أخلاقية الممارسة السياسية لدى الإخوان المسلمين: فساد التجربة السودانية

أخلاقية الممارسة السياسية لدى الإخوان المسلمين: فساد التجربة السودانية
19140
عدد القراءات

2019-04-04

روّج الإخوان المسلمون، ممثلين في حسن الترابي، لعقود طويلة، لما أسموه بـ "أخلاقية الممارسة السياسية"، وظلوا يقللون من كسب الأحزاب الأخرى في الصدد ذي الإحالات والمرجعيات الفكرية والقيمية الدينية فقط، بحسب الترابي وتلاميذه.
استطاع الإسلامويون، منذ ظهورهم على مسرح السياسة السودانية، وحتى انقلابهم على الديمقراطية، عام 1989، إيهام عامة الناس بأنهم ذوو أخلاق عظيمة مستمدة من تدينهم وزهدهم في عرض الدنيا وتوقهم للثواب الأخروي، بوصفهم فسطاط إيمان، وغيرهم من الأحزاب السياسة فسطاط كفر لا أخلاق له ولا قيم.

اقرأ أيضاً: الدرس الجزائري السوداني
لكن، ما إن وصلوا إلى السلطة، عبر انقلاب عسكري، حتى بدأ الاختبار الحقيقي لأخلاقهم، فما هي النتيجة؟  
حسن الترابي

افتراق ومفاصلة
يقول الباحث في علم الاجتماعي السياسي، د. بهاء عطا الفضيل، لـ "حفريات": لعلّ الإخوان السودانيين استمدوا هذا التمييز بينهم وبين الآخرين في كلّ شيء من فكر سيد قطب، القائل: "الافتراق الذي لا التقاء فيه، والاختلاف الذي لا تشابه فيه، والانفصال الذي لا اتصال فيه، والتمييز الذي لا اختلاط فيه، وتميّز واضح دقيق". ويقول: "وهذه المفاصلة بهذا الوضوح ضرورية للداعية، وضرورية للمدعوين"، و"بغير هذه المفاصلة، سيبقى الغبش، وتبقى المداهنة، ويبقى اللبس، ويبقى الترقيع، والدعوة إلى الإسلام لا تقوم على هذه الأسس المدخولة الواهنة الضعيفة، إنها لا تقوم إلّا على الحسم والصراحة والشجاعة والوضوح".

الإخوان السودانيون لا يؤمنون بالديمقراطية وتبنت حكومتهم الانقلابية برنامجاً دينياً رسالياً يتخطى حدود السودان ويهدف لإحياء الخلافة الإسلامية

هذه الدعوة إلى المفاصلة الشاملة؛ هي التي جعلت الإخوان المسلمين في السودان يعتقدون أنهم الحزب الأكثر نقاءً وصدقاً وأخلاقيةً، طالما يحكمون بما أنزل الله تعالى ويطبقون الشريعة الإسلامية، وأنّ سواهم محض محنطين قيمياً وأخلاقياً، ليس لهم وازع ديني، ولا رادع أخلاقي، يمنعهم من ارتكاب كافة الموبقات في السياسة وغيرها.
ويستدرك عطا الفضيل: إلّا أنّ الجماعة رسبت في أول اختبار حقيقي لها، فأصبح شعارها المفضل "ما لدنيا قد عملنا، نحن للدين فداء"، محض كلمات بلا قيمة؛ حيث عمّ الفساد، وضرب سائر المؤسسات. ووفق تقارير المراجع العام؛ فإنّ المؤسسات ذات الطابع الديني كانت الأكثر فساداً، مثل: ديوان الزكاة، وهيئة الحج والعمرة، فيما مؤسسات أخرى شبيهة لا تتم مراجعة حساباتها، مثل هيئة علماء السودان، وبحسب المؤشرات العالمية لمدركات الفساد ومؤشرات منظمة الشفافية الدولية، فإنّ السودان ظلّ على رأس قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم، منذ تسلّم الإخوان المسلمين السلطة فيه، وحتى اللحظة. 

اقرأ أيضاً: ماذا يريد الشباب السوداني؟
وأشار عطا الله إلى أمر آخر، رآه أسّ الفساد الإخواني في السودان، بحسب تعبيره، وهو ما سمّي "سياسة التمكين"؛ التي أقرها حسن الترابي، والقاضية بتمكين أعضاء الجماعة، وتسكينهم في أجهزة الدولة، وإحلالهم في الوظائف العامة والأجهزة الأمنية والجيش، بدلاً من منتسبي الأحزاب السياسية الأخرى، وعامة الموظفين من غير ذوي الانتماءات السياسية، الأمر الذي أفسد الخدمة المدنية وأضعفها.
ليس الإخوان كلّهم
من جانبه، رأى الباحث الأكاديمي في شؤون الجماعات الإسلامية، عثمان تاج الدين، في حديثه لــ "حفريات"؛ أنّ تنظيم الإخوان السوداني انحرف عن مساره ما إن بلغ السلطة، لكنّ وصم جميع أعضائه بالفساد، أو التزام الصمت عنه، أمر فيه افتئات على الحقائق، والدليل على ذلك التقارير السنوية للمراجع العامة، التي يستند عليها المنتقدون، فكل الذين تسنموا هذه الوظيفة هم أعضاء أصيلون في الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، لكنّ جميعهم التزموا بالقيم والأخلاق المهنية لوظيفتهم، وكان بمقدورهم تزوير التقارير وعدم الإشارة إلى استشراء الفساد خاصة في المؤسسات ذات الطابع الديني؛ كديوان الزكاة، وهيئة الحج والعمرة، وخلافهما.

وضع كلّ الإخوان المسلمين في سلة الفساد فيه ظلم كبير ومجافاة للحقائق فمنهم من كلفهم انتقادهم للفساد والتمكين وظائفهم

ونوّه تاج الدين إلى أنّ الكثير من رموز الحركة الإخوانية السودانية كلفهم انتقادهم للفساد والتمكين واحتكار السلطة علاقتهم بالتنظيم؛ بل ووظائفهم المرموقة في الحكومة والحزب، فخرج عنهم شيخهم وعرابهم، حسن الترابي، وناوأهم فتعرض للسجن والإقصاء، وكذلك بعض تلاميذه الذين حملوا السلاح ضد إخوانهم، مثل "حركة العدل والمساواة" في دارفور، بقيادة الإسلامي خليل إبراهيم، وخلفه بعد مقتله شقيقه جبريل، كما خرج عن التنظيم المفكر د. التيجاني عبد القادر، والباحث الأكاديمي المرموق د. عبد الوهاب الأفندي، والسياسي د. غازي صلاح الدين، وأسس حزب الإصلاح الآن الذي يقف إلى جانب المعارضة ضدّ نظام البشير؛ لذلك فإن وضع كلّ الإخوان المسلمين في سلة الفساد فيه ظلم كبير ومجافاة للحقائق المحضة، وإن كنت أؤمِّن على أنّ السودان لم يشهد منذ استقلاله فساداً كالذي حدث ويحدث الآن في ظل حكم الإسلاميين، وفق قول تاج الدين. 
 فشل شعارات الإخوان المسلمين من شاكلة "الإسلام هو الحل"

نتائج كارثية
إلى ذلك، لفتت الباحثة في علم الاجتماع، سامية الجاك، إلى أنّ البعض يرى أنّ الأخلاق والسياسة مختلفتان بطبيعتهما، لكن في الواقع يمكن دمجهما في تفاعل متبادل إذا ما توفر مناخ من الحرية والاعتدال، وذلك لأن الفضيلة السياسية لا يمكن أن تنمو في مناخات التطرف والعنف والغلو، ومع غياب حقوق المواطنة والعدالة والمساواة والمشاركة، وهذا ما تؤمنه الديمقراطية، خصوصاً مع ثورة الاتصالات ومواقع الاتصال الاجتماعي، حيث أدى ذلك إلى سرعة تبادل المعلومات والخبرات، وتنامى بذلك الشعور بالتضامن المشترك، حول القيم الأساسية العامة، ما يمكن أن يؤدي إلى الثقة بإمكانية نمو موقف عالمي، قادر على نصرة الشعوب وقيم الخير والحق، ورفض العنف والحروب، لتكريس نظام عالمي عادل يصون حقوق الناس بالتساوي، مع رعاية العلاقات بين الدول على أساس التنافس، الذي أدى إلى اتساع رقعة ما يعبر عنها بدول الحريات في العالم؛ حيث غزت الديمقراطية معظم الدول التي تفككت عنه.

اقرأ أيضاً: الحركة الإسلامية أول الخاسرين في احتجاجات السودان
وأضافت الجاك: الإخوان السودانيون، لا يؤمنون بالديمقراطية، وبالتالي؛ تبنت حكومتهم الانقلابية برنامجاً دينياً رسالياً، يتخطى حدود السودان، ويهدف لإحياء الخلافة الإسلامية، فأفضت تجربتهم إلى تكريس نظام حكم استبدادي شمولي فاسد، كانت نتائجه كارثية، ومنها: استشراء الفساد، والسير بالاقتصاد نحو الهاوية، مما أدى إلى هجرة ملايين السودانيين من أصحاب الكفاءات والمؤهلات العلمية بحثاً عن لقمة العيش الكريم.
ومن الناحية الأخلاقية؛ كان الفشل أكبر بكثير من النواحي السياسية والاقتصادية، وهنا جوهر المأساة؛ فمشروع الإخوان المسلمين يطرح موضوع القيم كأساس لجميع شعاراته، ومع ذلك يشهد السودانيون كيف صار الفساد ونهب مال الدولة فعلاً عادياً ويومياً، إلى جانب الانتشار الواسع للمخدرات وغسيل الأموال وعصابات النهب، وهذه مؤشرات واقعية وملموسة على فشل شعارات الإخوان المسلمين من شاكلة "الإسلام هو الحل"، ودعوتهم لتطبيق الشريعة، وإقامة الدولة الإسلامية، باعتبار أنها ستجلب الحلول السحرية لجميع المشاكل، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



العولمة والوهم الجميل: أفول "القرية الصغيرة"

2019-12-12

منذ أواخر السبعينيات؛ عرفت النظرية السياسية والاقتصادية تحوّلاً راديكالياً نحو "الليبرالية الجديدة"، التي ترى أنّ الطريقة المثلى لإدارة الاقتصاد خصوصاً، والمجتمع عموماً، تكمن في إطلاق الحرية لرأس المال وللمهارات الإبداعية للفرد ضمن إطار مؤسسي يحمي حقوق الملكية وحرية التجارة، ويقتصر دور الدولة في هذا التصور على حماية رؤوس الأموال وحقوق وضمان عمل الأسواق بسلاسة.

اقرأ أيضاً: ما الإشكاليّات التي تواجه اللغة العربية في ظل العولمة؟
على الأرض كان هذا التصور المثالي (المنطقية المتخيلة للسوق، والعقلانية المفترضة في الخيارات الفردية) هو الرافعة النظرية لسياسات الخصخصة وتحرير الاقتصاد من القيود والضوابط التنظيمية وانسحاب الدولة من مجالات الرعاية الاجتماعية، وهي سياسات شاعت في معظم نطاق المعمورة.

قناع جميل للكارثة

في أفق هذه السياسات أصبح تعبير "العالم قرية صغيرة" من أكثر التعبيرات دوراناً على الألسنة مع مفهوم "تخطي الحدود القومية" الذي ينبني عليه هذا التعبير، وكلاهما يعبّر عن طبيعة الرأسمالية المنتصرة التي يتزايد تجاهها نحو تجاوز الأطر التنظيمية للدول القومية فيما يتعلق بالتمويل الدولي والتحولات الثقافية والحصول على المعلومات، بعد أن فتحت أغلب دول آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية حدودها أمام تدفق السلع ورؤوس الأموال والأفكار، وأصبحت جزءاً من سوق عالمية متسارعة الاندماج، ومشرعنة من قبل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين.

الاستياء الشعبي من المهاجرين لا يأتي من مجرد التوجس من المختلفين ثقافياً؛ بل إنّ جذوره تضرب في ديناميكيات الحياة الحديثة

وترتّب على ذلك أنّ العولمة (العلاقات بين النخب المحلية على مستوى كوكبي) أصبحت السمة الأكثر انتشاراً، ورغم أنّه لم تتم البرهنة على أنّ العولمة تضعف الدولة القومية وتقلّل من أهميتها يتزايد الإجماع على هذا المنحى ليصبح مفهوم "تخطي الدولة القومية" حجر الأساس المعرفي لعدد من موضوعات الساعة، مثل: "مجتمع المعرفة"، و"النسوية عبر الدولية"، و"المجتمع المدني العالمي"، و"الهجرة إلى الشمال"، و"الرابطة الإسلامية"، وأخيراً "أوروبا الموحدة"، مما يعطيه الصدارة في أيّة رؤية معاصرة للعالم.
ورغم الطموحات العالية التي رافقت التحولات الثقافية التي جاءت بها العولمة بوعد بأنّها ستحقق تجانساً ثقافياً للبشرية كلّها، في الحدّ الأقصى لطموحها، وستدير التباينات الثقافية بحِكْمة في الحدّ الأدنى، إلا أنّ المؤشرات المتاحة تكشف أنّها تدفع نحو مزيد من الاختلافات الثقافية والتنافر السياسي، سواء بين الدول القومية أو داخل حدود تلك الدول.

اقرأ أيضاً: خطاب ترامب ومواجهة العولمة
وحتى النظرة المتفائلة إلى العولمة المستندة على تصور عالم من الجماعات ذات المصير المشترك؛ حيث تتشابك فيه المسارات والمصالح وتترابط فيه المجتمعات خلال الحياة اليومية في مجالات العمل والمال والأفكار، أصبحت تتضارب مع واقع الزيادة في اللامساواة، الذي تسبّبت فيه النيوليبرالية التي دفعت أيضاً بمجتمعاتٍ بأكملها إلى هامش المشهد السياسي والاقتصادي العالمي.
وعقب الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالاقتصاد الأمريكي (والعالمي لاحقاً) عام 2008 (وفي خضمها اضطرت الدولة الأمريكية مناقضة كافة مسلمات النيوليبرالية و"تدخلت" لإنقاذ البنوك) تراجع الحديث عن العولمة بكلّ ما حملته من وعود بتذويب الفروق الثقافية والقومية والدينية، وفشلها في ذلك كلّه؛ بل تسبّب حلّها المثالي "سياسات الهوية" في خلق فيالق وأخاديد هوياتية بين أبناء الشعب الواحد والطبقة الواحدة، حتى اقتصر الجانب الوحيد في النقاش حول العولمة على ثورة الاتصالات و"مجتمع المعلومات".
وبضمور الجدل عن العولمة، تصاعد الحديث عن النيوليبرالية الجديدة بشكل مكشوف، سواء من جهة مؤيديها الذين يرون فيها السبيل الوحيد لـ "الحرية والكرامة"، أو من جهة معارضيها الذين صوبوا على مآسيها الاجتماعية، ولم يكن انقشاع ضباب العولمة وتبدّي شمس النيوليبرالية في صالح الأخيرة؛ فتصاعد الحديث عنها لم يبدأ إلا بعد أن فقدت اتّزانها النظري واتضحت الحقائق الكارثية التي صاحبت تسيّدها، وتأكد فشلها المزري في حلّ المشكلات الاجتماعية، وعجزها المزمن عن تحفيز النموّ الرأسمالي (وعدها الرئيس)، فكان سجلّها فيه هزيلاً وفاشلاً منذ الثمانينيات وحتى اللحظة.
كانت أطروحة "العولمة" محض غطاء أيديولوجي لتمرير "البديل الوحيد" (النيوليبرالية) الذي نجح، كما يقول ديفيد هارفي، في كتابه "الليبرالية الجديدة: تاريخ موجز "، في تحقيق هدف الطبقات العليا في استعادة سلطتها الطبقية عبر صعود خدمات التمويل والمضاربات؛ لتصبح مدن التمويل جزراً مذهلة للثروات والامتيازات.

عابرة في اتجاه واحد

في تعريفه للعولمة؛ حاول بيير بورديو كشف التمويه الأيديولوجي الذي تروّجه النيوليبرالية حول المسألة، فذهب إلى أنّ "العولمة لا تعدو كونها وهماً جميلاً اعتنقه السياسيون والمتحكمون في وسائل الإعلام، ومعهم الأكاديميون، لتدعيم الخدعة التي تورّط فيها السواد الأعظم من الناس، أما ما هو  واقع بالفعل فهو نفوذ لا يفتأ يتعاظم للأسواق يتغلغل في المجتمعات من أجل تحقيق الربح".

اقرأ أيضاً: هل يمكن هزيمة العولمة؟!
هذا الفهم الراديكالي للعولمة الذي يختصرها في كونها ظاهرة اقتصادية، يصلح أساساً للاعتقاد بارتباط الظاهرة بالشركات التي تعمل خارج بلدها الأصلي، والمعروفة باسم "الشركات العابرة للجنسيات" التي تمتلك نسبة معتبرة من الأصول الإنتاجية في العالم، وتهيمن على صناعات بأكملها، مثل البترول والسيارات وغيرها، وتمارس أنشطتها الاقتصادية بناءً على إمكانات السوق، بغضّ النظر عن توافقها مع الاهتمامات القومية.
وقد اتّسع نفوذ هذه الشركات، ونما حجمها، منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو العقد الذي شهد تحوّل الاقتصاد العالمي من نموذج اقتصادي متمركز حول الدولة الوطنية إلى نموذج نيو ليبرالي قائم على السوق الحرة وخصخصة الإنتاج ورفع القيود عن رأس المال، وتفكيك أنظمة الرفاه الاجتماعي، بضغطٍ من صندوق النقد والبنك الدولي.
ومع ثورة التكنولوجيا، تمكّنت الشركات الكبرى من تغيير سلم أولوياتها فوجهت استثمارات هائلة إلى العالم الثالث؛ حيث العمالة الرخيصة والقوانين التنظيمية الضعيفة والفساد السياسي والإداري، مساهمةً بذلك في إضعاف الحركة العمالية في بلدانها الأصلية، بالتالي؛ تكون هذه الشركات قد تخلصت من الضغوط الطبقية الصاعدة من أسفل عبر الحركة العمالية في الشمال، وحصلت على أكبر قدر من الأرباح بواسطة الأيدي العاملة في جنوب العالم، التي تعبر حدوده بحرية شديدة، وتمّ تبرير الأمر بـ "منطق السوق".
ولا يتعلق الأمر بأفول السيادة القومية كما تركز الأدبيات السياسية النيو ليبرالية بقدر تعلقه بقدرة الشركات الكبرى المدعومة بالثقل السياسي لبلادها على اختراق سيادة الدول الضعيفة والتحرك داخل حدودها دون أن تشاركها أيّة معلومات ذات أهمية فيما يتعلق بأنشطتها، وخصوصاً في مجال الثروات الطبيعية.
لذا؛ فإنّ "عبور" هذه الشركات للقوميات أصبح محلّ شكّ من قِبَل المنظرين ذوي الاتجاهات اليسارية وحتى الليبرالية الكلاسيكية؛ فالسياسات القومية هي التي تحدّد مصالح المال والأعمال؛ والقرارات الإدارية التي تأخذها الشركات تميل للتوافق مع الجزء الأكبر من حملة الأسهم في البلد الأصلي للشركة، ولا توجد أدلة كافية لإثبات استقلال هذه الشركات عن الاعتبارات السياسية؛ ففي البلد الذي يضمّ أكبر قدر منها وهو الولايات المتحدة، تتلاعب الشركات بالعملية السياسية كي تتدخل الدولة وتحمي مصالحها، وينضمّ سياسيون، كلّ عام، إلى مجالس إدارة الشركات بعد تقديم خدمات سياسية معينة، ومن ثّم يصبح الفصل بين "البيزنس" والسياسة أصعب من الحديث عن استقلالية الشركات أو عبورها للقوميات.
إذاً، مفهوم "تخطي الحدود القومية" نابع من تلك العملية الاقتصادية بالذات، وبتفنيد الأساس الاقتصادي الذي يرتكز عليه هذا المفهوم والإشارة إلى أنّ ما يحدث في الواقع هو أقرب إلى توجه قومي للشركات الغربية التي تتبع سياسة فرض الأزمات على البلدان الضعيفة، كي تتمكن من شراء ما تبقى لها من أصول بأسعار زهيدة، كما يقول بيتر جران، في كتابه "صعود أهل النفوذ"، يمكن التطرق إلى متعلقات "تخطي الحدود القومية"، وأهمها انمحاء سيادة الدولة القومية.

أفول السيادة؟

تركّز المخيلة الاجتماعية التي خلقتها النيو ليبرالية على تآكل سيادة الدولة القومية الحديثة التي كرّستها معاهدة "وستفاليا"، عام 1648، وتجريد سلطتها لصالح نظام عالمي موحد، بغضّ النظر عن اختراقات السيادة التي عانت منها معظم دول العالم الثالث على مدار عقود طويلة، فلم تحظَ دولة خارج مركز السوق العالمية بسيادة حقيقية تتعرض للتراجع من قبل السياسات النيو ليبرالية، فالسيادة لم تكن متحققة كلياً حتى يمكن الحديث عن أفولها.

أصبح تعبير "العالم قرية صغيرة" من أكثر التعبيرات دوراناً على الألسنة مترافقاً مع مفهوم "تخطي الحدود القومية"

ورغم استناد نظرة أفول الدولة القومية إلى عجز الحكومات عن تنظيم المعلومات المتدفقة والتحكم في وسائل الإعلام، إلا أنّه، كما يذهب بيتر جران في كتابه "صعود أهل النفوذ"؛ ليس هناك ما يدعو لتفسير ذلك بـ "ضعف الدولة" الذي يشير إلى أنّه على مدى الجيل السابق اختارت الدولة التراجع والانسحاب من واجباتها الاجتماعية لكنها لم تفعل ذلك من موقف ضعف، بل من موقف قوة.
ويستند جران في ذلك إلى الفرضية القائلة إنّ الدولة أصبحت تدريجياً أكثر قوة، وليست أكثر ضعفاً، ويعود ذلك إلى تطور التكنولوجيا حصراً؛ فقبل نصف قرن لم تكن أيّة دولة في العالم تمتلك معلومات دقيقة عن كلّ مواطنيها، على عكس الحاضر، حيث بإمكان موظف كبير في أيّة إدارة هجرة وجوازات بأي بلد في العالم أن يشاهد على شاشة حاسوبه كلّ المعلومات اللازمة عن أيّ من مواطني بلده.
وعلى عكس نظرة أفول الدولة، أيضاً يشير المنظر الألماني، أولريش بيك، إلى أنّ الحدّ من سلطة الدولة كان قد بدأ منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، حين أقرت معظم الدول بمواثيق ضدّ جرائم الإبادة الجماعية، وربطت نفسها بمواثيق حقوق الإنسان، وليس للأمر علاقة بانسحابها من المجال الاقتصادي.

الهجرة ومجتمع المخاطرة

إحدى الركائز التي يعتمد عليها تنظير "ما بعد القومية"، هي ظاهرة الهجرة التي زاد حجمها خلال الأعوام الأخيرة، وبالتحديد من الجنوب العالمي إلى الشمال، ورغم أنّ أكبر عملية ارتحال في العصر الحديث قد تمت داخل الحدود القومية (الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن من أجل العمل) إلا أنّ الجديد في الظاهرة هو ما تقدمه تكنولوجيا الاتصالات من ربط للمهاجرين ببلادهم الأصلية، فتحفظ بذلك وجود تلك الجماعات كـ "شتات" ديني أو عرقي في البلاد التي يحلون فيها.
ورغم الزخم الهائل لحركة الهجرة بعد الربيع العربي، وتحوّلها إلى قضية سياسية شائكة، إلا أنّ فكرة "العيش في الشتات" ليست واقعية طوال الوقت؛ فليس كلّ المهاجرين على ارتباط وثيق بأوضاع وقضايا بلادهم الأصلية ومنعزلين ثقافياً وشعورياً عن الواقع المحيط بهم، فهناك كثيرون منهم هم أكثر التصاقاً بالقضايا المحلية للبلد الذي يعيشون فيه.
ومن ثمّ يصبح الحديث عن الهجرة كظاهرة عامة محض إغفال للوضع الطبقي الذي يخترق جماعات المهاجرين رأسياً، ويبرز فروقاً هائلة بين أبناء الشرائح العليا من الطبقات الوسطى في العالم الثالث، الذين يهاجرون من أجل الدراسة أو الالتحاق بوظيفة مرموقة وبين الفقراء الهاربين من جحيم العيش في بلاد مُمزقة سياسياً ومُستنزفة اقتصادياً.

اقرأ أيضاً: هل فقدت سيرورة العولمة زخمها؟
كما أنّ العالم اليوتوبي الذي جذب المهاجرين من البداية لم يقابلهم بما يتمنونه؛ فالحكومات الغربية، وعلى رأسها ألمانيا، التي تحاول التصالح مع ماضيها بفتح حدودها أمام المهاجرين، أصبحت مرعوبة من تقويض ثقافتها الأوروبية ومن الاستياء الشعبي، وصعود اليمين المعادي للغرباء، وأقدمت على اتخاذ إجراءات تتنافى مع قيم التحرر التي تدّعيها، ومنها دفع مزيد من الأموال لتركيا ومصر لاستقبال غير المرغوب فيهم من اللاجئين، الذين لم يملكوا المؤهلات اللازمة لخدمة الاقتصاد الألماني.
والاستياء الشعبي من المهاجرين لا يأتي من مجرد التوجس من المختلفين ثقافياً؛ بل إنّ جذوره تضرب في ديناميكيات الحياة الحديثة القائمة على المخاطرة التي أصبحت بمثابة هوية (عملية) للمجتمعات الغربية؛ حيث إنّ جانباً مهمّاً في الليبرالية الجديدة هو انفتاحها على ما يعدّ عفوياً وجانحاً نحو المخاطرة، كما يقول المنظّر الألماني أولريش بريك.

اقرأ أيضاً: الاستلاب في ظل العولمة: كيف أفقر الإنسان نفسه؟
ومجتمع المخاطرة الذي قدمته النيو ليبرالية إلى عصرنا، باعتباره عالم الفرص الجديدة غير المتمركزة حول الدولة، التي تكافئ الأفراد الذين هم على استعداد دائم للمخاطرة ومرونة على التكيف مع سوق العمل المتقلبة واعتقاد يقيني في قدراتهم الفردية، بعد أن فقدوا إيمانهم بالدولة، هو في الحياة الواقعية العالم الذي تنسجم فيه مسألة عدم اليقين مع خبرات الأشخاص العاديين الحياتية؛ حيث يجبرون على العيش في حالة من القلق المزمن حول مستقبلهم المهني والوظيفي.
في المحصلة؛ شجّعت كلّ هذه المشكلات، الاقتصادية والاجتماعية، البلاد التي أقدمت على فتح حدودها الاقتصادية على العودة للقومية الاقتصادية، والبلاد التي انفتحت على السوق بحذر من قبل على التمترس خلف حدودها الجيوسياسية، والإجراءات الصارمة التي تتخذها الصين في الحفاظ على سوقها والتحكم الحديدي في عملتها ومصارفها وتلاعبها بمعايير التجارة الدولية، والردود الأمريكية على ذلك بمراقبة الأسواق ووضع العراقيل أمام المنتجات الصينية، وما أسفر عن ذلك من حرب تجارية بين البلدين، يدعم (ولو على سبيل الاحتمال) ما يذهب إليه طيف من النقاد الثقافيين، بأنّ زمن القمة بالنسبة إلى العولمة في سبيله للمُضيّ، وأنّها ستواجه أفولاً هادئاً حين تفقد وظيفتها، وهي تفقدها بالتدريج.

للمشاركة:

تونس: من يوقف الانتهاكات ضد النساء في "عاصمة المرأة العربية"؟

2019-12-12

بالرغم من اختيارها "عاصمةً للمرأة العربية لـ2018-2019"، وبرغم القوانين المتقدمة التي أصدرتها بشأن حقوق المرأة، منذ خمسينيات القرن الماضي، حتّى عام 2017، مازالت تونس تواجه ظاهرة العنف ضدّ المرأة بشتّى أنواعه، ومازالت مؤشرّات انتهاك حقوقها صادمةً في أغلب الأحيان، في وقتٍ تنشط فيه آلاف الجمعيات والمنظمات النسوية المدافعة عن حقوقها والمناهضة للانتهاكات الممارسة ضدّها.

اقرأ أيضاً: تونس: هل قطع راشد الغنّوشي الأغصان التي كان يقف عليها؟
وجعلت الأرقام والمؤشّرات التي تصدر من حين لآخر عن جهاتٍ رسميةٍ، ونشطاء في المجتمع المدني بخصوص قضايا العنف المسلّط على المرأة، كلّ التشريعات والمبادرات النسوية تصطدم بواقع المجتمع التونسي وبعده الثقافي، الذي يركز على سلطة الرجل، في مقابل خضوع المرأة، لتظل إلى اليوم الضحية المحورية.

برغم النضالات المرأة التونسية ما تزال تتعرض للعنف
وكانت تونس قد اختيرت عاصمة المرأة العربية لسنتي 2018 و2019، وعاصمةً دوليةً لتكافؤ الفرص لعام 2019، بعد أن احتضنت السويد هذا الحدث السنوي العام الماضي.
وأصدرت في العام 2017 قانوناً لمكافحة العنف ضد المرأة بهدف "القضاء على كافة أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي من أجل تحقيق المساواة واحترام الكرامة الإنسانية"، وفق نص القانون الذي دخل حيز التنفيذ في شباط (فبراير) 2018، الذي تضمّن تشديد العقوبات في قضايا الاغتصاب وإسقاط حقّ تزويج المغتصب بضحيته.

نعيمة النصيري: الأرقام المتوفرة بخصوص ظاهرة العنف ضد المرأة تفوق كثيراً ما يروّج على أرض الواقع

كما حمَل القانون جوانبَ ردع العنف الأسري ضد المرأة بكل أشكاله بما في ذلك جريمة الاغتصاب، وضمَن حماية المرأة من المضايقات في الأماكن العامة، وجرّم التمييز في الأجر على أساس الجنس.
ويخشى نشطاء حقوقيون من احتمال إخفاق الدولة في تطبيق نصوص القانون، خصوصاً في المناطق البعيدة عن العاصمة والنائية، حيث تغيب في بعضها مظاهر الدولة باستثناء مراكز الأمن، الأمر الذي قد يؤدي إلى استحالة تطبيق القانون الجديد واحترام حقوق المرأة.
أرقامٌ مفزعةٌ
ونقلت إذاعة موزاييك أف أم الخاصة (الأولى في تونس)، عن مصادر قضائية أنّ المحاكم التونسية تفصل يومياً في ما بين 25 و35 قضية عنفٍ ضد المرأة، بجميع أنواعه، وأنّ الشكاوى التي يتم إيداعها لدى الفرق الأمنية المختصة في مكافحة العنف ضد المرأة، والطفل تتجاوز 20 شكايةٍ يومياً.
كما تبيّن المؤشّرات الإحصائية الصادرة عن وزارة المرأة والأسرة والطفولة، أنّ ما يقارب 50% من النساء في تونس تعرضن للعنف الجنسي، وأنّ 90% تعرضن للتحرش في وسائل النقل العمومي، و 78.1% إلى العنف النفسي في الأماكن العامة، بينما مورس التحرش الجنسي على 75.4% من التونسيات من طرف زملائهنّ في العمل.
وتلقت وزارة المرأة خلال العام 2018 ستة آلاف شكوى لمناهضة العنف ضد المرأة، وفق ما ذكرته وزيرة المرأة نزيهة العبيدي، التي أكدت أنّ هذا الرقم لا يشير إلى تصاعد العنف ضد المرأة، بل إلى سقوط جدار الصمت الذي كان يمنع النساء من البوح بما تعرّضن له من عنفٍ جسدي ولفظي، لاعتقادهنّ أنّ ما يحدث لهنّ "شأنٌ خاصّ".

اقرأ أيضاً: هل تشهد تونس ثورة جديدة؟
وتؤكّد في هذا الخصوص عضو جمعية النساء الديمقراطيات نعيمة النصيري أنّ الأرقام المتوفرة لدى المنظمات والجمعيات المهتمة بالمرأة، تفوق كثيراً ما يروّج على أرض الواقع، بأنّ تونس تجاوزت ظاهرة العنف ضدّ المرأة، أو نجحت في القضاء عليه، مشيرةً إلى أنّ فرعاً وحيداً لجمعيتها تلقى أكثر من 450 ألف إشعارٍ بتعرّض نساء للعنف منذ بداية 2019 فقط.
ودعت النصيري إلى ضرورة الدفع لأن يصبح العنف ضدّ المرأة قضيّةً وطنيّةً، وقضية رأي عامٍ، لتظافر جهود مكونات المجتمع المدني كافّة، في مقدمتهم هياكل الدولة، من أجل القضاء على هذه الظاهرة، التي ما انفكّت تعيق ترسّخ الديمقراطية في البلاد، وتطوّرها، خاصّة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل على أرض الواقع، وليس فقط ادّعاءها في التقارير، والدراسات.
حملات وطنيةٌ وأخرى إلكترونية
وأطلقت مجموعة من النساء التونسيات حملة إلكترونية وطنية بشعار "أنا زادة" (أنا أيضاً)، تهدف إلى تسليط الضوء على هذه الظاهرة، ومساندة المرأة الضحية، وفضح ممارسات العنف المسلط ضد النساء، من خلال نشر تغريداتٍ وتدويناتٍ تنقل قصصاً، وشهادات حقيقية عن التحرش والاغتصاب، في تقليد لحملة "Me too" (أنا أيضاً)، التي أطلقتها الممثلة الأمريكية أليسا ميلانو في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2017، بعد فضيحة المنتج الهوليوودي، هارفي وينستين، المتهم بالتحرش والاعتداء الجنسي على عشرات النساء.

اقرأ أيضاً: تهديدات إخوان تونس للإعلاميين تثير مخاوف من "بلعيد" جديد
بالتوازي، أطلقت أكثر من 50 جمعية تنشط في مجال حقوق المرأة، ومناهضة العنف المسلط عليها، وعددٍ من الحقوقيين والناشطين في المجتمع المدني، حملة وطنية كبرى، رفضاً للعنف وتضامناً مع ضحاياه، في إطار الأيام الأممية لمناهضة العنف المسلط على النساء التي تمتد من 25 تشرين الثاني (نوفمبر) إلى 10 كانون الأول (ديسمبر). 

مباركة بن منصور: الحملات النسوية مهمّة للكشف عن فظاعة حالات التحرّش والاغتصاب الذي تتعرّض له النساء التونسيات

ونظمت هذه الجمعيات مسيراتٍ جابت المدن التونسية الكبرى، بدأت صامتةً، ثم تخلّلها قرعٌ على الأواني المنزلية، ورفع شعاراتٍ موحدة منددة بالعُنف، والتحرش ضد المرأة، أبرزها "العنف نقمة والسكات مضرة" و"لا عنف بعد اليوم".
وقد سبق لوزارة المرأة أن وضعت عام 2016 رقماً أخضر لوقف العنف ضد النساء قبل سن قانون 2017، وحملت الحملة حينذاك شعار "ما تسكتش (لا تسكت)…تكلم"، لحث النساء على كشف ما يتعرضن له من عنف، لكن الوزارة مع دخول القانون الجديد حيز التطبيق وضعت رقماً أخضر جديداً، وتعهدت بتوفير الرعاية الصحية، والنفسية لضحايا العنف من النساء، والأطفال، والمسنين.
حملات تعتبرها مباركة بن منصور رئيسة جمعية نساء من أجل التنمية والمساواة، آليةً مهمّة للكشف عن حجم، وفظاعة حالات التحرّش، والاغتصاب الذي تتعرّض له العديد من النساء التونسيات، والتي تهمّ في معظم الأحيان فتياتٍ قصّر لا تتجاوز أعمارهنّ الخامسة عشر، تعرّضن إلى التحرّش الجنسي أو الاغتصاب داخل محيطهنّ.
وأكّدت منصور في تصريحها لـ"حفريات"، أنّ هذه الحملات لها دورٌ كبيرٌ في توعية المرأة بحقوقها وبوجود قوانين تضمن حمايتها، كما أنّها تشجّع المرأة الضحية على الإفصاح ببعض القضايا المسكوت عنها، وإخراج الجرائم المتنامية إلى العلن، وتخطي حاجز الخوف، والانعتاق من مصطلح "العار".
حقوق المرأة في تونس بين الواقع والتشريعات

فجوة بين الواقع والإنجاز
وتحذّر أغلب الناشطات النسويات من وجود فجوةٍ عميقةٍ، بين ما حققته تونس من إنجازاتٍ في مجال حقوق المرأة مقارنة بغيرها من البلدان العربية، وبين الواقع الذي ما تزال تعايشه المرأة من عنفٍ وتمييزٍ، في ظلّ غياب إرادة الدولة والسياسيين في تطبيق القانون المتعلق بالقضاء على كلّ أشكال العنف ضدّ المرأة، رغم مرور سنتين على إقراره.
تأكيداً لذلك، أقرّ مساعد وكيل الجمهورية بتونس المكلف بالعنف ضد المرأة أيمن شطيبة، أنّ المحاكم تجد صعوبات في تطبيق القانون عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالعنف ضد المرأة، داعياً إلى ضرورة العمل على تنقيحه من أجل ملاءمته مع الواقع.
وقال شطيبة إنّ هذا القانون يعدّ مظهراً من مظاهر تطور السياسة الجزائية، وهو مكسب باعتبار الحماية التي يوفرها للمرأة، ولكنّه يصطدم بإشكاليات في التطبيق ليس على مستوى المحاكم فقط، بل أيضاً ميدانياً، من حيث كيفية التعامل خاصّةً في ما يتعلّق بقرارات الحماية، وفضاءات الإيواء في ظلّ الإمكانيات المحدودة للضابطة العدلية في هذا الخصوص.
من جانبها، ثمّنت الناشطة الحقوقية والمختصة في القانون حياة الورتاني في تصريحها لـ"حفريات"، هذا القانون، الذي قالت إنّه نتاج عمل عشر سنوات متواصلة للمجتمع المدني في تونس، واعتبرته خطوة مهمّة باتّجاه القضاء على كلّ أشكال العنف المسلّط على النساء.
في المقابل، لفتت إلى تخاذل الدولة في الحرص على تطبيقه، وتوفير الإمكانيات اللازمة لذلك، مشيرةً إلى تأخر إحداث مركز تجميع المعلومات حول هذه الظاهرة للعام الثاني على التوالي، فضلاً عن غياب مراكز إصغاء وإيواء، خصوصاً في المناطق الداخلية للبلاد، حيث تغيب الدولة.
الورتاني أقرّت أيضاً باصطدام هذا القانون على أهميته، بالفكر السائد في المجتمع، والذي لم يقبل بعد بوجود قوانين رادعة للعنف الممارس على المرأة، ولحماية حقوقها، وهو ما عقّد الجهود المبذولة في سبيل القضاء على هذه الظاهرة السائدة.

للمشاركة:

الأطفال في إيران وسوريا وقود لأيديولوجيا الحرس الثوري

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2019-12-11

"على الأمم المتحدة التحقيق في تجنيد الأطفال من قبل الحرس الثوري، وعلى الأمين العام للمنظمة الدولية، النظر في إضافته إلى "القائمة السنوية لمرتكبي الانتهاكات ضدّ الأطفال" بناء على هذه الأدلة"؛ كانت تلك إحدى التوصيات النهائية، في تقرير منظمة "هيومان رايتس ووتش" الأمريكية، قبل عامين، والتي خلصت إليها، سارة ويتسن، مدير قسم الشرق الأوسط في المنظمة الأممية، بعد أن كشفت تورّط النظام الإيراني في تجنيد الأطفال بالميلشيات التابعة للحرس الثوري.
سجل الانتهاكات
ويلفت التقرير إلى أنّ الأطفال، خاصة الأفغان اللاجئين، هم من يجري انتهاك حقوقهم بالجملة، فيما يتصل بعملية التجنيد القسري، وإرسالهم لمواقع الحرب التي تشارك فيها طهران، لا سيما سوريا؛ حيث حضّت إيران "على تحسين حماية الأطفال الأفغان اللاجئين، بدلاً من تركهم عرضة للمجندين عديمي الضمير، وعلى إيران أن تصادق فوراً على البروتوكول الاختياري، وضمان عدم تجنيد الأطفال الأفغان للقتال في سوريا".

قبل أيام قليلة، كشفت مواقع صحفية سورية، معارضة لنظامَي البعث وولاية الفقيه، تورّط الأخيرة، ليس فقط في عملية تعبئة الأطفال، وتجنيدهم للقتال في سوريا، إنما في تدشين مراكز وجمعيات ومعسكرات، لإعدادهم وتهيئتهم على المستوى العقائدي، فضلاً عن تدريبهم عسكرياً وميدانياً؛ إذ وفرت في سبيل تعزيز أنشطتها، عمل ما يعرف بـ "الكشافة"، والذي هو عبارة عن معسكر تدريبي، يضمّ مجموعة من الأفراد، وتتولى عناصر معينة تدريبهم، وصناعة الكوادر التنظيمية لهم، بحسب الأيديولوجيا والتنظيم، وهو الأمر المتعارف عليه داخل العديد من منظمات الإسلام السياسي، تاريخياً، لا سيما جماعة الإخوان المسلمين، وحزب الله في لبنان.

اقرأ أيضاً: أطفال داعش.. هل تمّ استثناؤهم من اتفاقية حقوق الطفل؟
ليست المرة الأولى، إذاً، التي تتكشف فيها خبيئة الدور الإيراني واستغلاله للأطفال، في سلسلة حروبه الخارجية وتوغله السياسي والعسكري، بعدة مناطق ودول لأغراضه ومصالحه، إضافة إلى وضعهم كورقة ضغط وتهديد في سياق أزماته السياسية، مثلما حدث في الأزمة الأخيرة، والقائمة بين طهران وواشنطن، والتي لم تنتهِ فصولها بعد.

أسلحة غير تقليدية

وكشف وزير التعليم الإيراني، محمد بطحائي، في أيار (مايو) الماضي، عن إرسال طلاب المدارس للحرب، في حال اندلاع حرب بالخليج؛ وذلك إثر التعرض لأربع سفن قبالة ميناء الفجيرة، في الإمارات، واستهداف الحوثيين لسبع طائرات مسيرة، في محطة نفط سعودية، الأمر الذي تسبّب في توتر وتصعيد شديدين، في لهجة الخطاب السياسي مع واشنطن، بعدما اتهم المحققون الأمريكيون طهران بضلوعها في تلك الحوادث.

باحثة لـ"حفريات": هناك عدة معسكرات إيرانية لتدريب الأطفال السوريين، منتشرة في مناطق: القصير وحمص والبوكمال والميادين ودير الزور

وهدد بطحائي؛ بأنّ هناك 14 مليون تلميذ في المدارس الإيرانية، على استعداد للتضحية بأرواحهم ساعة الحاجة، مثلما حدث في "فترة الدفاع المقدس" (يقصد الحرب العراقية الإيرانية)، بحسب تعبيره.
وبحسب صفحات معارضة للنظام، على مواقع التواصل الاجتماعي، كشف ناشطون أنّه تمّ تدشين مركز "كشاف اللجنة الشعبية للصداقة السورية الإيرانية"، في دير الزور، الذي يعدّ بمثابة أول معسكر يتولى تدريب الأطفال السوريين، الذين تمّ تجنيدهم في المنطقة الواقعة بشرق البلاد، وتتولى الميليشيات الإيرانية مهمة التدريب، وتنفيذ الأنشطة المختلفة؛ سواء الثقافية، والتربوية، والفنية، والعسكرية، والرياضية.
ويلفت الناشطون إلى أنّ المعسكر الذي يقع على أطراف المدينة، ويقدر أعداد الأطفال فيه، حتى الآن، بنحو 20 طفلاً من أبناء مدينة دير الزور، تتراوح أعمارهم بين 8 إلى 12 عاماً، يخضع إلى مؤسسة "كشافة" أخرى، وهي "كشافة المهدي"، والتي قامت بإنشائها طهران، وموزعة في العديد من المناطق الخاضعة لسيطرة النظام والميليشيات الإيرانية، وتقوم بالمهمة نفسها.
تجنيد الأطفال من قبل الحرس الثوري

صناعة الموت
يقع المعسكر التدريبي في منطقة "حي العمال"، والذي يعدّ ضمن المناطق الخالية من السكان، بعدما تعرضت لقصف من النظام، بينما مهمة تدريب الأطفال تتولاها عناصر محلية تابعة لإيران، وعناصر أخرى من الميليشيات الإيرانية، حيث تقوم بإعداد روافد بشرية، تجمع بين المهارة البدنية والقتالية، والإعداد العقائدي، فضلاً عن القدرة على استخدام الأسلحة، كما يجري تنظيم عروض عسكرية، لتدريبهم على بعض الأسلحة الخفيفة، لا سيما البنادق.
ويرى الصحفي والحقوقي السوري، مصطفى الخطيب، أنّ مشروع تجنيد الأطفال وتعبئتهم داخل مؤسسات شبه عسكرية تحت لافتة "الكشافة"، هو مشروع أقيم منذ أعوام في سوريا، كما يعود إلى عقد الثمانينيات في لبنان، مع صعود نجم حزب الله؛ بهدف تبنّي أيديولوجيا "الولي الفقيه"، وصناعة كوادر قادرة على تنفيذ فتاوى "الجهاد" التي يصدرها، ويقوم بها ذراعه العسكري، بحسب وصفه.

اقرأ أيضاً: أطفال الجهاد.. كيف برر الإرهابيون هذا الانتهاك؟
يقول الخطيب لـ "حفريات": "منذ عام 2017، وربما قبله بقليل، ظهرت عدة جمعيات دينية، تقوم بعملية تغيير واسعة للحالة الدينية السورية، ونشر المذهب الشيعي، بنسخته الإيرانية، في ظلّ التغييرات الديموغرافية التي تقوم بها إيران، في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، لتأخذ الطابع غير العربي، على المستويين، القومي والديني، لذا تتواجد كشافة "الولاية"، وأخرى تسمى بــ "الإمام المهدي"، وغيرهما، بينما الأخيرة مهمتها الإعداد والتدريب العسكري والقتالي فقط".
بوابة الهلال الشيعي
تتمثل سيطرة طهران في منطقة مصياف، شمال مدينة حماه السورية، بحسب الكاتبة والباحثة السورية، لامار إركندي؛ حيث التواجد العسكري لقواتها في معسكر الطلائع، مما يسهل دورها في إخضاع الأطفال لسلسلة من التدريبات المكثفة، خاصة ممّن تتراوح أعمارهم بين 13 و16عاماً، وتهيئتهم لحمل واستخدام الأسلحة المختلفة، وصناعة المتفجرات، تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني، لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر.

وزير التعليم الإيراني محمد بطحائي: لدينا 14 مليون تلميذ في المدارس على استعداد للتضحية بأرواحهم ساعة الحاجة

وأبلغت إركندي "حفريات" بوجود عدة معسكرات إيرانية لتدريب الأطفال السوريين، في سوريا، "منتشرة في مناطق: القصير وحمص والبوكمال والميادين ودير الزور، وكذا في منطقة النيرب، شرق إدلب، ويتراوح عدد الأطفال في كلّ معسكر بين 700 و1000 طفل مجند، كما يخصص للمجندين الأطفال مساعدات غذائية، ورواتب تتراوح بين 250 و300 دولار، بعد عملية "تشييعهم"، كما يتقلدون رتباً عسكرية، بعد اجتيازهم المراحل التدريبية، وترتفع رواتبهم بعد تخرّجهم".

عملية تعبئة الأطفال وتجنيدهم للقتال في سوريا
وبسؤاله عن الدور السياسي لإيران، في الانطلاق من القواعد التي أصبحت تحت سيطرة النظام السوري، لبناء جسم سياسي وعسكري، لخدمة أغراضها الإقليمية، واستباحة حقوق الأطفال وتحويلهم إلى سلاح سياسي وعسكري، يشير الباحث والكاتب السياسي المصري، رامي محمد، إلى احتلال طهران المرتبة الثالثة، بين الدول التي تقوم باستغلال الأطفال، وتجنيدهم في مهمات قتالية، بحسب التقرير السنوي للخارجية الأمريكية، الصادر عام 2017، والمتخصص في جرائم استغلال الأطفال.

اقرأ أيضاً: هل تعيد صورة "فتاة إدلب" أزمة الأطفال في سوريا إلى دائرة الضوء؟
كما أنّ سجل طهران في هذا الشأن يبدو قديماً، ويعود تاريخه، مع بداية تأسيس الجمهورية الإسلامية، بحسب الباحث والكاتب السياسي المصري الذي يشير إلى أنّ 43% من قتلى الحرب العراقية الإيرانية، في صفوف الإيرانيين، هم من الأطفال، ومنذ اندلاع الحرب في سوريا، كان قوام لواء ما يعرف بـ "الفاطميون"، أحد الميليشيات الإيرانية التابعة للحرس الثوري، والتي تشكّلت في سوريا، هم من الأطفال أيضاً، وخصوصاً اللاجئين الأفغان.
ويلفت محمد إلى أنّ "محافظة دير الزور، شرق سوريا، لها خصوصية في العقل السياسي والإستراتيجي الإيراني؛ حيث يتواجد فيها معبر البوكمال الحدودي بين سوريا والعراق، الذي يحوز نحو 13 موقعاً عسكرياً، كما أنّه يشكّل مجالاً حيوياً ومهماً، يربط بين قواتها وميليشياتها المنتشرة في البلدين، ويضمن تسهيل وصول إمداداتها العسكرية، عن طريق الممرّ البري، وذلك عبر البحر المتوسط ولبنان، بواسطة العراق وسوريا.

للمشاركة:



تكتلات جديدة في البرلمان التونسي لمواجهة حركة النهضة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف رئيس كتلة الإصلاح الوطني المعارضة في البرلمان التونسي، حسونة الناصفي، أنّ هناك لقاءات ومشاورات لتنسيق جهود كتلته، التي تضم 15 نائباً، وكتلة حزب قلب تونس التي تضم 38 نائباً، إضافة إلى حزب المستقبل، الذي يضمّ 9 نواب، لمواجهة مساعي النهضة لتقديم مشاريع قوانين يراها البعض أنّها محاولة لأخونة المجتمع التونسي.

وأشار الناصفي، في مداخلة عبر إذاعة "جوهرة" الخاصة، اليوم، إلى أنّ المرحلة الأولى ستكون في إطار تنسيق الجهود، وذلك لتوحيد العمل البرلماني على غرار ما حصل من التوافق على انتخاب نائبي رئيس البرلمان وإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها من التيارات الإسلامية، كمشروع إنشاء صندوق للزكاة.

مشاورات لتنسيق جهود كتلة الإصلاح الوطني مع حزب قلب تونس وحزب المستقبل لمواجهة النهضة

وأكد حسونة الناصفي؛ أنّه من الممكن أن تتحول هذه التنسيقية المشتركة إلى كتلة برلمانية موحدة، مؤكداً إمكانية انضمام كتل سياسية أخرى لديها الرؤى والمشاريع نفسها.

وأسقط البرلمان التونسي مقترح كتلة حركة النهضة الإسلامية، الذي طالبت فيه بإحداث "صندوق للزكاة" ضمن مشروع موازنة 2020، لجمع التبرعات بمشاركة جمعيات وهيئات دينية تحت غطاء مؤسسات الدولة، في خطوة عدّها التونسيون بمثابة إثقال كاهلهم بضرائب إضافية بمسميات أيديولوجية مراوغة.

المرحلة الأولى ستكون في إطار توحيد العمل البرلماني لإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها

وكان عدد من النواب، على غرار النائب فيصل التبيني، قد طالبوا باستقالة الغنوشي من رئاسة البرلمان، نظراً لعدم قدرته على مواجهة أزمة الخلاف الذي حصل بين نواب الدستور الحر ونواب النهضة، على خلفية الاعتداء اللفظي التي تعرضت له رئيس كتلة الدستور، عبير موسى، من قبل النائبة جميلة الكسيكسي.

ويتزامن الجدل داخل البرلمان مع المصاعب التي يواجهها رئيس الحكومة، الحبيب الجملي، في تشكيل حكومته مع إعلان كلّ من حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب الانسحاب من المشاورات.

 

 

للمشاركة:

تقرير يكشف دور التحالف القطري التركي في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف تقرير أمريكي دور التحالف القطري- التركي في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، خاصة بما يتعلق بالصراع الليبي الليبي.

وأفاد تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية، الصادر في شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري؛ بأنّ ليبيا كانت واحدة من أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها جلياً التحالف القطري-التركي، مشيراً إلى دعم البلدين للميليشيات المتطرفة والإرهابية، وفق "سكاي نيوز".

 

 

وذكر التقرير أّنه "حين بدأ الصراع، عام 2011، أصبحت قطر أول دولة عربية تعترف رسمياً بمتمردي ليبيا، كما أنها أرسلت المئات من قواتها لدعمهم".

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية: ليبيا كانت أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها التحالف القطري-التركي

ويؤكد التقرير كذلك؛ أنّ الدوحة أشرفت على تدريب المقاتلين الليبيين في مناطق مختلفة من البلاد، لافتاً إلى أنّ "الدور القطري كان كبيراً لدرجة أنّ الليبيين في بعض المناطق باتوا يرفعون العلم القطري إلى جانب نظيره الليبي".

وذكرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومقرها واشنطن؛ أنّ الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً من الأقمار الصناعية، تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة وحتى المقاتلين لدعم الميليشيات الليبية.

وخلص التقرير إلى أنّه "رغم كلّ هذا الدعم والتحالف، إلا أن الدوحة وأنقرة لم تتمكنا من التأثير في أيّ ممثل ليبي كبير".

ويتناغم التقرير مع الاتفاقين اللذين وُقِّعا مؤخراً بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة فائز السرّاج في طرابلس، بخصوص الحدود البحرية والتعاون الأمني، وواجها رفضاً قاطعاً من جانب دول المتوسط، وأهمّها مصر واليونان وقبرص، إضافة إلى دول أوروبية.

التقرير: الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة للميليشيات

ومؤخراً ألمح أردوغان إلى إمكانية إرسال تركيا لقوات عسكرية إلى طرابلس، إذا طلب السرّاج ذلك، فيما كشفت مصادر من الجيش الوطني الليبي أن أيّة سفينة تركية ستقترب من الحدود الليبية ستعدّ هدفاً مشروعاً.

وكان تقرير للأمم المتحدة قد خلص، في آذار (مارس) 2013، إلى أنّ قطر أرسلت أسلحة للقوات المناهضة للرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، في عامي 2011 و2012، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، كما سلمت الشركات التركية الأسلحة إلى "تحالف فجر ليبيا"، وهو تكتل لميليشيات متشددة.

ويؤكد الجيش الوطني الليبي، في أكثر من مناسبة، أنّه يقاتل جماعات مسلّحة مدعومة من تركيا وقطر، خلال حربه مع ميليشيات متطرفة في العاصمة الليبية طرابلس.

 

 

للمشاركة:

أمريكا تفرض عقوبات جديدة على شركات إيرانية.. هذا ما تفعله

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

فرضت الولايات المتحدة، أمس، عقوبات جديدة على أكبر شركة طيران في إيران وعلى قطاع الشحن الإيراني بتهمة نقل أسلحة من إيران لليمن ونشر أسلحة للدمار الشامل.

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، للصحفيين، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء: إنّ واشنطن استهدفت ثلاثة وكلاء مبيعات عامة لشركة "ماهان إير"؛ بسبب الدور الذي تلعبه شركة الطيران في نشر أسلحة الدمار الشامل.

بدورها، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية؛ أنّه "تمّت أيضاً إضافة شبكة شحن إيرانية لقائمة سوداء بسبب تورطها في تهريب مساعدات فتاكة من إيران لليمن نيابة عن الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس التابع له".

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شركة "ماهان إير" وعدد من وكلاء مبيعاتها لنقلها مساعدات فتاكة لليمن

وتأتي العقوبات الجديدة بعد أيام فقط من تبادل للأسرى مطلع الأسبوع بين الولايات المتحدة وإيران في تعاون نادر منذ تصاعد التوتر بينهما، عقب انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015.

من جانبه، أكّد بومبيو، أنّ واشنطن ستواصل "حملة الضغوط القصوى" على إيران، لكنّه عبّر، في الوقت ذاته، عن أمله في أن يؤدي تبادل الأسرى مع إيران إلى مسعى أوسع نطاقاً لإطلاق سراح معتقلين أمريكيين.

أيضاً، قال وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، أمس: إنّ "جهود طهران لزعزعة استقرار المنطقة تتفاقم".

وأضاف أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب؛ أنّ بلاده تسعى لتعزيز دفاعاتها وتمكين شركائها من مواجهة تهديدات إيران، وتابع إسبر: "سنردّ بقوة حاسمة إذا هاجمت إيران مصالحنا أو قواتنا".

 

للمشاركة:



من هو عبد المجيد تبون الذي فاز بمنصب الرئاسة في الجزائر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-15

فاز رئيس الحكومة الجزائرية السابق عبد المجيد تبون في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي جرت في 12 ديسمبر/ كانون الأول الجاري بعد حصوله على أكثر من ثمانية وخمسين بالمئة من إجمالي أصوات الناخبين. وتبون البالغ من العمر أربعة وسبعين عاما كان في صفوف حزب جبهة التحرير الوطني، لكنه رشح نفسه كمستقل. وقال رئيس السلطة المستقلة للانتخابات، محمد شرفي، إن الانتخابات جرت في أجواء من الحرية والشفافية وأن نسبة الإقبال قد بلغت أكثر من تسعة وثلاثين بالمئة. وتزامن إعلان النتائج مع انطلاق الجمعة الثالثة والأربعين من الحراك الشعبي، إذ بدأ محتجون بالتجمهر في مدن عدة لمواصلة المطالبة بالتغيير ورفض الانتخابات.

الابن البار و تبون من بين المسؤولين الذين تولوا مختلف المناصب في الدولة وصولا إلى ثاني أعلى منصب وهو رئاسة الحكومة. لكنه حاول النأي بنفسه عن دائرة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بالرغم من أنه كان من بين وزرائه البارزين لسنوات عديدة. فقد أعلن في مؤتمر صحفي بعد إعلان ترشحه: "تعرضت للعقاب حتى أنهم نزعوا صوري من قصر الحكومة" حيث توجد صور كل رؤساء الحكومة منذ استقلال البلاد في 1962. وكان تبون يرد على سؤال حول اعتباره من رموز نظام بوتفليقة.

وكان بوتفليقة قد كلفه بمنصب رئيس الحكومة في 25 مايو/ أيار 2017 لكن بعد مرور أقل من ثلاثة أشهر عزله من منصبه وكلف أحمد أويحيى برئاسة الحكومة. ونقلت الأنباء حينها عن مصدر حكومي رسمي قوله: "إن رؤية رئيس الوزراء لم تكن متوافقة مع رؤية الرئيس" ووجود مشاكل في التواصل بين الرجلين. ويبدو أن قرارات تبون بمنع استيراد العديد من المنتجات من الخارج من قبل رجال أعمال مقربين من بوتفليقة وشقيقه سعيد كان وراء إنهاء مسيرته سريعاً. وكان علي حداد، رئيس أرباب العمل، من بين رجال الأعمال المتنفذين الذين استهدفهم تبون، وهو المسجون حاليا بتهم فساد، ويعد من المقربين من سعيد بوتفليقة المسجون أيضا بتهم فساد. وشغل تبون عدة مناصب وزارية خلال نحو سبع سنوات بشكل متواصل، كمنصب وزير للتجارة والإسكان والأشغال العمومية والثقافة إلخ. وتولى تبون منصب والي (محافظ) في الولايات الآتية:

تيزي وزو من 1989 إلى 1991

تيارت من 1984 لغاية 1989

أدرار من 1983 إلى 1984

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

الهيمنة الإيرانية تنتكس في مواقع نفوذها!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

هدى الحسيني

عبر وكلائها الإقليميين مثل «حزب الله» في لبنان والميليشيات المتحالفة معها في اليمن والعراق، مدت إيران نفوذها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، لكن اليوم، كثير من هؤلاء الوكلاء يواجهون ما يشبه «المحاكمات» الشعبية في مناطق وجودهم. ولا يمكن أن تأتي الاحتجاجات في وقت أسوأ منه بالنسبة إلى النظام الإيراني، الذي يكافح من أجل القضاء على اندلاع الاضطرابات العنيفة داخل إيران، التي يغذيها الفساد المستشري وتدهور الوضع الاقتصادي.
ظهرت قواسم مشتركة مثيرة للاهتمام داخل عقول المتظاهرين في الدول الثلاث، ترتبط بها الجوانب الأجنبية والمحلية، لكن برز أن الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني سببت تفاقم الحرمان لدى الفقراء والطبقة العاملة في هذه الدول، رغم أن إيران تطلق على ثورتها اسم «ثورة المستضعفين». كل هذا ينذر بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تواجه لحظة محاسبة قاسية لمكانتها الإقليمية.
تحاول بعض الأبواق الإيرانية، في لبنان بالذات، الإشارة إلى أن ما جرى في سوريا هو درس لأولئك الذين يتوقعون نوعاً من الربيع العربي، على أساس أن العنف والحرب الأهلية أمران ممكنان، مثل الانفتاح والإصلاح وسط الانهيار المنهجي، وإن لم يكن أكثر بالنظر إلى وجود الجماعات شبه العسكرية المسلحة، إضافة إلى مصالحهم التجارية الواسعة، التي ستخسر كل شيء في حالة انهيار النظام في الوقت الحالي.
في إيران اندلعت الاحتجاجات في أغلبية المدن إثر قرار حكومي يخفض دعم الوقود. كان رد الفعل الشعبي شديداً أدى إلى رد فعل دموي من جانب الحكومة، ولتخويف الناس أكثر اعترف التلفزيون الحكومي بأن قوات الأمن تقتل المتظاهرين. الجدير بالذكر أن كثيراً من أعمال العنف الحادة كانت في خوزستان موطن العرب الذين لهم تاريخ طويل من الصدامات مع سلطة الدولة، ما يوضح كيف أن الاضطرابات الاقتصادية الحالية تهدد بتفاقم الانقسامات الطائفية داخل إيران والمنطقة الأوسع. هذه المخاطر لا تقتصر على عرب خوزستان، إنها موجودة لدى الأكراد والآذريين، وربما الأخطر لدى البلوش في الجنوب، وكل هذه الأعراق لهم إخوة، في بعض الحالات متمردون نشطون، على الجانب الآخر من الحدود الإيرانية.
بعد «العصا» لوحت الحكومة الإيرانية «بالجزرة» عبر مساعدات مباشرة طبقت على الفور واستهدفت 70 في المائة من السكان! أرادت الحكومة دعم الركائز الأساسية للنظام (الفقراء). نجح أسلوب العصا والجزرة حتى الآن في قمع الاحتجاجات لكن الهدوء سوف يتلاشى طالما أن الاقتصاد الإيراني يتعرض لأقصى أنواع الضغوط.
أما العراق فإنه لا يزال يعيش موجة احتجاجات عنيفة واسعة النطاق، تغذيها قضايا الخبز والغضب من الفساد الحكومي. ثار العراقيون بعد صبر على نظام الحكم في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي. وزع النظام الوظائف العليا على أساس الانتماء الطائفي، وتُلقي الاحتجاجات اللوم عليه في إثراء الزعماء الدينيين والمجموعات شبه العسكرية على حساب الشعب العراقي. ولأن العراق دولة ذات أغلبية شيعية فقد أفاد هذا، النظام الإيراني الذي مارس نفوذاً على السياسة العراقية ورعى وجوداً عسكرياً وصاروخياً وأنشأ مجموعات «الحشد الشعبي» التي يبلغ عدد أعضائها مئات الآلاف، إنها تمثل قوات موازية للقوات المسلحة، تأخذ رواتبها وتُمنح الرتب الرسمية من الدولة العراقية، لكن افتقارها للاندماج في القوات العراقية هو شهادة على ضعف مؤسسات الدولة. ورغم أنها تحت قيادات عراقية الاسم، فإن لإيران التأثير الأكبر على هذه الجماعات. ما مقدار هذا التأثير؟ يقول لي مصدر عراقي معارض، إن هذا سيظهر فقط في حالة وجود خلاف استراتيجي خطير بين بغداد وطهران! العراقيون الغاضبون يعتبرون أن تأثير إيران على العراق مفرط ويضرّ بالبلاد، ولم يتأخر المتظاهرون في إشعال النيران في القنصليات الإيرانية في جنوب العراق حيث المراقد الشيعية.
غرقت حركة الاحتجاجات في العراق في أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الأمن والقوات شبه العسكرية (الحشد الشعبي)، ورغم عدد القتلى الذي فاق الـ400 لم تتوقف الحركة وحققت نجاحاً في 29 من الشهر الماضي بإعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي عزمه على التنحي «بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة»، وهنا تكمن الخدعة؛ إذ إن اختيار عبد المهدي استغرق ما يقرب من نصف العام، وسيخضع بديله لعملية التثبيت الطويلة والشاقة للغاية من قبل الأحزاب السياسية والرائدة والتي لن تتنازل عن امتيازاتها. لذلك فإن قصة العراق ستكون معقدة ومن غير المرجح أن يحصل المتظاهرون على عملية الإصلاح الشامل الذي يطالبون به في أي وقت قريب. وبالتالي فإن الحرب الأهلية ليست ببعيدة. لكن من ناحية أخرى، ورغم أن التغيير المنهجي في العراق بعيد المنال، ورغم ما قد يحدث على المدى القريب، فإن الموقف الجغرافي السياسي لإيران تآكل بشكل ملموس منذ اندلاع حركة الاحتجاج. قد يقتل عملاؤها كثيرين، لكن ضربة الفأس الأخيرة ستكون على الرأس الإيراني داخل العراق.
أما في لبنان فيريد الشعب إنهاء نظام المحاصصة والمحسوبية على أسس دينية، الذي بني على حساب الحكم الرشيد. وكما في العراق ستخسر إيران من أي إصلاح شامل لأنه يؤذي أهم وكلائها والأكثر موثوقية من قبلها، أي «حزب الله». يتمتع «حزب الله» بتاريخ طويل كوحدة شبه عسكرية وحزب سياسي في لبنان، ولاؤه لإيران، ومع ذلك فإن دخول الحزب إلى المسرح السوري دفع بعض المتظاهرين حتى عدداً كبيراً من الشيعة إلى التشكيك في التزامه بالمشروع الوطني اللبناني. مع قيام الثورة في لبنان التي أسقطت رئيس الوزراء، رغم أن الأمين العام للحزب حسن نصر الله أنذر اللبنانيين بأنه لا إسقاط للحكومة، ولا تغيير للعهد، ولا إصلاحات، قام بتعبئة مؤيديه ووحداته لضرب الثورة ودعم الحصص الطائفية السابقة، فسقط مشروعه بشكل فاضح. استمرت الثورة ورفض الثوار خياره الثاني لرئاسة الحكومة، كما أظهرت سلمية الثورة نوعية بلطجية مؤيدي الحزب ووحداته. يهدد الحزب عبر المقربين منه بأن الثورة هي مؤامرة عليه، وقد تؤدي إلى حدوث اشتباكات في المستقبل بين قواته وقوات الجيش اللبناني، إذا حدث هذا يكون الحزب قد ارتكب غلطة العمر.
القواسم المشتركة بين السياقات الوطنية الثلاثة صارخة. كل حركة تقاتل من أجل نظام سياسي واقتصادي أكثر عدالة وشفاف وغير فاسد، وترفض الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني. الديمقراطية لها ثمن، لكن في هذه الدول قد يكون ثمنها أغلى من بقية الدول، لأنها تشكل ضربة قاسمة لأهداف السياسة الخارجية الطويلة المدى لإيران. ستحاول هذه فرض العنف المستمر والاضطرابات وعدم الاستقرار على المدى القصير. لقد وضع المتظاهرون سقفاً عالياً لإصلاح الأنظمة الطائفية الفاسدة. وهذه الأهداف ستعمل على تنشيط الاحتجاجات إلى أبعد من المتوقع. لكن المزيج من مؤسسات الدولة الضعيفة المتعفنة، والقوات شبه العسكرية المدعومة بالسلاح، وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، وعلى سبيل المثال ديون لبنان المتضخمة، كلها تجعل المطلوب من المتظاهرين المثابرة والاستمرار وعدم التراجع.
ويجب الإيمان حقاً بأن لبنان ينتفض، والعراق ينتفض، وإيران تنتفض أيضاً. وستحتفل شعوب هذه الدول بالولادة الثانية لأوطانها، وهذا حتماً سيحصل، فالتنين يقترب من نهاية عمره!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

المصالحة مع قطر لم تنضج بعد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

جويس كرم

عامان ونصف على أزمة الرباعية العربية مع قطر. وعلى الرغم من بعض المؤشرات الأخيرة الموحية بحل وشيك، فإن عمق الخلاف واتساع مداه الجيوسياسي والإقليمي يشير إلى أن هذه المصالحة لم تنضج بعد.

توقع كثيرون أن تكون القمة الخليجية هذا الأسبوع منبر المصافحة بين أمير قطر تميم بن حمد والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز. إلا أن عدم حضور الأمير وإرسال رئيس وزرائه عبدالله بن ناصر يؤكد أن إطار المصالحة لم يكتمل بعد وأن هناك عراقيل جمة على المستويين الداخلي والإقليمي قد تؤخر حدوثها.

بالنظر إلى المؤشرات التي كادت توصل إلى مصالحة في الرياض هذا الأسبوع، فيمكن اختصارها بثلاث:

أولا، زيارة وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن إلى السعودية في أكتوبر الفائت كانت مفصلا رئيسيا باتجاه الحل. صحيفة "وول ستريت جورنال" التي كشفت عن الزيارة قالت إن الجانب القطري تعهد بوقف الدعم لتنظيم الإخوان المسلمين وأي تنظيمات تابعة له. مصادر مطلعة تقول إن ولي العهد السعودي استقبل وزير الخارجية القطري على العشاء في تلك الزيارة.

ثانيا، الضغط الأميركي في الفترة الأخيرة لإيجاد حل أو على الأقل رفع بعض وسائل المقاطعة التي وضعتها الرباعية (السعودية، الإمارات، مصر والبحرين) في العام 2017. وهذا ما توجته اجتماعات دفاعية في الرياض وواشنطن تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، وخطوات مثل المشاركة من قبل البحرين والسعودية والإمارات في كأس الخليج الذي استضافته قطر قبل أيام.

ثالثا، العوامل الاقتصادية وتطلع معظم الأطراف إلى رفع الإجراءات التي تمنع التسهيلات الاقتصادية والاستثمارات. هذا الدافع تعززه المقاربة الأميركية وتذمر كبار الشركات في الولايات المتحدة من كلفة القطيعة على الحركة المصرفية والبحرية والجوية لهذه الشركات في الخليج.

في الوقت نفسه، اصطدم هذا المناخ الإيجابي تجاه المصالحة بعدة عوامل على أرض الواقع أدت إلى عرقلته حتى اليوم؛ ومن أبرزها:

أولا، انتظار دول الرباعية خطوات ملموسة حول وقف قطر لدعم تنظيم الإخوان وفروعه وليس فقط تعهدات. فحتى حين قدمت قطر تعهدات خطية لمجلس التعاون في الماضي، نكثت بها على أرض الواقع. من هنا، لا يكفي تعهد وزير خارجيتها، وهناك ترقب من الدول المقاطعة لخطوات محددة في هذا المجال.

ثانيا، زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الدوحة بعد أسبوعين من زيارة وزير الخارجية القطري للسعودية، وضعت أنقرة في صلب هذه المعادلة. فالوجود العسكري التركي في قطر ما زال مرفوضا من دول المقاطعة، وما من مؤشر بأن إردوغان في صدد الانسحاب لا بل هو يبدي استعدادا لاستنساخ هذه الاستراتيجية في ليبيا.

ثالثا، هناك وجهات نظر مختلفة داخل الرباعية ومطالب تتمايز بين دولة وأخرى رغم الالتقاء على الإطار الأوسع. من هذا المنطلق قد يكون هناك حاجة إلى مفاوضات متعددة الأطراف وليس فقط سعودية ـ قطرية لإنجاح مساعي إنهاء الأزمة.

رابعا، رغم الهدنة الإعلامية القصيرة، ما زال التشنج في الخطاب الإعلامي بين قطر والرباعية يطبع الموقف بسبب التباعد الجيوسياسي والإقليمي المستمر في أكثر من ملف.

خامسا، العلاقة الإيرانية ـ القطرية، التي شهدت تقاربا منذ الأزمة الخليجية، مصدر قلق لدول الرباعية والولايات المتحدة. وهذا سيتطلب التزامات من الدوحة للبقاء ضمن المظلة الخليجية من دون أن يعني مقاطعتها لطهران.

هذه المعطيات ترجئ المصالحة مع قطر اليوم وترجح خطوات تدريجية قبل حل شامل للأزمة. إنما أي مصالحة كاملة ستستوجب خطوات ملموسة وليس فقط تعهدات، وعليها أن تنال موافقة كل الدول المقاطعة بمن فيها مصر. الى حين اتمام ذلك، ستضغط الولايات المتحدة لاتخاذ تسهيلات في القطاع المصرفي أو لرفع الحظر الجوي والبحري تخفف العبء على شركاتها وتفسح المجال لخطوات أكبر.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية