بعد تنكيل إيران بالمعارضين: هل يكشّر المعسكر الغربي عن أنيابه؟

بعد تنكيل إيران بالمعارضين: هل يكشّر المعسكر الغربي عن أنيابه؟

مشاهدة

29/09/2020

الرجل، الذي عُرف بتاريخه الدموي، منذ أن كان مدعياً عاماً، استعاد "أمجاده الدموية" بعد أن جرى تعيينه رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء في إيران، في آذار (مارس) من العام السابق.

يقدم النظام الإيراني نفسه للعالم على أنّه رمز المقاومة والصمود أمام توسعات الإمبريالية الأمريكية، بيد أنّ هذه السلطة تُغذي وجودها على القمع السياسي وسحق المعارضة

 وكانت من أبرز ضحايا "القاضي" إبراهيم رئيسي، المحامية والناشطة المدافعة عن حقوق الإنسان، نسرين ستوده، التي حُكم عليها بالسجن لمدة 38 عاماً، إضافة إلى 148 جلدة، بتهمة التجسّس، وقلب نظام الحكم، وإهانة المرشد الأعلى للثورة الإيرانية.

ويبدو أنّ دموية رئيسي، صارت تقضّ مضاجع الترويكا الأوروبيّة، التي قررت أخيراً إعلان موقفها من هذه الانتهاكات بحقّ المعارضة الإيرانية، التي تتجرع كلّ أشكال التنكيل؛ إذ أصدرت ألمانيا بياناً عاجلاً، بشأن إيران، بالنيابة عن 47 دولة، إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

احتجاجات 2018

تحت شعار"لا للغلاء"، هرع مواطنون من الطبقات الاجتماعية كافة، إلى شوارع طهران للتظاهر، في أواخر كانون الأول (ديسمبر) من العام 2017، استمّرت التظاهرات عدة أشهر، خاصة بعد تصعيد المطالب الاجتماعية/ الاقتصادية، إلى مطالب سياسية كبرى، قضّت مضجع الولي الفقيه، فاستخدم أجهزته الأمنية لقمع التظاهرات على الطريقة الكلاسيكية لأيّ نظام ديكتاتوي فاسد، بالرغم من اصطفاف المعارضة، بكلّ أطيافها، إلى جانب المطالب الشعبية، إلّا أنّ للسلطة رأياً آخر، وعلى الرغم من سجلها القمعي الحافل قبل تلك الاحتجاجات، قرّرت السلطات الإيرانية تشديد قبضتها الأمنية، وإلقاء القبض على عدد هائل من النشطاء والمتظاهرين غير المسيَّسين (السلميين).

في الثاني عشر من أيلول (سبتمبر) الجاري، تمّ تنفيذ حكم الإعدام بحقّ لاعب المصارعة الحرة "نويد أفكاري"، بتهمة قتل ضابط مخابرات إيراني، وهي الشرارة التي أشعلت غضب المجتمع الدولي بحقّ النظام الإيراني، بعد أن طال أمد السكوت على جرائمه، وتحت عنوان:"سحق الإنسانية الإعتقالات الواسعة وحوادث التعذيب والإخفاء في إيران"، نشرت منظّمة العفو الدولية تقريرها، حول ما عاناه متظاهرو الحراك الإيراني الأخير، وهو ما دفع الولايات المتحدّة إلى توقيع عقوبات، للمرة الأولى، على قضاة دولة أخرى، ومن ثم، أصدرت وزارة الخزانة بياناً أعلنت فيه عن معاقبة سجن عادل آباد، والفرع الأول لمحكمة شيراز، وسجن أورمية، وسجن وكيل آباد في مدينة مشهد، وقاضي جلاد.

اقرأ أيضاً: الشرطة الإيرانية تدفع ثمن قمعها للاحتجاجات.. ماذا جرى؟

 ويرى الباحث المتخصص في العلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط، ومدير مركز "جدار" للدراسات الإيرانية، محمد عبّادي؛ أنّ إيران، التي  لديها سجل حافل من الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان، منذ وصول نظام الولي الفقيه إلى السلطة، عام 1979، وحتى اليوم، لا تكف عن إثارة الضمير العالمي ضدّها، في ظلّ تصاعد جرائمها بحقّ المواطنين الإيرانيين.

اقرأ أيضاً: إعادة التحقيقات في اغتيال معارض إيراني قبل 30 عاماً... ما علاقة نظام الملالي؟

يتابع عبّادي، في تصريح لـ "حفريات": "منذ حملة الإعدامات المجنونة، بقيادة صادق خلالي، عقب انهيار حكم الشاه، ووصولاً إلى إعدام المصارع الدولي، ذي الـ 27 عاماً، على خلفية مشاركته بتظاهرة احتجاجية في مدينة شيراز، بعد اعترافه بجرائم ملفقة انُتزعت تحت التعذيب؛ تجد الدول الأوروبية نفسها في موقف حرج للغاية أمام هذه الممارسات الحقوقية العنيفة من قبل النظام الإيراني، خاصة مع انحياز دول الترويكا الأوروبية إلى إيران في خصومتها مع واشنطن، سواء في معركة حظر التسليح، أو إعادة فرض العقوبات الكاملة، فتجد في انتقادها للوضع الحقوقي داخل إيران فرصة لحفظ ماء الوجه أمام الولايات المتحدة الأمريكية".

هل تتراجع الوحشية الإيرانية؟

أمام هذا الضغط الجماعي من المجتمع الدولي، فإنّ الخيار المُرجَّح أن تتراجع طهران خطوات للوراء، وتكفّ عن انتهاكاتها الصارخة بحقّ السجناء السياسيين، ومزدوجي الجنسية، فضلاً عن العنف المُفرط ضدّ المتظاهرين المطالبين بمعيشة أفضل على وقع أوضاع اقتصادية مأساوية، ويضيف عبّادي: "لهذا علاقة بسلوك إيران العام، الرامي إلى تهدئة الأوضاع في انتظار ما ستسفر عنه الانتخابات الأمريكية، في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل"، أما فيما يتعلق بفرنسا، فنجد أنّ تحركها المعارض للسلوك الإيراني الداخلي فيما يتعلق بحقوق الإنسان، جاء بعد تعرضها للحرج في ملفين مهمّين؛ الأول: انتقاد وزير الخارجية الأمريكية، مايك بومبيو، لفرنسا علناً في مقاله بصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية،  للموقف الفرنسي من العقوبات على إيران، مشدداً على أنّ فرنسا وبعض الدول الأوروبية توافق على الخطوات الأمريكية ضدّ إيران في الغرف المغلقة، وترفضها في العلن.

ويستكمل عبّادي، حول الملف الثاني، الذي يراه ممثلاً في موقف الرئيس ماكرون من حزب الله في لبنان، ورغبته في دمج الحزب، المصنَّف على قوائم الإرهاب الأمريكية، ضمن العملية السياسية الحالية، فيما تهدّد واشنطن بفرض عقوبات على من يتعامل مع حزب الله، وهنا يظهر أنّ فرنسا وجدت ضالتها في انتقاد الانتهاكات الحقوقية في إيران، عبر استدعاء السفير، لتخفيف الحرج أمام الإدارة الأمريكية، ولتنبيه إيران من أنّ الدعم ليس مفتوحاً، وأنّه ربما يكون مقتصراً على ما يتعلق ببقاء الاتفاق النووي على قيد الحياة.

الباحث محمد عبّادي لـ"حفريات":  إيران لديها سجل حافل من الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان، منذ وصول نظام الولي الفقيه إلى السلطة، عام 1979، وحتى اليوم

لم تسلم أيّة فئة اجتماعية في إيران من التعرض لانتهاكات تتعلق بالحريات، بداية من العمال المطالبين بتحسين أوضاعهم، إلى مشاهير مواقع التواصل، من عارضي الأزياء والموسيقيين والفنانين، الذين يتمّ إلقاء القبض عليهم، مروراً بالأقليات الدينية، من البلوش والأتراك الأذربيجانيين، إذ تُطلق أحكام الإعدام، التي تصدر من قضاة بعد انتزاع اعترافات مزيفة تحت وطأة التعذيب، الذي أصدرت فيه منظمة العفو الدولية عدّة تقارير، توضح كيف تحولّت سجون إيران إلى مسالخ إنسانية، تدار باسم الدين وسلطة الملالي.

الرواية الإيرانية

يقدم النظام الإيراني نفسه للعالم على أنّه رمز المقاومة والصمود أمام توسعات الإمبريالية الأمريكية، بيد أنّ هذه السلطة تُغذي وجودها على القمع السياسي وسحق المعارضة، أو أية أصوات تنادي بأيّة تغييرات، اجتماعية أو حتى اقتصادية.

 وبحسب الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية، أحمد محمد فاروق، فإنّ إيران ترى أنّ هذه الإجراءات واستدعاء سفراء إيران في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ما هي إلّا حلقة جديدة من حلقات حملة الضغط الأقصى الأمريكي، التي تكمل المساعي لعقوبات أشدّ فتكاً بطهران.

يقول فاروق، لـ "حفريات": "لكنّ هذا الأمر لا يبدو دقيقاً بصورة كاملة، فأوضاع حقوق الإنسان في إيران متردية، وسُلطت عليها الأضواء مؤخراً، على خلفية إصدار أحكام بالإعدام بحقّ ٣ شباب، ثُم إعادة النظر فيها فيما بعد، كذلك إعدام المصارع نويد أفكاري، رغم الحملة التي انطلقت على الإنترنت لمنع حدوث ذلك، وأنا أميل أيضاً إلى هذا التحليل؛ فلم يطرأ جديد على ملف حقوق الإنسان في إيران كي يستدعي الأمر المواجهة الأوروبية، لكنّ الجديد يكمن في ترتيبات المواجهة".

اقرأ أيضاً: بين مصدّق والخميني.. كيف خان الملالي ثورة الإيرانيين مرتين؟

يستكمل فاروق: "تطرّق المُنظّر الإصلاحي، سعيد حجاريان، لأوضاع التقاضي في إيران، متخذاً من محاكمة وإعدام أفكاري منطلقاً لنقد انعدام الشفافية في المحاكمات، ورأى أنّ إعدام المصارع نويد أفكاري أضرّ بسمعة القضاء الإيراني، ولم تكن له أيّة دلالة سوى المزيد من الترويع لجموع الغاضبين، مشيراً إلى التناقضات في تصريحات المسؤولين القضائيين، وما ينتج عن ذلك من فقدان للثقة لدى الرأي العام".

اقرأ أيضاً: عمائم الملالي فوق أعمدة الدخان

ومن الواضح أنّ ملف حقوق الإنسان المتردي بالفعل في إيران، فضلاً عما يتعرض له حاملو الجنسية المزدوجة قد يكون الذريعة التي تفرض على طهران عقوبات جديدة على أساسها، تتماشى مع النهج الأمريكي، ورغم ذلك، يشير فاروق إلى أنّه لا يمكن فهم سياق أحكام الإعدامات أو السجن بتهم مثل التآمر والتجمّع ضدّ الأمن القومي، دون الإشارة إلى المخاوف التي يبدو أنّ النظام يضعها كتهديد مباشر لشرعيته، وعلى رأسها التظاهرات، ثم المشاركات المتدنية في الانتخابات، سواء في المرحلة الأولى أو الثانية لانتخابات البرلمان.

الصفحة الرئيسية