العرب وفخ التحول الراديكالي

العرب وفخ التحول الراديكالي

مشاهدة

29/04/2019

السيد ولد أباه

الإشكالية الكبرى المطروحة على الساحتين السودانية والجزائرية تتلخص في نمط إدارة الوضع الانتقالي المتولد عن انهيار النظام الحاكم، باحترام أطر الشرعية الدستورية والقانونية، دون السماح بتحكم الجهاز السياسي والإداري الذي كان حاكماً في المسار الانتقالي من أجل إعادة إنتاج نفسه والاستمرار في السلطة.
ما يبدو واضحاً في البلدين هو أن المؤسسة العسكرية التي تشرف على عملية الانتقال السياسي، تواجه مصاعب جمة في الحصول على صيغة توافقية مع القوى السياسية والمدنية التي فرضت التغيير. ففي حين ترفع هذه القوى شديدة الاختلاف والتباين شعارَ الثورة الجذرية التي تؤسس لمرجعية شرعية جديدة في قطيعة كاملة مع الوضع الدستوري القائم، ترى القيادات العسكرية، الضامنة لاستمرار الدولة واستقرارها، أن أي تغيير غير محسوب لا يراعي المعايير الدستورية الضابطة للانتقال السياسي، يمكن أن يفضي إلى الفوضى والفتنة الأهلية وانهيار الدولة، وهي التجربة الماثلة للعيان في العديد من البلدان العربية التي عرفت قبل سنوات نفس المشهد الثوري الراديكالي.
وكنت قد نبهت عند اندلاع حركية «الربيع العربي»، في عدة مقالات على هذه الصفحة، إلى ضرورة الانتباه إلى مخاطر الوضع الانتقالي في البلدان التي حدث فيها التغيير، مبيناً أن اختزال الحالة الديمقراطية في منطق الانتخاب الإجرائي من شأنه أن يؤدي إلى تأجيج الاحتقان السياسي في المجتمعات العربية، وإلى إضفاء الشرعية على الصراع الأهلي القائم، ومن ثم عسكرة العمل السياسي وسيطرة الميليشيات المسلحة على المعترك السياسي.
ذلك هو المشهد الذي حدث في سوريا واليمن وليبيا والعراق، فلم يكن البديل عن الأنظمة التسلطية المنهارة قيام أنظمة ديمقراطية مستقرة، بل انتشار الفوضى والحروب الأهلية وصراع الميليشيات إثر تفكك المؤسسة العسكرية التي كانت في الغالب هي العمود الفقري للأنظمة السياسية، وبالتالي فلا محيد عن إشراكها في عملية الانتقال السياسي السلمي.
ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن مفهوم الديمقراطية يعاني من التباس أصلي من حيث ترتيب العلاقة بين محددات نظرية ثلاثة هي: المواطَنة المتساوية التي هي القاعدة المعيارية للفكرة الديمقراطية في دلالتها الحديثة بالمقارنة مع الأشكال القديمة من المنظومة الديمقراطية، والمشاركة العمومية التي هي الجانب القانوني من المدونة الديمقراطية باعتبار أن القانون هو التعبير العملي عن الإرادة المشتركة، والإدارة الإجرائية للتعددية السياسية والمجتمعية القائمة التي تدخل فيها العملية الانتخابية على اختلاف مقارباتها وآلياتها.
وإذا كان المحدد الثالث يتعلق بإدارة التعدد والتنوع وضبط التنافس وتحكيم الصراع السياسي، فإن المحددين الأولين يكرسان وحدة الجسم السياسي وتضامنيته، وبدونهما تتحول الآلية الانتخابية إلى أداة لتفجير الكيان الاجتماعي المشترك.
وإذا كانت الديمقراطية الحديثة استبطنت قواعد وإجراءات الليبرالية الاقتصادية، منذ القرن التاسع عشر، وإن لم تتبن مبدأ الصوت الفردي الواحد إلا في فترة متأخرة نسبياً، فإن فلسفة الديمقراطية الأصلية تقوم على مقتضى بناء العالم المشترك الضروري للعيش والعمل جماعياً.
من دون هذا العالم المشترك تتحول الآليات القانونية للتنظيم والانتخاب إلى مجرد صفقات نفعية مؤقتة تكرس معادلة القوة والسيطرة مرحلياً، لا إطاراً لتجسيد منطق «الاختلاف المعقلن» الذي اعتبر الفيلسوف الأميركي جون رولز أنه منطق الديمقراطية التعددية القادرة على ضمان الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي.
ما يتم تناسيه في الغالب هو أن للديمقراطية جوانبها التوافقية التي لا غنى عنها من أجل التماسك الاجتماعي ووحدة المجموعة المدنية، وهو «توافق تركيبي» بلغة رولز، أي أنه ليس نتاج وحدة عقدية ضرورية ملزمة، بل حصيلة تسويات موزونة قائمة على النقاش الحر العمومي المفتوح.
ما يحدث في حالات الانتقال السياسي غير المضبوطة وغير المنظمة، كما هو الشأن في بعض بلدان العالم العربي، هو سيطرة المجموعات الأيديولوجية النشطة والتنظيمات الميليشياتية على المعترك السياسي عن طريق آلية الانتخاب والتصويت التي لا يمكنها أن تكفل الشرعية المطلوبة لسببين رئيسيين: عدم توافر شرط الوعي الذاتي الحر في عملية التصويت الفردي لاختلال موازين النقاش العمومي العقلاني المفتوح الموجه للاختيار الشخصي المسؤول، وغياب البيئة الاجتماعية الملائمة للاختيار نتيجة للاختلالات في مستوى النمو الاقتصادي والاجتماعي.
لمواجهة هذه الوضعية ذهب بعض المفكرين السياسيين الأفارقة إلى طرح خيار الديمقراطية التوافقية، بديلاً عن الديمقراطية التنافسية، في البلدان التي لا تتوافر على شروط الليبرالية التعددية، بتكريس كل الحقوق القانونية والمدنية المترتبة على المواطنة المتساوية مع إشراك كل القوى الفاعلة في عملية صنع القرار والمشاركة تفادياً لكل عوامل التمزق الاجتماعي والفتنة الأهلية.
قد يكون هذا النموذج هو الخيار الأمثل في البلدان العربية التي شهدت مؤخراً عملية تحول جذري في مواجهة خطري الفوضى والاستبداد الانتخابي.

عن "الاتحاد" الإماراتية

الصفحة الرئيسية