لطبيعته الوهمية، والقدس كعاصمة تتنازعها تلك الدولتين، تلك فكرة تكرسها القوة لا السياسة والمحادثات، القوة التي تسيطر عليها أولاً، والقوة التي نقلت السفارة الأمريكية إليها، لا السياسة التي تستطيع السير في أزقتها وحاراتها والمرور بين الجنود المدججين بالسلاح إلا على قلق.

التحولات التي أصابت عناوين الصراع لا تعني شيئاً إلا بالقدر الذي حققته لإسرائيل من فرص لتعزيز وجودها

التحولات التي أصابت عناوين الصراع من المقاومة مقابل الاحتلال، إلى الأرض مقابل السلام، إلى السلام مقابل السلام، إلى الاستثمار والمال والأعمال مقابل السلام، كما روجت له "الصفقة" التي تقول بصوت خفيض "على العرب والفلسطينيين أن يشتروا السلام بأموالهم"، هذه التحولات لا تعني شيئاً، إلا بالقدر الذي حققته أو خلقته لإسرائيل من فرص لتعزيز وجودها وتوسيع استيطانها ونمو اقتصادها وقوتها"

"صفقة القرن" ليست محكومة بنتائجها أبداً، إنها محكومة باستدامة الصراع على نحو ما، اقترح شرحاً له "جيمس زغبي" رئيس المعهد العربي الأمريكي، مستعيناً بتوصيف "هنري كيسنجر" لعمليات الصراع العربي الإسرائيلي بأنّها "خلق وهم الزخم من أجل تعويض غياب الزخم، لم يكن الهدف هو النتيجة، بل إبقاء الجميع مشاركاً في العملية".

للمشاركة:

تنوُّع خيارات الإنسان.. ماذا عن سؤال الأخلاق؟

2019-07-17

إنّ خيارات الإنسان اليوم، في الحقوق والحرية والعيش، أفضل منها في العهود السابقة. وقد يتساءل المرء: لماذا أتبنّى منظومة حقوقية قديمة يتوافر لديّ اليوم ما هو أفضل منها، رُقِيّاً وإنسانيةً، وفي كم الحقوق ونوعها؟!
العلم الحديث يفسّر الظواهر والأشياء، ويُعرّفنا بأنفسنا وبأجسادنا وبالعالم من حولنا بشكل أعمق من التفسيرات الدينية. والناس تجتمع عند الحقيقة العلمية وعلى الحرية وعلى حاجاتها المشتركة، وتختلف حول التفسير الديني داخل كل دين، وبين الأديان نفسها؛ سماوية أو وضعية. ولا شك في أنّ الفتوحات العلمية والمعرفية تسحب، يوماً بعد يوم، البساط من التفسيرات الدينية حيال العديد من المسائل، وتثير الاستفهامات حول موضوعيتها وقدرتها على الإقناع.

قبل ظهور الديانات السماوية كان للناس أنساق أخلاقية تؤدي دوراً مهماً في حياتهم تستمد مشروعيتها من التقاليد والأعراف الاجتماعية

لقد حاولتُ في كتابي "الوعي الأخلاقي دوره في الإصلاح الديني" أنْ أُقاربَ هذه المعاني من خلال بحث موضوع مهم وشائك هو الأخلاق، وتطرقتُ حينها إلى كلام من بحثوا في تجلية ذلك. فتحت فصلٍ حمل عنوان "الأخلاق والسلطة الدينية"، ناقش عادل ضاهر في كتابه "نقد الفلسفة الغربية: الأخلاق والعقل" فكرة أن يكون لسلطة غيبية من نوع معيَّن إمكانية أن تكون المصدر النهائي للمعرفة الأخلاقية. وبعد أن دلل ضاهر، في كتابه المذكور، على أنّ البحث عن مصدر سلطوي إنساني نهائي للمعرفة الأخلاقية مصيره الفشل، ناقش موقفاً انتشر بين عدد من المفكرين الدينيين في الغرب، مفاده أنّ الأخلاق تجد أساسها الإبستمولوجي الأخير في الله تعالى، لا الإنسان. ووجَّه ضاهر النظر إلى أنّ هذا الموقف ليس "متفقاً عليه من قبل جميع المفكرين الدينيين في الغرب، (حيث) إنّ أكثريتهم في الواقع تبنَّت الموقف القائل إنّ المعرفة الأخلاقية، على العموم، لا تحتاج إلى معرفة لاهوتية، وإنّ الملحد أو الوثني، بإمكانه أنْ يحصل على معرفة أخلاقية". وأشار ضاهر إلى أنّ موقفاً كهذا نجده حتى لدى القديس بولس الذي قال في رسالته إلى الرومان ما معناه: إنّ من هم خارج الإيمان المسيحي ولم يصلهم القانون الإلهي بعد، قد يتصرفون مع ذلك بفطرتهم، وفق ما يقتضيه هذا القانون. والتأويل المعقول لهذا الكلام، كما يُتابع ضاهر، هو أنّ المعرفة الأخلاقية فطرية، ولا تحتاج إلى الوحي. والقول باستقلالية المعرفة الأخلاقية عن المعرفة اللاهوتية -الوحي- هو من السمات البارزة للفكر الكاثوليكي بعامة.

اقرأ أيضاً: مفارقة المآزق الأخلاقية عند الحركات الإسلامية

وينقل ضاهر عن القديس توما الإكويني، الذي يَعدُّه المفكر الأكثر أهمية وأثراً في الفكر الكاثوليكي اللاحق، قوله: إنّ المبادئ الأساسية للأخلاق هي مبادئ واضحة بذاتها، وإنّها ترتبط بالعقل العملي (العقل الأخلاقي) مثلما ترتبط المبادئ الأولى للبرهان بالعقل التأمُّلي، وهذا يعني أنّ القديس توما الإكويني يرى أنّ المعرفة الأخلاقية مستقلة عن المعرفة اللاهوتية، فإذا كانت المبادئ الأساسية للأخلاق –كما يعلِّق ضاهر على وجهة نظر القديس توما الإكويني- بدهية وكانت معرفتنا لها، بالتالي، معرفة غير استدلالية، فإنّ هذا يعني حتماً أنّ معرفتنا لها ليست مستدَلَّة من معرفتنا للأوامر والنواهي الإلهية، أو من أي قضايا دينية أو لاهوتية أخرى جاءتنا بطريق الوحي. لكن في مقابل هذا الرأي، يرى بعض المفكرين الدينيين المعاصرين -كما يُورِد ضاهر- أنّ الأخلاق غير ممكنة من دون ميتافيزيقا؛ فالخير هو لا شيء سوى ما يكافئ عليه الله، والشر، بالتالي، هو ما يعاقب عليه، وخيرية أي شيء من الأشياء أو فعل من الأفعال نابعة منطقياً من كونه ما يريده الله منَّا، أو ما يأمرنا بفعله، وإن عدم جواز أي شيء أو أي فعل نابع منطقياً من كونه ما لا يريده منَّا الله، أو ما ينهانا الله عنه؛ فالإرادة الإلهية، وفق أولئك المفكرين، هي المعيار المطلق والنهائي للأخلاق، بمعنى أنه لا شيء خارج ما يأمرنا به الله وما ينهى عنه يمكنه أن يكون أساساً لاشتقاق الواجبات الأخلاقية.

اقرأ أيضاً: الحقيقة الدينية والأخلاقية في الفضاء العام.. أين هي من الفردانية؟
مثل هذا الموقف يتَّفق، بدرجة أو بأخرى، مع مواقف في التراث الإسلامي؛ مثل موقف أبي حامد الغزالي (1058-1111م) الذي نظَّر لهذا الموقف، وهو، في حقيقة الأمر، لُبُّ السجال الكلامي بين الأشعرية والمعتزلة.
وينبِّه ضاهر، في استعراضه لمواقف وآراء المفكرين الدينيين في الغرب تجاه مسألة الأخلاق والدين والجدل بشأن اشتقاق الأخلاق من سلطة دينية، أنّ موقف هؤلاء المفكرين الدينيين في الغرب لا يعني بالطبع أنّ الأخلاق مستحيلة من دون الدين، أو، على وجه التحديد، من دون دين سماوي كالإسلام أو المسيحية؛ فأسبقية الدين -الدين السماوي- على الأخلاق ليست أسبقية تاريخية، بناءً على هذا الموقف، بل مجرد أسبقية إبستمولوجية؛ إذ قبل ظهور الديانات السماوية، في اعتقاد دعاة هذا الموقف، كان للناس أنساق أخلاقية تؤدي دوراً مهماً في حياتهم، ولكن هذه الأنساق كانت تستمد مشروعيتها من التقاليد والأعراف الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: شارلي شابلن والأخلاق.. من المسؤول عن البشاعة من حولنا؟
ويخلص عادل ضاهر إلى تأكيد أنّ "المعرفة الخُلُقية ضرورية للمعرفة الدينية، وبالتالي لمعرفتنا أن أوامر ونواهي معينة هي أوامر ونواهي الله".
ثم ينتقل إلى مستوى أعلى من القول بأنّ "المعرفة الخُلُقية هي في أساس المعرفة الدينية، وأنّ أي محاولة لاشتقاق السابقة من الأخيرة تصبح ضرباً من المستحيل"، ليقرر ضاهر، تالياً، على إثر تفكيكه لعلاقة الأخلاق بالدين والسلطة الدينية، أنّ "المعرفة الخُلُقية، لا تستوجب المعرفة الدينية".

استقلالية المعرفة الأخلاقية لا تعني العداء مع الأخلاقية الدينية بل المقصود تجاوز الخصوصية وصولاً لمعايير غير متناقضة مع التطور الإنساني

هذا الموقف الذي يعرضه ضاهر، يقترب منه، بدرجة أو بأخرى، المفكر الإيراني، عبد الكريم سروش، وفق ما ينقل عنه فرهنك رجائي في كتابه "الإسلاموية والحداثة"؛ حيث يرى سروش أنّ المبادئ الأخلاقية "تحظى بأولوية عقلية على الدين والتديُّن والتقوى؛ وذلك لأننا نبني نظامنا القيمي قبل أنْ نخوض معترك الحياة الدينية أو أي نشاط آخر...، ونحن ليس من حقنا، مثلما ليس من واجبنا، أن نعبد إلهاً مجرداً من الأخلاق".
يفصِّل عبد الكريم سروش -الذي يعد واحداً ممن يتبنّون فكرة استقلال الأخلاق عن الدين- رؤيته، ويشرحها في هذا الإطار بقوله: إنّ "القيم والفضائل والرذائل مستقلة بذاتها عن التعاليم الدينية؛ أي إنَّ الأديان لا تُعلِّم الناس الحسن والقبح، بل وظيفتها الكشف عن أنّ هذه الأمور الحسنة محبوبة لله تعالى، وتلك الأمور مبغوضة لله تعالى، وهذا ما اكتشفه الأنبياء". ويعلِّق الكاتب السوري ياسين الحاج صالح على قول سروش بتأكيده أنّ "كلام سروش غير مقنع، لكنْ يمكن تصريفه على وجه أنَّ الله ضمانة لمكارم الأخلاق".

اقرأ أيضاً: الخوفُ ليس مصدراً للأخلاق
وفي كتابه "الفاكهة المحرمة: أخلاقيات الإنسانية" يرى بول كيرتز أنّ الأنظمة اللاهوتية للأخلاق غير قادرة على التأقلم بدقة مع الصراعات في العالم الحديث، فهي بالأساس قد ولدت ونتجت في فترة طفولة الجنس البشري، وهي بالتالي غير متطورة وذات خصوصية واضحة، ولا تنطبق الحقائق القديمة تماماً على الوقائع الجديدة في العالم الذي صار عرضة للتغيير السريع في التكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع والثقافة والسياسة.

اقرأ أيضاً: "المجتمع المعنوي": دولة الأخلاق هي الحل
قصارى القول، إن استقلالية المعرفة الأخلاقية لا تعني العداء مع الأخلاقية الدينية، أو القول بانعدام أهميتها وفوائدها، بل المقصود تجاوز الخصوصية وصولاً إلى معايير عمومية ومتسقة وغير متناقضة مع التطور الإنساني. وغرض تثبيت هذه الاستقلالية هو الحيلولة دون تحوّل الأخلاقيات الدينية إلى إكراهات لا تعبأ بحاجات الإنسان المتطورة وحريته وإرادته المستقلة وقدرته على الاختيار والتحكم بمصيره وحياته.
ومع تطور منظومة حقوق الإنسان في عالمنا، تبدو الأخلاقية الدينية موضع تساؤل وتحدٍّ، وفي أساس هذه التساؤلات سؤال الحرية والخيارات والقبول بمنطق العصر وضروراته واتجاهاته الأشدّ احتفاء بالتنوّع، وما يفرضه هذا التنوّع من حقوق، وعلاقة هذا التنوّع بالأخلاق، وهو مجال مفتوح لمزيد من السجال والنقاش.

للمشاركة:



حماس تواصل تعزيز علاقاتها مع إيران.. آخر اللقاءات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

 تواصل حركة حماس الإسلامية تعزيز علاقتها مع جمهورية إيران الإسلامية، ومع الميليشيات التابعة لها في لبنان؛ حيث التقى وفد من حركة حماس، برئاسة نائب رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية، أسامة حمدان، اليوم، المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران، حسين أمير عبد اللهيان، في مقر سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت.

وضمّ الوفد ممثل حركة حماس في لبنان، الدكتور أحمد عبد الهادي، ونائب المسؤول السياسي جهاد طه، ومسؤول العلاقات الإعلامية، عبد المجيد العوض، وفق ما نقلت وكالة "معاً" الفلسطينية.

وفد من حماس يلتقي مساعد رئيس مجلس الشورى في إيران بسفارة الجمهورية الإسلامية في بيروت

وقال بيان صادر عن حماس: إنّ "الوفد قدّم شرحاً وافياً عن الأوضاع في فلسطين، لا سيما تداعيات صفقة القرن على القضية الفلسطينية وانتقاصها من حقوق الشعب وحقّ اللاجئين الفلسطينيين بعودتهم إلى أرضهم التي هجروا منها".

وشدّد الوفد على تمسّك حركة حماس بالمقاومة لتحرير فلسطين واستعادة الحقوق.

من جهته، رحّب عبد اللهيان بوفد حماس، مجدِّداً دعم بلاده للشعب ومقاومته الباسلة، مشيداً بدور حركة حماس وفصائل المقاومة في مواجهة الاحتلال والدفاع عن مقدسات الأمة.

وفي نهاية اللقاء؛ ثمّن الجانبان العلاقة الإيجابية بينهما، وأكّدوا الاستمرار في خدمة القضية المركزية للأمة.

وكان رئيس مكتب العلاقات الدولية لحركة حماس، موسى أبو مرزوق، قد أكّد، أول من أمس، خلال زيارته لموسكو؛ أنّ "علاقات الحركة مع إيران هي بأفضل حالاتها"، قائلاً: "هناك علاقات متينة مع الجمهورية الإسلامية، ولم تنقطع إطلاقاً في أيّة مرحلة من المراحل، ولكنها بين شدّ وجذب، وهي الآن في أحسن صورها".

 

للمشاركة:

إحباط هجوم حوثي جديد في الحديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

 أحبطت القوات المشتركة، فجر اليوم، هجوماً للميليشيات الحوثية الإرهابية، شرق مدينة الحديدة.

وقال المركز الإعلامي لقوات العمالقة: إنّ "ميليشيا الحوثي شنت هجوماً على مواقع القوات المشتركة شرق مدينة الحديدة، بالتزامن مع محاولات مستميتة للميليشيا، لتحقيق أيّ اختراق أو تقدم نحو مواقع القوات المشتركة في منطقة "كيلو 16"، بمديرية الحالي جنوب الحديدة"، وفق موقع "المشهد" اليمني.

القوات المشتركة تحبط هجوماً للميليشيات الحوثية الإرهابية بالحديدة وتكبّد الحوثيين خسائر كبيرة

وبحسب المركز؛ فإنّ وحدات من القوات المشتركة، أحبطت الهجوم وكبدت الحوثيين خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

وقمعت ميليشيا الحوثي بصنعاء تجمعاً لأحد قبائل الطوق، كانوا يطالبون بالإفراج عن أمين عام حزب العمل اليمني، مختار القشيبي.

إلى ذلك، قال قيادي حوثي رفيع، أمس: إنّ "جماعته ستواصل ضرب عمق السعودية ".

جاء ذلك خلال لقاء المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، رئيس ما يسمى "المجلس السياسي الأعلى" التابع للحوثيين، مهدي المشاط، بالعاصمة اليمنية صنعاء، بحسب ما نقلت "الأناضول" عن وكالة الأنباء التابعة للجماعة الإرهابية.

مهدي المشاط يؤكد أنّ جماعة الحوثي الإرهابية ستواصل ضرب عمق المملكة العربية السعودية

وأضاف أنّه "طالما استمرت عمليات الجيش اليمني والتحالف العربي، سنستخدم كلّ متاح لضرب السعودية في عمقها، حتى إجبارها على وقف هجومها".

 وكانت ميليشيات الحوثي الإرهابية قد استهدفت، خلال الفترة الماضية، منشآت حيوية؛ كالمطارات بطائرات مسيرة، وصواريخ إيرانية المنشأ، وقتلت وأصابت العشرات من المدنيين في المملكة العربية السعودية.

 

للمشاركة:

تفاصيل مقتل الدبلوماسي التركي في كردستان وردود الأفعال..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

لقي أحد أعضاء السلك الدبلوماسي التركي المعتمدين لدى إقليم كردستان العراق مصرعه برصاص مسلحَيْن مجهولَيْن في أحد مطاعم أربيل، داخل مجمّع سكني راقٍ، وسط المدينة، وقتل مدني آخر، وأصيب ثالث بجروح.

وقال بيان لمديرية الأمن الكردي (الأسايش) في أربيل: إنّ "مسلحَيْن مجهولَيْن أطلقا النار من مسدسات كاتمة للصوت على نائب القنصل التركي داخل مطعم حقاباز، وأردياه قتيلاً في الحال، كما قُتل مدني آخر من زبائن المطعم، وأصيب آخر بجروح"، وفق ما نقلت وكالة "رويترز".

مسلحان مجهولان كانا متنكرين بزيّ جهات رسمية قتلا نائب القنصل التركي بمسدسات كاتمة للصوت

وفرض الأمن الكردي طوقاً محكماً على موقع الحادث في مجمع "إمباير"؛ الذي يضمّ مساكن عدد من كبار المسؤولين، ومنع الصحفيين من الوصول إليه، وتعهّد بالقبض على الجناة في أقرب وقت ممكن، وتقديمهم للعدالة، مديناً بشدة العملية التي وصفها بالإرهابية، فيما أصدر رئيس الدائرة الإعلامية في قوات حماية شعب كردستان الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني ديار دنيز، بياناً مقتضباً نفى فيه أيّة صلة لحزبه بعملية الاغتيال.

واستخدم منفّذا الهجوم مسدسات كاتمة، وكانا متنكرَيْن بزيّ جهات رسمية، مما سهّل عليهما التسلّل إلى داخل المطعم، الذي كان يستضيف في إحدى قاعاته اجتماعاً تجارياً لممثلي عدد من الشركات التركية مع نظرائهم في إقليم كردستان.

وتمكّن الجناة من الفرار إلى جهة مجهولة، فيما بدأت الجهات الأمنية، بمختلف اختصاصاتها، تحقيقات مكثفة بالاعتماد على صور كاميرات المراقبة في موقع الحادث، وأغلقت مداخل أربيل ومخارجها بحثاً عن القاتليْن.

وقالت دائرة الأمن في أربيل: إنّ "الهجوم أسفر أيضاً عن مقتل شخص آخر، وهو رجل كردستاني"، وأضافت أنّ "شخصاً كردستانياً آخر أصيب في الهجوم، ولاذ المهاجمان بالفرار".

وتوعّدت الرئاسة التركية بـ "الردّ المناسب" على الهجوم. فيما كتب الناطق باسم الرئاسة، إبراهيم كالين، على تويتر "سنقوم بالردّ المناسب على منفذي هذا الهجوم الجبان"، لكن دون تحديد مَن يقف وراء الهجوم، بحسب صحيفة "الشرق الأوسط".

وأكّد وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في بيان؛ أنّه أجرى على الفور اتصالات هاتفية بكل من رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحكومة، مسرور بارزاني، للتنسيق المشترك في عمليات التحقيق، مؤكّداً أنّ بلاده ستوفد فريقاً من المختصين في التحقيقات الجنائية إلى أربيل للمشاركة في عمليات التحقيق.

الرئاسة التركية تعهّدت بالردّ بالشكل المناسب على الهجوم الشنيع، وأشارت إلى بدء التدابير لضبط مرتكبيه

وتعهدت الرئاسة التركية بالردّ "بالشكل المناسب" على الهجوم الشنيع، وأشارت إلى أنّ "التدابير بدأت للعثور على مرتكبيه".

وكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عبر تويتر؛ أنّ "بلاده تواصل الاتصالات بالسلطات العراقية والمسؤولين المحليين من أجل الوصول بسرعة لمرتكبي الهجوم".

وفي إطار ردود الفعل الداخلية؛ دان الزعيم الشيعي، عمار الحكيم، رئيس تيار الحكمة الوطني العراقي، اليوم، قتل الدبلوماسي التركي، ووصفه بأنّه "اعتداء غادر"، وقال الحكيم في بيان صحفي: "نعبّر عن أسفنا البالغ إزاء نبأ مصرع نائب القنصل التركي، ومرافقيه في محافظة أربيل بسبب اعتداء غادر".

وحثّ الجهات الأمنية على "بذل قصارى جهودها لكشف ملابسات الحادث وتقديم مرتكبيه إلى العدالة".

 

 

للمشاركة:



انشقاق جديد بالإخوان.. استقالة قيادي من "النهضة" بتونس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

محسن أمين

قدم القيادي في حركة "النهضة" الإخوانية التونسية علي الشرطاني استقالته من الحزب، الجمعة، في أحدث انشقاق يضرب صفوف الحركة في ظل خلافات كبرى تعصف بها في الفترة الأخيرة.

وتأتي الاستقالة لتكون الثالثة لقيادي في الحركة خلال نحو شهرين، بعد تقديم لطفي زيتون استقالته من منصب المستشار السياسي لرئيس الحركة راشد الغنوشي في 8 يوليو/تموز، ومحمد غراد المسؤول عن العلاقات الخارجية للحركة الإخوانية في 17 يونيو/حزيران الماضي احتجاجا على سياسات الغنوشي.

ونشر الشرطاني تدوينة على صفحته بالفيسبوك، انتقد خلالها سياسة النهضة "الاستئصالية والإقصائية واللاديمقراطية التي تمارسها حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي ضد الأحرار في صفوفها".

وأضاف: "كل ذنبي أيها الأخوة الكرامة أني لست متزلفا وصاحب رأي وموقف من أجل الحركة، ويجب أن تكون ومن أجل الوطن وجهة قفصة.. ديمقراطية قيادة النهضة هي إقصاء كل صاحب صوت حر، وصاحب موقف قيادة لا تريد استمرار وجود الأحرار في صفوف الحركة".

وتابع:" لا مكان لعلي شرطاني الذي أمضى في الحركة 40 عاما بالقائمة الانتخابية وهو الحائز على 107 أصوات وكان فيها مكان لمن له 50 و60 صوتا"، في إشارة إلى الانتخابات الداخلية التي قامت بها الحركة لاختيار مرشحيها للتشريعية.

ويرى متابعون أن استقالة الشرطاني مؤشر على تصاعد التوتر داخل الحركة الإخوانية التونسية بسبب نتائج الانتخابات الداخلية التي أسفرت عن سقوط عدد من القيادات.

وكان المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة الإخوانية لطفي زيتون كتب تدوينة عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أعلن فيها استقالته من منصبه دون توضيح أسباب.

وقالت مصادر مقربة من الحركة الإخوانية التونسية: "إن علاقة زيتون بالحركة تصدعت منذ نحو عام بسبب معارضته سياسة راشد الغنوشي الذي ينفرد برأيه واحتجاجا على الأطروحات الفكرية التي يراها إخوانية".

وخلال الفترة الأخيرة، كان زيتون من أشد الرافضين لمواصلة توافق حركة النهضة مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وطالب بالإطاحة به في أكثر مرة.

وقبله بأيام قدم محمد غراد المسؤول عن العلاقات الخارجية لحركة النهضة الإخوانية استقالته بعد ضغوط مارسها رفيق عبدالسلام صهر الغنوشي لرغبته في الاستحواذ على الملف الخارجي للحركة.

وصهر الغنوشي معروف بقربه من النظام القطري باعتباره الرئيس السابق لمركز الدراسات الاستراتيجية لقناة "الجزيرة"، ويواجه اتهامات قضائية بالاستحواذ على هبة صينية تقدر بـ500 ألف دولار عندما كان وزيرا للخارجية عام 2012.

وتولى غراد العلاقات الخارجية للحركة الإخوانية منذ عام 2017 خلفا لنائب رئيس مجلس النواب عبدالفتاح مورو المعروف بانتقاداته اللاذعة لسياسة الحركة وخلافاته مع رئيسها راشد الغنوشي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

وزارة العمل اللبنانية وحرمان اللاجئ الفلسطيني من الحق في الحياة !

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

هاني حبيب

وقف الشعب اللبناني الشقيق إلى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية واحتضن كفاحه المسلح في فترة عصيبة من نضاله الوطني، وشكل موقف الحكومة اللبنانية مؤخراً من صفقة القرن وعدم المشاركة في مؤتمر ورشة البحرين، رغم كل الضغوط، دعماً للحقوق الفلسطينية ومواجهة مؤامرة التوطين التي سعى إليها مؤتمر ورشة البحرين في سياق ما يسمى بصفقة القرن. وبالنظر إلى هذا الموقف، خاصة بعدم المشاركة في مؤتمر ورشة البحرين، ذات الأبعاد الاقتصادية، فإنه لا يمكن غض النظر عن قرارات وزارة العمل اللبنانية الهادفة إلى وضع عدة إجراءات من شأنها المساهمة في تجويع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بهدف إلحاقهم بالحل الاقتصادي في سياق صفقة القرن. ولعلّ تزامن إطلاق هذه التشريعات والإجراءات ما يكشف ارتباطها بورشة البحرين ومراميها وأهدافها.
ورغم أن وزارة العمل اللبنانية، حاولت أن تشرح أسباب هذه التشريعات، إلاّ أنها في الواقع أكدت من خلال هذا الشرح على إصرارها على المضي قدماً في هذا المخطط، خاصة وأن اللاجئين الفلسطينيين لا يطالبون إلاّ بتطبيق القانون اللبناني والالتزام بقاعدة الحقوق والواجبات، إذ إن البرلمان اللبناني كان قد أصدر عام 2010 تعديلات قانونية على قانون العمل اللبناني لامس جزئياً وضع العمالة الفلسطينية في لبنان.
إن قرارات وزارة العمل الأخيرة، تخلط بين اللاجئ الفلسطيني، والعمال الوافدين أو المهاجرين غير الشرعيين، بينما نصت التعديلات البرلمانية على خصوصية العامل الفلسطيني، وبالتالي فإن "مرسوم تنظيم عمل الأجانب" لا شأن له بالعامل الفلسطيني وفقاً للقانون اللبناني وتعديلات قانون العمل التي أجراها البرلمان اللبناني قبل عشرة أعوام، علماً أنه تم تجاهل هذه التعديلات، التي لم توضع موضع التنفيذ منذ إصدارها، خاصة فيما يتعلق بصندوق الضمان الاجتماعي، وبينما تتحدث الوزارة عن امتيازات للعمالة الفلسطينية، إلاّ أنها لم تلحظ بشكل متعمد، أن التعديلات المشار إليها لم تطبق، وبالتالي ظل القانون بدون تطبيق في وقت تشير فيه وزارة العمل اللبنانية أنها تعمل على تنظيم العمالة الفلسطينية في لبنان، وواقع الأمر أن هذه الإجراءات تترافق مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية في سياق تصفية الحقوق الوطنية، خاصة في سياق تنظيم ضغوط ممنهجة على اللاجئ الفلسطيني بهدف دفعه للهجرة في سياق مؤامرة التوطين، بالتوازي مع ما دعت إليه إدارة ترامب حول "الأونروا" وضرورة تصفيتها نهائياً.
في تقريرها الأخير لعام 2019 أشارت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، إلى أن حوالى 36% من الشباب الفلسطيني يعاني من أزمة بطالة، بينما بلغت هذه النسبة الـ57%  بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ومن شأن إجراءات وزارة العمل اللبنانية الأخيرة، أن تعمل على قتل بطيء ممنهج للاجئين الفلسطينيين، بينما لا يطالب هؤلاء إلاّ بتنفيذ التعديلات التي أجراها البرلمان اللبناني قبل عشرة أعوام، وبالتالي، فإن وزارة العمل اللبنانية هي ذاتها التي تخرق القانون اللبناني، والتحرك الشعبي الفلسطيني في لبنان بإسناد من القوى الوطنية اللبنانية لمناهضة هذه الإجراءات، لتؤكد على الدعم الشعبي اللبناني للحقوق الوطنية الفلسطينية من جهة، وحق اللاجئ الفلسطيني في التظاهر السلمي من أجل نيل حقوقه التي كفلها له القانون اللبناني!

عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

التسامح.. طريق الشعوب للتقدم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

أحمد السعداوي

تنهض الأمم وترتقي بالتسامح القائم على التفاهم والتعايش.. وبإعلاء قيمة الآخر يزداد الترابط بين أفراد المجتمعات فيسودها الاستقرار والسلام، وتصل البلدان إلى أعلى درجات التقدم والرفاهية. فالتسامح نقل قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت القارة من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة.وفي أفريقيا، تعافت العديد من الدول من تجارب مريرة، وحافظت على وحدتها وشيدت نهضتها بالتسامح، وحالياً تشهد الكثير من مظاهر التقدم والازدهار، وباتت تضاهي بنظافتها شوارع العواصم الأوروبية.

«التجربة الماليزية».. الأقلية في «قلب» الأغلبية
النموذج الماليزي في التعايش بين مختلف الأجناس والأديان، يستحق الوقوف أمامه طويلاً، خاصة أنه يجسد تلاحم الأصول المختلفة دون تعصب من أغلبية ضد أقلية، ودون احتقان أقلية في وجه أغلبية.
ويتشكل سكان ماليزيا من الملاويين أهل البلد منذ القدم ونسبتهم حالياً حوالي 65% علاوة على الصينيين ونسبتهم تقترب من 20% والهنود15%، ويتعايش هذا الخليط في احترام وتقدير متبادلين تحت مظلة القانون، والصينيون والهنود جاؤوا إلى ماليزيا منذ عشرات السنين طلباً للعيش، فاستقبلهم المسلمون من سكان البلاد واستوعبوهم في المجتمع وسمحوا لهم بكل رضا ببناء معابدهم ودور عبادتهم إلى جوار مساجد أهل البلد الأصليين، ولم يجدوا غضاضة في ذلك.
وفي العاصمة كوالالمبور ترى مجموعة من المعابد البوذية الخاصة بالصينيين، وكذلك المعابد الهندوسية الخاصة بالهنود، وأشهرها معبد «كهف باتو» الشهير الذي أقيم في جبل على أطراف المدينة وسكن به الهنود الذين لم تكن لهم مساكن تؤويهم، وبنوا به دار عبادتهم على ارتفاع شاهق، ومع مرور السنين انتقل الهنود للسكن في بيوت وبقي معبد الكهف مزاراً للسياح.

ومن الشواهد الواضحة على سيادة مفهوم التسامح في ماليزيا ذات الأغلبية من المسلمين، أن بها أكبر تمثال هندوسي في العالم بالقرب من العاصمة كوالالمبور، ويزوره الهندوس من شتى بقاع الأرض، كما أن الدستور الماليزي يكفل للمواطن حق ممارسة الحريات والشعائر الدينية بسلام وتآلف، علماً بأن أحكام الشريعة الإسلامية تطبق في المحاكم الشرعية على المسلمين، أما أصحاب الديانات الأخرى، فيحتكمون إلى شرائعهم.
وينعكس تسامح الأغلبية على سيكولوجية الشباب الماليزي الذين يُشكلون قرابة 70% من إجمالي عدد السكان هناك، فالشباب الماليزي، سواء المسلم والهندوسي والسيخي والمسيحي، وغيرهم من الفئات والجماعات العرقية المتنوعة، ورث هذه الروح المتسامحة والمتعاونة، فهم يعملون معاً وبدرجة عالية من التنسيق والتوافق وهدفهم الجامع شعاره «ماليزيا الموحدة».

مانديلا.. رمز السلام
بات نيلسون مانديلا، الزعيم الأفريقي، رمزاً للتسامح والسلام في القرن العشرين لما رسخه من قيم العفو والتغاضي عن أخطاء الآخرين، بعدما قضى نحو 27 عاماً في سجون نظام الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا، ليخرج من المعتقل ويتولى رئاسة البلاد، ويرسي قيم التسامح والمصالحة التي كانت الأساس في نهضة دولة جنوب أفريقيا وتقدمها، وعمل خلال مراحل حياته على نشر ثقافة السلام، وقيم الحرية والعدالة، ليتوج ذلك بحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1993.

أوروبا.. في المقدمة
نقل مفهوم التسامح قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت قارة أوروبا من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة التي تسببت فيها هاتان الحربان.
والآن نرى القارة الأوربية في مقدمة الركب العالمي في المجالات كافة تقريباً، بعدما اعتمدت التسامح والاعتراف بأهمية تعدد الثقافات والمذاهب والأفكار كقيمة عظيمة تضمن الحياة على كوكب الأرض.

رواندا.. «مصالحة» تتجاوز «الدماء»
صنعت رواندا التي كانت ضحية حرب أهلية راح ضحيتها 800 ألف قتيل في مائة يوم، عام 1994، المستحيل واستردت عافيتها بالتسامح وإعلاء ثقافة الاعتراف بالتعددية، وصارت نموذجاً حضارياً رائعاً في القارة الأفريقية، بعد تسامح أطراف النزاع عن الكوارث التي حلت بهم خلال فترة الحرب الأهلية.
وفي سبيل الوصول إلى هذا النجاح، انتهجت رواندا أسلوباً فريداً للمصالحة يستند إلى نظام قضائي تقليدي يعرف باسم «جاكاكا»، أمكن بموجبه التعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، وبموجب هذا النظام يجتمع سكان القرية بأكملها ليشهدوا على عمليات الاعتراف وعلى صدقيتها، وتشجيع الضحية على الصفح والغفران، والاتفاق على بعض التعويضات مثل المساعدة في حراثة حقل الضحية لفترة من الوقت.

وبفضل السياسة الحكيمة وترسيخ أهمية التسامح، نجحت رواندا في تسجيل تغيير لافت نحو الأفضل لتتحول إلى قصة نجاح حقيقية، فأصبحت مركزاً اقتصادياً وتكنولوجياً في المنطقة، وتمكنت من جذب أكثر من مليون سائح عام 2014، وما كان هذا العدد ليتوافد على رواندا لولا انتشار الأمن والسلام ومظاهر الجمال في كل ربوعها، حتى أن عاصمتها كيجالي اختيرت في 2015 كأجمل مدينة أفريقية.
وحالياً تشهد رواندا كثيراً من مظاهر التقدم والازدهار، منها تضاعف دخل الفرد ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة، وتوصف الحكومة الرواندية بأنها من أكثر الحكومات كفاءة ونزاهة في أفريقيا، كما تضاهي شوارع مدينة كيجالي، بنظافتها وحسن صيانتها، معظم شوارع العواصم الأوروبية. ويصل مستوى بعض مراكز التسوق فيها نظراءها في الغرب بدرجة تدفع كثيراً من وسائل الإعلام الغربية إلى وصفها بـ«سنغافورة أفريقيا».

روسيا.. تعددت الطوائف و«الشعب واحد»
من ماليزيا إلى روسيا تلك الدولة التي تنتشر حدودها بين قارتي آسيا وأوروبا، فنجد أن 80 بالمائة من سكانها يتبعون طائفة الأرثوذكس، ويمثل المسلمون 15 بالمائة، وهناك الطوائف اليهودية، وطائفة من البوذيين، واللاما وغيرها من الطوائف الصغيرة التي تتعايش جميعاً في ظل الاحترام المتبادل وقبول الآخر.
وبسبب هذه الروح العظيمة في التآلف بين مختلف الفئات، وروح التسامح التي يشعر بها كل من يعيش في روسيا، حصل مركز التسامح واللاعنف التابع للحكومة الروسية على جائزة من منظمة اليونسكو في أكتوبر 2018، لنشاطاته الكثيرة في مجالات البحوث والبرامج التعليميّة لتعزيز الحوار بين الديانات ووجهات النظر المختلفة مع تركيز خاص على الشباب، وسيراً على هذا النهج، كشفت روسيا التي تضم 20 مليون مسلم أنها ستطلق قناة فضائية للمسلمين.

والمتابع للحالة الروسية، يمكنه مشاهدة طقوس واحتفالات أعياد الطوائف المختلفة تجرى في أجواء من السعادة والاحترام بين الجميع، ويمكن ملاحظة الجانب المعماري الفريد لدور العبادة لتلك الطوائف، حيث نجد المساجد المتأثرة بالنمط المعماري الروسي، والكنائس مختلفة الحقب التاريخية، بخلاف المعابد التي تكشف جانباً مهماً من تنوع النمط المعماري والحضاري الروسي وانفتاحه على مختلف الثقافات.
من أبرز نماذج حالة التسامح الديني في روسيا، مدينة قازان التي تحتضن دور عبادة لمختلف الطوائف الدينية، غير أن درة الشواهد على هذا الانسجام بين الجميع، هو معبد كل الأديان المشيد على شاطئ نهر الفولجا والذي يسمى أيضاً «المعبد الكوني»، الذي تم تشييده عام 1994، ويعتبر تحفة معمارية رائعة يعكسها جمال قبابه الساطعة والملونة على صفحة المياه. حيث يتكون المعبد من 16 قبة لـ16 ديانة سماوية، بما في ذلك الأديان السابقة التي لم تعد تمارس. حيث يتجاور النمط الإسلامي مع المعالم الكنسية الأرثوذكسية والكاثوليكية، وتوجت القباب بالهلال الإسلامي والصليب بالإضافة إلى نجمة داوود والقبة الصينية، وغيرها من الرموز الدينية في العالم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية