التحرش في مصر يتعدى أجساد النساء إلى قتل المدافعين عنهن

التحرش في مصر يتعدى أجساد النساء إلى قتل المدافعين عنهن
20020
عدد القراءات

2019-11-04

(#راجح_قاتل)، هاشتاج أشعل سريعاً غضب المصريين، يحكي قصة شاب دافع عن جارته ضد من تحرشوا بها، فكان جزاؤه القتل، حادث مقتل محمود البنا لم يكن الأول، ظهوره على السطح كان سبباً في تفاعل رواد السوشيال ميديا مع الواقعة.

خلصت دراسة أمريكية إلى أن 99% من العينة التي أجريت عليها الدراسة في مصر تعرضن لتحرش جنسي

جريدة "الوطن" المصرية رصدت في تقرير منشور تكرار حوادث القتل بسبب الدفاع عن فتيات تم التحرش بهن، في كانون الثاني (يناير) 2019 لقي "مكوجي" بمنطقة البساتين يدعى طه طلبة إبراهيم مصرعه، خلال دفاعه عن سيدة كان يتم التحرش بها في الشارع، الأمر الذي دفع المتحرش لتسديد طعنات له بـ"سكين" تسببت في مقتله، وفي آذار (مارس) 2019 قام 6 أشخاص بالشروع في قتل مراهق عمره 15 عاماً يدعى "عمار.م"، أثناء قيام الأخير بالتدخل لحماية 3 فتيات قام المتهمون بالتحرش بهن داخل أحد المولات، وفي حزيران (يونيو) 2018 تصدى شاب بمدينة السنبلاوين لبعض المتحرشين خلال مضايقتهم لإحدى الفتيات، وتدخل لحمايتها، وبعد مرور شهر من الواقعة، اختطف المتهمون الشاب وقتلوه بالأسلحة البيضاء، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2018 أصيب فني صيانة بمنطقة العجوزة يدعى "مهند"، بجرح نافذ نتيجة الاعتداء عليه بـ"مطواة"، إثر تدخله لمنع أحد الشباب من التحرش بسيدة، وكان جزاؤه توجيه طعنات له من قِبل المتهم شروعاً في قتله، وفي أيار (مايو) 2015 قتل شخص بعد تعرضه للطعن بمطواة من قِبل شخصين حاولا التحرش بخطيبته، وعندما تدخل دفاعاً عنها ومنع إيذائها كان "القتل" جزاءً له، وفي أيار (مايو) 2015 قتل الشاب طه مصطفى البالغ من العمر 20 عاماً عندما رأى شقيقته أثناء سيرها في الشارع، تتعرض للتحرش من قِبل شخص في منطقة المرج بالقاهرة، وعندما تصدى الشاب لحماية شقيقته، تلقى طعنات متفرقة بأنحاء جسده لقي على أثرها مصرعه على يد "المتحرش".

اقرأ أيضاً: لماذا يميل المجتمع لاختلاق الأعذار للمتحرش؟
حادثة مقتل محمود البنا التي أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر ليست الأولى، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة.
وكانت دراسة دولية صدرت في 16 تشرين الأول (أكتوبر) 2017  من قبل خبراء في مجال حقوق المرأة،  قالت إنّ العاصمة المصرية القاهرة تعد أكثر مدينة خطورة على النساء، حيث كشفت الدراسة من خلال استطلاع للرأي أنّ معاملة المرأة في العاصمة المصرية قد ساءت منذ بداية ما عرف بالربيع العربي في عام 2011. كما كشفت الدراسة أنّ القاهرة هي أكثر مدينة "عدائية" للنساء في العالم.
99% من نساء مصر تعرضن للتحرش
ونشرت جريدة "الأهرام" المصرية في العام نفسه، تصريحاً للدكتور هاني هنري، رئيس قسم علم الاجتماع والنفس بالجامعة الأمريكية في القاهرة، أشار إلى أنّ هناك دراسة أجرتها مؤسسة تمكين المرأة مع الأمم المتحدة لفتت إلى تعرض السيدات المصريات للتحرش الجنسي، وخلصت الدراسة إلى أنّ 99% من العينة التي أجريت عليها الدراسة تعرضن لتحرش جنسي مختلف الأنواع أبسطها معاكسات بسيطة وأخرى مغلظة.

تتعرض النساء المصريات لمعظم أشكال التحرش بدءاً من التصفير والمعاكسات الكلامية 67.9%، مروراً بالنظرة السيئة الفاحصة لأجسادهن 46.6%

دراسة الجامعة الأمريكية بالتعاون مع الأمم المتحدة عن التحرش في مصر ليست الأولى في ذلك المسار، فقد سبقتها دراسة نشرت عام 2009، تحت عنوان "غيوم في سماء مصر – التحرش الجنسي من المعاكسات الكلامية... حتى الاغتصاب"، أعدتها الباحثة بالمركز المصري لحقوق المرأة، رشا محمد حسن، والتي أجرتها على عينة من 2020 فرد، قسمت بالتساوي بين الذكور والإناث المصريات، كما اشتملت الدراسة على النساء الأجنبيات القادمات إلى مصر لأغراض مختلفة وكان عددهم 109 عينة.
خلصت نتائج الدراسة إلى ارتفاع نسبة تعرض جمهور البحث من المصريات والأجنبيات للتحرش الجنسي، فكانت النسبة 83%، 98% على التوالي، وأشارت إلى تعرض النساء المصريات لمعظم أشكال التحرش بدأ من التصفير والمعاكسات الكلامية 67.9%، مروراً بالنظرة السيئة الفاحصة لأجسادهم 46.6%، ثم اللمس غير اللائق لأجسادهن 40.0%، والتلفظ بألفاظ ذات مغزى جنسي 30.2%، والملاحقة والتتبع 22.8%، والمعاكسات التليفونية، وصولاً إلى كشف المتحرش لبعض أعضاء جسده 10.9%.
الروائية والمصورة آية عبد الرحمن

العنف طريق النجاة
عن تجربتها الشخصية مع التحرش تحكي الروائية والمصورة المصرية آية عبد الرحمن في تصريح لـ "حفريات": "شخصياً، عانيت كثيراً من التحرش بكل أنواعه، بالنظر واللمس والكلام والرسائل الإلكترونية، وقد لاحقني في جميع مراحل حياتي، الطفولة والمراهقة والشباب، وأنا أرتدي خماراً فحجاباً، ولاحقاً بعد التخلي عن الحجاب.. وتعاملت معه بكل الطرق الممكنة.. الملابس الواسعة، لوم المتحرش "أنا مثل أختك"، الاستغاثة بالآخرين. في النهاية كان العلاج هو المرض.. العنف؛ بعدما فشلت في تفادي الخطر أصبح العنف هو طريقتي للنجاة.. العنف اللفظي، الانتهاك المعنوي، السخرية الجارحة، ثم العنف البدني (الضرب). الملاحظة هنا أنّ استعمالي العنف جعل الناس أكثر تعاطفاً ومساندة، عندما يصير المتحرش ضحيتي أصبح أنا موضع التقدير، وهي ملاحظة مهمة تضاف إلى ملاحظةٍ مهمةٍ أخرى: تعرضي للتحرش قلَّ كثيراً بعد خلعي للحجاب، وكأنّ تلك الطرحة كانت إعلان هشاشة يغري بالاعتداء! ربما نحتاج طبيباً نفسياً يفسر لنا هذا".

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن أول معاهدة دولية بشأن العنف والتحرش في العمل؟
لم تلجأ أية عبد الرحمن في كل حوادث التحرش إلى الشرطة: "ليس بسبب منهجية بعض الشرطيين في السخرية منا، وإجبارنا على وصف ما حدث على الملأ مهما كان مخجلاً، بل لحتمية وصول المتحرش لبياناتي ومن ثم مطاردتي وتهديدي. أسلوبي الوحيد هو المواجهة الفورية، كسر المتحرش وإذلاله بطريقة تردعه عن التعرض لأخرى.. المهم أن يحدث هذا سريعاً قبل أن يتدخل الآخرون لحمايته، تهريبه، أو ضربي لأن "الست ما تضربش راجل"، وهي عبارة هوجمت بها يوماً بعدما ضربت شاباً كشف لي عضوه الذكري في المواصلات، فصفعت قائلها".

اقرأ أيضاً: فلسطينيات يتعرّضن للتحرش الرقمي.. ما السبيل لإيقاف المتحرشين الجدد؟
تضيف عبد الرحمن:"لا يولّد العنف إلا عنفاً، ولو كان المخرج الوحيد من الخطر، وأتوقع أن يستمر عنف المتحرشين ويتصاعد العنف في مواجهتهم، إلى أن يُفعَّل قانون رادع، وتهتم الدولة بملف التحرش ومناهضته. يتمتع الذكور في المجتمع بامتيازاتٍ كثيرة (بعضها يشجع النظر للأنثى كأداةٍ جنسية تبرر التحرش بها، ويرى التحرش من سمات الرجولة)، لهذا لا يقلقهم ملف التحرش، بالنسبة لهم هو وهم، أو ادعاء، أو جريمة بعيدة عنهم، بالتالي لا يجدون دافعاً للتنازل عن امتيازاتهم لحماية النساء".
غلاف كتاب مزة أنبوكس

مزة انبوكس
ارتفاع حدة التحرش بالأخص مع ظهور وسائل أخرى للتحرش مع انتشار وسائط التواصل الإجتماعي، قررت الروائية والإعلامية المصرية جهاد التابعي جمع حكاياتها مع التحرش في كتاب، صدر في القاهرة عام 2014، تقول التابعي عن الكتاب في تصريح لـ"حفريات":"مرت خمس سنوات على كتابتي لـ"مزة إنبوكس"، الكتاب الذي اعتبره فضفضة توثيقية واقعية ومعايشة لواقع التحرش الإلكتروني، وهو أقرب لتحقيق صحفي موسمي مطول، عندما بدأت في استعمال وسائل التواصل الإجتماعي كفتاة عادية وكنت أضع صوراً عادية أقل جرأة كثيراً من الآن، كانت تنهال علي الرسائل في صندوق الوارد، رسائل غزل صريح، شتائم لآرائي، عروض زواج متعة، صور لأجساد رجال عارية، وأرقام هواتف، ورسائل حب، لفترة ظننت أنّ المشكلة بي أنا، وأنّ شيئاً ما يوحي لهؤلاء بالتجرؤ علي أنا دون غيري، لكن الصدفة والغضب جعلاني ذات مرة أنشر صوره من محادثة لرجل متزوج أرسل لي:"هو أنا هبقي رجعي لو طلبت منك علاقة جنسية جادة" وأرفقها بصورته عارياً، فامتلأ صندوق الوارد مجدداً بالشتائم منه أنني فضحت رغبته في استغلالي سراً وخيانة زوجته، واللوم من رجال آخرين كيف أفشي سر زميلهم في مسيرة كفاح التحرش الإلكتروني، لكن خلال أيام وجدت مئات الرسائل من فتيات يحكين لي قصصاً مشابهة، ووجدت الكثيرين يرسلون نفس الرسائل لكل البنات وينتظرون ضربة حظ ربما ترد إحداهن".

اقرأ أيضاً: كيف وحّدت حملة "مين الفلتان" اللبنانيات على مواجهة التحرش؟
تضيف التابعي: "بدأت في سماع الحكايات من فتيات بأعمار مختلفة ونمط حياة مختلف، انشأت حساباً وهمياً لفتاة بصورة لأنجلينا جولي وأخرى محجبة، واسم مستعار، وانهالت عليها نفس الرسائل تماماً، وأنشأت حساباً آخر بصورة لعارض أزياء إسباني، وجعلت مهنته طياراً، وحصلت على أرقام هاتف ثلاث فتيات في ربع ساعة، ومئات رسائل الإعجاب من الفتيات، دونت أغلب القصص بالكتاب، لكن تظل هناك الكثير من الأسئلة ليس لها إجابات قاطعة، هل متحرش الإنترنت هو نفسه المتحرش في الشارع، أم أنّ الفئة الأكثر تحرشاً على الإنترنت هم من لا يستطيعون فعل ذلك في الحقيقة، بسبب الخجل أو الحالة الإجتماعية أو السن، هل التخفي يمنحه جرأة أكبر؟ هل شعور المتحرش أنه مختبئ خلف اسم وهمي يجعله أكثر همجية، وآمن العواقب؟".
الروائية والإعلامية جهاد التابعي

عندما يُشرْعن المجتمع التحرش
الطبيبة النفسية أميرة الأدهم تنفي وجود شيء اسمه أنّ المتحرش يجب أن يكون مريضاً نفسياً، أو أن أحدد سلوكاً معيناً من خلال عَرض أو سلوك معين لنحدد أن فلان مريض.

اقرأ أيضاً: الظهور العلنيّ للنساء.. جدل الحداثة والطبقة والتحرش!
تضيف الأدهم في تصريح لـ"حفريات": "التحرش سلوك، منتشر في المجتمع، فهي مسألة غير فردية، ومع الاتفاق الجمعي أنّ ذلك السلوك ناشز، فالمتحرش مدرك تماماً للعواقب، بالتالي هو ليس مجرد مريض، أو صاحب سيكولوجية مخالفة، هو في منتهى البساطة شخص حسب حسبته أن المجتمع لا يعاقب من يأتي ذلك السلوك، بل يضع له المجتمع مبررات، فنرى أحاديث يتم ترديدها في المجتمع تبريراً لموقف المتحرش، أنّ النساء لبسهن دافع لذلك، أو أنّ الشباب عاجز عن توفير تكاليف الزواج، ومع زيادة ترديد ذلك الكلام يحدث نوع من شرعنة لمسألة التحرش، وذلك ليس فقط على مستوى الشارع، لكن قد يكون أسوأ على مستوى استغلال السلطة، أو الجامعة، أو على مستوى العمل، أو حتى على مستوى العلاقات، فمسألة أنّ إنساناً أقدم على سلوك يؤذي من خلاله إنساناً آخر (المرأة)، فذلك لأنّ المجتمع شرعن ذلك السلوك وتسامح معه، ويصف له تبريرات بل ويتحامل على الضحية".
غيوم في فهم التحرش بالنساء
عام 2009، كتب مدير برنامج القضايا الاجتماعية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار برئاسة مجلس الوزراء المصري، الدكتور سعيد المصري، مقالاً في "الأهرام"، فند فيه دراسة "غيوم في سماء مصر – التحرش الجنسي من المعاكسات الكلامية... حتى الاغتصاب"، والتي أعدتها الباحثة بالمركز المصري لحقوق المرأة، رشا محمد حسن، قال فيه: "قد يوحي الأصل الانجليزي لتعبير التحرش الجنسي (ualHarassment‏) أننا بصدد ظاهرة جديدة على المجتمع المصري‏،‏ وهذا يخالف الواقع،‏ فالتحرش الجنسي ضد النساء ظاهرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية، وقائمة في كل مجتمع مع اختلاف صوره. وبطبيعة الحال فضحايا التحرش هم في الغالب من الضعفاء، وبالأخص النساء والأطفال‏.‏ وتزداد فرص حدوث التحرش في ظل أوضاع عدم المساواة التي يترتب عليها استغلال ضعف الضحايا بأي صورة من الصور"‏.‏

القوانين بطبيعة الحال ليست هي الحل السحري للحد من التحرش‏،‏ فالقوانين ماهي إلا أدوات مستحدثة لتحقيق الضبط الاجتماعي

يضيف المصري: "الصحيح أننا بصدد تعبير جديد على الثقافة العربية، حسب تعبير الدكتور محمد مهدي، الذي قدم أفضل تعريف ممكن للتحرش الجنسي، وهو أي قول أو فعل يحمل دلالات جنسية تجاه شخص يتأذى من ذلك ولا يرغب فيه‏.‏ والتعريف يجمع بين الرغبة الجنسية والعدوان من جانب طرف نحو طرف آخر بغير رضاه‏ (‏انتهي الاقتباس‏)‏ وحول هذا المضمون لدينا تعابير أخرى للحديث عن الظاهرة، كالمعاكسات وخدش الحياء وما يسميه القانون هتك العرض‏".‏

الطبيبة النفسية أميرة الأدهم
طرح المصري في هذا الصدد مجموعة من التحفظات يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند معالجة قضية التحرش الجنسي‏، منها، ضرورة دراسة الظاهرة‏: ‏"هناك بلاشك اجتهادات بحثية مهمة سعت بجدية إلى دراسة الظاهرة وتقديم معلومات علمية موثقة عنها، ومع ذلك فما زالت هناك فجوة معرفية تحتاج إلى بحوث متأنية لفهم هذه الظاهرة المعقدة والاجابة عن تساؤلات مهمة‏:‏ ما الذي يؤدي مثلاً إلي حدوث هذه الظاهرة وبهذا الزخم المتزايد سنة بعد أخرى؟ وهل هي عامة أم تخص فئات محددة ومناطق بعينها ومواقف وأحداثاً مصاحبة لها؟‏....‏ إلخ‏.‏ قد يقول قائل إنّ البحوث المتوافرة أجابت عن تلك الاسئلة‏، غير أنّ بعض النتائج بحاجة إلى تدقيق، وينبغي ألا تدفعنا الحماسة في الدعوة لمكافحة التحرش إلى حد اعتبار أي نتيجة بحثية تم التوصل إليها كافية للحكم على الظاهرة"‏.‏

اقرأ أيضاً: هذه الدول سنّت قوانين تعاقب المتحرشين
يشير المصري في مقاله أيضاً: "يميل الجدل المثار حول التحرش إلى المغالاة في المطالبة بمزيد من القوانين الرادعة لمن يتحرش بالنساء‏.‏ ورغم ما في هذا من انتقاد ضمني أيضاً للحكومة وتغليظ عصا التشريعات،‏ فإنّ كثرة القوانين تتحول إلى غيوم في طريق تحقيق العدالة وتزيد من اليأس في الوصول إليها، والقوانين بطبيعة الحال ليست هي الحل السحري للحد من التحرش‏،‏ فالقوانين ماهي إلا أدوات مستحدثة لتحقيق الضبط الاجتماعي‏.‏ ومن المعروف أن للضبط الاجتماعي أربعة جوانب أولها وأهمها العرف الذي يتمثل في قيم وقواعد شفهية متداولة بين الناس‏،‏ وهي التي ظلت عبر تاريخ المجتمع المصري وغيره من المجتمعات تحمي الفضيلة بين الرجل والمرأة‏.‏ والجانب الثاني للضبط يتمثل في القيم الدينية التي تدعو إلى الفضيلة، وتضع حداً فاصلاً بين الحلال والحرام في الحياة اليومية،‏ وقد أسهمت المؤسسات الدينية في حماية الفضائل بمقتضي حضورها الكثيف في عمليات التنشئة الاجتماعية‏.‏ وللضبط الاجتماعي جانب ثالث يتمثل في القوانين التي ارتبطت بسلطة الدولة المدنية‏.‏ وأخيراً هناك جانب رابع من الضبط الاجتماعي قائم في المجتمعات المتحضرة يتمثل في الذوق العام والبروتوكولات التي تفرض سطوتها على الناس في الأماكن العامة دون الحاجة لأي أعراف أو دعوات دينية أو قوانين‏.‏ وبناء على هذا الفهم لمعنى الضبط الاجتماعي يتعين أن نسأل أنفسنا‏:‏ هل التحرش موجود بالصورة الصارخة التي نتصورها في المجتمع المصري كله؟ هل يشكل ظاهرة تؤرق المجتمع الريفي والمجتمع البدوي الذي تسوده الأعراف والقيم الدينية؟ أعتقد أنّ الاجابة المنصفة تقول إنّ المجتمع المصري ككل لا يمكن أن يكون مليئاً بصور التحرش الجنسي على النحو الذي أكدته بعض البحوث والتقارير الصحفية وصور الفيديو على صفحات المدونات، بل يحدث التحرش فقط لدى فئات بعينها، وفي مواضع ومواقف ومناطق تفتقر إلى كل أدوات الضبط الاجتماعي‏،‏ أعني بذلك فقدان احترام سلطة العرف والقيم الدينية‏‏ والقوانين‏،‏ وأيضاً الذوق العام‏.‏ وهذا ما نريد أن نفهمه بهدوء دون ضجيج أو تبسيط‏".‏

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الإخوان المسلمون.. تواطؤ وتخوين للرأي الآخر

2020-06-01

واصلت منابر الإخوان المسلمين في مصر خطابات الكراهية ضد الجيش والدولة المصرية؛ ففي تعليقه على العملية الأخيرة للجيش المصري في سيناء ضد الإرهابيين، قال القيادي الإخواني هيثم أبو خليل "الداخلية بتعيد على أهالي سيناء عيدية خاصة، وتصفية وإعدام ميداني لـ 21 من المواطنين المصريين المختطفين والمختفين قسرياً"، وهو ما يعبر عن تصور مشين، وغير منطقي، يصر الإخوان على الترويج له باستمرار.

عاد الجناح الثاني للإخوان المسلمين في السودان بزعامة عادل إبراهيم إلى إطلاق التصريحات الموالية لميليشيات الوفاق

وفي سياق آخر، تداولت جماعة الإخوان، أخباراً تزعم أنّ وزارتي الداخلية والصحة ترفضان الكشف عن حقيقة ظهور حالات إصابة بفيروس كورونا في مراكز الاحتجاز الشرطية، مشيرة إلى أنّ منظمة "كوميتي فور جستس" الحقوقية، تمتلك معلومات عن أول حالتي وفاة مؤكدتين، نتيجة الاشتباه في إصابتهما بالفيروس في السجون المصرية.

ومن الجدير بالذكر أنّ "كوميتي فور جستس" ليست منظمة أمميّة، وإنّما جمعية مستقلة لحقوق الإنسان مقرها جنيف، ولا يعرف لها مصدر تمويل، وليس لديها أيّ مراسلين أو باحثين ميدانيين في مصر، بالإضافة إلى أنّ المدير التنفيذي للجمعية، هو أحمد مفرح، أحد أبرز أعضاء جماعة الإخوان المسلمين!

دعم ميليشيات الوفاق.. محاولة أخيرة للسيطرة على ليبيا

على الرغم من الدعم الخفي والمعلن لميليشيات الوفاق، من قِبل الأذرع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، كشف انسحاب الجيش الليبي التكتيكي من قاعدة الوطية اللثام عن أيديولوجيا خبيثة، من شأنها الإجهاز على مقدرات الدولة الوطنية بكل مؤسساتها، لصالح أجندة خارجية انتهازية، برعاية المحور التركي/ القطري.

اعتادت حركة مجتمع السلم منذ فترة الانحياز لسياسات أردوغان حتى لو تعارضت مع ثوابت الدولة الجزائرية

ففي مصر، أشادت جماعة الإخوان المسلمين بالتدخل العسكري التركي في ليبيا، واعترف موقع "إخوان أونلاين"، أنّ التدخل التركي نجح في تغيير المشهد على الساحة العسكرية، وإنقاذ حكومة الوفاق، ما أوقف تقدّم الجيش الليبي، مع سرد جملة من الادعاءات، بهدف الدعاية للجيش التركي، الذي نجح على حد زعم الإخوان، في تدمير 4 منظومات للدفاع الجوي تابعة للجيش الليبي، دون عرض مشاهد أو حتى بقايا لأثر هذه الهجمات التركية المزعومة، وقد تأكد أنّ الجيش الليبي الذي انسحب من الوطية، عاد بكامل معداته وعتاده العسكري دون أيّ خسائر.

اقرأ أيضاً: نائب بريطاني ينتقد تعيين الإخوانية توكل كرمان في فيسبوك.. هذا ما قاله

وفي تونس، فشل رئيس حركة النهضة الإخوانية، راشد الغنوشي، في تمالك انفعالاته بعد أحداث الوطية، وضرب عرض الحائط بالثوابت السياسية للدولة التونسية، حيث سارع رئيس مجلس النواب، يوم الثلاثاء الموافق 19 أيّار (مايو) الجاري، إلى تهنئة فايز السراج، باستعادة "الوطية"، معرباً عن ارتياحه لعودة القاعدة العسكرية القريبة من حدود تونس إلى "الشرعيّة"، على حد زعمه، وهو ما أثار نوبة من السخط في أوساط المعارضة المدنية في تونس، وتصاعدت حدة الاحتجاجات في مواجهة تحركات الغنوشي الخارجيّة، حيث أعلنت كتلة الدستوري الحر مواصلة الاعتصام بالبرلمان، مع الدخول في إضراب تدريجي عن الطعام، اعتراضاً على رفض مكتب البرلمان عقد جلسة استجواب للغنوشي.

هذا وقد حاول خليل البرعومي، المكلّف بالإعلام في حركة النهضة، تبرير ما أقدم عليه رئيس الحركة، زاعماً أنّ موقف النهضة من الأزمة في ليبيا، هو موقف الدولة التونسية، ومؤكداً أنّه من الطبيعي أن يتصل رئيس مجلس نواب الشعب، برئيس الحكومة "الشرعيّة" في ليبيا، في إطار دعم تونس لاستقرار ليبيا.

اقرأ أيضاً: تعرف إلى أشهر الشخصيات النسائية في تنظيم الإخوان المسلمين

جدير بالذكر أنّ الموقف الرسمي للدولة التونسية، والذي أعلنت عنه مؤسستا الرئاسة والجيش في أكثر من مناسبة، هو الوقوف على مسافة واحدة من كل الأطراف، ما يعني أنّ حركة النهضة باتت تعمل لصالح أطراف أخرى، بعيداً عن الخط الرسمي للمؤسسات السيادية في الدولة.

ومن تركيا، شنّ مرتزقة أردوغان من الإخوان الهاربين، حملة مكثفة للضغط على مؤسسة الرئاسة التونسية؛ فتحت عنوان: "يُراد لتونس أن تناصر حفتر، وهي لن تفعل" وجّه حمزة زوبع رسالة إلى رئيس تونس، زجّ فيها ببعض الدول، زاعماً أنّ معارضي حركة النهضة، هم حفنة من العملاء، وهو ما يُمثّل إهانة للحركة المدنية التونسية، المصطفة في مواجهة مشروع التمكين، الذي ينال من سيادة بلدهم، الذي دفع ثمناً غالياً لنيل إرادته المستقلة، وكان الأولى بزوبع أن يتحدث عن الجهة التي تستخدمه، وعن الخيانة التي يدفعها مقابلاً.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: أوهام ومناورات وعنصرية ضد المرأة.. هذه آخر أزماتهم

وفي السودان، عاد الجناح الثاني للإخوان المسلمين، بزعامة عادل إبراهيم، إلى إطلاق التصريحات الموالية لمليشيات الوفاق، واصفاً المشير خليفة حفتر بـ "مجرم الحرب".

وفي الجزائر، اعتبر المكتب التنفيذي لحركة مجتمع السلم (حمس)، الذراع السياسي للإخوان المسلمين، المنعقد يوم 18 أيّار (مايو) الجاري، أنّ ما يحدث في ليبيا له تأثير كبير على مصالح الجزائر، وأنّ الاندحار والهزائم الكبرى للجيش الليبي، المدعوم، على حدّ زعم البيان، خارج إطار القانون الدولي، من قوى خارجية وصفها بالانقلابية، هي بشائر خير يجب دعمها ومساندتها، وهو ما يعني أيضاً تجاهل سياسة الحياد التي تنتهجها الجزائر، ومحاولة توريطها في صراع خارجي، لصالح مشروع سياسي تركي / قطري، يسعى إلى تمكين الإخوان في المنطقة، للسيطرة عليها بالوكالة.

يحاول الناشط الإخواني في مجال التعليم شكيب بن مخلوف تدشين نموذج تعليمي يحمل منهج الجماعة وتسويقه في المنطقة العربية

جدير بالذكر أنّ حركة مجتمع السلم اعتادت منذ فترة، الانحياز لسياسات أردوغان، حتى لو تعارضت مع ثوابت الدولة الجزائرية، وهو ما تجلى بوضوح إبان الأزمة التي فجرها أردوغان في كانون الثاني (يناير) الماضي، حين أعلن أنّه طلب من الرئيس الجزائري وثائق تثبت عدد ضحايا الاستعمار الفرنسي من الجزائريين، وهو ما ردّ عليه رئيس وزراء الجزائر آنذاك، أحمد أويحيى، قائلاً؛ "نقول لأصدقائنا الأتراك لا تتاجروا بنا"، ما أثار امتعاض عبد الرزاق مقري، رئيس "حمس"، والذي تضامن مع الموقف التركي، وأعلن صراحة ضرورة الدفاع عن تجربة حزب العدالة والتنمية.

الإخوان يرفضون المعارضة.. ولا يقبلون النقد

في تونس، واصلت حركة النهضة الإخوانية صراعها السياسي مع المعارضة، واصفة كل من ينتقدها بالخيانة والعمالة، مع الدفاع المستميت عن تحركات الغنوشي المريبة؛ فتساءل القيادي بالنهضة، عامر العريض: "ما مصلحة تونس في حملة تقودها دول ومنظمات خارجية معروفة بعدائها للثورة التونسية وبدورها المشبوه.. أليس من العار الانخراط في حملة تشويه خارجية؟"، وقال عماد الخميري؛ "هناك دعوة مشبوهة تستهدف مؤسسات الدولة لجر البلاد إلى الفوضى"، بينما أكد  نور الدين البحيري، رئيس شورى النهضة أنّ المستهدف ليس راشد الغنوشي، وإنّما مجلس نواب الشعب، والتجربة الديمقراطية، كما قال القيادى بالنهضة رفيق عبد السلام: "من يتصور أنّ تونس لقمة سائغة، سيختطفها عبر الانقلابات وبث الفوضى، وعبر تحريك الأذرع السياسية والإعلامية، في الداخل والخارج فهو واهم". ما يعني وضع الحركات والأحزاب السياسية بين اختيارين: إمّا أن توالي أو تصبح خائناً للوطن! هذه هي الديمقراطية في تصور حركة النهضة الإخوانية.

وفي المغرب، استنكر سعد الدين العثماني، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية (المصباح)، الذراع السياسي للإخوان المسلمين، الأصوات المعارضة لحكومته، حيث أكّد يوم 22 أيّار (مايو) الماضي، أنّ المعارضة تحاول استهداف كل ما هو سياسي، في مقابل تمجيد كل ما هو غير سياسي، وأنّها - أي المعارضة - تسعى  إلى القضاء على الحياة الحزبية، والمؤسّسات السياسيّة. كما هاجم الأصوات المطالبة بحكومة وحدة وطنية.

اقرأ أيضاً: هكذا استثمر "الإخوان" بالتدين الشعبي لدى فلاحي مصر

وفي الجزائر، وصف عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم، الأقلام الصحفية التي انتقدته في الفترة الأخيرة، بالحثالة، وذلك بعد رفضها الاقتراح الذي قدمه، بتجريم استخدام أيّ لغة أجنبية في المؤسسات الحكومية.

إخوان أوروبا والتمدّد الأيديولوجي

في السويد، أكّد الناشط الإخواني في مجال التعليم، شكيب بن مخلوف، أنّه بصدد تدشين مشروع كبير لتعليم الأطفال في المغرب، بالتعاون مع السويسري هانزجورك هوبر، لافتاً إلى أنّ التكاليف الشهرية تصل إلى حوالي 40 ألف يورو، مناشداً أصحاب النوايا الحسنة تقديم الدعم، في محاولة لتدشين نموذج تعليمي يحمل منهج الجماعة، والعمل على تسويقه في المنطقة العربية.

وفي دبلن، وضع المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، صورة الداعية الإخواني يوسف القرضاوى على بطاقات التهنئة بعيد الفطر، ونفس الأمر قام به مجلس مسلمي أوروبا، في إعلان صريح عن هيمنة الإخوان ومنهجهم على المراكز الإسلامية في القارة العجوز.

يذكر أنّ القرضاوي هو مؤسس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، الذراع الديني المهيمن على المراكز الإسلامية في أوروبا.

اقرأ أيضاً: لماذا قدّم الإخوان 3 تفسيرات مختلفة لرسالة التعاليم لحسن البنا؟

وفي أوكرانيا، تواصلت محاولات منظمة الرائد الإخوانية، تجميل صورتها، حيث قامت يوم 21 أيّار (مايو) الماضي، بتوزيع آلاف الطرود الغذائية والوجبات، وتقديم مساعدات وهدايا بمناسبة عيد الفطر، وهو ما فتح الأبواب من جديد حول مصادر التمويل.

يذكر أنّ السلطات الأوكرانية تلاحق عناصر المؤسسة الإخوانية من آن لآخر، كما سبق لها تفتيش مقراته أكثر من مرة.

للمشاركة:

هل سرق حسن البنا النار من صديقه السكري؟

2020-06-01

أصاب جماعة الإخوان المسلمين العديد من حوادث الانشقاق، منذ الأعوام الأولى لتأسيسها، أواخر عشرينيات القرن الماضي، وحتى اللحظة الحالية، ومن أبرز تلك الحوادث، انشقاق وكيل جماعة الإخوان المسلمين، أحمد السكري؛ لما أثاره من جدل، وتبادل الاتهامات، وتعارض الآراء، بين مؤيد للسكري، ومعارض له، داعم لموقف الإخوان، وبين تلك الآراء المختلفة أصبح من الصعب الوصول إلى حقيقة مؤكدة.

اقرأ أيضاً: ما دور الأزهر والإخوان المسلمين في حرف مصر عن العلمانية؟

ولد السكري في المحمودية، وهو أكبر سناً من البنا، وعندما تعرف عليه من خلال عضويتهما في جمعية الإخوان الحصافية. أسسا سوياً جمعية الحصافة الخيرية، حيث كان السكري رئيسها، وحسن البنّا سكرتيراً لها، وكان هدفها، بحسب موقع ويكيبيديا الإخوان، "محاربة المنكرات والتصدي للتبشير".

بعد أن أنشأ البنا جماعة الإخوان

وبعد أن أنشأ البنا جماعة الإخوان المسلمين بالإسماعيلية عام 1928 قام بإنشاء شعبة للإخوان بالمحمودية، وصار السكري نائباً لها عام 1929.

وتذكر كتابات الإخوان أنّ السكري اختير بعد ذلك عضواً منتدباً في مكتب الإرشاد، وبعد أن انتقل السكري للقاهرة تم اختياره وكيلاً للبنا عام 1939.

ذكر السكري أسباب استقالته من الجماعة: ومنها هذا الفساد الخلقي الذي سارت به الركبان ، وتستّر عليه الأستاذ البنا

وأرجع الإخوان سبب انشقاق السكري إلى صفاته الشخصية التي ألصقوها به، منها حب الظهور والزعامة، واستغلال الدعوة في أغراض شخصية، ومساعي السكري لإدماج جماعة الإخوان بحزب الوفد؛ لكي يتسنّى للإخوان المشاركة في الانتخابات والحكم بشكل كبير، وهي مسألة رفضتها جماعة الإخوان.

غير أنّ النظر للقضية من زاوية أخرى، يغير دفة الحديث، خاصة عندما نتبنى كلام السكري، الذي يشير إلى أنه مؤسس الجماعة وليس البنّا، وأنّ البنّا استحوذ عليها ونحّاه جانباً لينفرد بإدارتها!

ماذا قال مختار نوح لـ"حفريات"؟

القيادي السابق بجماعة الإخوان المسلمين والمحامي مختار نوح، والذي تجمعه أيضاً صلة قرابة ونسب بالأستاذ أحمد السكري، قال في تصريح لـ"حفريات" إنّ السكري هو المؤسس الفعلي لجماعة الإخوان المسلمين، لافتاً إلى اعتماد البنا عليه بشكل كبير في المسائل المادية والإنفاق على الجماعة، لما كان للسكري من أملاك وأراضٍ، وانتمائه لأسرة غنية، مشيراً إلى انتمائهما للطريقة الحصافية والتي كانت منتشرة بشدة في المحمودية.

اقرأ أيضاً: 5 محن عصفت بجماعة الإخوان المسلمين

وأضاف نوح أنّ السكري هو من "أنفق على الدعوة من الألف إلى الياء"، بحسب تعبيره، وأنّ البنا بعد انتشار الدعوى وجد أنه لم يعد بحاجة إلى السكري، منوهاً إلى أنّ أدبيات جماعة الإخوان ألغت تماماً أي ذكر للسكري ودوره داخل الجماعة، وأنّ ذكره لم يرد إلا في مذكرات الدعوة والداعية للبنا، موضحاً: "الحقيقة أننا خدعنا؛ لأنّ كتب الإخوان تجاهلت السكري، واعتبرته رجلاً مارقاً".

مختار نوح: السكري هو من أنفق على الدعوة من الألف إلى الياء

وربما لم يرد ذكر السكري وقصة خلافه مع الجماعة تفصيلاً إلا في كتاب "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ"، لمؤرخ جماعة الإخوان محمود عبد الحليم. وعن صفاته كتب عبد الحليم: "والأستاذ أحمد السكري كفاءة لا شك فيها، ورجل نشأ في أحضان التصوف، وتربى في البيئة التي تربى فيها الأستاذ المرشد في المحمودية، على يد الأستاذ الشيخ محمد زهران، وترافق والأستاذ المرشد في كل عمل ديني، واجتماعي، قاما به في المحمودية".

السكري "خطيب ذو حنجرة ذهبية"

ويقول عبدالحليم في موضع آخر: "والأستاذ أحمد ذو مواهب يغبط عليها، فهو خطيب ذو حنجرة ذهبية، يخرج الكلام منها كأنها موسيقى، وذو قوام فارع، وسمت جميل، وهندام جذاب، إذا رأيت سمته واستمعت إلى حديثه أحسست أنك أمام رجل من أبناء الطبقة الأرستقراطية في ذلك العهد، ومع أنّ دراسته الرسمية لم تتعد الثانوية فإنّ ثقافته واسعة، وعقليته ناضجة، وأفقه فسيح، ولسانه قويم، وغيرته على الإسلام نابعة من قلب عامر".

 

 

وقد حاول بعض مؤرخي الإخوان الفصل بين جمعية الحصافة الخيرية التي كان رئيساً لها السكري، وجماعة الإخوان، التي عمل بها وكيلاً للجماعة، على اعتبار أنهما جماعتان وليستا جماعة واحدة، بالتالي فالسكري ليس هو المؤسس، كما ذكر في مقالاته التي نشرها بجريدة صوت الأمة بعد استقالته من الإخوان عام 1947. وزيادة على ذلك، ذكر محمود عبدالحليم فى كتابه: "ولما كان الأستاذ أحمد يكبر حسن البنا سناً، وكان حسن البنا لا يزال طالباً صغيراً في الوقت الذي كان يعمل فيه الأستاذ أحمد بالتجارة فكان طبيعياً أن يكون الأستاذ أحمد في التكوينات الإدارية لهذه الأعمال الدينية والاجتماعية رئيساً، في حين كان الطالب الصغير سكرتيراً".

رحل أحمد السكري تاركاً خلفه العديد من الأسئلة التي لا إجابة لها حول من هو المؤسس الحقيقي للجماعة

وعن تصدر السكري للمشهد في جماعة الإخوان باعتباره وكيلاً لها وتقديم البنا للسكري عليه في مقابلة الرؤساء وكبار السياسين، أوضح عبد الحليم ذلك في كتابه: "المرشد كان يقدمه في المواطن التي يعلم أنه يتطلع إلى التقدم فيها. كان يختاره سفيراً له في مقابلة العظماء من المسؤولين من رجال الدولة ورؤساء الدول العربية ورجال القصر وساسة البلاد.."، مستدركاً: "ولكنه كان كثيراً ما يحذره من الانزلاق في هاوية الافتتان بمظاهر حياتهم وما يتقلبون فيه من بذخ ورفاهية، ويذكره بأننا لسنا إلا دعاة إلى الله وحملة لشعلة الإيمان به والرجوع إليه والعمل بدينه".

غلاف كتاب "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ" لمحمود عبدالحليم

لماذا تجاهلت كتب الإخوان السكري؟

وعلى الرغم من تجاهل كتب الإخوان لأي ذكر بخصوص السكري وقصته مع الجماعة، فقد أفردت جريدة صوت الأمة المحسوبة على حزب الوفد المساحة في جريدتها حتى يكتب السكري، وبالفعل كتب السكري 24 مقالاً سرد فيها قصة تأسيس الجماعة ونشأتها وأسباب خلافه وخروجه، تحت عنوان "كيف انزلق الشيخ البنا بدعوة الإخوان؟".

اقرأ أيضاً: آليّات التّجنيد عند الإخوان المسلمين

واللافت للانتباه في تلك المقالات، أنه ذكر أنّ السبب الأول لخروجه هو صمت البنا على فضيحة أخلاقية اتهم فيها صهره عبدالحكيم عابدين، بعد أن اتهمه بعض شباب الإخوان أنه كان يتعرض لزوجاتهم، وكتب السكري في أولى مقالاته بصوت الأمة، عن أسباب استقالته من الجماعة: "والتي منها هذا الفساد الخلقي الذي سارت به الركبان ، وتستّر عليه الأستاذ البنا، وسكت عنه ورضي به بعد أن قامت الأدلة عليه واعترف هو به اعترافاً تاماً".

"المخازي الأليمة والتصرفات الشائنة"

وكان السكري حاداً جداً في هجومه على البنا وجماعة الإخوان، مما أوحى بعظيم الأزمة وحدة الشقاق بينهما، فقد ذكر في مقدمة نفس المقال:" ولقد أدمى قلب كل مسلم ما اضطررت لنشره من المخازي الأليمة والتصرفات الشائنة، التي لم يكن ليخطر على بال إنسان أن يمثل دورها رجل نصّب نفسه للدعوة الإسلامية الكريمة"، مضيفاً:"ولقد ذكرت في بياناتي السابقة أني ما اضطررت لخوض هذه المعركة إلا بدافعين خطيرين؛ الأول: أنّ الرجل الذي تعاون معي وتعاونت معه في نشر هذه المبادئ الكريمة والنضال عنها حتى الموت، هو الذي تنكر لها، وغره متاع الحياة الدنيا وزخرفها، وانزلق في السياسة وانخدع بزيف أهلها، ثم تنكر لي لا لشيء إلا إلحاحي عليه بالنصح، ومحاولتي تقويم ما اعوجّ وإصلاح ما فسد.... والثاني: إنّ هذه الدعوة ومن يعمل تحت لوائها أمانة في أعناقنا سنسأل عنها يوم يقوم الناس لرب العالمين، فأصبح لزاماً عليّ أنّ أوضح للجميع حقيقة ما يجري فيها الآن".

حاول بعض مؤرخي الإخوان الفصل بين جمعية الحصافة التي كان يرأسها السكري وجماعة الإخوان

توفي السكري في آذار (مارس) 1991، بعد أن حاول تأسيس جماعة أخرى على نفس نهج الإخوان الذي آمن به، لكنها لم تستمر طويلاً، ورحل تاركاً خلفه العديد من الأسئلة التي لا إجابة لها، بين، من هو المؤسس الحقيقي للجماعة، وهل سرق البنا جهد صديقه السكري، وما حقيقة اتهامه للبنا في مقالاته المنشورة بصوت الأمة، بأنه حاد عن الطريق، وأنه أصبح لعبة في أيدي الساسة والإنجليز، بأتمر بأمرهم، ويعمل على مطالبهم، وهي أسئلة مهمة؛ لأن الطرح المنشور في المقالات جاء من الصديق التاريخي للبنا، وشريكه في خطواته الأولى، والرجل الثاني في التنظيم لأعوام!

للمشاركة:

نزعة الاغتراب عند الحركة الإسلامية

2020-06-01

مع اليقظة المتأخرة للعالم الإسلامي شعر مفكرو الإحياء، في أواخر القرن التاسع عشر، بالأسى والفجيعة بإزاء التدهور الإسلامي مقارنة بالعصور الأولى المجيدة التي تحقق فيها إنجاز المسلمين العظيم، وبات الشعور بالهوة التي تفصل تحقق الإسلام ومجده وبين التراجع الشامل الذي يحيا فيه المسلمون مهيمناً وشاملاً.

اقرأ أيضاً: الحركة الإسلامية السودانية وضريبة الانفصال عن الواقع
كان رد الفعل التلقائي على هذا الشعور هو العودة الذهنية والروحية إلى عصر النبي الكريم وصحبه؛ بغية تمثله والعيش على هداه، ومن ثَمّ الانسحاب الكلي أو الجزئي من التاريخ ومن العصر الذي يحمل سمت التراجع الإسلامي، وأعطت المقولة المنسوبة للنبي "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً" مسوغاً مثالياً لكل آمال العودة وأشكال الاغتراب؛ لذا لن يكون اتهام الأصوليين بالتعلق بالفترة الذهبية للإسلام مجدياً دون فهم أسباب ودوافع العودة.
زمن "لكع بن لكع"
يتنبأ الأثر المنسوب للنبي "إن الإسلام ليزأر إلى المدينة كما تزأر الحية إلى جحرها" بانتهاء مسيرة الإسلام الحافلة إلى التناثر والتراجع شيئاً فشيئاً إلى منطلقه ومبدأه في المدينة المنورة. وسواء كان الأثر صحيحاً أو موضوعاً، فإنّ الأحداث التاريخية الجسام جعلت عامة المسلمين يعتقدون أنّ الإسلام يتراجع وأنهم يتقدمون نحو الأسوأ.

وكان أفضل من عبّر عن مضمون تلك القناعات هو الإمام محمد عبده، حين خاطب معاصريه قائلاً: "اختلت الشؤون وفسدت الملكات والظنون وساءت أعمال الناس، وضلت عقائدهم، وخَوَتْ عباداتهم من روح الإخلاص، فوثب بعضهم على بعض بالشر، وغالت أكثرهم أغوال الفقر، فتضعضعت القوة، واختُرق السياج وضاعت البيضة، وانقلبت العزة ذلة والهداية ضلة، وساكنتم الحاجة، وألفتكم الضرورة، ولا تزالون تألمون مما نزل بكم وبالناس، فهلّا نبهكم ذلك إلى البحث في أسباب ما كان سلفكم عليه، ثم علل ما صرتم إليه وصار الناس إليه" فأجابوه قائلين، كما ورد في كتاب الإسلام دين المدنية والعلم، "ذلك ليس إلينا ولا فرضه الله علينا، وإنما هو للحكام ينظرون فيه ويبحثون عن وسائل تلافيه، فإن لم يفعلوا فذلك آخر الزمان، وقد ورد في الأخبار ما يدل على أنه (آخر الزمان) كائن لا محالة، وأنّ الإسلام لا بد أن يُرفع من الأرض، ولا تقوم القيامة إلا على لكع بن لكع".

اقرأ أيضاً: حظر الحركة الإسلامية بنيجيريا يكبح جماح إيران في أفريقيا
ولعل مقولة الإمام، حين سأل عند عودته من أوروبا ماذا وجدت؟: "وجدتُ إسلاماً ولم أجد مسلمين، ووجدت هنا مسلمين ولم أجد إسلاماً" دالة على إحساسه بانعدام تجسيد المسلمين المعاصرين لحقيقة الإسلام، وبالهوة الواسعة التي تفصل بين المثال الإسلامي وبين الوجود الواقعي لمعتنقيه.
عاش الإسلام غريباً
يشير المفكر العربي فهمي جدعان في كتابه أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث إلى أنه منذ بدايات التاريخ الإسلامي شعر المسلمون بالاضطراب العنيف بعد أن دفعت حركة الإسلام الاجتماعية إلى الصدارة بالشعور الفاجع بالهوة العميقة التي تفصل بين "حقيقة الإسلام" من جهة و"تاريخه" من جهة أخرى؛ فبرحيل الخليفة الرابع علي بن أبي طالب دخل الإسلام في عصر جديد تماماً اختفت فيه "الخلافة الراشدة" ليحل محلها الملك الكسروي الذي أدانه الإسلام منذ البداية.

والحديث المنسوب للنبي القائل: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" يُلمّح بأن الإسلام لا يمضي في اتجاه التحقق والازدهار، بل يمضي إلى غربته، لكن إذا صحت نسبته إلى النبي فلم يجرؤ مسلم على أن يشهره في تلك المرحلة؛ ففي قرن النبي نفسه قُتل عُمر وعثمان وعلي وبنوه الحسن والحسين وضُربت الكعبة بالمنجنيق؛ كان على التاريخ أن يمضي، وعلى الأوضاع الاجتماعية أن تزداد سوءاً، كي يشعر مسلمٌ بأنه بحاجة لحقبة يمكن تصعيدها كمثالٍ أعلى، بعد أن نزع كل تناقضاتها، ابتعدت بما فيه الكفاية ليعاد تشكيلها في الوعي كـ"خير القرون".

هيمن الاعتقاد بأنّ أزمة الأمة الإسلامية كامنة في غياب مشروعية الأنظمة التي تسلب الإسلام سلطة الحكم

ويتقصى جدعان تجليات الشعور بتقهقر الإسلام وغربته بالترادف مع الإحساس العام بالفجيعة والخلل، وهو شعور لم يقتصر على المسلمين المحدثين فقط، بل يمتد ليشمل من كانوا، في ظن المحدثين، عاشوا في عصور المجد الإسلامي؛ فأبو حامد الغزالي الذي عاش في القرن الخامس الهجري امتلك شعوراً حاداً بالانكفاء عن عصر النبي والتراجع عنه دينياً ودنيوياً، لكنه لا يسلّم بالتدهور الشامل للإسلام ولا بتقدمه نحو الأسوأ، لكنه يحصر هذا الانحطاط داخل العصر الواحد.
وبالنسبة إليه فإنه عند نهاية كل قرن يصل دين الأمة إلى حالة من الوهن توجب عملية تجديد وإحياء، ويستند في ذلك إلى الحديث المنسوب إلى النبي "يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة دينها".
وصولاً إلى القرن الثالث الهجري كان خيط الإحباط والشعور بـ"وهن الإسلام" متأججاً؛ فالجاحظ في رسالة في النابتة قدّم نظرية في التاريخ مشتقة من الأحداث السياسية يخيم على بنيتها العامة روح التشاؤم إزاء "التقهقر" وإن كان بحكم نزعته الاعتزالية يبعث فيها في النهاية روح الأمل والنضال.

يقرر الجاحظ أنّ الإسلام في (القرن الثالث الهجري) انتهى إلى مرحلة "الكفر والتمرد على الله" بعد مرحلتين: الأولى يَسِمُها "التوحيد" وهي عصر النبي بكل فضائله وشمائله، حين كان الدين نقياً منزهاً خالص التوحيد، وكانت جماعة المسلمين موحدة ومتضامنة، والثانية: مرحلة الكارثة والتي افتتحها مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان على مرأى ومسمع من الصحابة، وكرسها مقتل الإمام علي واعتلاء معاوية سدة الحكم وخلفه ممن دشنوا "عصر الفجور" في الإسلام.
ويميز الجاحظ "عصر الكفر" في الإسلام بظهور "النابتة" (مرادف للدعوة السلفية في عصرنا) الذين لم يكتفوا بالسكوت على مظالم الدولة الأموية، وإنما راحوا يسوّغون أعمالها ويكفرون من يتصدى لها بالثورة أو النقد والمعارضة.

اقرأ أيضاً: الحركة الإسلامية وثمانون عاماً من العنف

وتظهر آثار نزعته العقلانية في رفضه تعليل التقهقر بحتمية إلهية تتحكم في التاريخ والبشر، ويؤكد بدلاً من ذلك أنّ مَن وراء تلك الشرور التي عرفها الإسلام منذ القرن الأول من الهجرة هم بنو أمية، وبعد الإشارة إلى الفاعل الواقعي يستند على المبدأ الخامس من الاعتزال (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ليدعو الناس إلى رفض البغي والإطاحة به وعلى عدم الوقوف مكتوفي الأيدي أمام ممارسات "النابتة" واجتثاث شوكتهم وتخليص المجتمع منهم.
غرباء في الجهة الخاطئة
في محاكمة قتلة رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب المصري في 15 أيار 1993 وقف شاب يدعى محمد النجار ينشد قصيدة "غرباء" لسيد قطب ويردد خلفه كورس من أمراء جماعة الجهاد المتهمين باغتيال المحجوب، جسدت هذه اللحظة التاريخية ذروة صعود الصحوة الإسلامية في مصر وقمة اغترابها في الآن نفسه.
"غرباء" الذي رفعته الصحوة كشعارٍ لما بعد النكسة كان تكثيفاً وجودياً بصيغة جمالية لهذا الشعور بالاغتراب، اغتراب "عصبة المؤمنين" في عالم لم يعد يظله الإسلام واغتراب الإسلام في واقع الحداثة التي دُشنت على أنقاض الوعي الديني.

قبل أن ينشد النجار قصيدته، بصوته المعجون بالشجن والذي جعل أحمد نبيل الهلالي -الشيوعي- يبكي من التأثر، كان حسن البنا قد رأى، منذ 60 عاماً، في الإسلام أيديولوجيا سياسية بقدر ما هو دين، وقاد أتباعه نحو قطيعة مع التقاليد التي ترسخت على مدار قرون، وفي خطوة غير مسبوقة، وإن كانت ثقافوية ومغلوطة، رد البنا كل علامات "التدهور الإسلامي" إلى غياب الدولة التي تجعل من الإسلام أساس شرعيتها، وهذا ما دفعه لرفع شعار "الإسلام دين ودولة".
اجتهد البنا، كما يقول أوليفيه روا في كتابه تجربة الإسلام السياسي في تعريف الإسلام كنظام سياسي بالدرجة الأولى، وذلك على ضوء أبرز أيديولوجيات القرن العشرين، إلا أنه أضفى طابع الشرعية على هذا التجديد بخطاب حول "العودة": العودة إلى النصوص وإلى الإلهام الأصلي للجماعة المسلمة الأولى.

اجتهد البنا، كما يقول أوليفيه روا في كتابه "تجربة الإسلام السياسي" في تعريف الإسلام كنظام سياسي بالدرجة الأولى

حوصر البنا في منطق الواقع وحقائقه؛ فلكي يتمكن المسلم المعاصر من الارتقاء إلى الفضيلة لا بد من وجود مجتمع سياسي إسلامي (مجتمع مسلم بلغة البنا) لكن لن يستطيع مثل هذا المجتمع أن يكون فاعلاً إلا عبر "فضيلة" القادة، وهم لن يخرجوا إلا من مجتمع مسلم، وهكذا لجأ البنا إلى اختصار السياسة في "التبشير الأخلاقي"، الذي سيتأثر به جسد المجتمع لا محالة، لكن المجتمع سيفلت من غطائه الهش، أي إنّ البنا كان يمهد منذ الثلاثينيات إلى إخفاق تاريخي لدعوته وحركته التي تحظى بإمكانية الوصول إلى السلطة لكنها محرومة من غايتها: ابتكار مجتمع جديد.
هيمن الاعتقاد بأنّ أزمة الأمة الإسلامية كامنة في غياب مشروعية الأنظمة التي تسلب الإسلام سلطة الحكم على مجمل الحركة الإسلامية، وعليه كان "الإسلام هو الحل" وكانت مظاهر التحلل من القيم الإسلامية بادية في كل المجتمعات الإسلامية فعلاً، فخلص الإسلاميون إلى أنّ السبب في التراجع غياب الإسلام والإجابة عن الأزمة كامنة حصراً في عودته.
حوصر الأفق الإسلامي بمجمله في المعضلة: إضافة عنصر الإسلام الغائب إلى بقية عناصر المعادلة القائمة في المجتمع ليست كفيلة بتغيير المعادلة، ولم يكن هناك من يعي تلك الحقيقة الصلبة والقاسية مثل سيد قطب؛ فالمشكلة في الأمة نفسها ويجب استبدالها بأمة على "مسطرة" الرعيل المسلم الأول، لكن جذرية قطب تعني ببساطة الانسلاخ عن المجتمع وإدانته وتكفيره والتمترس في جزيرة مؤمنة غريبة عنه: حلت غربة المؤمنين محل غربة الإسلام.
لم يكن لحلٍ طوباوي لهذا أن يسود في الممارسات الإسلاموية إلا على حساب شعبية الحركة الإسلامية وحصار نفسها، فكانت العودة حتمية إلى "قفص البنا": إضافة عنصر الإسلام إلى مجمل المعادلة، ومع كل مرة تتهيأ الإسلاموية لجني ثمار العمل يطل "الإخفاق التاريخي" برأسه، ففي دولة متراجعة حضارياً مثل مصر كان الحل الإسلامي هو: التراجع زائد الشريعة، بنية المجتمع القائم زائد الأجندة الأخلاقوية، هيكل الدولة نفسه زائد واجهة إسلامية، ومن ثمّ تلوين الوضع عوضاً عن تغييره. كان الإخفاق مُضاعِفاً لإحساس القواعد الإسلامية بالغربة وفي الخلفية كان نشيد "غرباء" ملائماً ولئيماً.

للمشاركة:



إلى متى ستبقى أزمة أطفال تنظيم داعش تراوح مكانها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

تواصل الدول الغربية رفضها استعادة أبناء أعضاء تنظيم داعش من الأصول الأوروبية، في الوقت الذي يقبع فيه حوالي 900 طفل منهم في معسكرات اعتقال مليئة بالمرض في شمال شرق سوريا.

نيويورك تايمز: الدول الغربية تواصل رفضها استعادة أبناء أعضاء تنظيم داعش من الأصول الأوروبية

ولفتت صحيفة "نيويورك تايمز"، إلى أنه في الشهر الماضي، عندما كانت فتاة فرنسية تبلغ من العمر 7 أعوام على وشك الموت إذا لم تتلق رعاية طبية عاجلة، أرسلت فرنسا طائرة طبية نقلتها إلى باريس لتلقي العلاج، تاركة وراءها والدتها، وشقيقين وأخت.

وكانت إعادة الفتاة، هي الاستثناء النادر، لكنها دليل على قدرة البلدان على إعادة أطفالها عندما تريد، وفقاً للمدافعين على حقوق الإنسان.

وقالت الباحثة البارزة في مكافحة الإرهاب في "هيومن رايتس ووتش" ليتا تايلر: "عندما يتعلق الأمر بردود حكومات مثل فرنسا التي تتحدث عن حقوق الإنسان، أخرجت طفلة واحدة، فلماذا لا تأخذ الأسرة بأكملها؟".

وترى جماعات حقوق الإنسان أنّ ترك الأطفال في سوريا يهدد صحتهم العقلية والجسدية ويخاطر بتلقينهم أيديولوجيا تنظيم داعش، التي يتم اتباعها على نطاق واسع في المخيمات ويمكن أن تخلق جيلاً جديداً من الجهاديين العنيفين.

ويفتقر الأطفال إلى التعليم والرعاية الصحية الكافية، وغالباً ما يكون هناك نقص في الغذاء والمياه النظيفة، وتتفشى الأمراض المعدية وتقتل العشرات في الشهر، كما تتزايد المخاوف من الإصابة بفيروس كورونا، ولكن لم يتم تأكيد أي حالات لعدم وجود اختبارات، وفقاً لمجموعة الأزمات الدولية.

وبحسب الصحيفة الأمريكية، يعيش بعض الأطفال في المخيمات منذ أعوام، وتوفي 9 منهم، على الأقل، من أبوين أوروبيين لأسباب يمكن الوقاية منها خلال الفترة الماضية، وهناك بعض البلدان استرجعت أطفالها، فقد أعادت روسيا وكوسوفو وتركيا وأوزبكستان وكازاخستان أكثر من 100 امرأة وطفل لكل منهم، لكن معظم الحكومات الغربية كانت مترددة في ذلك، مشيرة إلى عقبات مثل صعوبة تأكيد الأبوة، وخطر إرسال دبلوماسيين إلى منطقة حرب وعدم الرغبة في فصل الأطفال عن أمهاتهم.

جماعات حقوق الإنسان: ترك أطفال داعش يهدد صحتهم العقلية والجسدية ويخاطر بتلقينهم أيديولوجيا التنظيم

وكان تنظيم داعش عندما استولى على أرض واسعة في العراق وسوريا في عام 2014، معلناً أنّها "خلافة إسلامية"، تدفق عشرات الآلاف من أتباعه من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك العديد من الغربيين الذين أحضروا معهم أطفالًا أو أنجبوا بعد ذلك.

وتم اعتقال أولئك الذين نجوا من الحملة العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة ضد التنظيم الذي انتهى قبل أكثر من عام، وتم حبس الرجال في السجون المؤقتة والنساء والأطفال في المخيمات.

وبينما تثير إعادة البالغين إلى وطنهم أسئلة صعبة حول مدى إدانتهم وخطورتهم، قامت شبكة من النشطاء والمحامين والأقارب في أوروبا وأمريكا الشمالية بالضغط على الحكومات لإعادة الأطفال إلى منازلهم، بحجة أنهم لم يختاروا الذهاب إلى سوريا ويجب عليهم ألا يحملوا ذنب آبائهم.

وعلى الرغم من الصعوبات، أعادت 20 دولة بعض الأطفال إلى الوطن، كما أفاد مسؤول في الخارجية الأمريكية أن واشنطن كذلك أعادت 15 طفلاً لكنه لم يذكر عدد الأطفال المتبقين.

ودعت القوات الكردية التي تدير المخيمات إلى إعادة جميع الأجانب إلى بلادهم، بحجة أنهم لا يستطيعون احتجازهم إلى أجل غير مسمّى في منطقة غير مستقرة، لكن الحكومة الفرنسية تعتبر النساء اللواتي انضممن إلى "الدولة الإسلامية" مقاتلات يجب محاكمتهن حيث ارتكبن جرائمهن المزعومة، أي في سوريا أو العراق.

للمشاركة:

ما حقيقة استعادة الجيش الليبي مدينة الأصابعة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

استعادت وحدات تابعة للجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر صباح اليوم مدينة الأصابعة في الجبل الغربي.

هذا وأعلن المتحدث باسم القيادة العامة للجيش أحمد المسماري، اليوم، استعادة قوات الجيش السيطرة على مدينة الأصابعة غربي ليبيا وطردت العصابات الإجرامية منها.

وقال المسماري، في تصريحات متلفزة لـ "قناة سكاي نيوز عربية"، إنّ الجيش الليبي دخل منطقة الأصابعة بعد ضربات جوية دقيقة على قوات الوفاق المدعومة بالمرتزقة والأتراك، مشيراً إلى أنّ قوات الوفاق بدأت في الانسحاب من غريان بعد هزيمتها بالأصابعة.

نشطاء وإعلاميون ينشرون عدداً من الصور والفيديوهات لوحدات الجيش بعد دخولها مدينة الأصابعة

وأكد المسماري، أنّ هدف الجيش الليبي هو القضاء على الإرهاب وإنهاء التدخل التركي في ليبيا، لافتاً في سياق آخر إلى أنّ كل محاولات الوفاق بالدخول إلى ترهونة باءت بالفشل.

هذا ونقلت شبكة "روسيا اليوم" عن مصادر محلية بأنّ الطائرات التابعة للقيادة العامة، استهدفت، أمس، مواقع لقوات الوفاق داخل مدينة الأصابعة، مشيرة إلى سعي وحدات موالية للجيش للعودة إلى مناطق من الجبل الغربي.

وتداول نشطاء وإعلاميون عبر مواقع التواصل الاجتماعي عدداً من الصور والفيديوهات لوحدات الجيش بعد دخولها مدينة الأصابعة وفرار ميليشات الوفاق منها والمرتزقة.

بالمقابل، شنّت عدد من الطائرات التركية المسيرة غارات جوية على تمركزات الجيش في الأصابعة بالجبل الغربي، وتمكن الدفاعات الأرضية من صدها، وفق ما أوردت صحيفة بوابة أفريقيا.

وكانت قوات حكومة الوفاق الوطني قد سيطرت على مدينة الأصابعة في 21 أيار (مايو) الماضي في إطار هجوم واسع، استولت خلاله على عدة مدن في غرب البلاد.

في سياق متصل، طالبت شعبة الإعلام الحربي التابعة للقوات المسلحة، الإعلاميين والنشطاء بعدم نشر تحركات الجيش وتمركزاته، لأنهم بذلك سيعرضون الوحدات للاستهداف من قبل ميليشيات الوفاق ومرتزقة أردوغان، مشدداً على ضرورة التوقف الفوري عن نشر أي أخبار أو معلومات تخص العمليات العسكرية .

للمشاركة:

تركيا تواصل دعم ميليشيات الوفاق.. هذا ما كشفه موقع رادارات إيطالي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

تواصل تركيا إمداد ميليشيات طرابلس التابعة لحكومة فايز السراج، بالعتاد العسكري والمقاتلين؛ فقد  كشف موقع الرادارات الإيطالي "إيتا ميل رادار" عن توجّه طائرتين تابعتين لسلاح الجو التركي إلى ليبيا، ما يضيف دليلاً جديداً على الدعم العسكري التركي لهذه الميليشيات.

وقال الموقع المتخصص في تتبع مسارات رحلات الطائرات العسكرية، إنّ الطائرتين من طراز "لوكهيد سي 130 إي"، حطت إحداها في مدينة مصراتة غربي البلاد، بينما لم يتم الكشف عن وجهة الطائرة الثانية.

كشف موقع رادارات إيطالي عن توجّه طائرتين تابعتين لسلاح الجو التركي إلى ليبيا، حطت إحداها في مدينة مصراتة غربي البلاد

ومن المعروف أنّ تركيا ترسل دعماً كبيراً لحكومة فايز السراج في الغرب الليبي، بما في ذلك أسلحة وطائرات من دون طيار، فضلاً عن تجنيد آلاف المرتزقة للقتال في صفوف الميليشيات المتطرفة التابعة لحكومة طرابلس؛ إذ كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ تركيا أرسلت ما يزيد عن 11 ألفاً من المرتزقة من الفصائل السورية  إلى طرابلس خلال الأشهر القليلة الماضية.

وأوضح المرصد، أنّ أنقرة جنّدت مجموعات كبيرة من المرتزقة المنتمين في الغالب لعدة فصائل وتنظيمات، مثل؛ الجيش الوطني السوري، المؤتمر من قبل تركيا، وعناصر من تنظيم "داعش"، وهيئة تحرير الشام، بالإضافة لمقاتلين متشددين آخرين، نقلت منهم 11200 مقاتل إلى الأراضي الليبية.

يذكر أنّ حصيلة قتلى مرتزقة الحكومة التركية من المقاتلين من الفصائل السورية في ليبيا قد بلغت 339 شخصاً حتى الآن، بينهم 20 طفلاً دون سن الـ 18 عاماً، كما قَتل العديد من قادة المجموعات ضمن فصائل لواء المعتصم وفرقة السلطان مراد ولواء صقور الشمال والحمزات وسليمان شاه.

وفي سياق متصل، استعاد الجيش الوطني الليبي، اليوم الإثنين، السيطرة على مدينة الأصابعة بالجبل الغربي غربي البلاد؛ فقد أظهرت مقاطع فيديو منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي دخول قوات الجيش الوطني الليبي إلى مدينة الأصابعة واحتفال الأهالي باستعادة سيطرة الجيش عليها.

للمشاركة:



عن المشهد الليبي والموقف الأممي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

إميل أمين

ما الذي يجري على الأراضي الليبيّة في الأسابيع الأخيرة؟ هل هو فصل جديد من فصول المؤامرة الدوليّة كما يؤمن البعض أم أنه تطوُّر طبيعي لحالة تجمع ما بين التخاذل الأمميّ والانشغال الكونيّ، لا سيّما بسبب الجائحة الكبرى كوفيد-19؟

غالبًا الجواب هو مزيج من الأمرين معًا، لا سيّما وأن الجرح الليبيّ مفتوح في الجسد العربيّ والمتوسّطي منذ عقد تقريبًا، ومن غير طبيب نطاسي قادر على أن يصف الدواء، رغم سهولة تشخيص الداء.

داء ليبيا الأكبر يتمثّل في أجندة صُنّاع ورُعاة الإرهاب الأصوليّ الذي طُرِدَ في يونيو 2013 من الباب المصريّ، وها هم يحاولون من جديد القفز مرّة أخرى إلى المنطقة عبر الشبَّاك الليبيّ، علّهم يدركون ما قد فاتهم، ويعيدون تكرار المشهد من غير أن يصل إلى أسماعهم ما قاله كارل ماركس ذات مرّة من أن التاريخ لا يعيد نفسه ذلك أنه لو فعلها لأضحى في المرة الأولى مأساة وفي الثانية ملهاة.

عدّة أسئلة تستحقّ التوقّف أمامها والتفكّر في إجابات شافية وافيه لها، تبدأ من عند الأمل الضائع في أن يلتئم شمل الليبيّين على كلمة سواء، وهل فات الميعاد؟

أغلب الظنّ أن الجواب نعم، لا فائدة تُرجَى من توحيد جهود الليبيّين، وهذه حقيقة صادمة، فالشقاق والفراق بينهما ليس أيديولوجيًّا  يقبل فلسفة المؤامرات، بل صراع مع رؤى ذات ملمح وملمس دوجمائيّ، ولو منحولاً، وهي الحقيقة التي يعرفها القاصي والداني، يرى أصحابه أنّهم يملكون الحقيقة المطلقة، ويحتكمون على سلطة المنح والمنع الإلهيّة، وهذه هي الكارثة وليست الحادثة.

هل ترك صُنّاع الإرهاب الأصليّون المشهدَ الليبيّ على هذا النحو عمدًا ليجدوا لهم موطئ قدم لإكمال سيناريوهات قائمة وقادمة منذ أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؟

مؤكد أن في الأمر سرًّا، وإن كان مكشوفًا من الجميع ، سرَّ جماعات الإسلام السياسيّ التي يتمّ التلاعب بها من قِبَل كيانات دوليّة منذ خمسينات القرن العشرين وحتى الساعة، وهذه قضيّة أخرى، وإن كانت موصولة بالصراع الدائر على الأراضي الليبيّة.

قبل بضعة أيّام تحدّث وزير خارجية فرنسا "جان إيف لودريان" عن تحوّل ليبيا إلى سوريا أخرى، ومحذِّرًا من التدهور السريع للأوضاع هناك، وبما يفيد نشوء وارتقاء مستنقع آخر على شاطئ المتوسط، قريب من أوربا من جهة، ويمثّل نقطة انطلاق كارثيّة في الجسد الأفريقي من جهة ثانية، والسؤال: لماذا؟ وما العمل؟

باختصار غير مخلّ، تنحو ليبيا اليوم لأن تصبح أرض معارك بالوكالة بين الشرق والغرب، وكأننا نعود من جديد إلى زمن الحرب الباردة، ومن غير المصدّق أن يعيد النظر إلى صور الأقمار الاصطناعية الأمريكية للطائرات الروسية المتقدّمة  على الأراضي الليبيّة، أو ما تقول إنها كذلك، وهو أمر يسير على الأمريكيّين تحديده حتى ولو أزال الروس العلامات الخاصّة بهم من عليها.

هل هذا ما قصده "لودريان" بقوله إن ليبيا مستنق سوريّ آخر؟

في واقع الأمر نحن أمام ثلاثة مشاهد متّصلة بالمأساة السيزيفيّة الليبيّة، التركيّ، والأوربيّ، والأمريكي، أما المشهد الروسي فله وضعه الخاصّ.

تركيا، باختصار غير مخلّ، تعيش مرحلة الأوهام الإمبراطوريّ، وتحاول إحياء إمبراطوريّتها الظلاميّة الغابرة، وهو ما أخفقتْ فيه في سوريا ، ولا يزال يصر الأغا الموتور على تنفيذه في ليبيا، لا سيّما وأنه بالقرب من أراضيها هناك جائزة كبرى من النفط والغاز، يريد العثمانلي أن يبسط هيمنته عليها.

يعزف أردوغان الذي تشير التقارير الطبية إلى أنه يعاني من حالة صرع من جراء مرض خبيث في المعدة، في مراحله الأخيرة، على أوتار الخلافة الإسلاميّة، وليتها كانت الخلافة الرشيدة، بل خلافة القاعدة وداعش، وبقيّة عرائس المسرح التي تحرّكها القوى الماورائيّة، وتجعل منها أبطالاً من كارتون على مسرح دامٍ يدفع الليبيّون ثمن العرض صباح مساء كلّ يوم من دمائهم وثروات بلادهم.

المثير في المشهد أنه يجري على مرأى ومسمع من أوربّا، تلك التي باتت عجوزًا جدًّا إلى الدرجة التي يبدو معها وكأن أردوغان يبتزّها ومن غير مقدرة على أن تدافع عن مصالحها، بل إن بعض دولها مثل إيطاليا التي تدعم الوفاق والسرّاج، تتغاضى عن الإرهابيّين الذي حطّوا برحالهم من سوريا إليها مباشرة ليعيثوا فيها فسادًا.

هل باتت أوربا عاجزة عن لَجْم أردوغان أم أنّها تلعب على الحبلين، الأمر الذي يمكن أن يؤدّي في نهاية الأمر إلى خسائر محقّقة لها، وبخاصة إذا استمرّ التوسُّع الإرهابيّ التركيّ على الاراضي الليبيّة.

البُعد الثالث هو الموقف الأمريكيّ، والذي يصيب المتابع المحقِّق والمدقّق بصداع كبير في الرأس من جرّاء التغيُّرات والتقلبات، فلم نعد ندري مع أيّ صفٍّ واشنطن  ، وهل رأي البيت الأبيض هو نفس توجّه الخارجيّة، وما إذا كان الاثنان يتّسقان مع رؤى جنرالات البنتاجون أم أنه لا توجد رؤية أمريكية من الأصل؟

الشاهد أنّ صور الطائرات الروسية الأخيرة تبين لنا أن هناك في الداخل الأمريكي مَنْ يرفض أن تكون لروسيا سيطرة أو سطوة، وهذا ما يمكن للمرء أن يتفهّمه في ضوء التنافس الجيوسياسيّ على الأرض بشكل واضح.

أما الغير مفهوم فهو موقف أو مواقف على الأصح واشنطن من دعم الوفاق كلّما اقترب المشير حفتر من الإطباق على الإرهاب في الغرب الليبيّ، وكأنهم يريدون أن لا يخرج من المعركة فائزٌ أو مهزوم، وأن يظلّ المشهد على هذا النحو مرّة وإلى أن تتحقّق أغراض غير مرئيّة.

روسيا التي قبلت المهانة حين تدخَّلَ الناتو لإسقاط القذافي وخسرت الكثير من نقاط ارتكازها على المتوسط، من الواضح أنها لن تسمح بتكرار الخطأ، ولديها حساباتها الكبرى.

السؤال الآن: أين العالم العربيّ؟

مؤكّد أن هناك بقيّة باقية من إرادة عربية قادرة على استنقاذ ليبيا والليبيّين، ومن غير رهانات خاسرة على أطراف أمميّة كل منها يسعى إلى  تحقيق مصالحه من غير مراعاة لصالح ليبيا أو الليبيّين.

في بعض الأحايين تكون هناك حاجة لمبضع جرّاح ماهر وبصورة سريعة لإنقاذ حياة المريض، وربّما تسبّبت كورونا في تأخير عمليّة الإنقاذ، لكنّ الطرح يجب أن يكون نصب أعين العرب.

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

تمرد وعصيان بصفوف مرتزقة أردوغان في ليبيا.. وتجنيد للأطفال مقابل 3 آلاف دولار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

تسود حالة من الفوضى والعصيان في صفوف مرتزقة أردوغان من الفصائل السورية الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا منذ عدة أشهر، بسبب الأوضاع الصعبة التي يعيشونها، وعدم إيفاء تركيا بالمغريات التي ادعت تقديمها في البداية، فضلاً عن سقوط عدد كبير من القتلى والمصابين منهم، بحسب "المرصد السوري لحقوق الانسان".

وقدر المرصد أن الأعداد الحالية للمرتزقة الذين تم إرسالهم من قبل تركيا إلى ليبيا بنحو 11,200 عنصرا.

وكشفت مصادر المرصد السوري أن الحكومة التركية تلجأ إلى استغلال الفقر المدقع للشعب السوري، لاسيما مع انهيار سعر الليرة السورية مقابل الارتفاع الشديد في أسعار السلع الغذائية وتدهور الاقتصاد بشكل عام، لإرسال المقاتلين إلى طرابلس للقتال إلى جانب حكومة الوفاق.

تجنيد الأطفال

وكشف المرصد عن ارتفاع نسبة "تجنيد الأطفال" من قبل الفصائل الموالية لأنقرة وإرسالهم للقتال في ليبيا، مشيرا الى أن هؤلاء الأطفال يذهبون من إدلب وريف حلب الشمالي إلى عفرين بحجة العمل هناك، وبعضهم يذهب دون علم ذويه، ليتم تجنيدهم بعفرين من قِبل الفصائل الموالية لتركيا، وترسلهم إلى ليبيا، من خلال إصدار وثائق هوية مزورة لهؤلاء الأطفال بمعلومات كاذبة عن تاريخ ومكان ميلادهم.

وأكد شهود عيّان في منطقة درع الفرات أن قيادات المعارضة تجّند الأطفال السوريين مقابل 3 آلاف دولار، ومن ثم يتم تدريبهم على حمل واستخدام السلاح في معسكرات تدريب مخصصة للأطفال والمراهقين تديرها فصائل المعارضة.

المرصد السوري رصد تفاصيل حادثة جرت مع طفل لم يتجاوز الـ 15 من عمره، حيث أقدم الطفل على ترك مخيم النازحين الذي يقطن فيه برفقة عائلته، والذهاب إلى عفرين للعمل في مجال الزراعة، وبقي على اتصال مع ذويه لنحو 20 يوماً، بعد ذلك انقطع الاتصال به وتفاجئ أهل الطفل بظهوره بأحد الأشرطة المصورة وهو يقاتل إلى جانب الفصائل السورية في ليبيا.

عصيان وتمرد

وظهرت مؤخرًا حالة من العصيان والتمرد بين جماعات المرتزقة وتصاعد الرفض لعمليات التجنيد بين السوريين لأسباب عدة، منها الخسائر الفادحة التي تكبدها عناصر المرتزقة في محاور القتال في مواجهة الجيش الوطني الليبي، عدم صرف مستحقاتهم المالية بالرغم من الوعود التركية لهم بصرفها على أكمل وجه وبشكل دوري، عملية الخداع التركي التي تعرضوا لها وقت تجنيدهم في سوريا والأكاذيب التي اختلقها الجانب التركي لإقناعهم بما في ذلك زعم مواجهة القوات الروسية في ليبيا والثأر منها، وكذا القتال بجانب القوات التركية، بحسب المرصد.

عن "الحرة"

للمشاركة:

مساع إخوانية لتوسيع دائرة الصراع بجر المقاومة اليمنية للمواجهة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

كشفت مصادر سياسية يمنية عن محاولات يقوم بها تنظيم الإخوان في اليمن لتوسيع دائرة صراعه ضد المجلس الانتقالي الجنوبي من خلال حملة إعلامية منظمة تروّج لمشاركة المقاومة المشتركة بالساحل الغربي في المواجهات التي تشهدها محافظة أبين شرقي عدن بين قوات الحكومة اليمنية المدعومة من الإخوان والقوات التابعة للمجلس الانتقالي.

وقالت المصادر إن إعلام الإخوان يهدف إلى تبرير فشله في حسم معركة أبين والتقدم نحو عدن، عبر الحديث عن مشاركة قوات المقاومة المشتركة التي تضم ثلاثة فصائل رئيسية، هي المقاومة الوطنية وقوات العمالقة والمقاومة التهامية، إضافة إلى خلق مبررات لجر هذه القوات إلى مماحكات سياسية وإعلامية تمهد لاستهدافها عسكريا.

وفي رد على الأخبار التي تسرّبها وسائل إعلامية تابعة لإخوان اليمن حول انخراط المقاومة المشتركة في مواجهات أبين، نفت قيادة القوات اليمنية المشتركة في الساحل الغربي في بيان لها، السبت، مشاركتها في الأحداث التي تجري بالمحافظات الجنوبية.

اضغط لقراءة البيان

ووصف البيان التسريبات التي تتهم المقاومة المشتركة بالمشاركة في تلك المواجهات بأنها “كذب وبهتان”، داعيا جميع المكونات اليمنية إلى “استشعار مسؤولياتها في هذه المرحلة الخطيرة”، وتنفيذ اتفاق الرياض “كحل مُرض للجميع، وبما يفوّت الفرصة على أعداء الشعب الذين يحاولون العبث بأمن واستقرار المنطقة”.

وأكد بيان المقاومة على ضرورة توحد كل القوى في مواجهة الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران “باعتبارها العدو الأوحد لليمنيين والأمة العربية”.

وثمّن البيان الجهود الكبيرة التي يبذلها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة للتطبيق العملي لاتفاق الرياض.

واعتبرت مصادر “العرب” محاولات الزج بالمقاومة المشتركة في دوامة الصراعات التي يختلقها تيار قطر داخل الحكومة اليمنية، جزءا من سياسة خلط الأوراق وإرباك المشهد اليمني وإضعاف كل القوى والتيارات المناوئة للمشروعين الإيراني والتركي في اليمن.

وكانت “العرب” قد نقلت عن مصادر يمنية في وقت سابق تحذيرها من مساعي الإخوان لنقل التوترات إلى الجبهات المتماسكة في مواجهة الحوثي والرافضة للتدخل التركي والقطري في اليمن، وهو الأمر الذي تمثل في مواجهات أبين التي استهدفت المجلس الانتقالي الجنوبي في أعقاب سيطرة الحوثيين على مناطق شاسعة في شمال اليمن في الجوف ونهم.

كما كشفت المصادر عن تصاعد نشاط إعلامي وعسكري تموّله الدوحة لاستهداف المقاومة الوطنية بقيادة العميد طارق صالح الذي أكد رفضه الانخراط في أي معركة سوى معركة تحرير اليمن من الميليشيات الحوثية.

وشهدت الآونة الأخيرة تصعيدا لافتا للحملة الإعلامية الموجهة ضد تلك القوات في سياق مخطط لتفكيكها وإضعافها بوصفها إحدى القوى الصاعدة المشاركة في التصدّي للأطماع الإيرانية والتركية في اليمن على حد سواء.

المعركة مستمرة ضد الحوثيين
ولفتت مصادر مطلعة إلى أن المعسكرات التي تمولها قطر في محافظة تعز بقيادة الإخواني حمود المخلافي، والبيانات السياسية والإعلامية التي تعمل على شيطنة قوات المقاومة المشتركة تندرج في إطار مخطط لاستهداف تلك القوات عسكريا وجرها لمواجهات داخلية بالتنسيق بين أدوات الدوحة في حزب الإصلاح والحوثيين.

وأكدت المصادر المواكبة للأوضاع في الساحل الغربي ومحافظة الحديدة إحباط قوات المقاومة المشتركة في الساحل الغربي للعديد من التحركات التي كانت تستهدف استقطاب قيادات اجتماعية وعسكرية لتوجيهها نحو فتح صراعات جانبية مع تلك القوات، إضافة إلى الإيعاز لضباط في بعض فصائل المقاومة للاحتكاك بفصائل أخرى بهدف خلق فتنة داخلية.

وكان حزب الإصلاح قد دشن حملته ضد قوات المقاومة المشتركة من خلال بيان منسوب لما يسمى “التحالف الوطني للأحزاب والقوى السياسية” في تعز، قبل أن تتنصل أحزاب رئيسية عن حشر اسمها في هذا البيان الذي هدف إلى رفع مستوى الاستهداف السياسي لقوات المقاومة المشتركة وشرعنة هذا الاستهداف عبر إطارات وهمية خاضعة لسيطرة الإخوان واستكمالا لحملة إعلامية أطلقها النائب اليمني المحسوب على الدوحة علي المعمري من مقر إقامته في مدينة إسطنبول التركية.

وأشارت مصادر سياسية يمنية إلى أنّ توقيت استهداف قوات المقاومة المشتركة التي تخوض معركة مستمرة ضد الحوثيين في الحديدة، بعد تصفية العميد عدنان الحمادي قائد اللواء 35 مدرع وتفكيك قواته وشيطنه قوات أبوالعباس في تعز وإجبارها على مغادرة المحافظة، وخوض مواجهة غير مبررة ضد المجلس الانتقالي، وتجدد محاولات اغتيال الفريق صغير بن عزيز رئيس هيئة الأركان في الجيش اليمني بتواطؤ داخلي، كلّها مؤشرات على وجود مخطط واسع لتصفية المكونات المناوئة للمشروعين التركي والإيراني في المنطقة، وتعبيد الطريق أمام اتفاق مشبوه رعته الدوحة وأنقرة وبعض الجهات مسقط، ودعّمته طهران لتغيير خارطة النفوذ في اليمن بعد خمس سنوات من الحرب، بحيث يتم تسليم شمال اليمن للحوثيين كوكلاء لطهران مقابل دعم طموحات الإخوان ومن خلفهم قطر وتركيا للسيطرة على جنوب اليمن.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية