"الحضارات في السياسة العالمية": دحض النزعة الاستثنائية الغربية

1458
عدد القراءات

2019-02-28

الفكرة الرئيسة في كتاب "الحضارات في السياسة العالمية وجهات نظر جمعية وتعدّدية"، الذي حرره بيتر جي كاتزانشتاين، الذي يعتبر من أهم منظري "المدرسة البنائية" في العلاقات الدولية، هي تقديم مزيج من المقاربات التي تنأى بنفسها عن النزعة الاستثنائية ومحاولة دحض أطروحة صمويل هنتنغتون المركزية في كتابه المثير للجدل "صدام الحضارات" منذ أزيد من عقدين من الزمان.

الفكرة الرئيسة في الكتاب تقديم مزيج من المقاربات التي تنأى بنفسها عن النزعة الاستثنائية ومحاولة دحض أطروحة هنتنغتون

ونظراً لأن الكتاب (نشر باللغة العربية العام 2012 عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية) يعرض وجهة نظر "المدرسة البنائية" في العلاقات الدولية؛ نشير إلى أنّ هذه المدرسة حديثة العهد في العلوم الاجتماعية بشكل عام، وحقل السياسة والعلاقات الدولية، حيث دخلتها مع نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وسرعان ما أخذت حيزاً كبيراً في أدبيات هذا العلم لتكون المنافس القوي للنظريات التقليدية مثل الواقعية والليبرالية.
لا تشكل البنائية نظرية واحدة ومتماسكة، بل مجموعة من المقاربات المختلفة التي تشترك في عدة نقاط؛ أهمها أنّها تشكك بأي افتراض ينطلق من أنّ هناك حقائق وأشياء موجودة ومحددة بعيدة عن إرادتنا، فهي ترى أنّ عالمنا هو عملية أو مشروع مستمر في البناء من خلال التفاعل بين الأطراف الفاعلة (Agent)، والبناء (Structure).

 كتاب "الحضارات في السياسة العالمية وجهات نظر جمعية وتعدّدية"

ولذلك تركز البنائية على أهمية كل من البِنى المعيارية والبِنى المادية في بناء الهوية المحددة للأفعال السياسية، والعلاقة بين البنى والعملاء أو الفاعلين الدوليين، فهي بذلك تجمع بين النموذجين العقلاني والنقدي في آن معاً. وبشكل عام (لأن هناك بعض التباينات التفصيلية  بين منظري المدرسة حالياً) جذبت البنائية الكثير من التنويعات خارج حقل العلاقات الدولية في مختلف العلوم الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: كيف يصنعون الظلام؟.. تفكيك ثالوث الطائفية والتكفير والإرهاب

يعتقد منظّرو هذه المدرسة (وعلى رأسهم ألكسندر فندت، نيكولاس أونوف، أمانويل أدلر، وفردريك كروتشويك، وبيتر جي كاتزنشتاين، كرستيان ريوس-سميت، ريتشارد نيد ليبو، وغيرهم) أنّ تفسير الهويات وتشكيل المصالح يمكنه أن يفسر الكثير من الظواهر السياسية الأكثر تعقيداً، والتي فشل العقلانيون في تحليلها من قبل، كما يعتقد البنائيون أنّ كلاً منها يملك تأثيراً متبادلاً في الآخر، ولهذا فإنّ هوية الفاعلين تؤثر في سلوكهم، كما يؤثر سلوكهم في هويتهم.

 تستطيع الحضارات أن تصبح تجسيدات مادية ولا سيما لدى قيامها بتشجيع حضارات أخرى

ولذلك فإنّ افتراض البنائيين للتأثير المتبادل بين البنى والفاعلين، يجعل من نظرتهم نحو الفاعلين الدوليين سوسيولوجية -حسب بعض الباحثين- بمعنى أنّ الفاعلين الدوليين يشكلون هوياتهم، ومصالحهم، وسلوكياتهم بحسب ما يصل إليهم عن طريق التواصل والتفاعل في ما بينهم. كما أنّ البنائيين يعتبرون أنّ المجتمع ليس حقلاً استراتيجياً يلاحق كل طرف فيه مصالح محددة مسبقاً، بل على العكس فإنّ المجتمع يحكم معرفة ووجود الأطراف الموجودة ضمنه.

المهم في عرضنا للنظرية أنّها تركز على قوة الأفكار والحضارات في تشكيل السلوك الدولي لكل من الأطراف الفاعلة والبنى الاجتماعية التي يشكلونها. وجاء الإرهاب العالمي، وهجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، داعماً لهذه الفرضيات، خاصة بعد أن نجحت بعض "الأطراف الفاعلة من غير الدول" مثل تنظيم القاعدة في تحدي الهيمنة المادية التي تتمتع بها الولايات المتحدة، مما أعطى البنائية دفعة قوية كنظرية تفسيرية، لكشفها أنّ الهويات والثقافة هي محددات أساسية لسلوك الأطراف الفاعلة في البيئة الدولية في عالم متغير.

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟
طبعاً ما سبق لا ينفي سطوة نظرية هنتنغتون التفسيرية؛ لأنّ الجدل السياسي والاجتماعي والثقافي محتدم اليوم، في الغرب وفي الولايات المتحدة الأمريكية، برئاسة دونالد ترامب حول مسائل من صميم صراع الحضارات وانتشار الشعبوية والإرهاب والتطرف العنيف، حيث يمكن للمتابع السياسي والثقافي الحصيف أنّ يرى ويحسّ أطياف وأشباح هنتنغتون في البيت الأبيض.

صمويل هنتنغتون
وخلال فصول الكتاب الثمانية المختلفة، يلاحظ أنّ هنتنغتون كان موجوداً في كل السطور؛ لأنّه ركز بصراحة ووضوح منقطع النظير على قوة الأفكار والحضارات في تشكيل السلوك الدولي لكل من الأطراف الفاعلة والبنى الاجتماعية التي يشكلونها.
لكن يجب الإشارة الى أنّ هنتنغتون لم يكن يصدر عن نظرة بنائية، لأنّه توفي وهو يعتبر واقعياً محافظاً، ولقد تحدث عن قوة الأفكار والحضارات من واقع فهمه للنظرية الواقعية المحافظة، ولم يكن يسعى إلى تعزيز أو استخدام فرضيات النظرية البنائية، وهذا ما يفسر النقد والهجوم عليه ومحاولة دحض ونسف أفكاره في الكتاب.

اقرأ أيضاً: دولة جماعات الإسلام السياسي المستحيلة
لكن يُسجل لهنتنغتون في حقل الحضارات والسياسة الدولية ونظرية العلاقات الدولية، أنّه استطاع من خلال أطروحته المثيرة للجدل حول صدام الحضارات 1993 و1996، أنّ يبعث ويفجر نشاطاً منقطع النظير، سياسياً واجتماعياً وثقافياً وفكرياً، في البحث والتحليل والتأليف في الرد أو نقد أطروحته. ومثال على ذلك؛ الكتاب الذي نعرض له، الذي يعتبر من أهم الكتب التي صدرت في حقل العلاقات الدولية خلال العقد الماضي التي استفادت أو استفزتها أطروحة هنتنغتون، والردّ عليها حسب اعتراف كاتزنشتاين محرر الكتاب نفسه.
عالم حضارات جمعية وتعددية
يقول كاتزانشتاين إنّ الكتاب يختلف بحدة عن مقولة الصدامات بين حضارات أحادية التي طرحها هنتنغتون بين عامي 1993 و1996. ومن المؤكد أنّ مقولة هنتنغتون جديرة بمعاينة دقيقة ليس بسبب ميزتها الفكرية فقط؛ بل لأنها تُرجمت إلى (39) لغة، وفي الفصل الافتتاحي الذي كتبه كاتزانشتاين بعنوان" عالمُ حضارات جمعية وتعددية" يقول: إن الحضارات موجودة جمعاً، وهي تتعايش فيما بينها في إطار حضارة حداثة واحدة، أو ما بتنا نطلق عليه اليوم في الكثير من الأحيان اسم "عالم كوكبي".

لا تشكل البنائية نظرية واحدة ومتماسكة بل مجموعة من المقاربات المختلفة التي تشترك في عدة نقاط

وبهذا، كما يقول، فإنّ الحضارات تعددية، وهذه التعددية ناجمة عن حشدٍ من النواميس وسلسلة من الحوارات والاختلافات المتنوعة، ولأنّ مفهوم الحضارة تاريخياً  كان بالمُفرد في الحضارة الأوروبية في القرن الثامن، بمعنى النظر إليها بوصفها برنامجاً ثقافياً متماسكاً جرى تنظيمه تراتبياً حول نواة قيم لا خلاف حولها، ما لبث أن تكرس في تأسيس "معيار حضاري" وقانون أمم متحضرة، وغير متحضرة.
ويشير كاتزانشتاين الى أنّ عدم منطقية النظرة إلى الحضارة بصيغة المفرد وبأنّها حكر على المنظومة المعرفية الغربية، فهي تمّيز أيضاً الخطاب العام لعددٍ كبيرٍ من أجزاء العالم غير الغربية؛ ففي اليابان أولاً والصين الآن، وربما الهند قريباً، باتت الأصوات ترتفع معلنة بزوغ فجر تفوق آسيا الحضاري في الشؤون العالمية"، ولذلك يصرّ الكتاب على النقيض من فكرة الحديث عن الحضارة بالمفرد على تكريس الحديث عن حضارات تعددية وجمعية.

اقرأ أيضاً: "مالك الحزين".. أصلان يضع المجتمع المصري أمام مرآته
وفي شؤون العالم المعاصر يشير الكتاب إلى أنّ أصداء خطابات المعيار الحضاري ما زالت تتردد، "حيث يجري استحضارها في النقاشات الدائرة حول الدول الفاشلة، وحول الأساليب والسياسات التي يتعين على الدول الآسيوية اتباعها لمواجهة التحديات التي يطرحها الغرب المتقدم، وحول معايير كوكبية للحكم الرشيد ولحقوق الملكية ولحرية الأسواق، والعولمة".
ورغم حسنات هذا النقاش الذي يستحيل إنكاره، ولا يزال مستمراً؛ يرى كاتزانشتاين في المقابل أنّ "ثمة عالم حضارات جمعية متجذر في نسق أوسع لم يعد قابلاً لأنّ يتحدد بمعيار واحد معبر عن تراتبية أخلاقية معنوية صارمة".
وبهذا يمكن القول إنّ هذا التحليل ينسف بنيان نظرية الصدام الحضاري، الذي تصوَّره هنتنغتون عن الحضارات وحدودها الطبيعية والاجتماعية، وكأنها حدود قارية وجدران ملساء تمنع الالتصاق.

ابن خلدون أرسى الأساس النظري المفهومي لتحليل الحضارة العالمية

التعددية الداخلية للحضارات

وفي هذا السياق، تقدّم فصول الكتاب الثمانية تحليلاً لأمريكا، أوروبا، الصين، اليابان، الهند، الاسلام، يوفر تأييداً قوياً للنظرة الجمعية والتعددية إلى الحضارات.

الحضارات ليست جامدة مكاناً وزماناً كما أنّها شديدة التمايز داخلياً وفضفاضة الاندماج والتكامل ثقافياً من ناحية ثانية

رغم أنّ المؤلفين للكتاب أظهروا أوجهاً متباينة حول مقارباتهم للحضارات المدروسة، وعدد من المسائل النظرية، إلا أنّ تحليلات كل من: جيمس كورث في الفصل الثاني (الولايات المتحدة بوصفها قائدا حضارياً)، وإيمانويل أدلر، في الفصل الثالث (أوروبا بوصفها أسرة ممارسة حضارية)، وديفيد كانغ في الفصل الرابع (الحضارة وتشكل الدولة في الصين)، وديفد ليهني في الفصل الخامس (مبادرة الساموراي إلى نجدة هنتنغتون)، وسوزان رودولف في الفصل السادس (أربع تنويعات على أوتار الحضارة الهندية)، وبروس لورنس في الفصل السابع (الإسلام في أفرو-أوراسيا)، بالمجمل أكدت على نحوٍ كاسح، على التعددية الداخلية للحضارات وإلى التعايش بين جميع  الحضارات.
في النهاية يصف كاتزانشتاين بشكلٍ مكثف فكرة الكتاب الرئيسية قائلاً إنّه "يصف الحضارات بكونها تشكيلات، كواكب، أو مجمعات، وهي ليست جامدة مكاناً وزماناً، كما أنّها شديدة التمايز داخلياً من ناحية، وفضفاضة الاندماج والتكامل ثقافياً من ناحية ثانية. ولأنها متمايزة فإنها تنتقل انتقائياً لا جملة، ولأنّها فضفاضة الاندماج الثقافي، فإنّها تتمخض عن آيات من الحوار والنزاع. وبوصفها تركيبات اجتماعية منتسبة الى الجذور الأولية، تستطيع الحضارات أن تصبح تجسيدات مادية ولا سيما لدى قيامها بتشجيع حضارات أخرى".

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يقلّب كتاب الأيام ويحدّق في الألم
ويؤكد كاتزانشتاين أنّ الحضارات "لا تُؤسَّس لعالم فوضى –هوبزي ولا لمجال عام تواصلي –هابرماسي، ولا لإمبراطورية ولا لعاصمة كونية. بل نجدها بدلاً من ذلك أنظمة اجتماعية ضعيفة القاعدة المؤسسية منعكسة في، ومتشكلة بفعل سلسلة متنوعة من الممارسات والسيرورات".
وهي بذلك تعبّر عن أنماط مختلفة من الفكر، تتطور تدريجياً متجاوبة مع تعدديتها الداخلية ولقاءاتها الخارجية، ويمكن القول إنّ هذا يلتقي مع أطروحة ابن خلدون الذي أرسى الأساس النظري المفهومي لتحليل الحضارة العالمية والتي يستشف منها عدم قابلية اختزال الشرق والغرب إلى مجرد نقيضين، فضلاً عن أنّ الخطاب الحضاري نفسه ليس اختراعاً غربياً وليس تركيباً اجتماعياً محصوراً في الحضارة الغربية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟

2019-08-21

تتعدد الخطابات والمقاربات حول علاقة الإسلام السياسي بالحداثة وقيمها بتعدد مقاصد أصحابها وتنوع اهتماماتهم الفكرية والمنهجية والسياسية والأيديولوجية من جهة، وبتعدد تشكيلات الحركات الإسلامية نفسها وملابسات نشأتها وكثرة انعطافاتها التاريخية من جهة ثانية، والتباس خطابها وزيغ مواقفها من قيم الحداثة وقضاياها الحيوية، كقضية الديمقراطية والمشاركة السياسية وحقوق المرأة وحقوق الآخر المختلف وغيرها من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: المغرب: هل ينجح السلفيون التائبون في مواجهة التطرف؟

فإذا كان ثمة من يقول بوجود اختلاف جوهري بين المعتدلين والجهاديين من الإسلاميين حول تلك القضايا ولكل منهما سلوكه وخطابه، فثمة من يرى أنّ الاختلاف بينهما هامشي وليس أساسياً. كما أنّ الفرق في خطابهما هو فرق بالدرجة لا بالنوع، وهو خلاف حول مجال تطبيق المبدأ وليس في المبدأ ذاته. فما هو واضح معلن في خطاب المتطرفين منهم كامن خفيّ في خطاب المعتدلين.

يبين الكاتب أن هناك قطيعة معرفية أولى بين فكر الحركات الإسلامية وفكر الحركة السلفية الإصلاحية

في سياق المشاركة في هذا السجال حول مدى التماثل أو التمايز في فكر ومواقف الإسلاميين من قيم الحداثة، يقدم الباحث المغربي، إبراهيم أعراب، إسهاماً مهماً في هذا السجال؛ من خلال كتابه "الإسلام السياسي والحداثة" الصادر عن دار إفريقيا الشرق عام 2000، والذي يقدم مقاربة تحليلية للثقافة السياسية لحركات الإسلام السياسي ونُخَبها بشكل عام، وللثقافة والسلوك السياسي للجماعات السياسية في المغرب بشكل خاص، كجماعة "العدل والإحسان" و"الإصلاح والتوحيد" و"البديل الحضاري" تُبيّن مدى اختلافها عن مثيلاتها في المشرق ومدى تعارضها أو توافقها مع الحداثة والديمقراطية وقيمها، وتحاول استجلاء مواقفها من مسألة المشاركة السياسية أو رفضها على ضوء التحولات السياسية التي شهدها المغرب في عامي 1996-1997 بما فيها الاستفتاء على الدستور المعدل والانتخابات البرلمانية.

غلاف الكتاب

وانطلاقاً من تعريفه لمفهوم الثقافة السياسية باعتباره "مجموعة المعتقدات والمواقف والقيم والمثل والعواطف والتقييمات المهيمنة عند جماعة ما، والتي تقوم بدور توجيهي لسلوك أعضائها على المستوى المعرفي أو العاطفي أو التقييمي" والتي غالباً ما تكون صعبة التغيير، يَرجِع الباحث في تحليل مضامين الثقافة السياسية للحركات الإسلامية إلى تاريخ هذه الحركات وملابسات نشأتها واستقصاء علاقتها الفكرية بما سبقها من حركات مؤثرة في تاريخ الإسلام الحديث كالحركة الفكرية السلفية، ليبين أنه ثمة قطيعة معرفية أولى بين فكر الحركات الإسلامية وفكر الحركة السلفية الإصلاحية.

يقدم الكتاب مقاربة تحليلية للثقافة السياسية لحركات الإسلام السياسي ونُخَبها عامة وللثقافة والسلوك السياسي للجماعات السياسية بالمغرب خاصة

فالسلفية كانت منبهرة بالنموذج الحداثي الغربي ومنفتحة نسبياً على الحوار الحضاري بين الغرب والشرق، وإن كانت مسيرتها تقهقرية من فكر الأفغاني إلى محمد عبده إلى رشيد رضا الذي استلهم حسن البنا ثقافته من أفكاره الارتدادية نحو ابن تيمية، وأصبحت حركته أقرب إلى التنظيم السياسي المحكم ذي المركزية الصارمة، وإن كانت ترفض الحزبية من منطق عدم الإخلال بوحدة الأمة. وقطيعة ثانية بين التيار الجهادي الذي يتمثل فكر سيد قطب الذي يشكل فكر المودودي وخطابه الجهادي مرجعيته الأساسية، وبين الفكر التأسيسي لحركة الإخوان المسلمين التي تفرعت منها جملة الحركات الإسلامية المعاصرة وخرجت من تحت عباءتها بظروف سياسية مختلفة.

اقرأ أيضاً: هل تلاحق الفضائح الأخلاقية أعضاء في الجماعات الإسلامية بالمغرب؟
وبالرغم من انتماء حسن البنا وسيد قطب إلى جيل واحد وظرفية تاريخية واحدة ومنبت اجتماعي فلاحي ريفي وثقافة تقليدية واحدة وأهداف مشتركة وتحركهما بإستراتيجية واحدة مع اختلافهما في المنهج والتكتيك، وبالرغم من اشتراك المرجعية النصية لهذه الحركات مع سلفها الإخواني في مسألة الإحيائية الأصولية والعودة للسلف الصالح، ورؤيتها للإسلام في كليته وشموليته باعتباره "ديناً ودنيا" وصالحاً لكل زمان ومكان، والدعوة إلى التغيير وأسلمة المجتمع والدولة بكل الطرق الجهادية التي تمكنها من الوصول إلى السلطة وفرض الحل الإسلامي، وهو ما يتفق مع المرجعية الإخوانية التي ظل خطابها وثقافتها السياسية نموذجاً جاذباً لهذه الحركات على كل حال.

 ثمة تحول فكري وانعطاف سلوكي حدث في مسيرة الحركات الإسلامية

إلا أنّه ثمة تحول فكري وانعطاف سلوكي حدث في مسيرة الحركات الإسلامية، وتوجهها الجديد مع سيد قطب، ذهب بها بعيداً نحو التطرف والراديكالية والعنف الجهادي والعمل السري والمواجهة مع السلطة ومقاطعة الدولة والمجتمع بتأثير الخطاب القطبي وقوله بالتكفير وجاهلية المجتمع ومبدأ الحاكمية تحت ضغط المرحلة الشعبوية الناصرية والاصطدام بالفكر القومي الناصري بداية، ثم بتأثير التجربة الإسلامية الخمينية فيما بعد، بينما كان الخطاب الإخواني التقليدي يميل إلى الاعتدال والحذر من اللجوء إلى التكفير والميل إلى قبول المشاركة السياسية والعمل العلني المتدرج والاهتمام بالجانب الدعوي التربوي.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفق اليسار في المغرب رغم فشل الإسلاميين؟
ويشير الباحث إلى (وضوح هذا التمايز في ما كتبه حسن البنا في "مذكرات الدعوة والداعية" وكتاب الهضيبي" دعاة لا قضاة" وبين ما كتبه سيد قطب في "معالم في الطريق" وما كتبه شكري مصطفى في "التوسمات" ومحمد عبد السلام فرج في "الفريضة الغائبة"...). كما يشير إلى أنّ هذا الانعطاف لم يلغ وجود التيار المعتدل تماماً من ساحة الفعل السياسي الوطني المحلي أو العربي بل نشهد تعايش التيارين؛ الدعوي والجهادي، معاً رغم الاختلاف والمنازعات بين فصائلهما المتعددة.

الحركة الإسلامية بالمغرب وسؤال المشاركة السياسية وحقوق الآخر المختلف

لا يختلف حال الحركات الإسلامية في المغرب عن مثيلاتها في المشرق اختلافاً جدياً في الموقف من الديمقراطية والمشاركة السياسية في مؤسسات الدولة وتدبير شؤون الحكم، أو في موقفها من المواطنة وحقوق المرأة وحقوق الأقليات؛ إذ يرى الباحث أنّها كمثيلاتها في المشرق "يتوزعها تياران أساسيان يميل أحدهما إلى الاندماج والمشاركة السياسية وفق أسلوب وإستراتيجية تقوم على التوافق والتراضي... ويميل الآخر أكثر إلى إستراتيجية المواجهة والصراع في سلوكه السياسي".

إن قبول المعتدلين من الإسلاميين بالتنوع والتعدد الثقافي في دولة الإسلام لا يعني قبول التعدد السياسي أو الاعتراف بهوية الآخر

وقد صار تمايز هذين التيارين أكثر وضوحاً بعد التحولات السياسية والدستورية التي جرت في المغرب خلال عام 1996 و1997. التي أفصحت عن تكوّن بوادر وعي قابلة للتطوير بأهمية الديمقراطية وضرورتها كآلية إجرائية تقوم على حق الانتخاب والترشيح وتداول السلطة والتعددية والتسوية عند التيار المعتدل الذي باتت تمثله حركة الإصلاح والتجديد بعد انضمامها إلى حركة الجبهة الشعبية الدستورية الديمقراطية التي غيرت اسمها لاحقاً إلى حزب "العدالة والتنمية"، ودخولها العمل السياسي الحزبي الشرعي ثم توحدها مع رابطة المستقبل الإسلامي، ليصبح اسم المكون الجديد حركة الإصلاح والتوحيد.

جماعة "العدل والإحسان"

أما التيار الثاني والمتمثل في جماعة "العدل والإحسان" وفكر زعيمها ومرشدها عبد السلام ياسين و"منهاجه النبوي" الذي يمكن اعتباره نسخة مغربية عن كتاب سيد قطب "معالم في الطريق" مع التشابه النسبي في كاريزما ونفسية الرجلين اللذين خضعا طوال مسيرتيهما الحزبية إلى الحصار والاضطهاد أو الاعتقال، فما تزال مواقفه تتسم بالتشوّش إزاء الديمقراطية وآلياتها كصيغة ومفهوم وقيم، وما يزال ينظر إلى الدولة القائمة باعتبارها "دولة الطاغوت" وإلى قيم الديمقراطية والحداثة باعتبارها قيماً غربية وافدة ومرفوضة باسم الأصالة والخصوصية والهوية.

اقرأ أيضاً: هل تصدّر إيران التشيّع للمغرب؟

ويلفت الكاتب في هذا الصدد إلى أنّ البنية التنظيمية للجماعة التي تكرس الشخصية الريادية لمرشدها وتتشكل أساساً حوله؛ والدور التعبوي المفرط للأيديولوجيا في أدبياتها تركت انعكاساتها على مواقف الجماعة وأدائها، مما غيب الآلية البراغماتية التي تُعتبر شرطاً في الممارسة السياسية وتعمل على تكييف المواقف وإعطائها نوعاً من المرونة. وهو ما يمكن قراءته في كتاب ياسين "الشورى والديمقراطية" الذي يفرق بين "سياق الشورى" و"مساق الديمقراطية" لما يحمله التعبير الأول من قيمة إيجابية وما يحمله التعبير الثاني من قيمة سلبية؛ لأنه حسب تعبيره، من "صفات الأشقياء أهل النار"، كما يرفض الديمقراطية صراحة باعتبار "مساقها" وبيئتها التي ظهرت فيها هي الحضارة الأوروبية، وهذه الحضارة دنيوية دهرية أو دنيا بلا آخرة، وهي مرتبطة بالفلسفة "الداروينية الدوابية" الاستهلاكية والإباحية. وإذا كانت هذه هي رؤية ياسين للديمقراطية فماذا يبقى من غاية دعوته لمن يصفهم بالديمقراطيين الفضلاء للحوار؟

اقرأ أيضاً: هل ينجح المغرب في محاربة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال؟

وفي اتصال مع موضوع الديمقراطية والمواطنة ومنظومة الحقوق يتعرض الكاتب إلى موقف الإسلاميين من قضية المرأة من خلال كتابات ياسين التي تظهر أنّ الحركة الإسلامية عموماً في تعاملها مع قضايا المرأة وحقوقها اتخذت (موقفاً يرفض مفاهيم الحداثة وحقوق الإنسان من منطق أن هذه المفاهيم ما هي إلا تغريب وغزو من ثقافة الغرب للثقافة الإسلامية وقيمها، وإشاعة الانحلال والإباحية في المجتمعات الإسلامية).

وقد عبر عبد السلام ياسين عن موقفه وموقف جماعته في كتابه "تنوير المؤمنات" بعنف لفظي واضح ولم يتحرج من رفض مساواة المرأة مع الرجل واعتبارها مواطن من الدرجة الثانية ليس في الدنيا فقط بل وفي الآخرة أيضاً، واتهم المدافعين عن حقوقها وحريتها بالمروق والانحلال الأخلاقي ونشر الإباحية تحت شعار المساواة بالأجور والحقوق ومنع تعدد الزوجات... وأنهم "النوافذ التي دخل منها الغرب لتخريب المجتمعات الإسلامية".

اقرأ أيضاً: بعد أن أصبحت الأمازيغية لغة رسمية في المغرب، ماذا تعرف عن الأمازيغ؟

ولما كان الموقف من المواطنة وحقوق الإنسان ينسحب على حقوق النساء وحقوق الآخر المختلف إثنياً أو دينياً، فإن موقف الحركات الإسلامية من الحركة الأمازيغية وحقوق الأمازيغ الثقافية والسياسية والمساواة بين اللغة العربية والأمازيغية لم يكن بأحسن من وضع النساء، ولا يختلف الموقف جذرياً بين المعتدلين والمتشددين إلا في لهجة الخطاب. فقبول المعتدلين من الإسلاميين بالتنوع والتعدد الثقافي في دولة الإسلام لا يعني قبول التعدد السياسي أو الاعتراف بهوية الآخر المختلف التي تهدد وحدة الأمة بالانقسام والتشرذم حسب تعبيرهم وتعرضها للحروب الأهلية.

فيما لا يرى ياسين في الهوية التي تدعو إليها الأمازيغية غير هوية أرضية دنيوية قوامها لغة الأجداد وتاريخهم، وأنها ليست سوى نداء الجاهلية... و"شعاراتها صنم يعبد دون الله"، وأن أية دعوة للدفاع عن اللغة الأمازيغية أو مساواتها باللغة العربية هي بمثابة "غزو" يستهدف إقصاء العربية أو اللسان العربي المبين و"اللغة التي شرفها الله واصطفاها وجعلها وعاء لكلامه المقدس". وهو ما يشير إلى موقف تمايزي ينم عن نزعة الاستعلاء على الآخر تارة والخوف منه تارة أخرى بهاجس المؤامرة الذي لا يرى في الآخر المختلف غير عدوّ مفترض.

لا يرى ياسين في الهوية التي تدعو إليها الأمازيغية غير هوية أرضية دنيوية قوامها لغة الأجداد وتاريخهم

ويخلص الكاتب إلى القول "إنّ المنهج المعتمد في التعامل مع الأمازيغية ومطالبها هو المنهج الفقهي البياني" وهذا المنهج أو العقل البياني الذي كرسته الثقافة الإسلامية في الفقه والبلاغة والكلام يرفض العقل البرهاني "المعاشي" أي عقل الغرب الذي هو عند ياسين عقل طاغوتي متأله، ويرفض بالتالي كل نتائج هذا العقل بما فيها الديمقراطية. "وأمام هذا الرفض للعقل التعددي ولحق الاختلاف كيف يمكن إذن تحقيق حوار يعترف بالآخر وبالتعددية والاختلاف؟" وأي حوار ممكن ما دام الشرط الأول لكل حوار منتج وهو تكافؤ أطراف الحوار شرطاً مفقوداً؟

يختم إبراهيم أعراب كتابه بالدعوة إلى التسامح وإقرار شرعية الاختلاف كما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو ويستعرض تاريخ المفهوم وإشكالياته في الثقافة الإسلامية من خلال عرض آراء مجموعة من المفكرين المتنورين مثل؛ حسن حنفي ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري وعلى أومليل على اختلافاتهم الفكرية والمنهجية في التفكير في المفهوم والنتائج التي توصلت مقارباتهم الفكرية إليها حول مدى اندراج مفهوم التسامح في الثقافة العربية الإسلامية أو غيابه عن ساحة التفكير في الفكر الإسلامي وهو السؤال الذي يبقى مفتوحاً حتى الآن.

للمشاركة:

الاختلاف الديني وصناعة الطائفية: محاولة لرؤية مغايرة

2019-08-15

يتيح كتاب "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ: تقرير حول الأقليّة"،  للبروفيسورة الراحلة، صبا محمود، تحدّي الاستقطاب الثنائيّ لفهم المشكلة الطائفيّة في الشرق الأوسط، مدجّجة بحسّ جينالوجيّ وتاريخيّ، يَسبر في كوامن الخطابات المصريّة والعالميّة، فلسفيّيها وقانونيّيها وسياسيّيها، حول مسألة الأقليّات، لا سيّما المسيحيين الأقباط الأرثوذكسيين، والبهائيين بصورة جزئيّة في مصر ما بعد الاستعماريّة.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟

إنّ حجاج الكتاب طريف من نوعه، فلطالما اعتُبر أنّ الشرق الأوسط، في خطابات المحلّلين، مكان تزدحم داخله كلّ هذه الاضطرابات؛ نظراً إلى علمانيّته النّاقصة، ولعدم علمنة قوانين دوله بما يكفي؛ إذ، كما توضّح صبا محمود على مدار كتابها، تُعتبر ما تسميها الكاتبة "العلمانويّة السياسيّة"؛ أمراً نموذجياً تمثّله المجتمعات والدّول الغربيّة أفضلَ تمثيل، بينما تنحرفُ أو تزيغ عنه أو تطبّق "نسخة" منه المجتمعات الشّرق أوسطيّة، وعليه؛ عندما نتعامل مع المجتمعات الشّرق أوسطيّة فإنّما نتعاملُ معها بـ "قياسيّة" على المجتمعات الغربيّة، ونرى كيف تقترب منها أو تحيد عنها.

اقرأ أيضاً: صبا محمود: مايزال العالم قابلاً للنقد والاستجواب

فالحال أنّ المشكلة الدينيّة، سواء تجلّت في مشكلة الأقليّات أو في ظاهرة الإسلام السياسيّ لإثارته مسألة علاقة الدّين بالدّولة، أو في تدابير الدّولة العربيّة ما بعد الاستعماريّة، ومصر على الأخصّ، للمسألة الدينيّة، موضع نقاش وأخذٍ وردّ دائم في الكتابات العربيّة والغربيّة حول الموضوع.

غلاف الكتاب

وتتقاسمُ الكتابةُ العلمانيّة والدينيّة الموضوع نفسه مناصفةً؛ فهو موضوع يَمسّ الشأن العربيّ والإسلاميّ برمّته، بيد أنّ النّقاشات غالباً ما تكون ثنائيّة ومنسّقة إلى متقابلين: هذا في مقابل ذاك، الدينيّ في مواجهة العلمانيّ، والمتعالي في مواجهة المحايث، والقانون في مواجهة الشريعة. هذا الاستقطاب المبنيّ على الثنائيّات ربّما تكمن فيه المشكلة، لا في الموضوع المُناقَش نفسه، بالتالي؛ يمكننا القول: إنّ "المنطق" الذي يحدو النقاشات حول الطائفيّة في العالم العربيّ، ومصر تحديداً، هو منطق القياسيّة: أي الافتراض بأنّ علمانيّتنا مقابل علمانيّة الغرب هي علمانيّة ناقصة.

يعتني الكتاب بإشكاليّة أرّقت الحقول المعرفيّة حول الشرق الأوسط ما بعد الاستعماريّ وهي علاقة السياسات الدينيّة والعلمانيّة وإنتاج الطائفيّة

تضع محمود هذا المنطق موضع تحدّ على مسار كتابها، وتحاجج بفهم آخر للعلمانيّة السياسيّة؛ حيث تضعها فيما وراء مبدأ حياديّة الدّولة تجاه الدّين، أو فصل الدّين عنها، أو غيرها من الفهومات الكلاسيكيّة للعلمانيّة السياسيّة، فتَنظر إليها باعتبارها نسقاً للحوكمة، وإعادة ضبْط للحياة الدينيّة والاجتماعيّة، واعتماداً على الإسهامات الباذخة لطلال أسد، تأخذ محمود العلمانيّة السياسيّة كأمر أبعد من هذه الصيغة الكلاسيكيّة، لترى كيف أنّ الدّولة الليبراليّة تُقاسِم الدّول السلطويّة في علمانيّتها، وأنّ العلمانيّة ليست حصراً على الدّول الليبراليّة؛ فهي أيضاً قائمة في أغلب الدّول السلطويّة.

اقرأ أيضاً: العلمانية كحلّ؟.. الإسلاموية وعلاقة الدولة بالدين
يُصاحب ماركس أيضاً محمود على مدار كتابها، لتثبت -نظرياً وتطبيقياً- أنّ الدّولة الليبراليّة لا تلغي الدّين، إنّما تُخصخصه بالأحرى؛ أي تجعله أمراً خاصاً بالمجال الخصوصيّ، وتعيد تنظيمه، وتتدخّل فيه بموجب سلطتها السياديّة.

يعتني هذا الكتاب المهمّ بإشكاليّة لطالما أرّقت الحقول المعرفيّة حول الشرق الأوسط ما بعد الاستعماريّ، ألا وهي علاقة السياسات الدينيّة والسياسات العلمانيّة وإنتاج مشكلة الطائفيّة في بلدان شرق أوسطيّة تزخرُ بأقليّات تعيش في ثناياها، وفي ظلّ أنظمة ما بعد استعماريّة. لقد كان حلّ مشكلة الطائفيّة دائماً جاهزاً وواضحاً، نحو مزيدٍ من العلمنة، ونحو مزيد من خصخصة الدّين وإبعاد السياسة عنه.

البروفيسورة الراحلة صبا محمود

فهل هذا الحلّ صحيح؟ كما سنرى في هذا الكتاب، فإنّه بالتحديد هو المشكلة ذاتها.

إذ تحاجج صبا محمود بأنّ السياسات العلمانيّة نفسها أنتجت بشكل كبير التفاوت الدينيّ في الدّول القوميّة الحديثة، وتأخذ مصر حالة لدراستها، مع اعتبار للسياق الجيوسياسيّ والعالميّ الذي تحلّل فيه. 

حلّ مشكلة الطائفيّة كان دائماً جاهزاً وواضحاً نحو مزيدٍ من العلمنة ومزيد من خصخصة الدّين وإبعاد السياسة عنه

في سياق دراستها لحالة الأقليّات في مصر؛ بعد تعقّبها لمسألة الأقليّات في الدّولة العثمانيّة قبل وبعد الإصلاحات العثمانيّة، ودور القوى الغربيّة في تفاقم المشكل، واستغلال هذه المسألة آنذاك للتدخّل في الإمبراطوريّة العثمانيّة باسم "تدخّلات أنسنيّة" لـ "إنقاذ" المسيحيين العثمانيين من الحكم العثمانيّ (الفصل الأوّل)، توضّح محمود كيف أنّ مفهوميْ "حقوق الأقليّة" و"الحريّة الدينيّة" كانا دائماً محلّ نزاع وجدال في السياقات الوطنيّة والعالميّة على حدّ سواء.
وتتبّع جينالوجيّاتهما في القانون الدّوليّ، وفي الجدالات القوميّة بمصر منذ مطلع القرن العشرين حول مكانة الأقباط في الدّولة المصريّة، وكيف أنّ هناك انقساماً في تسمية "الأقليّة" وتنزيلها على الأقباط: فبينما ترفض الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة مثلها مثل الدّولة المصريّة وعديد من النّشطاء الأقباط هذه التسمية، متمسّكةً بمصطلح "أهل الكتاب" القرآنيّ، نظراً لما يوفّره لها من استقلاليّة مليّة على قوانين الأسرة القبطيّة وقوانين الأحوال الشخصيّة، ينادي قطاع آخر من الأقباط باعتناق هذه التسمية؛ لأنّها هي التي ستجلبُ المشكل القبطيّ إلى السّاحة العالميّة (الفصل الثاني)، فإذا كان نضال الأقليّات دائماً موضوعاً على هذين المفهومين الإشكاليين، ويعمل تحت عنوانهما، فإنّ هذا الكتاب يوضّح الطبيعة المشوّشة والمخاتلة للمفهومين، وكيف أنّ مصطلح "الأقليّة القوميّة" نفسه يعاني من اضطراب شديد في المدوّنات القانونيّة ومرّ بمسارات تحوّل وتغيير. 

يتطرق الكتاب للحديث عن الأقليات ومنها البهائية

وتجادل محمود، بفهم طريف، بأنّ العلمانويّة السياسيّة ليست هي مبدأ حياديّة الدّولة، وإنّما هي إعادة تنظيم الدّولة للحياة الدينيّة على عكس ما يُشاع عنها، ومن ثمّ، تَنظر كيف تحوّل السياسات العلمانيّة الدينَ، وكيف يتواشج الدينيّ والعلمانيّ معاً بموجب الدّولة الحديثة، وهذا يتجلَّى في نقاشها المثمر للغاية حول قوانين الأسرة الإسلاميّة والقبطيّة (الفصل الثالث)، وكيف يتضافر الدّين والجنسانيّة والجنوسة والعلمانويّة في هذه القوانين التي تنتج إرباكاً شديداً في حالة الأقباط بالأخصّ.

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟

لقد حوججَ كثيراً بأنّ قوانين الأسرة هي ميراث من الإمبراطوريّة الإسلاميّة يعوق عمليّة التحديث والعلمنة؛ بل إنّه أمارة على العلمنة غير المكتملة لهذه البلدان، تنقد محمود هذا الفهم بإظهار أنّ ما يُسمّى "قانون الأسرة" لم يكن موجوداً في فقه الشريعة الكلاسيكيّ، وأنّه نتاجٌ حديثٌ تماماً ظهر مع الإصلاحات العثمانيّة، وأنّ العلمانيّ ليس هو الأساس الذي يبقى بعدما يُنحَّى الدّين، إنّما يتضافرُ العلمانيّ والدينيّ -كمقولتين- في ظلّ الدّولة الليبرالية الحديثة.

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي

إنّ الكتاب معنيّ بإنتاج "التفاوت المدنيّ والسياسيّ" في الدّولة الحديثة، هذا التفاوت الذي لطالما نُظِرَ إليه على أنّه موجود، شرق-أوسطياً، بسبب هيمنة المفاهيم والممارسات الإسلاميّة في هذه البلدان والمجتمعات. سوى أنّ الكتاب يتحدّى هذا ليثبت أنّ التفاوت والطائفيّة إنتاجهما موكَلٌ، في جزءٍ كبير منه، إلى الدّولة الليبراليّة الحديثة بما هي كذلك؛ لأنّها مُطاردة بازدواجيّة لا فكاكَ منها: ففي حين تدّعي الحياديّة تجاه الدّين، فإنّه تُنظّمه وتديره وتحدّد ما يجب أن يكونه، وبالتالي تُنتج التفاوت بفعل هذا التدبير الدّولتيّ النابع من سلطتها السياديّة.

يوضّح الكتاب كيف أنّ مصطلح "الأقليّة القوميّة" نفسه يعاني من اضطراب شديد في المدوّنات القانونيّة ومرّ بمسارات تحوّل وتغيير

يتّضح هذا أشدّ الاتّضاح في حالة البهائيين (الفصل الرّابع) بمصر؛ حيث تدرس محمود التهديد السياسيّ والقانونيّ الذي شكّلته حالة البهائيين على المحاكم المصريّة باعتبار أنّ المعتقد البهائيّ معتقد غير إبراهيميّ في دولةٍ لا تعترفُ إلّا بالدّيانات الإبراهيميّة الثلاث: الإسلام (دين الدّولة، بموجب القانون)، والمسيحيّة، واليهوديّة. وتسبر محمود الأحكام الصادرة بشأنهم فيما يتعلّق بالاعتراف بمعتقدهم وتسجيله على بطاقات الهويّة (ما يُطلَق عليها في مصر "بطاقات الرّقم القوميّ")، والطريف؛ أنّ صبا توضّح التفاوت المُنتَج من قبل الدّولة باعتباره تفاوتاً تتشاركه كلّ الدّول القوميّة الحديثة، لتظهر أنّ ثمّة جينالوجيا عالميّة تتقاسمها السياسات العلمانيّة؛ إذ تقارن قرارات المحاكم المصريّة بقرارات المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان حول عدّة حالاتٍ فصّلتها بالكتاب في فرنسا وسوسيرا وتركيا بخصوص تمييزات دينيّة تعرّضت لها معلّمات لارتدائهنّ الحجاب، أو في حالة لوتسي التي اعترضت على عرض الصليب في المدرسة الحكوميّة؛ نظراً لأنّه ينتهك حريّة أبنائها الدينيّة والفكريّة، تُظهر هذه المقارنة عن جينالوجيا واحدة للعلمانويّة الحديثة، تُنتَج في المحاكم المصريّة على هيئة دينيّة، وفي المحاكم الأوروبيّة على هيئة علمانيّة دينيّة في جوهرها، أي المسيحيّة وقد عُلمِنَت.

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية

وكما أشارت البروفيسورة كميل روبسيس في مراجعتها لهذا الكتاب؛ فإنّ ماركس الشاب يُصاحب هذا الكتاب، ويتمثّل وجود ماركس هنا، كما نوّهتُ على ذلك في بدء هذه المقالة، في إشارته إلى أنّ الدّولة الليبراليّة لم تلغِ الدينَ، وإنّما خصخصته وعمّقته اجتماعياً على خلاف زعمها المعهود، وبالفعل؛ منذ المقدمة، تشير محمود إلى ماركس بمقالته المعنونة "حول المسألة اليهوديّة" التي يردّ فيها على باور الذي يمثّل قمّة المثاليّة الهيغليّة، ولعلّ من الطريف أنْ يترافق ماركس وطلال أسد في هذا الكتاب: الأوّل يقول باستحكام الدّين في الدّولة الليبراليّة، والثاني يقول إنّ الدينَ نفسه هو مفهوم علمانيّ، لكن وإنْ كان ماركس يقول ذلك ليحدّدَ الدينَ باعتباره "اعتقاداً"؛ فإنّ طلال أسد يقول إنّ مفهمة الدين كـ "اعتقادٍ" هي نفسها تصوّر حداثويّ يَنظر إلى الدين في أبعاده المثاليّة دون استثمار ماديّة الدين الخاصّة؛ لذلك، بحسب أسد، علينا أن ننظر إلى العلمانويّة فيما وراء مبدأ حياديّة الدوّلة تجاه الدّين (أي كمنظِّمة للدين في الحياة الاجتماعيّة للمجتمعات والجماعات البشريّة)، وأن ننظرَ للدّين فيما وراء الاعتقاد (أي كممارسة خطابيّة وماديّة)، وسنجدُ ذلك في أثناء هذا الكتاب في مواطن كثيرة لمحمود.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك

أمّا الفصل الأخير؛ فيتطرّق إلى أمر نشاز عن الكتاب؛ أي إلى العلمانيّة (secularity) -لا العلمانويّة (secularism)-  وعلاقتها برؤية التاريخ والوحي، وذلك من خلال قراءة نقديّة لرواية "عزازيل"، ليوسف زيدان، والجدالات حولها، مموضعةً إيّاها في سياق القراءة الأنواريّة للدين منذ القرن الثامن عشر.
لقد أثارت هذه الرّواية ضجّة، كما هو معروف، في الوسط المصريّ، نظراً لتعرّضها للنقاش الكريستولوجيّ المتعلّق بطبيعة المسيح.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن وصف نظام الولي الفقيه بالعلمانية؟
تبيّن محمود أنّ الرواية تقوم على تصوّر إنسانويّ للدّين باعتباره خلْقاً بشرياً، وأنّها مدجّجة بنقدٍ أنواريّ للدّين، وتوضّح أنّ الجدال حولها من قبل رجال الدّين المسيحيين -مثل الأنبا بيشوي- يتقاسم علمانيّة زيدان نفسها؛ فكلا الطرحين يَنظران إلى الكتاب المقدّس كمستودع للحقائق التاريخيّة، غير مفرّقين بين التاريخ التقويميّ والتاريخ المقدّس، وكيف انفصلت "الحقيقة" عن "المعنى" في تفسير الكتاب المقدّس تأويلياً وإبستمولوجياً منذ القرن الثامن عشر.
إنّ هذا الفصل بديع؛ لأنّه يوضّح زاوية أخرى للنّقاش حول هذه الرّواية المهمّة والمثيرة للجدل.

 علينا أن ننظر إلى العلمانويّة فيما وراء مبدأ حياديّة الدوّلة تجاه الدّين

ربّما لم تكن الطائفيّة، إذاً، بعد كلّ هذا التطواف، ترتيباً دينياً، بقدر ما هي ترتيب علمانيّ تدفعنا الدّولة الليبراليّة الحديثةُ إليه دفعاً، لإنتاج التفاوت بنيوياً ونسقياً. وسيعلّمنا هذا الكتاب درساً بالغ الأثر؛ فمصطلح الأقليّة نفسه مرّ بترحّلات كثيرة، وهو مصطلح حديث عموماً، ومقاربته عربياً من منظور ما قبل حديث هي خطأ معرفيّ وسياسيّ؛ لأنّنا عندما نتكلّم عن الأقليّات فنحن نتحدّث بالأحرى على أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (كما سيوضح الفصل الأوّل)؛ أي بعد أن استقرّت "الدّولة الحديثة" وتثبّتت، كما أنّ التعامل مع "الطوائف" في الحقبة الإسلاميّة ما قبل الحديثة، لا سيّما العثمانيّ منها، بثنائيّة الأكثريّة-الأقليّة هو ارتكاب للخطأ ذاته، لسببٍ بسيط؛ أنّ التحوّل من الطائفة إلى الأقليّة (وهو عنوان فرعيّ داخل الفصل الأوّل) تحوّل حديث تماماً، وله مستلزمات سياسيّة ومعرفيّة واجتماعيّة هائلة.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يطارد إريتريا.. والنخب تفضّل أنظمة علمانية

إنّ التفاوت الذي يحدث للأقليّات عموماً -أو ما تسمّيه صبا محمود ببراعة "المكانة المتداعية" التي تحتلّها الأقليّات- في الدّول الحديثة، ليس ناجماً بالأساس عن وجود كُتلة تسمّى الأكثريّة؛ بل عن تدخّل الدّولة نفسها في تنظيم الشأن الدينيّ والاجتماعيّ لحيوات الشعوب بتثبيت نظام أكثرويّ معيّن، بالتالي؛ إذا لم يبدأ النّقاش من الدّولة ودورها في إحداث التفاوت فهو الغبنُ والتيه، ولا مناص من ذلك إن لم نقلب التدابير العلمانيّة على رأسها، لنقول إنّ استحكام "العلمانيّ" في العصر الحديث قد أدخلَ الدينَ في سيرورات التعلمُن بموجب الدّولة ذاتها؛ أي كي تتمكّن الدّولة من إعادة تنظيمه وترتيبه كـ "شأن خصوصيّ" من المفترَض أنّها محايدة تجاهه، في حين أنّها تنظمّه في الواقع، ممّا ينتج التفاوت والتداعي للأقليّات عموماً.

ولذلك؛ فهذا الكتاب، في نهاية المطاف، هو مساءلة للدّولة، لحياديّتها، لادّعائها الدائم بالمساواة؛ وهو، من ناحية أخرى، تهديد للخطابات التي تستنجدُ بالدّولة وتستدعيها لحلّ مأزق التفاوت الدينيّ فيها؛ فكيف يُدعى لحلّ المشكلة مَن تسبّب فيها قبلاً، أي الدولة؟

للمشاركة:

هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي

2019-08-03

أعادت أحداث العنف التي شهدها العالم مؤخراً والتي ارتبطت باسم التنظيمات "الجهادية" الظاهرة "الإسلاموية" إلى صدارة الاهتمام من جديد. واستأثرت دراسة الحركات الإسلامية بنصيب وافر من النتاج الفكري في العقود الثلاثة الأخيرة، سواء عبر المبادرات البحثية الفردية، أو من خلال المؤسسات الإعلامية ومراكز الأبحاث العربية والدولية المتخصصة.

إن المشروع الحضاري الذي يستحق اسمه لا يمكن أن يقوم إلا بالمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي

وفي سياق هذا الاهتمام المتزايد يأتي كتاب "الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي" الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية عام 2002. وتأتي أهمية الكتاب من كونه يقدم إحاطة شاملة حول تجربة الحركات الإسلامية سعياً نحو فهم ملابسات نشأتها، وتقييم تجربتها، ورصد أثرها، واستشراف مستقبلها. ومن كونه عملاً جماعياً شارك في إعداده عدد من الأكاديميين المتخصصين في الدراسات الإسلامية؛ حيث ساهم كل باحث منهم بتغطية جانب من تلك التجربة من زاوية تخصصه ورؤيته على مدار 6 فصول متكاملة.

اقرأ أيضاً: "صواب".. موقع تونسي جديد يسعى لتفكيك الحركات الإسلامية

فقدم الباحث عبدالوهاب الأفندي في الفصل الأول "النشأة والمدلول وملابسات الواقع" استعراضاً للظروف والمتغيرات المحلية والعالمية والتحديات الجديدة التي ألقت بظلالها على الواقع الإسلامي، وشكلت الخلفية التاريخية التي ساهمت في ظهور الحركات الإسلامية من واقع أزمة مختلفة نوعياً عن كل الأزمات والانتكاسات السابقة التي مرت بها الأمة.

غلاف كتاب "الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي"

فلم تتزعزع ثقة الأمة بنفسها كما زعزعتها فترة الهيمنة الأوروبية، وصدمة الحداثة الغربية، وتجربة الاستعمار الجديد. وقد ناقش الأفندي عدداً من الآراء والقراءات التي تصدت لتعريف الحركات الإسلامية وأسباب وملابسات ظهورها وفهم الظروف التي مهدت ورافقت نموها وانحرافها عن الدور الذي رسمته لنفسها. وخلص إلى أنّ "الحركات الإسلامية" هي: تلك الحركات التي تؤمن بشمولية الإسلام  لكل نواحي الحياة والتي تصدت لما تراه جهداً لازماً لتأكيد هذه الشمولية في وجه تراخي المجتمع وتقصير القيادات ومكايد الأعداء، وتدعي لنفسها دور القيادة الأخلاقية للمجتمع.

يجب التمييز بين العنف كأسلوب طارئ تقتضيه بعض الظروف وبين كونه جزءاً من منهج الحركة وأيديولوجيتها

ويُفسِر انتشارها في الأرياف وهوامش المدن، والخلفية  الاجتماعية لكوادرها ومؤيديها؛ أنّها نشأت من أزمة مزدوجة: أزمة العلاقة بين "العلمانية الواقعية والإسلامية النظرية" التي تعيشها هذه المجتمعات، والأزمة الاجتماعية الاقتصادية التي أفضى إليها استبداد الدولة وفشل سياساتها التنموية وعجزها عن مواجهة التحديات الخارجية.

وقد أدى تراجع دور قوى "الحداثة العلمانية"، الليبرالية منها والاشتراكية والقومية، إلى ترك فراغ كان لابد أن يُملأ، ووظيفة اجتماعية لابد أن تجد من يتصدى لها. الأمر الذي يؤكد أنّ الحداثة التي رفضتها تلك الحركات قد تركت ميسمها عليها، فهي نشأت في كنف الحداثة وأزمتها، واستجابة لتحدياتها ورد فعل عليها. وأرادت إيجاد مخرج من تلك الأزمة لكنها انتهت إلى أزمة خلقتها هي بوجودها وعجزها عن تحقيق الحسم.

 أدى تراجع دور قوى "الحداثة العلمانية" إلى ترك فراغ كان لابد أن يُملأ

تشكل أطروحة حسن حنفي في الفصل الثاني "الإسلام السياسي بين الفكر والممارسة" استمراراً منطقياً لسابقه بتأكيده على أنّ الدين كان باستمرار وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي، وحركة اجتماعية تعبر عن المضطهدين والمهمّشين ضد قوى الطغيان، ووسيلة لتحرير الأوطان وتوحيد الثقافات. ويرى حنفي أنّ ثمة ثلاثة جذور للإسلام السياسي: جذر قديم يتمثل في الحركات السياسية والفكرية الإسلامية القديمة، سواء نشأت في كنف الدولة أو في معارضتها، وهي كلها نشأت في أجواء السياسة أو بدوافع وغايات اجتماعية سياسية، وجذر حديث تمثل في حركة الإصلاح الديني التي قامت بدافع سياسي كرد فعل على ضعف الخلافة العثمانية ثم انهيارها وعلى احتلال أراضي الأمة وتجزئتها ورداً على تخلف الأمة عن المدنية الحديثة، وخرج معظم الحركات الوطنية من عباءة الإصلاح الديني لكنها انحدرت إلى السلفية بعد فشل تجاربها، ومن هذا الجو المشبع بالروح السلفية تشرب حسن البنّا أفكاره  وأنشأ جماعة الإخوان المسلمين، الذي خلفه سيد قطب في قيادتها. وجذر معاصر تمثل في فشل دول الاستقلال الوطني "الحديثة" في القيام بمسؤولياتها الدفاعية والسياسية والتنموية وتأرجح وتوتر علاقة تلك الحركات مع حركات الضباط الأحرار، وتبدل مواقعها ما بين المشاركة السياسية في السلطة أو السجون والمعتقلات.

يبني حسن حنفي أطروحته بتأكيده أنّ الدين كان وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي

ومن تضافر هذه الجذور الثلاث، تشكلت شعارات الإسلام السياسي حسب واقع الحركة في كل حال، وهي شعارات سلبية أكثر منها إيجابية وتدل على قدر كبير من الغضب والرفض، والهروب إلى البديل، والبحث عن المنقذ. وتجلت تلك الشعارات في "الحاكمية" و"الإسلام هو البديل" و"الإسلام هو الحل" و"تطبيق الشريعة الإسلامية"، وهي شعارات تعبر عن تأزم الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وتذبذب نشاط تلك الحركات وشعاراتها ما بين المشاركة السياسية والعنف من خلال جدل الشرعية واللاشرعية التي حددت علاقاتها مع النظم السياسية القائمة، نظراً لحداثة المجتمعات الإسلامية بالتجربة الديمقراطية.

 

 

ومن هذا الجدل يستشرف حنفي صورة مستقبل الحركات الإسلامية ما بين مزيد من العنف الهدام وبين برنامج يبني ولا يهدم، يحاور ولا يستبعد، ويقوم على توسيع المشاركة السياسية المشروطة بالديمقراطية.

اقرأ أيضاً: السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟

تحت عنوان "التطرف والاعتدال لدى الحركات الإسلامية" يناقش عماد الدين شاهين الأسباب والدوافع التي حدت ببعض الحركات الإسلامية لتبني العنف وسيلة ومنهجاً لتحقيق أهدافها، والجهاد طريقاً  لمناهضة ما تسميه الدول الكافرة ومجتمعات الجاهلية. في حين سارت شقيقاتها على نهج الوسطية والاعتدال وتحولت إلى العمل السياسي أو العمل الاجتماعي الإصلاحي وقبلت المشاركة السياسية على أسس الديمقراطية وصناديق الاقتراع.

اقرأ أيضاً: مفارقة المآزق الأخلاقية عند الحركات الإسلامية

ويشير شاهين  إلى أنّ "التطرف ليس الدين، ولا يقتصر على الحركات الإسلامية وحدها، فثمة تطرف علماني وتطرف حكومي كذلك". كما أنه لا بد من التمييز بين التطرف الفكري الذي يعتبر من طبيعة الحركات التغيرية وثقتها بصحة أفكارها، وبين العنف والعمل المسلح من أجل فرض فكر ما على الآخرين بالقوة العارية. كما يجب التمييز بين العنف كأسلوب طارئ تقتضيه بعض الظروف وبين كونه جزءاً من منهج الحركة وأيديولوجيتها المنظمة.

يرى جرجس أنّ السلطات الاستبدادية قد سدت منافذ الحياة السياسية أمام المعارضة الإسلامية وغيرها

ويخلص شاهين إلى أنّ جذور التطرف لدى الحركات الإسلامية المعاصرة تكمن في فكر سيد قطب؛ الذي نشأ من عذابات السجون والقهر، وتلقفته فئة من الشباب المهمّش؛ كتعبير عن نقمتها ووسيلة لتغير واقعها المرير في الدول الناشئة بعد الاستقلال، والتي تبنت النموذج "الكمالي" التركي مع تفاوت في تطبيقه بين بلد وآخر؛ حيث يتناقض هذا النموذج  الذي فُرض بالقوة والعنف في علمانيته وتسلطه مع النظام الإسلامي. وقد وجد قطب أنّ المهادنة مع هذا النموذج والسكوت عليه سيمنح الدولة الشرعية التي تحتاجها ويرسخ دعائمها، لذا فقد دعا إلى إزالتها بسائر أنواع القوة وإقامة النظام الإسلامي. وهذه القطبية الحادة بين عنف الدولة وعنف المعارضة لن تفضي إلا إلى مزيد من العنف.

شاهين: جذور التطرف لدى الحركات الإسلامية المعاصرة تكمن في فكر سيد قطب

يناقش أحمد الموصللي في الفصل الرابع "رؤية الحركات الإسلامية لمفاهيم الديمقراطية والتعددية السياسية في العالم العربي"، ومدى ملاءمة الفكر الإسلامي المعاصر للديمقراطية والتعددية من خلال استعراض الخطابات الإسلامية المعاصرة حول هذا الموضوع من جهة، وما تروجه وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الغربية حوله من جهة ثانية. ويخلص إلى أنه ورغم المرجعية النصية المشتركة والشعارات المتماثلة في خطاب الحركات الإسلامية، إلا أنه كان هناك دائماً في فكر الحركات الإسلامية خطابان متزامنان: خطاب استئصالي استبعادي وهو لا يقتصر على تلك الحركات وحدها فقط، بل تمارسه أغلبية الأنظمة "العلمانية" في العالم الإسلامي، وخطاب استيعابي ينفتح على مفاهيم التعددية والديمقراطية وقبول الآخر، ويدعو إلى توسيع المشاركة وتوسيع دائرة الحريات السياسية.

السيد: القول بتطبيق الشريعة شعار احتجاجي لا يصلح برنامجاً للوصول إلى السلطة

إلا أنّ بروز الحركات "الجهادية ذات الخطاب الاستئصالي الاستبعادي على الساحة السياسة ودور النظم السائدة ووسائل إعلام مراكز القرار الغربي في إظهاره واستثماره لصالحها قد غيّب الخطاب الآخر ودفعه إلى الظل. ولا بد من البحث دائماً في الظروف التي تفضي بالخطاب الأصولي إلى التشدد والاستبعاد أو المرونة والاعتدال.
ينطلق فواز جرجس في الفصل الخامس في معالجة "دور الحركات الإسلامية في الاستقرار السياسي في العالم العربي" من العلاقة السببية ما بين طبيعة النظام القائم ودور قوى المعارضة وسلوكها. فالمعارضة امتداد طبيعي للثقافة والسلوك السياسي السائد في بلد معين وتعبر خير تعبير عن نوعية العلاقة وطبيعتها بين الدولة والمجتمع.

اقرأ أيضاً: تأثير حزب العدالة والتنمية التركي على الحركات الإسلامية

ويرى جرجس أنّ السلطات الاستبدادية قد سدت منافذ الحياة السياسية أمام المعارضة الإسلامية وغيرها، وبادرتها العنف ودفعتها نحو العمل السري والانقلابي والتآمري، مما زاد في غطرسة قيادات الحركات الإسلامية بعد شعورها بالتمكن والقوة فازداد خطابها عنفاً وتصعيداً وتحولت من رد الفعل إلى المبادرة والفعل، مستفيدة من ضعف شرعية النظم وفشل مشروعات التنمية في معظم الدول العربية.

 

 

وقد تغلبت إرادة القوة والسيطرة على منطق التعايش السلمي في تعاطيها وتعاملها مع النظم القائمة، بل ذهبت إلى تهديدهم وتكفيرهم وتحدي المنظومة العالمية بشكل انتحاري ودون حساب أي عواقب. وهذا الإقصاء المتبادل هو ما يفضي إلى عدم الاستقرار السياسي، واستمرار دوامة العنف، ومنع أي عملية تحول ديمقراطي ما لم تنجح الحركات الإسلامية بفك ارتباطها مع التيارات "الجهادية"، وتعلن صراحة رفضها للآليات والوسائل الدموية التي تستخدمها، وتجعل من الاهتمام بهموم المواطن الحياتية وبناء مجتمعات أكثر صلابة وثقافة وقدرة على مواجهة الاستبداد السياسي عملاً أهم من انتهاز نتائج المواجهة بين"الجهاديين"والنظم القائمة للوصول إلى السلطة، وأن تعيد النظر في أفكارها ومناهجها وتستفيد من تجارب غيرها وتكف عن تكرار التجارب الفاشلة.

تجذرت الحركات الإسلامية في الواقع العربي والإسلامي إلى حد لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجعها

يقدم رضوان السيد في الفصل الأخير استخلاصاً حول "مستقبل حركات الإسلام السياسي في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية" انطلاقاً من مراجعة وجهات النظر التي تنبأت بقرب نهاية الحركات الإسلامية، بحكم فشلها في الوصول إلى السلطة بالقوة في أي بلد بعد التجربة الإيرانية وتكرار تجاربها المأساوية الفاشلة، وبحكم أنّ القول بتطبيق الشريعة شعار احتجاجي لا يصلح برنامجاً للوصول إلى السلطة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن مستقبل سياسي للحركات الإسلامية.

ويسعى السيد لتوسيع دائرة الحكم من خلال مراجعة الأصول الفكرية والثقافية لتلك الحركات باعتبارها ليست حركات سياسية فحسب، بل هي حركات إحيائية ذات صبغة دينية قبل أن تصبح السياسة من أولوياتها. وقد تأرجح فكرها وممارساتها ما بين الرفض المطلق إلى المهادنة فالتكيف والقبول مع المتغيرات العالمية الكبرى وكرد فعل عليها أو استجابة لها في كل مرة، وأنّ الحركات الإسلامية قد تجذّرت في الواقع العربي والإسلامي إلى حد لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجعها في المدى المنظور.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: هل انتهى الشكل التقليدي للحركات الإسلامية؟

لكن ذلك رهن بقدرة الفكر الإحيائي الذي تحمله تلك الحركات على التحول من فكر هوية إلى فكر انتماء، وعلى التحرك من الهوية العقدية سريعة التأزم والانكماش إلى الانتماء الحافظ للمشروع عن طريق المشاركة بالعالم. فلم يعد من الممكن اليوم الاستمرار بالحديث عن الغزو الثقافي أو عن المشروع الحضاري العربي أو الإسلامي؛ فالمشروع الحضاري الذي يستحق اسمه لا يمكن أن يقوم إلا بالمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي، وبالإسهام في تغيير العالم وتقدمه، ولم يعد من الممكن تصور وجود جزر معزولة في عصر العولمة.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك حركات الإسلام السياسي في الأصل مشروعاً نهضوياً يحمل في طياته عناصر تغيير حقيقي؟

للمشاركة:



دمشق تفتح ممراً إنسانياً.. تطورات معارك إدلب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

أعلنت وزارة الخارجية السورية، اليوم، عن فتح "معبر إنساني" لإتاحة المجال أمام المدنيين الراغبين في الخروج من مناطق سيطرة المسلحين، في محافظة إدلب، في وقت أحكم جيش النظام السوري قبضته على مدينة خان شيخون الإستراتيجية.

وقال مصدر رسمي في الخارجية السورية لوكالة "سانا": إنّ المعبر سيكون في منطقة "صوران" في ريف حماه الشمالي؛ "لتمكين المواطنين الراغبين في الخروج من مناطق سيطرة الإرهابيين في ريفي حماه الشمالي وريف إدلب الجنوبي".

الخارجية السورية تعلن فتح "معبر إنساني" لخروج المدنيين من مناطق سيطرة المسلحين في محافظة إدلب

وأضاف المصدر؛ "هذه الخطوة تأتي في إطار الاهتمام بأوضاع المواطنين والتخفيف من معاناتهم جراء ممارسات المجموعات الإرهابية".

وكانت القوات السورية، ضمن معركة إدلب المندلعة منذ أواخر نيسان (أبريل) الماضي، ضد الفصائل المسلحة، قد أعلنت سيطرتها بالكامل، أمس، على مدينة خان شيخون الإستراتيجية في إدلب.

واستعادت هذه القوات أيضاً مناطق في محيط المدينة، مما يعني إغلاق كافة المنافذ أمام إحدى نقاط المراقبة التابعة للقوات التركية.

وكانت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) انسحبت من المدينة قبل يومين، وقالت إنّ الأمر "إعادة انتشار" بسبب "القصف العنيف" الذي يشنّه الجيش السوري وحليفته روسيا.

وتسيطر هيئة تحرير الشام على غالبية محافظة إدلب والمناطق المحاذية لها؛ حيث تنتشر أيضاً فصائل معارضة أقل نفوذاً.

وأعلنت أنقرة، الإثنين، تعرّض رتل عسكري تابع لها لضربة جوية، بعد وصوله إلى ريف إدلب الجنوبي، وحذرت دمشق لاحقا من "اللعب بالنار"، مستبعدة نقل نقطة المراقبة في مورك.

القوات السورية تسيطر بالكامل على خان شيخون الإستراتيجية في إدلب وهيئة تحرير الشام تعيد الانتشار

وما يزال الرتل التركي، الذي يضم حوالي 50 آلية عسكرية، متوقفاً قرب الطريق الدولي شمال خان شيخون.

وإدلب مشمولة باتفاق روسي تركي، تمّ توقيعه في سوتشي، في أيلول (سبتمبر) الماضي، نصّ على إنشاء منطقة منزوعة السلاح تفصل بين قوات الحكومة والفصائل على أن ينسحب مقاتلو الفصائل منها.

وأرسى الاتفاق بعد توقيعه هدوءاً نسبياً، قبل أن يصعد الجيش السوري قصفه، في نهاية نيسان (أبريل) الماضي، وانضمّت إليه الطائرات الروسية لاحقاً، وفي الثامن من الشهر الجاري، بدأ يتقدم ميدانياً في ريف إدلب الجنوبي.

 

للمشاركة:

تركيا: احتجاجات على بيع مصنع الدبابات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

تظاهر عدد كبير من الأتراك، أول من أمس، في مدينة سكاريا، غرب تركيا، بدعوى من قيادات حزب الشعب الجمهوري المعارض وبرلمانيين عن الحزب، احتجاجاً على خصخصة مصنع صفائح الدبابات التابعة لوزارة الدفاع.

وصرّح رئيس كتلة النواب التابعين لحزب الشعب الجمهوري المعارض بالبرلمان ونائب الحزب عن سكاريا، أنغين أوزكوتش، في تصريحات صحفية على هامش الاعتصام: إنّ "القضية ليست قضية خصخصة مصنع، وإنما قضية وطن بأكمله"، وفق ما نقلت صحيفة "زمان".

عدد كبير من الأتراك يحتجون على خصخصة مصنع صفائح الدبابات التابعة لوزارة الدفاع لصالح قطر

وتابع قائلاً: "مصنع صفائح الدبابات كان قد أسند لشركة تشغيل المصانع العسكرية والترسانات التركية (أسفات) بالقرار الجمهوري رقم 1105، لكن في حقيقة الأمر كان هذا الإسناد بمثابة حيلة تم اللجوء إليها لنقل المصنع العسكري إلى قطر".

وأضاف المعارض التركي: "نظراً لأنّه لم يتبقَّ في تركيا شيء للبيع، لجأ النظام إلى بيع المصانع العسكرية، وهذا المصنع ملك للدولة والشعب وليس للبيع بأي حال من الأحوال".

وكانت شبكة "نورديك مونيتور" السويدية، المختصة في الشؤون العسكرية والأمنية، قد كشفت في تقرير حديث مدعوم بالوثائق، في كانون الثاني (يناير) الماضي، عن وجود اتفاقية مالية بين الحكومة التركية وقطر، يقضي بتسليم مصنع دبابات تركي إلى قطر مقابل 20 مليار دولار أمريكي.

كما أوضح التقرير؛ أنّ شركة "بي إم سي" التي ستدير مصنع الدبابات التركي، يديرها رجل الأعمال، أدهم صانجاك، وهو عضو في الهيئة التنفيذية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فضلاً عن أنه أحد أقارب أمينة، زوجة أردوغان.

شركة "بي إم سي" التي ستدير مصنع الدبابات التركي يديرها قيادي في حزب العدالة والتنمية أدهم صانجاك

ويمنح هذا الاتفاق حقوق تشغيل مصنع الدبابات الوطني التركي لمدة 25 عاماً، للشركة الجديدة، دون أيّة عطاءات تنافسية أو عملية شفافة، وتملك القوات المسلحة القطرية 49.9% من أسهم الشركة المشغلة.

وفي الشهر نفسه الذي صدر فيه التقرير، تظاهر المئات من العاملين في المؤسسات الحربية، اعتراضاً على وجود مستثمرين قطريين ضمن إدارة مصنع "صفائح الدبابات" الموجود في مدينة سقاريا لمدة 25 عاماً.

وكانت الجريدة الرسمية التركية قد نشرت، بعددها الصادر بتاريخ 20 كانون الأول (ديسمبر) 2018، قراراً لرئيس الجمهورية، أردوغان، ينصّ على ضمّ مديرية مصانع الصيانة الرئيسة الأولى، التابعة للمديرية العامة للمصانع العسكرية، التابعة لوزارة الدفاع، إلى برنامج الخصخصة.

للمشاركة:

ميليشيات الحوثي تواصل إرهابها داخلياً وخارجياً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

اعترض تحالف دعم الشرعية في اليمن، اليوم، طائرتين بدون طيار أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية من محافظة عمران باتجاه السعودية.

تحالف دعم الشرعية في اليمن يعترض طائرتين بدون طيار أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية باتجاه السعودية

وصرّح المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي؛ بأنّ قوات التحالف تمكّنت، صباح اليوم الخميس، من اعتراض وإسقاط طائرتين بدون طيار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران، من محافظة عمران باتجاه خميس مشيط، بحسب ما جاء في وكالة الأنباء السعودية "واس".

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "جميع محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران بإطلاق الطائرات بدون طيار مصيرها الفشل".

وشدّد على أنّ التحالف يتخذ "كافة الإجراءات العملياتية وأفضل ممارسات قواعد الاشتباك للتعامل مع هذه الطائرات لحماية المدنيين".

وبيّن أنّ "المحاولات الإرهابية المتكررة تعبّر عن حالة اليأس لدى هذه الميليشيا الإرهابية، وتؤكّد إجرام وكلاء إيران بالمنطقة، ومن يقف وراءَها، كما أنّها تؤكد حجم الخسائر بعناصرها الإرهابية الذين تزجّ بهم كلّ يوم في معركة خاسرة، مما سبب لها حالة من السخط الاجتماعي والشعبي".

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، لتحييد وتدمير هذه القدرات، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 وفي سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ نفّذت الميليشيات الإرهابية المدعومة من إيران، أمس، حملة مسلحة على قرية "خربة الصباري" في منطقة العود بمديرية النادرة (محافظة إب، وسط اليمن).

ميليشيات الحوثي تشنّ حملة في منطقة العود وتنهب تحت تهديد السلاح ممتلكات خاصة بالمواطنين

وأفادت مصادر محلية؛ بأنّ ميليشيات الحوثي أطبقت حصاراً على القرية، وتقوم تحت تهديد السلاح بنهب ممتلكات خاصة بالمواطنين، خصوصاً في المناطق المجاورة لمنطقة العود، في محافظتي إب والضالع.

يذكر أنّ العود تُعدّ من مناطق التماس، وهي على مقربة من المواجهات الدائرة بين القوات الحكومية الشرعية وميليشيا الحوثي في محافظتي إب والضالع.

وذكرت المصادر؛ أنّ الحملة المسلحة يقف وراءها مشرف الحوثيين في "عزلة حدة" في مديرية النادرة، عبد الله محمد حمود ضوس.

وطبقاً للشهادات والإفادات المحلية؛ يعمد ضوس في الآونة الأخيرة إلى انتهاك حرمات سكان المنطقة وابتزازهم مادياً.

وحمّل أهالي وسكان في القرية ضوس وميليشياته مسؤولية ما حدث، ويحدث، وما تتعرض له المنطقة والسكان من "جرائم وانتهاكات وحشية لا إنسانية".

 

للمشاركة:



ابن سينا.. ظاهرة فكرية في رجل

2019-08-22

في الثاني والعشرين من آب (أغسطس) يحتفي العالم بذكرى ميلاد الفيلسوف والطبيب والعالم الإسلامي الموسوعي ابن سينا، الذي يعد واحداً من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية، ومن أكثرها إثارة للجدل خاصة في ميدان الفلسفة الإسلامية التي كان له فيها إسهامات لا يمكن تجاوزها، وإن جرّت عليه اتهامات التكفير التي ما تزال تلاحقه حتى اليوم.
نبوغ مبكر
وُلد  أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي الشهير بابن سينا عام 980م في قرية أفنشة قرب مدينة بخارى التي تقع حالياً في أوزباكستان، والده أحد دعاة الطائفة الإسماعيلية من أصول فارسيّة من مدينة بلخ بأفغانستان.
ظهرت علامات النبوغ عليه منذ صغره؛ إذ حفظ القرآن الكريم كاملاً وهو لم يجاوز العاشرة من عمره، وتمكّن  من التفوُّق على أقرانه وحتى مُعلّميه وهو لم يجاوز الرابعة عشرة، فخلال سنوات قليلة تمكّن من استيعاب الفقه الإسلامي والفلسفة والعلوم الطبيعية والمنطق، وعلوم إقليدس، وكتاب المجسطي لبطليموس.

اقرأ أيضاً: ابن سينا.. أفكار كبيرة رغم التكفير والإقصاء!
لم يطل مقامه في مسقط رأسه طويلاً، فما لبث أن ارتحل إلى مدينة بخارى؛ حيث تلقى العلم في مدرستها، فدرس أشهر العلوم في زمانه، أما علاقته بالفلسفة فبدأت على يد العالم البخاري أبو عبد الله الناتلي الذي تفرّغ لتدريسه كتاب (المدخل إلى علم المنطق)، المعروف باسم إيساغوجي الذي وضعه فرفوريوس الصوري ليكون مدخلاً للمقولات أو المنطق، وكان التحق ببلاط السلطان نوح بن منصور أحد أمراء سلالة بني سامان ،التي كانت تحكم ما وراء النهر، وأسند إليه متابعة أعماله المالية، وبعدها بدأ برحلته العلمية.

وصفه ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة بأنّه "الملحد  بل رأس ملاحدة الملّة"
ركّز في مراهقته جلّ جهوده على تعلُّم الطب، حتى أتقنه، فبعدما أنهى جميع العلوم التي درسها على يد شيخه الناتلي طلب من أبيه أنْ يُرسله لِدراسةِ الطب عند بعض الأطباءِ المعروفين مثل؛ الحسين بن نوح القمريْ وأبي سهل المسيب طبيبي السلطان نوح بن منصور، فأرسله إليهما وأمضى 3 أعوام بصحبتهما، ليضع كُلَّ معرفته لمعالجة الفقراء دونَ أن يأخذ أجراً منهم، وعندما أصبح في السادسة عشرة توصل إلى كثير من العلاجات الجديدة لأمراض كانت مستعصية قبله؛ إذ تمكن هذا الطبيب الشاب من علاج سُلطان بخارى، من مرض فقد فيه الأمل جميع الأطباء المشهورين آنذاك، ولم يطلب ابن سينا مكافأة إلا موافقة السلطان على السماح له باستخدام مكتبته، فكان له ذلك.
مع الفلسفة والطب
عُرف ابن سينا بولعه بأعمال أرسطو خاصة في مجال الميتافيزيقيا، التي عانى في البداية من فهمها حتى اطلع على شرح الفارابي لكتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، الذي تأثر به بنظرية الفيض وصدور الموجودات عن الخالق؛ حيث قسّم الموجودات إلى ممكن وواجب؛ فالإله واجب بذاته أما الموجودات ممكنة بذاتها وواجبة بالإله، ومن مبادئه قوله إنّه لا يصدر عن الواحد إلا الواحد وهو القائل في كتابه النجاة "إن الواحد من حيث هو واحد، إنما يوجد عنه واحد" وقال أيضاً في كتاب الإشارات "الأول ليس فيه حيثيات الواحد لواحدانيته، فيلزم كما علمت أن لا يكون مبدأ إلا لواحد بسيط".‏‏‏ والمبدأ الثالث الذي أخذ به ابن سينا هو مبدأ الإبداع أو التعقل، وقال إن تعقل الإله هو "علة للوجود على ما يعقله"..‏‏‏

يعد ابن سينا واحداً من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية ومن أكثرها إثارة للجدل خاصة في الفلسفة

غادر ابن سينا بخارى عندما بلغ 22 عاماً إثر وفاة والده، وانتقل إلى مدينة جرجان بالقرب من بحر قزوين، وأخذ يلقي مُحاضرات في المنطق وعلم الفلك، وهناك التقى أبا ريحان البيروني الذي ربطته به علاقة علمية مميزة، وكان بينهما مساجلات علمية لطيفة يمكن الاطلاع عليها في كتاب "رسائل ابن سينا".
وبعد ذلك سافر إلى مدينة الري ثم إلى همدان، التي ألفّ فيها كتابه الأشهر القانون في الطب، وهناك اشتهر صيته أيضاً بعدما قام بعلاج شمس الدولة، ملك همدان، من المغص الشديد الذي أصابه.
تُرجم كتابه القانون في الطب إلى اللاتينية في منتصف القرن الثاني عشر تحت اسم Canon medicinae ثم إلى العبرية العام 1279، وظل هذا الكتاب المرجع الرئيسي في العلوم الطبية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر؛ حيث كان مقرّراً تدريسياً في كثير من جامعاتها، ويكفي لمعرفة، أهمية هذا المرجع العلمي الذي يحتوي أكثر من مليون كلمة، أنّ يوهان جوتنبرج مخترع الطباعة طبع ثلاث أجزاء منه العام 1472 بواسطة مطبعته التي اخترعها قبل سنوات قليلة من هذا التاريخ، ليعود ويطبع الترجمة اللاتينية كاملة في العام 1473.
ظل كتابه "القانون" المرجع الرئيسي في العلوم الطبية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر

إسهامات جديدة
بعد همدان، انتقل إلى مدينة أصفهان؛ حيث أتم العديد من كتاباته في شتى المجالات، فكانت له مساهماته في الرياضيات والموسيقى والجيولوجيا وحتى علم الأصوات والفلك إذ قدَّم العديد من الملاحظات الفلكية؛ حيث ابتكر وسيلة لتحسين دقة القراءات الفلكية، وفي الفيزياء درس الأشكال المختلفة للطاقة والحرارة والضوء والميكانيكا، ومفاهيم القوة، والفراغ، واللانهاية. ويعد كتابه "الشفاء" موسوعة كبرى في العلوم الطبيعية وما بعد الطبيعة،  ولا يقل أهمية عن نظيره القانون، وتطرّق فيه إلى نظريات الفلسفة وعلوم المنطق والطبيعة ونقد فيه كثيراً من مقالات للفلسفة اليونانية.

اقرأ أيضاً: 10 محطات في حياة ابن سينا الذي كفّره الغزالي
كان ابن سينا يرى أنّه حسبنا ما كُتِب من شروح لمذاهب القدماء، وأنه آن لنا أن نضع فلسفة خاصة بنا؛ لكن هذا لا يعني أنّه ابتكر مذهبا فلسفياً جديداً بقدر ما أضفى على الفلسفة القديمة حلة جديدة، لا سيما في مؤلفاته "الاشارات والتنبيهات" و"الحكمة المشرقية"، وكان يقول "إن العلوم كثيرة و الشهوات لها مختلفة، ولكنها تنقسم – أول ما تنقسم – إلى قسمين: علوم لا يصلح أن تجري أحكامها الدهر كله، بل في طائفة من الزمان ثم تسقط بعدها، وعلوم متساوية النسب الى جميع أجزاء الدهر، وهذه العلوم أولى العلوم بأن تسمى حكمة".
تابع سفره في آخر حياته برفقة أبي جعفر الخازن كطبيب ومستشار أدبي وعلمي، إلى أن توفي في شهر حزيران (يونيو) من عام 1037 ميلادياً ودُفن في همدان بإيران، وقيل إن أحد مساعديه هو من سمّمه.

رحل ابن سينا بعد أن ترك نحو 450 كتاباً وصلنا منها نحو 240 فقط
وكحال كثيرين ممن اشتغلوا بالفلسفة اتهمه كثيرون بأنّه من القرامطة الباطنية، فوصفه ابن القيم في كتابه "الصواعق المرسلة" بأنّه: "الملحد، بل رأس ملاحدة الملة"، وممن كفّره أبو حامد الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال"، ونسب إليه مقولاته الثلاث بقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني، وأنّ الله لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي، بل بعلم كلّي، وكان رد عليه في " تهافت الفلاسفة " في عشرين مسألة، وكفّره في هذه المسائل.

ركّز في مراهقته جلّ جهوده على تعلُّم الطب حتى أتقنه قبل أن ينتقل إلى مختلف العلوم

أما ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فذكر أنّه في آخر أيامه أعلن توبته من هذه الأقوال، حيث قال: "وقد ضعف جداً وأشرفت قوته على السقوط، فأهمل المداواة وقال: المدبر الذي في بدني قد عجز عن تدبيره فلا تنفعني المعالجة، ثم اغتسل وتاب وتصدّق بما معه على الفقراء، وردّ المظالم على من عرفه، وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم مات".
كان يقول "الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أول خطوات الشفاء"، فلم يكن يقتصر العلاج عنده على عقاقير صماء، بل كان يؤمن أن بداية الشفاء أمر نفسي بالدرجة الأولى، وفي هذا السياق تروى عنه قصص عجيبة عن استخدامه قوة العقل الباطن، كما فعل في علاج شاب مريض بالعِشق وآخر كان يتوهم أنه بقرة!
رحل ابن سينا بعد أن ترك نحو 450 كتاباً، وصلنا منها نحو 240 فقط، ولُقب بالمعلم الثالث بعد أرسطو والفارابي، كما عُرف بأمير الأطباء وأرسطو الإسلام، فلم يكن مستغرباً أن يثير حسد بعض معاصريه وغيرتهم منه، وهو القائل "بُلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهم".
يقول عنه المستشرق الألماني ت. ج. دي بور: "كان تأثير ابن سينا في الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى عظيم الشأن، واعتبر في المقام كأرسطو"، أما مؤرخ العلم الشهير جورج ساتون فيصفه بأنّه "ظاهرة فكرية عظيمة ربما لا نجد من يساويه في ذكائه أو نشاطه الإنتاجي.. إن فكر ابن سينا يمثل المثل الأعلى للفلسفة في القرون الوسطى"، فليس مستغرباً أن تزيّن صورة ابن سينا كبرى قاعات كلية الطب بجامعة "باريس" حتى الآن.

للمشاركة:

خَصم الصحوة الأول!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

تركي الدخيل

لم يتركِ الأديب السعودي، والوزير، والشاعر، والكاتب، والمثقف، الدكتور غازي القصيبي، الحروب التي واجهتها بلاده، من دون أن يسل سيفه في كل الاتجاهات، مشاركاً في كل الجبهات، دون أن يكون قسم من هذه الحروب، الهدف فيه القصيبي، لذاته، بل كان الهدف رأس الحكومة، القدح في اختيارات الحاكم، قدح فيه، وكثيراً ما يلجأ الخصوم لهذه الطريقة، فهي تجنبهم المواجهة المباشرة، مع الرجل القوي، ولا تحرمهم متعة نقده، بشكل غير مباشر.
في أول فبراير (شباط) 1979. عاد الخميني (ت: 1989)، على متن طائرة فرنسية، من باريس إلى إيران، ثائراً، مرشداً للثورة، التي انقلبت على الشاه، حينها علم القصيبي، بوعيه وقراءته للأحداث وحدسه، أن ما بعد الخميني، لن يكون كما قبله، فالحدث آذن بفتح أبواب التطرف الإسلامي الشيعي، ثم تبعه التطرف السني.
بعد الثورة الإيرانية، اقتحم جهيمان العتيبي (ت: يناير «كانون الثاني» 1980) وأتباعه، الحرم المكي الشريف، بمكة المكرمة، في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في عمل إرهابي، هزَّ العالم.
كان القصيبي، شاهداً على تفاصيل الحرب العراقية الإيرانية، في الثمانينات، وله شهادات متلفزة حول الوقائع، وكتاب أيضاً وكان يعلم أن الحالة الخمينية، ستجر ويلاتها إلى بقية المجتمعات الإسلامية.
ومع غزو الرئيس العراقي، صدام حسين للكويت، (أغسطس 1990)، صعد صوت متطرف، ظاهره معاداة دخول القوات الأجنبية، وباطنه العداء للأنظمة السياسية الخليجية، التي تحاول التصدي لطغيان صدام، وجنون عظمته.
ظاهرة رفض الاستعانة بالقوات الأجنبية، والأميركية تحديداً حينها، كانت طور التشكل بالمعنى الآيديولوجي، ووصفها الدكتور رضوان السيد، بـ«الإحيائية»، نسبة لنظيراتها من الفورات المسيحية.
وكان القصيبي، من أوائل من وصف، تلك الظاهرة بـ«الصحوة»، وهذا وارد جداً، فله تسجيل تلفزيوني يعود للثمانينات، يستخدم المصطلح، وإن لم يكن في سياق النقد، بطبيعة الحال.
المدرسة الدينية التقليدية، الممثلة بهيئة كبار العلماء في السعودية، وقيادتي الشيخ عبد العزيز بن باز، (ت: 1999)، وكان المفتي العام للسعودية، ويقيم بالرياض، والشيخ محمد بن عثيمين، (ت: 2011)، وكان يقيم في عنيزة بالقصيم، رحمهما الله، شكَلت موقفاً شرعياً يجيز دفع المعتدي، عبر الاستعانة بالقوات الأجنبية.
في مقابل، مجموعة من الدعاة الشباب، الذين كانوا يقودون المنابر في تلك الفترة، وبدا لهم امتلاك وعي سياسي، يجعلهم يتفوقون على كبار العلماء، ويوجب عليهم التصدي لهذا الأمر. كان بعضهم يعرض تارة ويصرح تارة، بأن مما يعيب كبار العلماء، تبعيتهم للسياسي، ولا يتورع بعضهم في القول بأنهم لا يرفضون له طلباً.
يمكن اعتبار هذه الحادثة هي أول تباين ومفاصلة للتيارات الإسلامية، مع الدولة، أمام عامة الناس، بشكل جلي وواضح.
تيار الدعاة الشباب، كان أبرزه: سلمان العودة، المقيم في القصيم، وسفر الحوالي، المقيم بين مكة وجدة، وناصر العمر، المقيم في الرياض، وعايض القرني، المقيم في جنوب السعودية؛ ويرون أن الاستعانة بالقوات الأجنبية، محرم، وأنه باب الشرور، والممهد لغزو بلاد التوحيد، وإقامة القوات الأجنبية، مسنوداً برأي جماعة الإخوان المسلمين، التي صدمت القيادة السعودية، بموقفها، إذ لم تعارض غزو صدام حسين، بل أيدته، بعد أن فتحت المملكة أبوابها للجماعة منذ عقود، ومنحتهم البيوت، والجنسيات، والوظائف، واستوعبتهم، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، بعد خلافهم المصيري، مع الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر.
في الوقت ذاته، أصدر فريق المشايخ الكبار، بياناً من هيئة كبار العلماء، يجيز لولي الأمر الاستعانة بغير المسلم، لدفع ضرر الغزو.
المشايخ الشباب، يملكون سطوة المنبر، والتنقل محاضرين، في مساجد كبرى في السعودية كلها، في جوامع تستوعب آلاف الحضور، ثم تنسخ الأشرطة، فيما سمي بمعركة الكاسيت، مئات آلاف النسخ، توزع في السعودية، والخليج، والعالم العربي كله، في تأثير ربما يفوق تأثير الإعلام التقليدي.
هذه الأشرطة تحمل سحر الحديث الديني من جهة، ومعارضة الدولة من جهة ثانية، بالإضافة إلى كونها تستبطن موقفاً سلبياً من قطب العالم الأوحد، الولايات المتحدة، والمهزوم حضارياً، عادة ما يكون ميالاً لتبني المواقف ضد الأقوياء، ولو لم يشكلوا له ضرراً حقيقياً!
خطاب الدعاة الشباب، لم يكن يقتصر في رفضه لموقف الحكومة السعودية من الاستعانة بالقوات الأجنبية، بل كان استمراراً لمواقف رافضة، لما اعتبره هذا التيار، تياراً للمنكرات، تشمل في تصنيفهم آنذاك: الاختلاط، مشاركة المرأة في الحياة العامة، وأي مظهر من مظاهر عدم ارتداء المرأة عباءة سوداء، تغطي وجهها وجسدها من الرأس للقدم، وهو ما يطلق عليه تبرجاً، وأي مظاهر للموسيقى والفنون... وغيرها الكثير الكثير.
أحس غازي القصيبي، بأن الحالة ليست طبيعية، وأن نوع الخطاب المستخدم في حرب الكاسيت، يحمل في طياته نقضاً للدولة، أكثر من كونه مجرد تحفظ على ارتكاب معاصٍ دينية، بالمعنى الفقهي، أو تجاوزات شرعية عامة.
انبرى القصيبي، بقلمه يدافع عن مصالح بلاده، بوجه فتوى أيَّدها كبار علماء البلاد، فقام التيار الآخر بالتشغيب عليه وكيل التهم له ولكل تيار لا يتوافق معهم.
ألف حينها غازي، كتابه الشهير: «حتى لا تكون فتنة»، وتضمن خمسة فصول، جعلها رسائل موجهة لرموز التيار الذي أشرنا إليه.
ردَّ القصيبي في الكتاب، على التهم الموجهة له بالعلمنة، والتكفير، وإغلاق باب الاجتهاد، ومسؤولية علماء المسلمين في ترسيخ التعددية، فالاجتهاد هو التجديد.
لم يدّعِ القصيبي يوماً أنه من الفقهاء، وإنما لظرف قلة المحاججين، لذلك التيار ذي الصوت العالي، وجد القصيبي أن البحث الفقهي بات ضرورة لمواجهة خطاب الجمود، واهتم بذلك في عدد من كتبه، ومقالاته، وسجالاته، فصنف: «ثورة في السنة النبوية»، و«الإلمام بغزل الفقهاء الأعلام».
في حوارٍ له مع الأستاذ محمد رضا نصر الله، بعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وقبيل غزو إسقاط صدام 2003. كان القصيبي يعتصر ألماً من مستوى انفلات الخطاب المعادي والمتطرف، وركز في الحوار على ضرورة محاربة التطرف من المنابع، مما دفعه، ضمن فهمه العميق للموضوع، ليترجم كتاب: «المؤمن الصادق»، لإريك هوفر، وهو يبحث في الدوافع السيكولوجية للإنسان المتطرف. يقول غازي في حوار نصر الله: «إن ثمة فهماً مغلوطاً نحو الغرب، إذ ننسب أي جريمة تحدث لهم، من دون الفصل بين الآيديولوجيات العنصرية التي لديهم وبين الغرب، بمعناه الحضاري العام المفيد، الذي يجب أن نفهمه ونحاوره ونعاصر منجزه».
رحم الله غازي القصيبي، إذ كان سبَّاقاً في نقد ظاهرة، كانت جماهيريتها، واستخدامها سلاح التكفير، والتفسيق، والتبديع، ضد مخالفيها، يجعل الخصومة معها باهظة الثمن، اجتماعياً، وعملياً، وإدارياً.
عندما يستعديك ذلك التيار، ستجد فجأة جموعاً من الناس، جمهوراً لا يفكر فيما يُقال له، يناصبك العداوة والخصومة، ويتقرب إلى الله بالدعاء عليك، وكيل الضرر لك.
أي عدل في الخصومة هذا؟!
أخذت، هذه التيارات، على عاتقها وعد الانتقام من القصيبي، فصارعته طوال حياته، ولما أصر القصيبي، وكان وزير العمل حينها، على تأنيث بائعات محلات الملابس النسائية الخاصة، غضب الخصوم، دون مبرر منطقي، من قرار يحافظ على خصوصية المرأة، حتى اجتمع معه مجموعة ممن يسمون المحتسبين، ودعا عليه أحدهم الله، أن يصيبه بالأمراض الخبيثة، علناً أمام العشرات، في تسجيل منتشر!
لم تهدأ المعركة ضد غازي، مذ شبابه حتى شاخ، لكنه، رحمه الله، استطاع أن يسير بثباتٍ على رأيه، لم يجامل أبداً، حين يتعلق الأمر بمصير المجتمع، ومصلحة البلد.
بدأ القصيبي حياته، بكتيب صغير بعنوان: «معركة بلا راية»، ومضى كل حياته بمعركة، راياتها: حب الوطن، ونشر التنوير، ومحاربة التخلف.
كان الشاعر غازي، يصف خصومات الإنسان غازي، حين قال:
أما تعبتَ من الأعداء ما برحوا
يحاورونَك بالكبريت والنارِ؟!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

اغتيال محمود درويش

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

يوسف أبو لوز

مرّت الذكرى الحادية عشرة على رحيل محمود درويش الأسبوع الماضي في أقل من الاستعادة العادية، لا بل، إن بعض الصحف العربية لم تأت على ذكر المناسبة برمّتها، وسيكون القارئ حسن النّية إذا اعتبر أن من تقاليد بعض الصحف توقفّها عن الصدور في إجازات الأعياد، وصادف 9/8/2019 اليوم الذي رحل فيه درويش قبل العيد بيومين، لكن كل هذا الكلام هو نوع من تغطية الشمس بغربال، ولنعترف أن صاحب «أوراق الزيتون» و«مديح الظل العالي» و«لماذا تركت الحصان وحيداً» يجري اغتياله حتى وهو غائب، وكلمة «اغتياله» هذه ثقيلة، ولكن كان لا بدّ منها على رغم ثقلها ونحن نرى واحداً من كبار الشعراء العرب على مرّ كل تاريخ الشعر يتم تجاهله على هذا النحو غير البريء.
في قصيدة لمحمود درويش بعنوان «يحبونني ميّتاً» يقول:- «.. يحبونني ميّتاً ليقولوا: لقد كان منّا، وكان لنا»، وفي القصيدة ذاتها يقول: «.. متى تطلقون الرصاص عليَّ؟ سألتُ. أجابوا تمّهل وصفّوا الكؤوس وراحوا يغنّون للشعب، قلت: متى تبدأون اغتيالي؟، فقالوا ابتدأنا».. إلى أن يقول أخيراً في هذه القصيدة الصغيرة ولكن النبوئية.. «.. سأسألكم أن تكونوا بطيئين، أن تقتلوني رويداً رويداً لأكتب شعراً أخيراً لزوجة قلبي..».
ليس لدي تاريخ نشر أو تاريخ كتابة لهذه القصيدة، ولكن، لماذا هي قصيدة نبوئية أو توقعية؟؟.. لنبحث عن الإجابة في القصيدة نفسها..
يقول درويش «يحبونني ميّتاً».. وبالفعل، كان الكثير من الشعراء الفلسطينيين والعرب يعتبرون درويش الشجرة التي تخفي الغابة، وأن نجومّيته أطفأت تلك الأنوار البعيدة المبثوثة من بعض الشعراء، وأن قصيدة واحدة من درويش تعادل مجموعات ومجموعات لمثل هؤلاء الشعراء النكرات، أما عندما كان درويش يقرأ شعره في عمان وتونس والقاهرة وبيروت والرباط والجزائر، فيقيم في الأمسية ما يشبه دولة درويش أو شعب درويش بسبب الآلاف من الجمهور الذي يصغي من رأسه إلى قدميه أمام الكاريزما المذهلة لهذا الشاعر وهو يلقي بأناقة وكبرياء.. أقول عندما كان يجري كل ذلك على مرأى ممّن يحبّونه ميّتاً كان هؤلاء يصابون بالإحباط، ويعودون إلى بيوتهم وزوجاتهم مكسوري الخاطر «بإحرام».
يقول درويش: ..«متى تطلقون الرصاص عليّ؟»، وفي حقيقة الرصاص المادّي لا أحد أطلق الرصاص على درويش، وهو أيضاً لم يطلق الرصاص على أحد، وعندما أعطاه ياسر عرفات مسدساً في أثناء حصار بيروت ليدافع عن نفسه ألقى بالمسدس ولم يستعمله.
.. ثم أخيراً يقول درويش.. «..متى تبدأون اغتيالي»،.. وكما جاء في رأس هذه المقالة، فالاغتيال لدرويش جرى في حياته، ويجري في موته، وعندما صدرت مجموعته «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» بعد موته.. ظهر طابور طويل ممّن اغتالوا درويش.. وكان هو يسألهم أن يكونوا بطيئين في القتل.. رويداً، رويداً.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية