بانوراما عراقية: هكذا مرّ 2021 على بلاد الرافدين

بانوراما عراقية: هكذا مرّ 2021 على بلاد الرافدين

مشاهدة

29/12/2021

رافقَ الهدوء النسبي الحكومة الانتقالية العراقية في عامها الأخير، بعد أن شهدت تحدياتٍ أمنية واقتصادية أضعفت سلطتها في الأشهر الأولى من تشكيلها، في أيار (مايو) 2020.  وبعد عشرينَ يوماً من ذلك التاريخ، أدركَ رئيسُ الحكومة، مصطفى الكاظمي، قدراتَ حكومتهِ على الأرض، مما دفعهُ إلى تغليبِ الفعل السياسي على نظيره الأمني "الحاسم"،  وذلك بعد أن خطا خطوةً أبانت له حجم ضعف الدولة العراقية، قبالَ الميليشيات التي طوقتْ المنطقة الرئاسية الخضراء، وحاصرتْ منزلهُ بعيدَ اعتقالهِ لخليةٍ تابعةٍ لـ "كتائب حزب الله"، جنوب العاصمة بغداد.

وسريعاً، استوعبَ الكاظمي القادم من رئاسة جهاز المخابرات الوطني، أنهُ يحكم بلداً ما يزال لجارهِ الشرقي اليد الطولى في زعزعةِ أمنهِ واستقرارِ نظامهِ السياسي "القلق". وهذا ما جعلهُ يغير من قواعد اللعبة السياسية، وفقاً لفرضياتِ الواقع، وإمكانيات السلطة؛ إذ أبدى مواقفَ "غير متصلبة" تجاه إيران، وتمكنَ من فتحِ قنواتٍ غير رسمية عبرَ سياسيّينَ "غير ثوريين"، من مواليها في العراق.

رافق الهدوء النسبي الحكومة العراقية، عام 2021، بعد أن أدرك الكاظمي حجم وقوة سلطتهِ قبال المليشيات وهو ما جعلهُ يستبدل الفعل الأمني بالفعل السياسي البراغماتي مع طهران

وإذا ما قورنتْ بالعام 2020، فقد شهدتْ البلاد، عام 2021، هدوءاً نسبياً، وتطوراتٍ لافتةً على الصعيد الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، حيث استعادَ العراق مكانتهُ وسط محيطهِ الإقليمي والعربي، لاسيما الخليجي الذي شرّع أبوابهُ لضيوفهِ القادمينَ من بغداد.

الكاظمي يشطرُ حلفاء طهران

لم تستطع الكتل الموالية لإيران إطاحة حكومةِ مصطفى الكاظمي، الحكومة القادمة من رحم الاحتجاج التشريني الذي أطاحَ بدوره حكومة عادل عبد المهدي، في تشرين الثاني (نوفمبر) عام2019؛ إذ عملت الحكومة الانتقالية الجديدة على كسبِ أجنحةٍ سياسيةٍ داخل "تحالف الفتح" المظلة السياسية للفصائل الشيعية، فيما استبعدتْ أجنحةً أخرى لم تنل أيةِ وزارةٍ أو منصبٍ ما.

ذهبتْ، وفق ذلك، نحو خمس وزارات، ثلاث منها لـ "منظمة بدر"، برئاسة هادي العامري (رئيس تحالف الفتح)، ووزارتان لكتلة "العقد الوطني" برئاسة فالح الفياض (رئيس هيئة الحشد الشعبي)، وكتلة "السند الوطني"، برئاسة النائب أحمد الأسدي. هكذا استقطاب أكسبَ رئيس الوزراء الجديد أوراقاً سياسية في التعاطي مع الداخل المحلي والجار الشرقي الذي كان متخوفاً من وجودِ حليفٍ أمريكيٍّ على سدةِ الحكم التنفيذي في العراق.

إقرأ أيضاً: مقتدى الصدر في ضيافة خصومهِ في البيت الشيعي

ورغم المناوشات الأمنية بين الكاظمي والفصائل الشيعية المسلحة، وتحديداً "كتائب حزب الله"، و"عصائب أهل الحق"، إلا أنهُ تمكنَ في السنةِ الأخيرة من تحجيم عملياتهما عبرَ التعاطي البراغماتي مع طهران. علماً بأنّ الإيرانيّين، ما يزالون يمارسونَ أدواراً مختلفة في العراق، لكنّها "غير قلقة" بالنسبةِ لوضعِ الحكومة.

تفكيك ساحات الاحتجاج

لم تكن ساحات الانتفاضة التشرينية راغبةً بالكابينة الوزارية الجديدة التي حلّتْ محل الكابينة المستقيلة، ومكمن الاعتراض أنّها جاءت بتوافق القوى السياسية المتهمة بـ "الفساد"، لذا كان سقفُ المطالب الاحتجاجية عالياً؛ حيث وصلَ إلى ضرورةِ "إسقاط النظام".

اغتيال الفصائل المسلحة للناشطينَ المدنيين، لإحراج حكومة الكاظمي، وإظهار عجزها عن ضبطِ الملف الأمني في مدنٍ مستقرة بجنوب ووسط العراق، جعلَ المجتمع المحلي يصطفُ خلفَ السلطة التي تريدُ أنْ تكرّسَ القانون. كما أنّ نزولَ رئيس الوزراء الجديد إلى الشارع والتواصل الاعلامي مع الجمهور، منحهُ شيئاً من التعاطف الشعبي والثقة لقيادةِ المرحلة الانتقالية، وقد أسفرت هذه الثقة عن إنهاء مظاهر الاحتجاج، والسماح للحكومة بأخذِ وقتها، للعمل على إجراء انتخابات مبكرة، ومعالجة الأزمات التي ضربتْ البلاد، ومنها: جائحة كورونا، والأزمة الاقتصادية، والأمن الداخلي.

وعلى الرغم من حضورهِ الإعلامي الفاعل، ووعودهِ بتطبيق القانون، وملاحقة المتورطينَ بقتلِ المتظاهرين، إلا أنّهُ تمكّنَ من إيصالِ رسالةٍ مشفرةٍ لعمومِ العراقيين، عن إمكانيات الحكومة وقدراتها الفعلية على الأرض، وذلك بعد أن اعتقل قتلة الخبير الأمني "هشام الهاشمي"، والإعلامييَّن: "أحمد عبد الصمد" و"صفاء غالي"، دون أن يُفصحَ عن الفصيل المسلح الذي يقف وراءهما، مكتفياً بالإشارةِ المكانية لتواجدِ بعض الفصائل.

جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية

كحالِ الدول الأخرى، عانى العراق من جائحةِ كورونا التي فتكتْ بالإنسان في مختلفِ أرجاء المعمورة، إلا أنّ ما رافق ذلك هي الأزمة الاقتصادية وهبوط أسعار النفط، وصعوبة تأمين رواتب موظفي الدولة العراقية، ما جعلَ حكومة الكاظمي تقترض في بادئ الأمر من احتياطي بنكها المحلي. كما أنّ العديدَ من المؤسّسات شهدتْ حرائق "مجهولة الفاعل"، أبرزها : حريق مستشفى ابن الخطيب، المخصص لعزل مصابي فيروس كورونا، في العاصمة بغداد، وراح ضحيتهُ 192 شخصاً، مما دفعَ وزير الصحة حسن التميمي إلى الاستقالةِ من منصبه.

إقرأ أيضاً: تنظيم داعش يضرب من جديد... هل أعاد تنظيم صفوفه في العراق؟

ورغم كل هذه المشكلات؛ حاولتْ الجهات الحكومية المسؤولة، توفير اللقاح المطلوب، لخفضِ أعداد المصابين بالمتحور الثاني حينذاك، فيما يعدّ القطاع الصحي العراقي من أسوأ القطاعات الخدمية في البلاد، لجهةِ فسادِ القائمينَ عليهِ منذ التغيير الذي حصلَ في نيسان (أبريل) 2003.

مثّلَ العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي أكبرَ حدثٍ سياسيٍّ شهدهُ العراق، حيث تمّ إجراء الانتخابات التشريعية المبكرة، وصعود قوى شبابية مستقلة، بعضها من قوى الاحتجاج التشريني

 

أمّا الواقع الاقتصادي فقد أخذَ بالتحسنِ على الصعيد الادخار الحكومي، فقد تمكنتْ الحكومة من تعزيز احتياطها المالي الذي اقترضت منهُ لتسديد مرتبات الموظفينَ، البالغ عددهم نحو 4 ملايين موظف، ويأتي هذا التحسن بعد انتعاش أسعار النفط، وعبور سعر البرميل الواحد  حاجز الـ 80 دولاراً، مع خفض تسعيرة البرميل في الموازنة العامة لـ 40 دولاراً، لتحويل الفائض منه، إلى الاحتياط الذي تم الاقتراض منه؛ إذ يصدر العراق يومياً نحو 3 ملايين ونصف مليون برميل، لكنْ رغم ذلك؛ بقي مؤشر الفقر المحلي عند الـ 31%. 

الانفتاح الدولي على العراق

منذ أنْ أصبحَ الكاظمي رئيساً للوزراء فتحَ البيت الأبيض أبوابهُ للرئيس الجديد، بعد أن أغلقها منذ انحراف رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، عن مسارهِ الوطني صوبَ الطائفية السياسية، والتخندق إلى جانب إيران في ولايتهِ الثانية (2010-2014). وكان الكاظمي قد زارَ، طيلة ولايتهِ القصيرة، البيت الأبيض مرتين، الأولى في أواخر عهد الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، والثانية في عهد الرئيس الأمريكي الجديد، جو بايدن، والذي كانت أبرز مخرجاتهِ إنهاء التواجد القتالي للقوات الأمريكية، وتحويل مهامها إلى استشارية. 

وبعيد الدعم الأمريكي، كان الاتحاد الأوروبي محطّ ترحيبٍ ودعمٍ لحكومةٍ جديدة، جاءت بتوافقِ مختلفِ الأطراف العراقية، دون تهميشٍ أو إقصاءٍ لأحد.

إقرأ أيضاً: بعد إعلان نتائج الانتخابات النهائية...الفصائل العراقية الموالية لإيران تلوح بالتصعيد

 أمّا العودة للحاضنِ العربي فقد كانت نوعيةً بالنسبةِ لأولِّ رئيسِ وزراءٍ عراقيّ، منذ غزو صدام حسين الكويت عام 1990 ولغاية الآن؛ فقد شهدتْ بغداد زياراتٍ عراقيةٍ لعدةِ عواصم عربية، لا سيما الخليجيةِ، منها قمتانِ كبيرتانِ خلال أقلِّ من ثلاثةِ أشهرٍ من عام 2021، الأولى: القمة الثلاثية بين العراق والأردن ومصر، التي كانت في حزيران (يونيو) الماضي، من أجل التبادل الاقتصادي. والثانية: قمة بغداد للتعاون والشراكة، التي كانت في أغسطس (آب) الماضي، وقد شاركت بها معظم دول الخليج، وبعض الدول العربية، فضلاً عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وقد عدتْ القمة الأخير، بحسبِ مراقبين، "انتصاراً كبيراً" لحكومة الكاظمي على الصعيد الدبلوماسي.

الزيارة التاريخية لبابا الفاتيكان

ومما يحسبُ في سياق الأحداثِ الإيجابيةِ التي جرتْ في العراق، طيلة العام الماضي، هو زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس الأول البلادَ، والتي جالَ في عدةِ مدنٍ منها، وأقام الصلاة الإبراهيمية التي جمعتْ مختلفَ ممثلي الأديان التوحيدية في مدينةِ أور الأثرية.

كما أنّ اللقاء الذي جمعَ الحَبر الأعظم مع المرجع الأعلى للشيعة، السيد علي السيستاني، قد غذى البلاد بشيء من المعنويات التي أنهكتها الطاقة السلبية، جرّاء إسقاطات العملية السياسية على الواقعِ العام.

وعُدَّ اللقاء، الذي احتضنتهُ مدينة النجف الشيعية، لقاءً تاريخياً أعطى زخماً معنوياً للعراق، في ظلِّ ظرفهِ الحرج، خصوصاً على المستوى الأمني، والخدمي؛ حيث ما تزال مخيمات النزوحِ قائمةً بعيد تحرير المناطق من سيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي؛ إذ راح البابا فرنسيس الأول يتجولُ في أزقة المدينة الموصلية القديمة، مقيماً القدّاس والصلوات على أرواحِ من قتلوا على أيدي عناصر المتطرفة، طيلة سيطرتهم على محافظة نينوى.

وتعيش المحافظة "المنكوبة" أوضاعاً مأساويةً نتيجة الخراب الذي حلَّ بها بعد انتهاء عمليات التحرير، عام 2017، وترحيل ملف إعمارها من حكومةٍ لأخرى، لجهةِ اضطراب الواقع السياسي.

شهادة أممية بنزاهة الانتخابات

ولعلّ الغريب في الانتخابات التشريعية العراقية الأخيرة، أنّها انتخابات متهمة من قبل قوى الإسلام السياسي الشيعي (عدا التيار الصدري) بـ "التزوير"، وأنّ القائمين عليها "متلاعبون بالنتائج". علماً بأنّ أغلب الخاسرين هم الكتل السياسية صاحبة الأذرع المسلحة الموالية لإيران.



ومثّلَ يوم العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي أكبرَ حدثٍ سياسيٍّ شهدهُ العراق في العام الجاري، حيث تمّ إجراء الانتخابات التشريعية المبكرة، وصعود قوى شبابية مستقلة، بعضها من قوى الاحتجاج التشريني، وقد نالتْ نحو 40 مقعداً متفرقاً في البرلمان الجديد، فيما خسرتْ الفصائل المسلحة المنضوية في "تحالف الفتح" نحو 30 مقعداً، بعد حصولها على 18 مقعداً من أصل 48 مقعداً في البرلمان السابق.

إقرأ أيضاً: ما بين الأمني والسياسي... الكشف عن تفاصيل محاولة اغتيال الكاظمي

وقد شارك مراقبون دوليون ومحليون في مراقبة الانتخابات العراقية الأخيرة، بإشراف الأمم المتحدة، وقد أكدت الأخيرة شفافيتها ونزاهتها، لدى إحاطة مسؤولة البعثة الأممية في العراق جينين بلاسخارت، في مجلس الأمن الدولي، في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

ومن أبرز ما جاء في قول بلاسخارت: إنّ "السلطات العراقية أدارتْ الانتخابات البرلمانية المبكرة بشكلٍ مهني، وأنهُ لا توجد أدلة على تزوير العملية"، وهو ما عرّضها إلى الطعنِ من قبلِ القوى الشيعية الخاسرة، والمنضوية حالياً ضمن ما يسمى "الإطار التنسيقي"، فضلاً عن اتهامات طالت رئيس الحكومة الانتقالية مصطفى الكاظمي.

الصفحة الرئيسية