أخلاقية الممارسة السياسية لدى الإخوان المسلمين: فساد التجربة السودانية

16378
عدد القراءات

2019-04-04

روّج الإخوان المسلمون، ممثلين في حسن الترابي، لعقود طويلة، لما أسموه بـ "أخلاقية الممارسة السياسية"، وظلوا يقللون من كسب الأحزاب الأخرى في الصدد ذي الإحالات والمرجعيات الفكرية والقيمية الدينية فقط، بحسب الترابي وتلاميذه.
استطاع الإسلامويون، منذ ظهورهم على مسرح السياسة السودانية، وحتى انقلابهم على الديمقراطية، عام 1989، إيهام عامة الناس بأنهم ذوو أخلاق عظيمة مستمدة من تدينهم وزهدهم في عرض الدنيا وتوقهم للثواب الأخروي، بوصفهم فسطاط إيمان، وغيرهم من الأحزاب السياسة فسطاط كفر لا أخلاق له ولا قيم.

اقرأ أيضاً: الدرس الجزائري السوداني
لكن، ما إن وصلوا إلى السلطة، عبر انقلاب عسكري، حتى بدأ الاختبار الحقيقي لأخلاقهم، فما هي النتيجة؟  
حسن الترابي

افتراق ومفاصلة
يقول الباحث في علم الاجتماعي السياسي، د. بهاء عطا الفضيل، لـ "حفريات": لعلّ الإخوان السودانيين استمدوا هذا التمييز بينهم وبين الآخرين في كلّ شيء من فكر سيد قطب، القائل: "الافتراق الذي لا التقاء فيه، والاختلاف الذي لا تشابه فيه، والانفصال الذي لا اتصال فيه، والتمييز الذي لا اختلاط فيه، وتميّز واضح دقيق". ويقول: "وهذه المفاصلة بهذا الوضوح ضرورية للداعية، وضرورية للمدعوين"، و"بغير هذه المفاصلة، سيبقى الغبش، وتبقى المداهنة، ويبقى اللبس، ويبقى الترقيع، والدعوة إلى الإسلام لا تقوم على هذه الأسس المدخولة الواهنة الضعيفة، إنها لا تقوم إلّا على الحسم والصراحة والشجاعة والوضوح".

الإخوان السودانيون لا يؤمنون بالديمقراطية وتبنت حكومتهم الانقلابية برنامجاً دينياً رسالياً يتخطى حدود السودان ويهدف لإحياء الخلافة الإسلامية

هذه الدعوة إلى المفاصلة الشاملة؛ هي التي جعلت الإخوان المسلمين في السودان يعتقدون أنهم الحزب الأكثر نقاءً وصدقاً وأخلاقيةً، طالما يحكمون بما أنزل الله تعالى ويطبقون الشريعة الإسلامية، وأنّ سواهم محض محنطين قيمياً وأخلاقياً، ليس لهم وازع ديني، ولا رادع أخلاقي، يمنعهم من ارتكاب كافة الموبقات في السياسة وغيرها.
ويستدرك عطا الفضيل: إلّا أنّ الجماعة رسبت في أول اختبار حقيقي لها، فأصبح شعارها المفضل "ما لدنيا قد عملنا، نحن للدين فداء"، محض كلمات بلا قيمة؛ حيث عمّ الفساد، وضرب سائر المؤسسات. ووفق تقارير المراجع العام؛ فإنّ المؤسسات ذات الطابع الديني كانت الأكثر فساداً، مثل: ديوان الزكاة، وهيئة الحج والعمرة، فيما مؤسسات أخرى شبيهة لا تتم مراجعة حساباتها، مثل هيئة علماء السودان، وبحسب المؤشرات العالمية لمدركات الفساد ومؤشرات منظمة الشفافية الدولية، فإنّ السودان ظلّ على رأس قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم، منذ تسلّم الإخوان المسلمين السلطة فيه، وحتى اللحظة. 

اقرأ أيضاً: ماذا يريد الشباب السوداني؟
وأشار عطا الله إلى أمر آخر، رآه أسّ الفساد الإخواني في السودان، بحسب تعبيره، وهو ما سمّي "سياسة التمكين"؛ التي أقرها حسن الترابي، والقاضية بتمكين أعضاء الجماعة، وتسكينهم في أجهزة الدولة، وإحلالهم في الوظائف العامة والأجهزة الأمنية والجيش، بدلاً من منتسبي الأحزاب السياسية الأخرى، وعامة الموظفين من غير ذوي الانتماءات السياسية، الأمر الذي أفسد الخدمة المدنية وأضعفها.
ليس الإخوان كلّهم
من جانبه، رأى الباحث الأكاديمي في شؤون الجماعات الإسلامية، عثمان تاج الدين، في حديثه لــ "حفريات"؛ أنّ تنظيم الإخوان السوداني انحرف عن مساره ما إن بلغ السلطة، لكنّ وصم جميع أعضائه بالفساد، أو التزام الصمت عنه، أمر فيه افتئات على الحقائق، والدليل على ذلك التقارير السنوية للمراجع العامة، التي يستند عليها المنتقدون، فكل الذين تسنموا هذه الوظيفة هم أعضاء أصيلون في الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، لكنّ جميعهم التزموا بالقيم والأخلاق المهنية لوظيفتهم، وكان بمقدورهم تزوير التقارير وعدم الإشارة إلى استشراء الفساد خاصة في المؤسسات ذات الطابع الديني؛ كديوان الزكاة، وهيئة الحج والعمرة، وخلافهما.

وضع كلّ الإخوان المسلمين في سلة الفساد فيه ظلم كبير ومجافاة للحقائق فمنهم من كلفهم انتقادهم للفساد والتمكين وظائفهم

ونوّه تاج الدين إلى أنّ الكثير من رموز الحركة الإخوانية السودانية كلفهم انتقادهم للفساد والتمكين واحتكار السلطة علاقتهم بالتنظيم؛ بل ووظائفهم المرموقة في الحكومة والحزب، فخرج عنهم شيخهم وعرابهم، حسن الترابي، وناوأهم فتعرض للسجن والإقصاء، وكذلك بعض تلاميذه الذين حملوا السلاح ضد إخوانهم، مثل "حركة العدل والمساواة" في دارفور، بقيادة الإسلامي خليل إبراهيم، وخلفه بعد مقتله شقيقه جبريل، كما خرج عن التنظيم المفكر د. التيجاني عبد القادر، والباحث الأكاديمي المرموق د. عبد الوهاب الأفندي، والسياسي د. غازي صلاح الدين، وأسس حزب الإصلاح الآن الذي يقف إلى جانب المعارضة ضدّ نظام البشير؛ لذلك فإن وضع كلّ الإخوان المسلمين في سلة الفساد فيه ظلم كبير ومجافاة للحقائق المحضة، وإن كنت أؤمِّن على أنّ السودان لم يشهد منذ استقلاله فساداً كالذي حدث ويحدث الآن في ظل حكم الإسلاميين، وفق قول تاج الدين. 
 فشل شعارات الإخوان المسلمين من شاكلة "الإسلام هو الحل"

نتائج كارثية
إلى ذلك، لفتت الباحثة في علم الاجتماع، سامية الجاك، إلى أنّ البعض يرى أنّ الأخلاق والسياسة مختلفتان بطبيعتهما، لكن في الواقع يمكن دمجهما في تفاعل متبادل إذا ما توفر مناخ من الحرية والاعتدال، وذلك لأن الفضيلة السياسية لا يمكن أن تنمو في مناخات التطرف والعنف والغلو، ومع غياب حقوق المواطنة والعدالة والمساواة والمشاركة، وهذا ما تؤمنه الديمقراطية، خصوصاً مع ثورة الاتصالات ومواقع الاتصال الاجتماعي، حيث أدى ذلك إلى سرعة تبادل المعلومات والخبرات، وتنامى بذلك الشعور بالتضامن المشترك، حول القيم الأساسية العامة، ما يمكن أن يؤدي إلى الثقة بإمكانية نمو موقف عالمي، قادر على نصرة الشعوب وقيم الخير والحق، ورفض العنف والحروب، لتكريس نظام عالمي عادل يصون حقوق الناس بالتساوي، مع رعاية العلاقات بين الدول على أساس التنافس، الذي أدى إلى اتساع رقعة ما يعبر عنها بدول الحريات في العالم؛ حيث غزت الديمقراطية معظم الدول التي تفككت عنه.

اقرأ أيضاً: الحركة الإسلامية أول الخاسرين في احتجاجات السودان
وأضافت الجاك: الإخوان السودانيون، لا يؤمنون بالديمقراطية، وبالتالي؛ تبنت حكومتهم الانقلابية برنامجاً دينياً رسالياً، يتخطى حدود السودان، ويهدف لإحياء الخلافة الإسلامية، فأفضت تجربتهم إلى تكريس نظام حكم استبدادي شمولي فاسد، كانت نتائجه كارثية، ومنها: استشراء الفساد، والسير بالاقتصاد نحو الهاوية، مما أدى إلى هجرة ملايين السودانيين من أصحاب الكفاءات والمؤهلات العلمية بحثاً عن لقمة العيش الكريم.
ومن الناحية الأخلاقية؛ كان الفشل أكبر بكثير من النواحي السياسية والاقتصادية، وهنا جوهر المأساة؛ فمشروع الإخوان المسلمين يطرح موضوع القيم كأساس لجميع شعاراته، ومع ذلك يشهد السودانيون كيف صار الفساد ونهب مال الدولة فعلاً عادياً ويومياً، إلى جانب الانتشار الواسع للمخدرات وغسيل الأموال وعصابات النهب، وهذه مؤشرات واقعية وملموسة على فشل شعارات الإخوان المسلمين من شاكلة "الإسلام هو الحل"، ودعوتهم لتطبيق الشريعة، وإقامة الدولة الإسلامية، باعتبار أنها ستجلب الحلول السحرية لجميع المشاكل، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: