"تيكا".. ذراع استخباراتية تركية بقناع إنساني

"تيكا".. ذراع استخباراتية تركية بقناع إنساني
2744
عدد القراءات

2019-10-23

الحبيب الأسود

تُعرف الوكالة اختصارا باسم تيكا. وتأسست بهدف تنسيق علاقات تركيا مع ما يعرف بالجمهوريات المستقلة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في وسط آسيا. لكن، في السنوات الأخيرة تمددت الرقعة الجغرافية لتيكا، وتحولت، كما يقول المصدر الليبي، إلى “جسر للمزيد من التغلغل في المجتمعات” بحجة الأعمال الخيرية.

يستدل المتحدث عن ذلك بمشروع تم توقيعه منذ أيام بين تيكا والهيئة الوطنية للتعليم التقني والفني التابعة لوزارة التعليم بحكومة الوفاق الليبية، للتدريب المهني في كلية التقنية الصناعية بمدينة مصراتة، شرق العاصمة طرابلس.

الهدف الواضح من المشروع هو تنظيم دورات في صيانة الأجهزة الكهربائية والطاقة المتجددة، بمشاركة 100 متدرب يمثلون عدة مناطق ومدن ليبية. لكن، العودة إلى نشاط الوكالة منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي، والدور التركي في دعم الميليشيات والإسلاميين يؤكدان أن الأمر يتجاوز هذا التدريب إلى ما هو أعمق.

توغل استراتيجي

في السنوات الأولى للفوضى التي أعقبت سقوط النظام، اخترقت تيكا الفضاء العام في ليبيا من خلال مشاريعها المكثفة التي كانت تستهدف مدنا بعينها لخصوصيتها الثقافية أو الجغرافية، مثل العاصمة طرابلس وغدامس المتاخمة للمثلث الحدودي مع تونس والجزائر، ومصراتة ذات العلاقة الاستراتيجية مع تركيا، وسرت ذات الأهمية الاستراتيجية في وسط البلاد، وإقليم فزان الجنوبي الذي يمثل بوابة الصحراء الكبرى، إلى جانب إبداء اهتمام خاص بالأقليات العرقية التي يحاول الأتراك اختراقها لخدمة أجندتهم في البلاد.

ويرى المتابعون أن تيكا، التي تنشط في أكثر من 50، دولة تحولت إلى حصان طروادة الذي يستعمله أردوغان في خدمة مشروعه التوسعي. كان الهدف الأول للمشروع التدخل المباشر في شؤون الدول المنحدرة من القومية الطورانية التي أعلنت استقلالها عن الاتحاد السوفييتي بعد تفككه في ديسمبر 1991.

في 24 يناير 1992 أسست تركيا وكالة التعاون والتنسيق، بهدف معلن وهو مساعدة الجمهوريات السوفييتية في إنتاج بنيتها وهويتها وتطويرها في جميع المجالات، بينما كان الهدف الحقيقي هو تكريس سلطة أنقرة على تلك الدول الخارجة لتوّها من شمولية الحكم الشيوعي، والسيطرة على قرارها من خلال استغلال عناصر العرق واللغة والدين، وهي التي كان لها سبق الاعتراف بالجمهوريات المستقلة؛ كازاخستان وأوزبكستان وطاجكستان وقيرغيزستان.

ليس هناك ما يمنع تركيا من القيام بهذه الخطوة للدفاع عن مشروعها القومي في وسط آسيا والقوقاز، لكن مع بداية عام 2000، ومع تولي حزب العدالة والتنمية السلطة، أخذت تيكا وجها آخر وهو الوجه الإخواني القومي، الباحث عن مدارات أخرى لخدمة مشروع الحزب في دول أفريقيا وآسيا وأوروبا.وبإشراف مباشر من الرئيس رجب طيب أردوغان تضاعف انتشار تيكا ليرتفع عدد مكاتبها من 12 مكتبا في عام 2002، إلى 25 مكتبا في عام 2011، ثم 33 مكتبا في عام 2012. واليوم تواصل تيكا أنشطتها عبر 56 مكتبا تنسيقيا في 59 دولة، بحجم مساعدات ارتفع من 85 مليون دولار في عام 2002 إلى 3 مليار دولار في عام 2015، على أمل أن تستهدف 140 دولة في 5 قارات، من المحيط الهادي إلى آسيا الوسطى، ومن أفريقيا والشرق الأوسط إلى البلقان، ومن القوقاز إلى أميركا اللاتينية.

يقول المتحدث باسم غرفة عمليات الكرامة بالجيش الليبي العميد خالد المحجوب لـ”العرب” إن “تيكا هي اليافطة الخيرية للمشروع العثماني الإخواني الجديد، وهي بالأساس أداة اختراق للمجتمع تجمع بين الجانب المخابراتي وبين تمويل الإرهاب من خلال الدعم الذي تقدمه للجمعيات والمنظمات والأفراد المتورطين في ضرب مؤسسات الدولة الليبية، وفي محاولة التصدي لعملية التحرير والتطهير التي تقودها القوات المسلحة الليبية في مختلف أرجاء البلاد

ويضيف أن “تيكا هي الوجه الآخر لجمعيات مثل “قطر الخيرية”، التي تصب معها في نفس الهدف لاختراق المجتمعات عبر دعم قوى الإسلام السياسي وتمكينها من التغلغل في المدن والقرى والمناطق النائية والأحياء الفقيرة والمحرومة التي تشعر بالغبن”، مشيرا إلى أن “الوكالة التركية تعتبر إحدى أبرز أذرع نظام أردوغان التخريبية في ليبيا”.

أهداف تيكا في ليبيا متشعبة ولها وجوه عدة، بما في ذلك التمهيد لدور تركي في مشاريع إعادة إعمار البلاد التي تواجه حربا ممنهجة للسيطرة عليها من قبل الإسلاميين وحلفائهم منذ ثمانية أعوام. لكن الوكالة التركية تواجه اليوم تراجع دورها في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني، وباتت تركز بالأساس على مصراتة ثاني أكبر مدن غرب ليبيا، باعتبارها مركز التبعية للقرار التركي.

وأوضح أستاذ القانون الدولي بالجامعات الليبية محمد الزبيدي أن “تركيا دمرت الدولة الليبية من خلال منظمة تيكا التي قامت بدعم الميليشيات حتى تمكنت من إسقاط الدولة، ونهبت كل خيراتها ونقلها إلى تركيا لإنقاذ اقتصاد أنقرة”، مؤكدا أن الأعمال الخيرية والإنسانية هي واجهة مشروع التوسع التركي على حساب دول المنطقة ومنها ليبيا.

وأبرز الزبيدي أن “تيكا ومثيلاتها تدعم الإرهاب والميليشيات وتحاول اختراق الفئات الهشة في المجتمع بهدف السيطرة عليها وتحريكها في اتجاه مصالح المشروع الأردوغاني”. وأضاف أن “في إطار استخدام القوة الناعمة لتوسيع النفوذ التركي في أفريقيا تم توظيف البعد الحضاري والديني واعتماد سياسة العطاء بنكهته الإسلامية المحببة للأفارقة، افتتحت الوكالة التركية للتنسيق والتعاون في سنة 2011 في كل من الصومال وليبيا وكينيا ومصر وتونس، لتنضم إلى فروع الوكالة في إثيوبيا والسودان والسنغال لتشرف

على مشروعات الوكالة في 37 دولة أفريقية تتنوع بين مجالات التعليم والصحة والزراعة، إضافة إلى مؤسسات الإغاثة والمساعدات الإنسانية كمؤسسة

محمد الفاتح وجمعية ياردم والهلال الأحمر التركي ومركز يونس أمره ومركز العلاقات التركية”.

إحياء الموروث العثماني

لا تخلو أنشطة تيكا من رمزية الإحالة على الاحتلال العثماني لليبيا عبر ترميم بعض المنشآت مثل مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية في طرابلس، التي يرجع تاريخها إلى عام 1871، ما جعل تقارير ليبية تشير إلى أن افتتاح المدرسة يكشف عن النوايا التركية لإعادة احتلال البلاد، مشددة على أن ذلك دليل على التفكير الماضوي لحكومة أوردوغان التي قامت بنفس الممارسات مع آثار عثمانية في تونس.

وفي أوائل أكتوبر الجاري أرسلت تيكا وفدا من المهندسين المعماريين إلى العاصمة الليبية، لدراسة ترميم آثار عثمانية. وزار الوفد التركي المدينة القديمة في طرابلس لفحص ودراسة الآثار العثمانية المقرر ترميمها، والتي تعرضت لأضرار في السنوات الأخيرة.

وأوضحت الوكالة التركية أن أعمال الفحص والدراسة جرت بالتعاون مع إدارة المدن التاريخية الليبية، وشملت كلّا من مسجد أحمد باشا القرماني، ومسجد وضريح تورغوت ريّس، والمكتبة البحرية العثمانية.

وردّ أحد المهتمين بالشأن العام من داخل طرابلس، في تصريح لـ”العرب”، بأن الأتراك يريدون أن يحيوا ماضيهم في العاصمة، هم يرون أن ترميم وصيانة الآثار العثمانية سيكون طريقهم إلى بث الحنين في نفوس الليبيين إلى فترة احتلالهم للبلاد التي كانت مظلمة بكل المقاييس، وقاومها الليبيون بكل قوة.

وأضاف قائلا إن “الإخوان وحلفاءهم يعتقدون أن بوسعهم أن يقدموا طرابلس على طبق من ذهب للأتراك، لكن كل هذه المشاريع ستنتهي بمجرد تحرير العاصمة من ميليشيات الوفاق، فليبيا دولة ثرية وعندما تستعيد الدولة سيادتها لن تكون في حاجة إلى مثل هذه المساعدات التركية التي يرى فيها الليبيون استنقاصا من قدرهم”.

يشير تقرير لصحيفة “دي فيلت” الألمانية إلى أن أردوغان ضخ أموالا طائلة من أجل إحياء الدور العثماني الميّت، مؤكدة أن مخططه يعتمد على تنفيذ مشروعات استثمارية كبيرة من أجل تقوية نفوذه.

وفي المقابل، ذهبت صحيفة “زَرِى” الألبانية، إلى ما هو أبعد من ذلك، بأن ذكرت في تقرير لها أن “أردوغان قام بعمليات غسيل أموال في كوسوفو عبر وكالة تيكا”، مشيرة إلى أن الرئيس التركي “أدخل الملايين من اليوروهات من تركيا إلى كوسوفو بطرق غير رسمية بغرض غسيل الأموال، في حين دخلت المبالغ تحت زعم استخدامها في عملية ترميم الآثار التاريخية بواسطة تيكا”.

سيكون من اللافت للاهتمام أن نتحدث عن جمعية خيرية تركز اهتمامها على الأمن والشرطة، فقد نظمت تيكا دورات تدريبية لضباط من منتسبي جهاز الشرطة في تركيا وعدد من دول العالم منها، أذربيجان وفلسطين وكوسوفو وألبانيا والجبل الأسود وأوزبكستان ومنغوليا وتونس ومولدوفا وأفغانستان. وتمت هذه الدورات التدريبية بالتعاون مع المديرية العامة للأمن العام والقيادة العامة للدرك في تركيا، بهدف تزويد المشاركين بالخبرات العملية لتنمية الوعي المشترك في مكافحة الجريمة وضمان توحيد المصطلحات الشرطية والعسكرية.

تيكا والاستخبارات
إلى ذلك، أصبحت تيكا صاحبة الذراع الطويلة في تدريب الشرطة الأفغانية، ومن آخر أنشطتها تدريب 168 شرطية أفغانية في مركز التدريب المهني للشرطة بولاية سيواس وسط البلاد، بهدف تأهيلهن وصقل خبراتهن من أجل توفير الأمن في بلادهن، وفق ما تقول الوكالة.

وبحسب الوكالة التركية استطاع حتى الآن 3 آلاف و353 شرطيا أفغانيا، بينهم 213 امرأة، اجتياز التدريبات بنجاح في مركز التدريب المهني للشرطة بولاية سيواس، فيما تتلقى حاليا 168 شرطية أفغانية، التدريبات ضمن النسخة الـسابعة من مشروع التدريب.

كما نظمت الوكالة التركية دورة في “القيادة البوليسية ومهارات الإدارة” لأفراد الشرطة في البوسنة والهرسك، وفي عدد من الدول الأخرى. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث نظمت تيكا فعاليات دورات المراسل الحربي بالتعاون مع وكالة الأناضول وأكاديمية الشرطة، بمشاركة صحافيين من دول عدة من بينها، أفغانستان وإثيوبيا وجورجيا وسوريا وميانمار ونيجيريا والجزائر وفلسطين والأردن وفلبين وباكستان وأذربيجان.

المهتمون بالشأن التركي يدركون جيدا أن تيكا هي جزء أصيل من منظومة الاستخبارات التركية، وتستعمل كغطاء للجوسسة ونقل المعلومات والاستقطاب والتجنيد. ورئيس جهاز المخابرات التركي الحالي، هاكان فيدان، هو الرئيس السابق لتيكا. وقد قام على امتداد أربعة أعوام بتشكيل البنية الاستخباراتية للمؤسسة، قبل أن يتجه للعمل على رأس جهاز المخابرات في نظام أردوغان. ليشهد الجهاز في عهده أكبر عمليات دعم الإرهاب من خلال دوره في دول كسوريا والعراق وليبيا. ولعل أكبر فضائح فيدان تلك التي كانت في عام 2014 عندما كشفت قوات الشرطة دعم الاستخبارات للميليشيات المسلحة في سوريا بالأسلحة والذخائر، وهي القضية المعروفة إعلاميا بـ”شاحنات المخابرات”، حين ضبطت قوات الدرك سبع شاحنات محمّلة بالأسلحة والمخدّرات في طريقها إلى الجماعات الإرهابية في سوريا.

تيكا والتعليم

المشروع التوسّعي العثماني الجديد تحت الغطاء الأيديولوجي الإخواني لابد له من ذراع قوية تخترق المجتمعات عبر الأداة الأنجع لمثل هذه الأهداف وهو التعليم. ففي عام 2016 قال أردوغان لمسؤوليه “إذا قالت منظمة فتح الله إننا متواجدون في 170 دولة، فعليكم التواجد في جميع الدول الـ193 الأعضاء في الأمم المتحدة”.

وفي العام ذاته تقرر إنشاء “وقف معارف” بقانون مرّره حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي لتأسيس مدارس إسلامية داخل وخارج البلاد لنشر الفكر الإخواني، حيث يعمل الوقف كأداة للتوغل خارج تركيا ونشر الفوضى واختراق الدول العربية والإسلامية بشكل خاص. ومنذ 2017 انتشرت مدارس الوقف في 70 دولة حيث يسعى (الوقف) إلى تجنيد الملايين من الأطفال والشباب في مخطط لإعادة إحياء الدولة العثمانية وابتلاع خيرات الدول ونهب ثرواتها وانتهاك سيادتها.

وتكشف خارطة الغزو التعليمي المتطرف لحاكم أنقرة، الوجود الكثيف لمدارس النظام التركي في الدول الأفريقية والعربية. وفي مقال بعنوان “مؤسسة معارف التركية، حصان طروادة أردوغان” على موقع تركيش مينيت، قال الكاتب عبدالله بوزكارت إن حزب العدالة والتنمية أنفق مليارات الشعب على إرضاء نزعته التوسعية، التي تتخذ التقسيم ونشر الفوضى والخراب نهجا لها”. وتابع “بالإضافة إلى بناء المساجد والمؤسسات الثقافية والمنظمات الإغاثية في خارج تركيا، والتي ليس لها هدف حقيقي إلا التوغل داخل الدول، لتكوين جماعات ضغط أو لتيسير طريق التحكم في السلطة، للجماعات التي يحركها أردوغان في الخارج، خلق أردوغان كيانا جديدا هو وقف معارف”.

ويرى الكاتب الموريتاني عبدالرحمن المقاري إن “وقف المعارف تشكيل استخباراتي أسسته الحكومة التركية لمهمة أمنية محددة”.

وما هذا إلا غيض من فيض الاختراق التركي للدول والمجتمعات تحت يافطة العمل الإنساني التي لا تمثل بالنسبة إلى نظام أردوغان سوى أداة للانغماس العقائدي بدافع إحياء النزعة الإمبراطورية العثمانية بذات التوجه الإخواني.

عن "العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"تجنيد الأطفال" وغياب المسؤولية الدولية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

حسين الشيخ
لا شيء في الحياة دون قواعد حتى الحروب التي لا مرادف لها إلا الموت والخراب والدمار لها قواعد تحكمها إلا أن هذه القواعد يتم تجاوزها من الأطراف كافة لتغليبها النصر على الأعداء على أي مطلب آخر، وبغض النظر عن النتيجة كإهمال حياة المدنيين وتدمير البنى التحتية واستخدام الأسلحة المحظورة وغيرها من التجاوزات، إلا أن الأمر الأكثر بشاعة هو تجنيد الأطفال وتدريبهم على حمل السلاح، واستخدامه في القتال.

إن تعريف "الطفل" أخذ كثيرا من الأخذ والرد على مستوى الاتفاقات الدولية والقانون الدولي بتحديده بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة من العمر، وبغض النظر عن العمر المحدد في الاتفاقات الدولية، فإن العمل على تجنيد الأطفال سواء على يد الجماعات والمليشيات أو حتى الجهات الرسمية التي تجندهم بطريقة التفافية ضمن مليشيات تابعة لها، فإن الأمر الأكثر رعباً هو تجنيد الآلاف من الأطفال ممن هم دون الخامسة عشرة من العمر.

ورغم الحظر الدولي لتجنيد الأطفال فإننا نجد المجتمع الدولي والمنظمات المسؤولة عن حماية الأطفال كمنظمة "اليونيسيف" التي تتعامل مع الموضوع بالتصريحات والانتقادات - وبازدواجية في المعايير في بعض الأحيان – دون اتخاذ خطوات جادة تفرض على المجتمع الدولي عدم التعامل مع أي جهة تسهم في تجنيد الأطفال لما له من تبعات جسيمة تنذر بدمار مجتمعات بأكملها وتحويل أجيال برمتها إلى امتهان القتل والدمار.

وفيما يلي سنرصد أبرز الجماعات المرتبطة بملف تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العسكرية، كما سنتعرض إلى واجبات المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المختصة بتطبيق القانون الدولي وحماية الأطفال، وعلى رأسها منظمة "اليونيسيف":
المسألة الأولى تتعلق بأبرز الجماعات العربية المرتبطة بتجنيد الأطفال، في ظل الحروب والنزاعات الدائرة وطول أمدها على الرقعة العربية شكلت منعطفات خطيرة في فقدان الأمن وتحويل البوصلة الفكرية إلى التيارات المتشددة لغياب الحلول السياسية لأزماتها العالقة منذ سنوات طويلة، الأمر الذي ترتب عليه تدهور البنى التحتية، لا سيما قطاعات التربية والتعليم وتسرب الأطفال من مدارسهم، بالإضافة إلى الحالة الاقتصادية المزرية وفقدان أبسط سبل العيش.

الأمر الذي يشكل ظروفاً مناسبة لاستغلال الأطراف المتصارعة لها والعمل على تجنيد الأطفال الذين يحققون لها بعض المكاسب التكتيكية والاقتصادية من خلال سهولة تجنيدهم واستغلال قصورهم الفكري بإلحاقهم بمعسكرات معنوية تعمل على زرع العداوة والبغضاء تجاه الطرف الآخر، الأمر الذي يسهم في تكوين طفل متشدد لا يمكن له في يوم من الأيام أن يقبل الطرف الآخر فتحظى بمقاتل مستميت لنصرة الفكرة التي زرعتها به، عدا عن كونه سهل الحركة وأكثر طواعية في تنفيذ الأعمال العسكرية الموكلة له وبانصياع تام لمُراد مجنِّديه.

هذا الأمر عمل عليه كل من تنظيم "داعش" المهزوم في سوريا والعراق ومليشيات الحوثي في اليمن، علاوة على أن الأطفال يتم تجنيدهم بتكاليف مادية بسيطة من حيث التسليح والأجور، كما أن من لا يستطيع حمل السلاح منهم لأي سبب من الأسباب يمكن استخدامه في نقل الذخيرة أو بناء الدشم، وهو ما عملت عليه كل الجماعات والمليشيات المتصارعة على الأرض العربية، كالجماعات المتطرفة في ليبيا وجبهة النصرة في سوريا والحشد الشعبي في العراق والمليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني.

ولكن الجماعات الأبرز الضالعة بتجنيد الأطفال هما جماعة "بوكو حرام" في الصومال وجماعة "الحوثي" في اليمن، ففي الصومال وبحسب التقارير والإحصاءات الإعلامية يتم تجنيد ما يزيد على ألفي طفل، وفي اليمن ما يقارب الألف طفل، ما يجعلهما في مقدمة المجنِّدين للأطفال مقارنة بالمساحات الخاضعة لهما وتعداد سكانها.

المسألة الثانية تكمن في آلية تعاطي المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مع ملف تجنيد الأطفال..

رغم أن تجنيد الأطفال محظور دولياً وباتفاقات مبرمة لا مجال لتجاوزها، وباعتبار تجنيد الأطفال يرقى لجرائم الحرب، فإن تعاطي المجتمع الدولي معه يعد خجولاً مقارنة بقدراته القانونية والسياسية وحتى العسكرية، وذلك من خلال النظر لهذا الخطر على أنه موضوع ثانوي بل إنه لا يرقى حتى لمجرد مقاطعة أولئك المجنِّدين أو اشتراط التوقف عن تجنيد الأطفال كشرط أساسي قبل الجلوس معها على طاولة للحوار، كما في الملف اليمني والسوري.

أما المنظمات الدولية المعنية، لا سيما منظمة "اليونيسيف" فإنها لا تقتصر على التصريحات والمراقبة دون اتخاذ خطوات جادة، بل إنها تتعامل بازدواجية في بعض الأحيان، إذ تدين تجنيد الأطفال وتستصرخ المجتمع الدولي لمد يد العون وإنقاذهم.

وفي الوقت ذاته تعترف بالجماعات المجنّدة لهم من خلال إبرام الاتفاقات وإدخال المساعدات التي تعلم علم اليقين، أنها لن تصل إلى الأطفال، بل إنها ستنهب وتحوّل إلى جبهات القتال كما حدث في اليمن والتعامل مع مليشيات الحوثي، كما أنها تعتمد على تقارير مواربة رغم قدرتها على لمس الواقع بيدها، إذ تساوي بين الحكومة الشرعية والانقلابيين في موضوع تجنيد الأطفال.

وذلك رغم أن تقاريرها هي نفسها التي نشرها موقع "سكاي نيوز عربية" عام 2017، الذي جاء فيه أن "جماعة الحوثي تجند 1940 طفلا، بينما هناك 274 حالة تجنيد مسؤولة عنها الحكومة اليمنية"، جاء التقرير بلغة تشير إلى أن الحالات المسؤولة عنها الحكومة الشرعية تفتقر إلى التوثيق اللازم لهذا الانتهاك، علاوة على أن العدد - رغم إدانتنا لتجنيد أي طفل - المذكور بحق الحكومة الشرعية عدد ضئيل لا مجال للتأكد منه.

كل ذلك يجعل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مسؤولة وبشكل مباشر عن قضية تجنيد الأطفال وتحويل المجتمعات إلى فرق متناحرة تتجذر فيها قيم التطرف والتشدد واستساغة إراقة الدماء وتدمير الأجيال بحرف أهدافها وطموحاتها وطاقاتها من مقاعد الدراسة والانكباب على العلم والبناء إلى دشم القتال والتمترس وراء البنادق، ما ينذر بكارثة حقيقية لا مجال لاحتوائها إذا مضى وقت أطول دون التعامل معها بحزم أو إيجاد الحلول الجذرية لها.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

أردوغان والفائضون عن الحاجة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

خالد الغنامي

عندما وضع أردوغان إكليل زهور على قبر ثيودور هرتزل في عام 2005 لم يكن يطلق مجاملة عابرة، فتركيا هي ثاني دولة مسلمة تعترف بإسرائيل في عام 1949، بعد إيران التي اعترفت بها في عام 1948. العلاقة بين الجانبين في حقيقتها أقوى من علاقة طيور الحُب في 14 فبراير، خصوصاً على مستوى وزارتي الدفاع (التركية والإسرائيلية)، فالتعاون العسكري يطال العديد من المجالات التي تشمل الجو والبحر والأرض، ومن قوات المشاة إلى التسليح، ومن المجال الاستخباراتي إلى صناعة الطائرات والأسلحة والصواريخ.. وهو تعاون ينطلق أساساً من تعاون اقتصادي راسخ. إنه حلف استراتيجي مؤسسي وبنيوي يشتمل على لجان التوجيه والاجتماعات المنتظمة والحوارات التي لا تنقطع.. مهما مارس أردوغان من مسرحيات هزلية أمام المتفرجين. هذه المسرحيات هي ما جعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسخر من تظاهر أردوغان بعداوة إسرائيل، في حين يقدّر التبادل التجاري بين الجانبين بعشرات المليارات، ويسير على نحو متصاعد في كل عام.
الاتفاق التركي الإسرائيلي في فبراير 1996 يؤكد أنه عندما يكون هناك جنود لإحدى الدولتين، على أراضي الطرف الآخر، فإنهم لن يشاركوا في النزاعات بين الدولة المضيفة وأي طرف ثالث. هذا الاتفاق يتم تمديده سنوياً وقد مهد الطريق للزيارات العسكرية المتبادلة والتدريب الذي يشمل إرسال المراقبين للإشراف على المناورات العسكرية وتبادل الموظفين واكتساب المعرفة العسكرية، وقيام القوات الجوية والبحرية بزيارات متبادلة وتدريبات مشتركة.
وعلى صعيد الطيران العسكري، تُجرى التدريبات الدورية للقوات الجوية ثماني مرات سنوياً، في أربع عمليات انتشار في كلا البلدين. وتُجرى هذه التدريبات في تركيا بسبب حجم إسرائيل الضئيل، مما يتيح لقواتها الجوية أن تمارس التدريب الدوري في حوض البحر المتوسط، فيما يتدرب الطيارون الأتراك على ميدان إطلاق النار المحوسب في إسرائيل وفي مطار نيفاتيم.
ولابد أن نعلم أن إسرائيل قلّصت عبر العقود من مصالحها واستثماراتها في اليونان وكردستان، رغم التعاطف مع قيام دولة للأكراد، ضماناً لمصالحها مع تركيا. وفيما يتعلق بالتعاون الاستخباراتي، وهو مجال حيوي آخر تزدهر فيه العلاقات الإسرائيلية التركية، يجري تبادل المعلومات الروتينية وتحليل البيانات، بما فيها تلك التي جمعتها الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية.
الدافع وراء العلاقات الإسرائيلية التركية هو المصالح الوجودية المشتركة التي نسجت علاقاتهما الوثيقة في محيط عربي تستبعدان الاندماج فيه، وتجدان أن شخصيتيهما «الغربيتين» تحثهما على التعاون، خصوصاً بعد أن اتضح أن فائدتهما للمصالح الغربية أصبحت موضع شك، منذ الإعلان عن نهاية الحرب الباردة، مما زاد من رغبتهما في التقارب والتعاون من أجل البقاء. هذا غيض من فيض، مما تشهد به الوثائق الرسمية المعلنة للعالم.
على هذه الخلفية، وفي الوقت الراهن تحديداً، وما تشهده علاقة العالم العربي بالدولة التركية الحالية من توتر.. لا يمكن أن نحسن الظن بأولئك الأتراك الأيديولوجيين الذين يهتفون في بلد ثالث: «بالروح بالدم نفديك يا أقصى»، وكان الأولى بهم أن يذهبوا إلى مقر السفارة الإسرائيلية في أنقرة وأن يهتفوا للأقصى من هناك، أو أن يذهبوا إلى مصانع السلاح التركية التي تصدّر إلى إسرائيل الذخائر التي تقتل بها الفلسطينيين، فيمنعوا تصديرها.
ومع كل هذا، تجد أن الفائضين عن الحاجة، بحسب تعبير نيتشه، وهم جماعة «الإخوان المسلمين»، ما زالوا يدافعون عن خليفتهم المزعوم أردوغان ويمارسون تضليلهم الإعلامي للإنسان العربي العادي الذي لا يملك الوقت للبحث والتقصي حول خلفياتهم ودوافع مواقفهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

إيران سرطان ينبغي استئصاله لا الحوار معه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

فاروق يوسف

ما المطلوب إيرانيا من العرب؟

أن يقبلوها كما هي. ذلك يعني أن يقبلوا بسياستها القائمة على التدخل في شؤونهم الداخلية. وتلك معادلة لا يمكن لدولة حية أن تكون جزءا منها. فإيران التي لا تتصرف مع العرب باعتبارها دولة تحترم قواعد العمل بالقانون الدولي لن تتمكن من الوصول إلى لغة حوار معهم.

إيران تريد الحوار، لكن من طرف واحد. تلك مهزلة تؤكد أن من يحكمون إيران يتحدثون عن السلام وفي أذهانهم الحرب. إنهم يعتبرون العلاقات بين الدول حلبة قتال، لذلك فإنهم ينظرون إلى الآخر من جهة قدرته على الرد العسكري ومطاولته في الحرب. وهو ما أفسد عقولهم السياسية فصاروا يعتبرون الحرب أول الحلول لمشكلاتهم.

لا يفكر الإيرانيون إلا في الحرب.

نظرة سريعة نلقيها على أتباعهم في العراق ولبنان وإيران تجعلنا على يقين من إيران لا تقدم شيئا سوى أنها تعبئ المجتمع متفجرات. لقد تحول أتباعها من شباب تلك الدول إلى ألغام. وإذا ما كانوا يحتلون مناصب رفيعة في دولة ما وهو ما يجري واقعيا في العراق فإن تلك الدولة تكون مهددة بالانفجار.

لقد تسبب الغسيل الطائفي في أن يتحول البعض من العرب إلى إيرانيين أكثر من خامنئي بحيث يطل المجرم قاسم سليماني على لبنان بتمثاله ليؤكد أن مشروعه في قتل العرب لا يزال قائما. وإذا ما كان نصرالله قد روى حلمه الذي يتعلق بسليماني على الملأ فلأنه يعرف أن هناك مَن ينصت إليه عن جهالة وغباء وهوس طائفي.

ذلك بالضبط ما تريده إيران لنا.

لذلك فإن أي حوار معها سيكون عقيما ومن غير جدوى.

تلك دولة كان عليها منذ زمن طويل أن تنسحب من الجمعية العامة للأمم المتحدة، فهي لا تؤمن بميثاقها الذي يدعو إلى السلام. هي دولة تقوم سياستها على الحرب.

وإذا ما كان البعض من سياسييها المخادعين يقترحون حوارا مع العرب فإنهم ينسون أن بلادهم لم تقدم عبر أربعين سنة بادرة حسن نية. بل أن كل ما فعلته هو العكس من ذلك تماما.

ما حدث للعراق في ظل الهيمنة الإيرانية كان الأسوأ في التاريخ.

لقد نشر أتباع إيران الفساد في المجتمع وطبعوه، بحيث صارت كل مظاهر الفساد تشير إليهم من غير أن يتعرضوا للمساءلة بسبب الحماية الإيرانية. فالدولة العقائدية تحمي الفاسدين.

هذا ما تراه إيران مناسبا لمجتمعات ترغب في تدميرها.

لا في الحاضر ولا في المستقبل يمكن أن تقوم علاقات سوية بين العالم العربي وإيران ما دام نظامها مصرا على الاستمرار بسياساته الرثة والمبتذلة والخارجة على القانون الدولي. 

وكما أرى فإن أوروبا قد تعبت من نفاقها السياسي. فالنظام الإيراني لا يمكن التعويل عليه. سيكون عليها دائما أن تواجه علاقتها به باعتبارها عارا على مستوى المفاهيم والقيم والمبادئ الإنسانية. فهو نظام لا يؤمن بالإنسان ولا بحقوقه ولا بالقانون الدولي الذي يضمن تلك الحقوق.

سيكون من حق الدول العربية التي تطلب إيران منها الحوار أن تعتذر بسبب غياب العوامل المشتركة. فلا يمكنك أن تتفاوض مع حيوان مفترس على شروط حياة سوية. إيران في ظل نظام الملالي هي ذلك الحيوان.

فلو كان الامر بيد إيران لتحولت دبي إلى نوع من الضاحية الجنوبية ببيروت.

ولو كان الأمر لإيران لأقام المصلون في جدة صلواتهم في أماكن رثة.

ولو كان الأمر لإيران لتحول جامع محمد الخامس بالرباط إلى حسينينة للطم والردح والبكاء.

إيران هي سرطان ينبغي استئصاله لا الحوار معه.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:



قوات الشرعية تكبّد الحوثيين خسائر كبيرة.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

شنّت قوات حراس الجمهورية هجوماً شرساً على مواقع الحوثيين في مدينة الدريهمي، بمحافظة الحديدة، صباح اليوم .

وقالت مصادر محلية، نقلت عنها صحيفة "المشهد" اليمنية: إنّ "الهجوم جاء من ثلاثة محاور على مواقع الميليشيا الحوثية، بعد خرقها لأكثر من مرة لاتفاقات التهدئة السابقة".

هذا وقد سقط قتلى وجرحى من ميلیشیا الحوثي الانقلابیة إثر تجدّد المواجھات مع القوات المشتركة الموالیة للحكومة الشرعیة في جبھة الساحل الغربي بمحافظة الحدیدة (غرب الیمن).

قوات حراس الجمهورية تشنّ هجوماً شرساً على مواقع الحوثيين في مدينة الدريهمي بمحافظة الحديدة

وقال المركز الإعلامي لألویة العمالقة، في بيان له؛ إنّ بقایا جیوب الحوثیین حاولوا التسلل من مزارع الحسینیة صوب منطقة الجاح الإستراتیجیة في مدیریة بیت الفقیة بعد تلقیھم تعزیزات على مدى أسبوع.

وأضاف المركز؛ القوات المشتركة تمكنت من صدّ محاولة تسلّل للحوثیین إلى مواقعھا.

وأشار المركز الإعلامي إلى أنّ القوات المشتركة كبدت ميلیشیا الحوثي خسائر فادحة، مشیراً إلى سقوط قتیلین من القوات المشتركة.

وأكد أنّ تحركات الحوثیین كانت مرصودة منذ وصول التعزیزات وبدء الانتشار بین مزارع النخیل، الأمر الذي جعل محاولتھم انتحاریة تفتقر لعنصر المباغتة.

ألوية العمالقة: القوات المشتركة تمكّنت من التصدي لمحاولة تسلّل الحوثیین إلى مواقعھا عبر المزارع

في سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ كشفت وثائق حوثية مسربة، إقرار الميليشيات الحوثية بوجود مقاتلين صغار السن (أطفال) تمّ الاعتداء عليهم جنسياً في معسكراتهم.

وأكّدت إحدى الوثائق وجود أطفال في مراحل عمرية صغيرة في معسكر الاستقبال، يتبعون للقيادي "أبو نهم" الذي يتبع للقيادي أبو محمد القدمي.

على الصعيد نفسه؛ أشار تقرير صادر من اللجنة الثقافية في شعبة التأهيل والتدريب بوزارة الدفاع الانقلابية في بند السلبيات عن مواقع التدريب في إحدى المحاور العسكرية في المنطقة العسكرية المركزية، يذكر في رقم ٣ من السلبيات أنّ القيادي الحوثي، أبو يحيى الجريري، يوجد في مجاميعه أفراد صغار السنّ، كما يتضمن التقرير وجود انتهاكات جنسية طالت أطفالاً بهذه المعسكرات.

وثائق حوثية مسربة تؤكّد تعرض مقاتلين صغار السنّ (أطفال) لاعتداءات جنسية في معسكراتهم

إلى ذلك، ذكرت الوثيقة المرفوعة من قبل الأمن الوقائي في إحدى مواقع التدريب؛ أنّه تمّ ضبط واقعه اعتداء جنسي على طفل بموقع تدريبي تابع للمنطقة العسكرية المركزية التي يديرها عبد الخالق الحوثي.

وتذكر الوثیقة أنّ المدعو محمد مجعل، وھو أحد قیادات الميلیشیات في معسكرات التدریب، ضبط أثناء اعتدائه جنسیاً على أحد المقاتلین صغار السنّ، یوم ١١ كانون الثاني (ینایر) ٢٠١٩.

من جانبها، استنكرت وزارة التربیة والتعلیم الیمنیة، في وقت سابق، استمرار میلیشیا الحوثي في عملیات تجنید الأطفال في جمیع المحافظات الواقعة تحت سیطرتھا، ودعت المجتمع الدولي والمنظمات العاملة في حقوق الإنسان وحمایة الأطفال إلى إدانة ھذه الانتھاكات، والضغط على المیلیشیات الانقلابیة لإیقاف عملیة تجنید الأطفال والزجّ بھم في العملیات القتالیة.

للمشاركة:

حملة اعتقالات جديدة في تركيا.. من تستهدف؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

أصدرت السلطات التركية اليوم مذكرات توقيف بحقّ حوالي 700 شخص؛ للاشتباه بارتباطهم بجماعة الداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب المزعومة، عام 2016.

وذكرت وكالة "الأناضول" الرسمية للأنباء؛ أنّ المحققين يبحثون عن 695 شخصاً، بينهم عسكريون وشرطيون وموظفون في وزارة العدل، وأوقف منهم ما لا يقل عن 159 شخصاً، صباح اليوم، وصدرت مذكرات التوقيف في إطار عدة تحقيقات عبر تركيا.

وفي أنقرة؛ طلبت النيابة العامة توقيف 467 شخصاً، يشتبه بترتيبهم عمليات تزوير خلال مسابقة للانضمام إلى الشرطة عام 2009 بهدف السماح لمؤيدين لغولن بالحصول على مناصب مسؤولية، بحسب وكالة "الأناضول".

السلطات التركية تصدر مذكرات توقيف بحقّ حوالي 700 شخص للاشتباه بارتباطهم بجماعة غولن

ويشتبه بأنّ جميع المعنيين بمذكرات التوقيف مناصرون لحركة الداعية فتح الله غولن، الذي يتهمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالوقوف خلف محاولة الانقلاب التي جرت في تموز (يوليو) 2016.

وينفي غولن، المقيم منذ حوالي عشرين عاماً في الولايات المتحدة، أيّ ضلوع له في الانقلاب الفاشل.

وتطارد السلطات منذ ذلك الحين أنصاره في حملات توقيف غير مسبوقة من حيث حجمها في تاريخ تركيا الحديث، أدت إلى توقيف أو إقالة أو تعليق مهام أكثر من 140 ألف شخص.

وتتواصل حملات التوقيف بشكل شبه أسبوعي، رغم مرور حوالي 3 أعوام على محاولة الانقلاب.

 

للمشاركة:

من الديمقراطيين.. من سينافس ترامب في انتخابات 2020؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

يخوض 9 مرشحين من الحزب الديمقراطي انتخابات للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، لخلافة الرئيس دونالد ترامب، الذي يسعى للفوز بولاية ثانية في الانتخابات التي ستجري عام 2020.

جون بايدن

أول المرشحين؛ هو نائب الرئيس السابق والسيناتور المخضرم، جو بايدن، الذي يمثل التوجه التقليدي للحزب الديمقراطي، ويستند برنامجه الانتخابي على إعادة بناء الطبقة المتوسطة، والاستثمار في البنية التحتية الاتحادية، ومجانية التعليم الجامعي، وفق ما أزردت "البي بي سي".

ويركز في حملته على ثورة الطاقة النظيفة، التي من شأنها أن تجعل الاقتصاد الأمريكي يعتمد على طاقة نظيفة بنسبة 100%، مع انبعاثات صفرية، بحلول عام 2050، وفرض رسوم وغرامات على الأطراف المتسببة بالتلوث.

دخل جو بايدن السباق الديمقراطي بصفته مرشحاً رئيساً، إن لم يكن المرشح الأوفر حظاً للفوز بالانتخابات، ويحظى بشبه اعتراف دولي، وبمستويات عالية من القبول داخل الحزب وبين المستقلين سياسياً، واسمه مرتبط بأعوام الرخاء (على الأقل بالنسبة إلى الديمقراطيين) خلال رئاسة أوباما، ولديه فرص جيدة لجمع مبالغ هائلة خلال حملات التبرع من خلال الشبكات التقليدية للديمقراطيين.

وقدّم بايدن نفسه في فيديو التعريف بنفسه وببرنامجه الانتخابي؛ على أنّه الشخص الذي لا ينطبق عليه، إلى حدّ بعيد، ما ينطبق على دونالد ترامب وما يريد القيام به.

يشترك بايدن في بعض نقاط الضعف السياسية التي ظهرت أيضاً في حملة هيلاري كلينتون الرئاسية؛ التي أتاح الوقت الطويل الذي قضته تحت أنظار الرأي العام، فرصة سانحة لخصومها حتى ينالوا منها، ويربطوا بينها وبين مؤسسة الحكم الأمريكية الحالية، التي يشعر أمريكيون كثيرون بعدم الثقة بها.

من المتوقع أن يركز خصومه في الانتخابات التمهيدية على موقفه من قضية إلغاء الفصل العنصري في الحافلات المدرسية في السبعينيات من القرن العشرين، ورئاسة جلسات الاستماع لتثبيت القاضي كلرانس توماس في المحكمة العليا، عام 1991، وتأييده لحرب العراق، عام 2003، والقوانين الصارمة الخاصة بالجريمة والإفلاس.

ويضاف إلى ذلك؛ سنّه المتقدم، وارتكابه زلات لفظية، والمزاعم المتعلقة بالاتصال الجسدي غير اللائق وخسارته السباق إلى البيت الأبيض مرتين.

وقال ترامب عنه: "مرحباً بك، سليبي جو (اللقب الذي يطلقه الرئيس ترامب على بايدن)، في السباق الرئاسي، أرجو فقط أن يكون لديك بعض الذكاء، وطالما شككت في ذلك، كي يؤهلك لإطلاق حملة انتخابات تمهيدية ناجحة".

بيرني ساندرز

المرشح الثاني؛ بيرني ساندرز، الذي يمثل اتجاهاً سياسياً جديداً لم تعرفه الولايات المتحدة سابقاً، خاض الانتخابات عام 2016، وحلّ في مرتبة متقدمة.

ويقوم برنامجه الانتخابي على الرعاية الطبية للجميع (ميدي كير)، وزيادة الضرائب على الأمريكيين الأكثر غنى، ورفع الحدّ الأدنى من الأجور.

كما يطالب بإلغاء 1.6 ترليون دولار أمريكي بشكل كامل من الديون الحالية على الطلبة، بغضّ النظر عن الدخل، وجعل الدراسة في الكليات والجامعات والمدارس المهنية مجانية، وتمويل ذلك عبر فرض ضرائب على وول ستريت.

ويتمتع ساندرز بمزايا اكتسبها من تبرعات صغار المتبرعين، والشهرة التي يحظى بها، وتنظيم الموالين له في خمسين ولاية أمريكية، بيد أنّ وضعه كمتسابق رئاسي رئيس ستترتب عليه تكلفة معينة.

وسيحتفظ السيناتور، البالغ من العمر 77 عاماً، بقاعدته الموالية له، لكن من غير المعلوم ما إذا كان سيختار بعض أنصاره السابقين وجهاً جديداً، هذا وقد يقود إلى نشوب نزاع مع أولئك الذين يعتقدون أنّ "الثورة" التي يقودها بيرني تمثل الطريق الوحيد المتاح، الأمر الذي سيلهب الجراح التي يعاني منها الديمقراطيون، علماً بأنّها لم تندمل بعد منذ الحملة الانتخابية الأخيرة.

ووصف ترامب بيرني بالمجنون، لكنّه يملك طاقة أكبر مقارنة ببايدن، ولهذا لا يمكنك أن تعرف الحقيقة.

إليزابيث وارن

المرشح الثالث، إليزابيث وارن، وهي الأكاديمية التي تمثل التوجه التقدمي في الحزب الديمقراطي.

وارن؛ عضوة مجلس الشيوخ عن ولاية ماساشوسيتس، والتي تعد شوكة في خاصرة البنوك الكبرى، تسلط في حملتها الانتخابية على ضريبة الثروة، والرعاية الصحية، وحقوق الإجهاض، وتجريم إهمال الشركات الكبرى، كما تطرح إلغاء الديون الجامعية بناء على مستوى دخل الأسر؛ الأسرة التي تكسب أقل من 250 ألف دولار أمريكي سنوياً ستحصل على مستويات مختلفة من تخفيض الديون، بينما الأسر التي تكسب أكثر من ذلك لن تستفيد، وجعل الكليات العامة مجانية؛ إذ سيتم فرض ضرائب على أصحاب الثروات الكبيرة.

وظلت إليزابيث وارن مفضلة لدى اليسار التقدمي، منذ بروزها على المشهد السياسي، بهدف الدفع باتجاه فرض قوانين تنظيمية أكثر صرامة على القطاع المالي بعد الأزمة المالية لعام 2008، وخلال خدمتها في مجلس الشيوخ، أصبحت معروفة باستجواباتها الاستقصائية للمديرين التنفيذيين في وول ستريت، وبكونها منتقدة بصراحة للتفاوت في الدخول.

هذه القاعدة الشعبية المخلصة قد تكون كافية لصاحبتها حتى تتصدر المشهد في حقل ديمقراطي مشتت.

هذا وقد تواجه وارن تحديَ صياغة برنامجها الانتخابي؛ فهي تتعرض للنقد باستمرار من طرف دونالد ترامب، الذي سخر مراراً وتكراراً من مزاعمها السابقة بشأن أصولها؛ إذ قالت إنّ أصولها تعود إلى السكان الأصليين في أمريكا، ورغم أنّها بالكاد تذكر الرئيس في خطاباتها هذه الأيام، لكن عليها إقناع الديمقراطيين بأنّها لن تكون السياسية الأخيرة التي استهان بها الرئيس، ثم هزمها."

وقال ترامب عنها: "أظنّ أنّ بوكاهانتس (امرأة أمريكية من السكان الأصليين في إشارة إلى وارن)، قد انتهت، إنّها خارج اللعبة، لقد انتهت. عندما اكتُشِف أنّ في عروقي دماء هندية أكثر منها، وبما أنّه تبين أنّني لا أحمل دماء هندية، لكنني ما أزال أحمل المزيد منها، كانت تلك نهاية عملية نصب استمرت لمدة 32 عاماً".

 بيت بوتيجيج

أما المرشح الرابع؛ فهو بيت بوتيجيج، هو من جيل الألفية، وهو عمدة مدينة صغيرة لكنّه حقق نتائج جيدة.

أصبح رئيس بلدية مدينة ساوث بيند في ولاية إنديانا عندما كان ما يزال في العشرينيات من عمره، وخدم في القوات البحرية، وهو أول مرشح مثلي علانية.

برنامجه الانتخابي يقوم على الإصلاح السياسي، وحقوق المثليين، وتخفيف عبء الديون الدراسية.

واقترح بوتيجيج إعادة تشكيل المحكمة العليا؛ لتضمّ خمسة قضاة ديمقراطيين، وخمسة قضاة جمهوريين، وخمسة قضاة يتم اختيارهم بموجب اتفاق القضاة العشرة المعينين.

ويجيد المرشح سبع لغات، من بينها العربية، ويخطف الأضواء في ترشيحات الديمقراطيين.

دخل بوتيجيج السباق بسيرة ذاتية فريدة؛ فهو مثلي علانية، وحائز على شهادة أكاديمية من كلية رود في جامعة أكسفورد، وشارك في حرب أفغانستان بصفته مقاتلاً مخضرماً، وبصفته رئيس بلدية في منطقة الوسط الغربي، أظهر جاذبية لدى الناخبين في منطقة ساعدت في تسهيل وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة.

قال عنه ترامب: "ألفريد إي نومان (مجلة ماد للرسوم المتحركة) لا يمكنه أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية".

إيمي كلوبوشار

المرشحة الخامسة، إيمي كلوبوشار، وهي محامية وعضوة مجلس الشيوخ حالياً، لمع نجمها خلال استجواب القاضي الذي رشحه ترامب للمحكمة العليا.

برنامجها الانتخابي يقوم على الاستثمار في البنية التحتية، وبرامج الصحة العقلية، وتخفيض أسعار وصفات الأدوية.

كما تدعو كلوبوشار إلى تخصيص 100 بليون دولار أمريكي لمعالجة تعاطي المخدرات وقضايا الصحة العامة، على أن تتولى دفعها جزئياً الشركات التي تصنع مواد الأفيون من خلال توسيع نطاق التمويل والمحلي وعلى مستوى الولاية لبرامج الصحة العقلية.

قال عنها ترامب: "إيمي كلوبوشار أعلنت أنّها ترشح نفسها للرئاسة، وتحدثت بفخر عن مكافحة الاحتباس الحراري، بينما تقف عملياً في عين عاصفة ثلجية مصحوبة بالجليد وانخفاض درجات الحرارة، عند نهاية خطابها، بدت وكأنّها رجل ثلج (امرأة)!".

تولسي غابارد

المرشح السادس، تولسي غابارد، وهي من مواليد ساموا الأمريكية، تبلغ من العمر 37 عاماً، وتمثل مقاطعة هاواي في الكونغرس.

غابارد التقت رئيس النظام السوري، عام 2017، وتدعو إلى وقف التدخل الأمريكي في شؤون الدول الأخرى.

برنامجها الانتخابي يقوم على إنهاء السياسة الخارجية القائمة على التدخل، والتغير المناخي، وتقييد حيازة السلاح.

تدعو غابارد إلى تبني "قانون الاستغناء عن الوقود من أجل مستقبل أفضل" الذي طرحته، وينص على إنهاء الإعانات والتخفيضات الضريبية المتعلقة بالوقود الأحفوري، وحظر إنتاج الغاز الصخري، وإلزام شركات الكهرباء باستخدام 80% من موارد الطاقة المتجددة بحلول 2027، فضلاً عن إلزام السيارات بانبعاثات صفرية بحلول عام 2050.

وتعرضت المرأة المخضرمة التي شاركت في حرب العراق للنقد؛ بسبب لقائها بشار الأسد، في كانون الثاني (يناير) 2017، بعدما اتُّهِم الرئيس السوري باستخدام الغاز السام، بشكل متكرر، ضدّ المدنيين.

وقد تثير غابارد، وهي ابنة سياسي محافظ وناشط، غضب الناخبين الديمقراطيين أيضاً؛ بسبب انتقادها سابقاً من وصفتهم بـ "غلاة المثليين"، ومعارضتها لحقوق الإجهاض والزواج المثلي.

وعارضت أيضاً الاتفاق النووي مع إيران، ودانت "التطرف الإسلامي"، بلغة تذكرنا أكثر فأكثر بمرشح جمهوري.

 مايكل بينيت

أما المرشح السابع؛ فهو مايكل بينيت، وهو عضو مجلس الشيوخ عن كولورادو، ومدير سابق للمدارس العامة في دينفر، ويعدّ أحد اصحاب المليارات ويدعم قضايا الحريات.

برنامجه الانتخابي يقوم على الإصلاح الاقتصادي، والزراعة، وإصلاح النظام الجنائي، وهو أحد رعاة قانون الأسرة الأمريكي لعام 2019، والذي يسعى إلى توسيع الائتمان الضريبي للأطفال بناء على مستوى دخل الاسرة، على أن يُدفع شهرياً بدلاً من مُستردات الضرائب.

مايكل بلومبيرغ

المرشح الثامن: مايكل بلومبيرغ، وهو ملياردير ورئيس سابق لبلدية نيويورك، لكنّ سجلّه خلال توليه منصب عمدة نيويورك غير مشجع لدى القاعدة الديمقراطية.

برنامجه الانتخابي قائم على الاقتصاد، والهجرة، والحدّ من انتشار السلاح، والتغير المناخي.

واستهزأ ترامب ببلومبيرغ قبيل إعلان مشاركته في الانتخابات الرئاسية، قائلاً: "لا أحد أودّ خوض غمار الانتخابات ضدّه سوى مايكل الصغير".

توم ستاير

أما المرشح التاسع، توم ستاير؛ فهو ملياردير من كاليفورنيا يعمل في مجال التمويل، ويدعو إلى الحدّ من قوة الشركات الكبرى.

برنامجه الانتخابي يقوم على التغير المناخي، والرعاية الصحية، وركّز ستاير عند إطلاق حملة الرئاسية بالفيديو على "نقل السلطة إلى الشعب" وتحميل الشركات الكبرى مسؤولية معظم المشكلات "المستعصية".

ووصفه ترامب قبل أشهر قليلة من إعلانه أنّه سيخوض الانتخابات، بـ "غريب الأطوار".

 

للمشاركة:



هل فقد الفلسطينيون الحشد وعليهم أن يقبلوا بصفقة القرن؟

2020-02-18

ترجمة: إسماعيل حسن


يرى كتّاب وخبراء سياسيون إسرائيليون؛ أنّ القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية، وبعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تفاصيل صفقة القرن، قد سقطت ورقتهم بعد أن فقدوا الحشد والدعم الحقيقي في محاولة التصدي لقرارات الصفقة، في حين أنّه قد آن الأوان كي تفرض إسرائيل سيطرتها الكاملة على بلاد اليهود التاريخية، دون إذن من الفلسطينيين.

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية جداً ومع ذلك رفضوها

وفي هذا الإطار يقول الكاتب والمحلل السياسي، أفرايم غانور: "لقد فقدت القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية كافة أوراقها الأخيرة، فلا داعي للرفض ومحاولة حشد الدعم العربي الرافض للخطة، الرئيس أبو مازن خلق وراءه ناراً أشعلها في خطابه الكفاحي، أقلع إلى الجمعية العمومية بالأمم المتحدة في نيويورك ليعمل ما هو جيد فيه أكثر من أيّ شيء آخر، فيخطب أمام ممثلي الأسرة الدولية، ويطلب تأييدهم الذي لم يجده حتى الآن؛ لا في الشارع الفلسطيني ولا في العالم العربي المحيط به، بالتالي ليس هناك ما يحسد أبو مازن ورفاقه في القيادة الفلسطينية عليه، لقد بقوا بلا أوراق وبلا خيارات عمل، التوجه للأسرة الدولية لن يجدي نفعاً في ضوء الوقوف الذي لا لبس فيه من إدارة ترامب إلى جانب إسرائيل، وللحقيقة؛ الحديث لا يدور فقط عن ترامب وإدارته، فمعظم دول العالم امتنعت عن رفض خطة ترامب، ولا ترى فيها سبباً لتحطيم القواعد التي يهدّد فيها أبو مازن إسرائيل، من يدّعي أنّ ترامب ونتنياهو لم يتركا أمام الفلسطينيين غير طريق واحد، وهو طريق العنف، لكنّ أبو مازن يعرف أكثر منهما أنّ هذا الطريق مآله الفشل، ولن يؤدي إلى أيّة نتائج.

ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه
يصعب الافتراض أنّ ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه في أيام الانتفاضة في بداية أعوام الألفين، التي خلّفت أكثر من ألف قتيل إسرائيلي، يمكنهم تحقيقه اليوم في ضوء التفاوض الأمني والاستخباري الإسرائيلي، مثلما هو الحال دوماً، تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو الولايات المتحدة، في أعقاب الانتخابات القريبة في الدولتين، وكما هو الحال دوماً؛ يفضّل الفلسطينيون أن يعيشوا انطلاقاً من الخيار بين خطاب في الجمعية العمومية للأمم المتحدة وخطاب في جلسة مجلس الأمن، وبين انتخابات وانتخابات، ليكتشفوا وليخيب أملهم في كلّ مرة من جديد، أنّ شيئاً لن يحصل مهما يكن من أمر، وحتى حين لا يفعلون شيئاً غير الحديث والخطابة، فلعدم الفعل دينامية خاصة به، ولا يمكن إبقاء السلطة والحركة الوطنية الفلسطينية على قيد الحياة فقط، وعلى أساس الخطابات والأحلام والترقب لنتائج الانتخابات، فالسلطة كفيلة بأن تتفكك في نهاية اليوم، وستكون النتيجة اندفاعاً من الفلسطينيين نحو الإسرائيلية والمواطنة الإسرائيلية".

اقرأ أيضاً: غالبية الإسرائيليين يرفضونها: هل ستبوء "صفقة القرن" بالفشل؟
ويتابع غانور مقالته قائلاً: "الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون ويؤيدون ادّعاءاتهم المحقة، والذين يقفون إلى جانبهم في المظاهرات والكفاح؛ ففي المظاهرات التي جرت في تل أبيب ضدّ خطة الضمّ، بمبادرة ومشاركة منظمات اليسار والمئات من عرب إسرائيل، رفعت أعلام فلسطين بينما هتف حاملوها هتافات لا تتوقف، فلسطين مئة في المئة من البحر حتى النهر، الرسالة معروفة ومشهود لها، وتشكل جزءاً لا يتجزأ من عقيدة كفاح منظمة الإرهاب حماس، ثمة كثير من الحقيقة والحقّ في ادّعاءات عرب إسرائيل ضدّ البند الوارد في خطة ترامب، الذي يتحدث عن نقل جزء من بلدات وادي عارة إلى السلطة الفلسطينية المستقبلية.

عرب إسرائيل
الواضح أنّ عرب إسرائيل لا يحتاجون دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، وإذا كان هذا بالفعل هو حلمهم؛ فإنّ هذا البند بالذات في خطة ترامب سيساعدهم في تجسيد الحلم من خلال ضمّهم إلى الدولة الفلسطينية، لكن لماذا يتظاهرون؟ فالموضوع كلّه عن العلم الفلسطيني إلى جانب التطلع إلى دولة من البحر إلى النهر مكانه ليس هنا، بمعونة المظاهرات وهتافات كهذه، يقطع عرب إسرائيل الفرع اليهودي الإسرائيلي الذي يدعمهم ويحملهم، كلّ يهودي في هذه الدولة يفهم معنى هتاف يدعو إلى دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، بفضل هتافات كهذه تطرأ على رأس كلّ يهودي صور قاسية تحت عنوان "لن تكون هناك مرة أخرى أبداً"، وإذا لم يسارع عرب إسرائيل إلى الإصلاح والاعتذار عن هذا المشهد، فسيكتشفون في الأيام القريبة المقبلة أنّ الكثير من اليهود الذين يؤيدون تلك البنود التي تضمنتها خطة ترامب وتظاهروا واحتجوا ضدّها، من غير المستبعد أن نسمع في الأيام المقبلة ادّعاءات من اتجاهات مختلفة في الوسط العربي، بأنّ هذا لا يعكس موقف كلّ عرب إسرائيل، وأنّ الأمور لم تفهم كما ينبغي، التوقعات مختلفة ومتنوعة ليس فيها ما يقلل خطورة هذه الظاهرة، لقد حان الوقت لأن يفهم كلّ عربي يعيش هنا ويحمل بطاقة هوية زرقاء ويتطلع ويحلم بدولة فلسطينية من البحر إلى النهر، أنّ مكانه ليس هنا، ليس في دولة اليهود، إلى جانب هذا؛ على قيادة عرب إسرائيل، بكلّ تركيبتها، ولا سيما لجنة المتابعة ونوابها في الكنيست؛ أن يستوعبوا أنّ المسؤولية تقع على من يطلب من المؤسسة اليهودية المساواة الكاملة لعرب إسرائيل، ملزم قبل كلّ شيء بأن يكون موالياً وملتزماً بالدولة التي يطلبون منها مطالبهم وحقوقهم، لو جرت مظاهرة لرجال اليمين من حملة أعلام إسرائيل في بلدات وادي عارة، ودعا المشاركون فيها إلى نقل جلجوليا وباقة الغربية، وأم الفحم، وعرعرة، إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية، لانطلقت هنا صرخة رهيبة مع ادّعاءات بالعنصرية وما شابه خطاب أبو مازن في اجتماع الجامعة العربية، الذي عرض فيه حقائق كاذبة ومثيرة للحفيظة عن يهود رابطة الشعوب وأثيوبيا، تعزّز الرأي بأنّه لا يوجد مع من ووفق ماذا سيكون الحديث، لو كانت هناك حكمة في الطرف الفلسطيني لكان بوسعهم أن يصدوا ويغيروا خطة ترامب بسهولة، كان عليهم ببساطة أن يقولوا نعم للخطة ويرفقونها بعدة تحفظات لديهم، والاستعداد للبحث فيها في اللحظة نفسها؛ فإنّ عرض هذه الخطة كما عرضت كان سيتوقف أو ينزل عن جدول الأعمال، وحتى نتنياهو نفسه كان سيحرص على وقفها؛ لمعرفته أنّ شركاءه من اليمين لن يكونوا مستعدين لسماع وقبول خطة مع بند يتحدث بشكل واضح وقاطع عن دولة فلسطينية، بل وعن دولة يستعدّ الفلسطينيون لقبولها، هكذا هو الحال حين يحرص الفلسطينيون دوماً على ألا يفوتوا أيّة فرصة ليفوتوها.

أفضل الخطط السياسية الأمنية
في المقابل؛ يقول الكاتب الإسرائيلي، عاموس جلبوع: "إعلان تفاصيل خطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعدّ من أفضل الخطط السياسية الأمنية التي سبق أن طرحت على إسرائيل في الموضوع الفلسطيني، وعلى إسرائيل أن تتبناها جملة وتفصيلاً بما فيها البنود التي قد لا تكون مريحة لها، لعدة اعتبارات:

الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون معهم

أولاً: هذه الخطة تحطم المنظومة الفكرية الكونية دولة فلسطينية في حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وإخلاء المستوطنات التي ترسخت في العالم منذ المحادثات التي جرت سابقاً بين باراك وياسر عرفات، وفي أوساط ما كان عليه اليسار الإسرائيلي، هذه الخطة تلقى في سلة القمامة، بحدود 67 تسمح لإسرائيل بأن تقرر حدودها على أساس اعتراف أمريكي بالاحتجاجات الأمنية لإسرائيل، تعترف بالقدس الموحدة وتعترف بشرعية المستوطنات، وهكذا يخرج من الخطاب السياسي مصطلح الاحتلال، هذه خطة لها إجماع واسع في الحياة العامة الإسرائيلية، باستثناء الأغبياء وغريبي الأطوار في الهوامش المتطرفة من اليمين واليسار.

اقرأ أيضاً: وثيقة فلسطينية ترصد 300 تجاوز قانوني في "صفقة القرن"
ثانياً: هذه الخطة تعيد الحركة الوطنية الفلسطينية إلى نقطة الصفر؛ لا حدود 67، ولا حق عودة، ولا ما تلقوه كهدايا من باراك وأولمرت، السيطرة على نحو 95% من أراضي يهودا والسامرة وإخلاء مستوطنات وعودة رمزية للاجئين وسيطرة على الحرم والحوض المقدس، صحيح أنّ الخطة تتحدث عن دولة فلسطينية بعد أربعة أعوام، عاصمتها شرق القدس، بمعنى القرى مثل أبو ديس وقلنديا، لكن من أجل نيل هذه الجائزة على الفلسطينيين أن ينفذوا سلسلة من الشروط، وعلى رأسها الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، من ناحية الفلسطينيين فهذا تنكر للأمر الأهم وخيانة للجوهر وللهوية الفلسطينية، فضلاً عن ذلك؛ فإنّ دولتهم ستكون محدودة جداً في سيادتها، ولن تكون لها رقابة على الحدود، وكلّ ما قلته حتى الآن يذكّرني بالإرث الذي تركه إسحق رابين في خطابه في الكنيست قبل شهر من اغتياله، لن نعود إلى حدود 67، القدس ستبقى موحدة والكتل الاستيطانية ستضمّ، وغور الأردن بالمعنى الأوسع سيكون حدودنا الأمنية، ولن تكون دولة فلسطينية، بل شيئاً ما أقلّ من دولة.

ثالثاً: قطاع غزة وحماس، تتحدث الخطة عن نزع سلاح حماس وتجريد القطاع وربطه بيهود السامرة بواسطة نفق أرضي، برأيي هذا أمر مستحيل، وأحلام لا يمكن تحقيقها، من سينزع سلاح حماس؟ هذه المحاولات وبمجرد الحديث فيها فهي تنذر بالشر للخطة، نتنياهو يساوم حماس ويفتح المطارات والمعابر لإدخال الأموال القطرية إليها، إطلاق الصواريخ ما يزال متواصلاً، وهو ما يزال قيد التفاوض، وليس بيده قرار أو حلّ لنزع السلاح.
رابعاً: لقد جاءت الخطة في وقت توجد فيه إسرائيل في موقع قوة إقليمية، والدول العربية مشغولة في مشاكل كبيرة والولايات المتحدة في موقع تأثير في المنطقة، لم يكن لها في الماضي، وفوق كلّ ذلك لا يمكن أن ننسى ولو لأيّة لحظة؛ أنّ المشكلة الحقيقية في المنطقة هي إيران.

اقرأ أيضاً: "كورونا" و"بريكست"و"صفقة القرن" والهشاشة
خامساً: أبو مازن والقيادة الفلسطينية لن يرفضا الخطة فقط، بل وسيحاولان القتال ضدّها وتهديداتهما تناطح السحاب لهم، فمن الصعب اليوم تجنيد الشارع العربي لعنف بعيد المدى، من يمكنه أن يمارس العنف هما حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، فهل ستنتج خطة القرن عنفاً كهذا من قطاع غزة إلى أن يرفعنا هذا إلى لحظة الحقيقة بالنسبة إلى مستقبل حماس في القطاع؟ أرى خطرين آخرين محتملين؛ الأول: ألا يعرف سياسيون كيف سيتصدون للتحدي الأكبر الذي يواجه الدولة الآن، والخطر الثاني؛ ألّا ينتخب ترامب مرة أخرى في تشرين الثاني (نوفمبر)؛ لذلك ينبغي الصلاة من أجل انتخابه.

اقرأ أيضاً: "صفقة القرن"... إطار للحل أم توطئة للانفجار؟!
أما الكاتب والمراسل العسكري، يوسى هدار، فقد أشار معقباً على ما سبق إلى أنّه لا توجد هناك خطة سياسية تساوي الورق الذي كتبت عليه، إلا إذا كانت منخرطة جيداً في الواقع اليومي، ومنسقة ومتعاطية مع القوى العاملة في المنطقة نفسها، على الساحة السياسية ومدعومة من القوى العظمى، صفقة القرن، التي هي ثمرة عمل كدّ لإدارة ترامب وإنجاز سياسي لا بأس به لحكومة نتنياهو، تقترب من المقاييس العملية التي ذكرت هنا، رغم أنّها لا تحظى في هذه اللحظة بموافقة كلّ الأطراف، على السطح تبدو هذه خطة ممتازة لإسرائيل، خطة تاريخية تمنح الدولة حدوداً قابلة للدفاع وبسط السيادة على غور الأردن والمناطق المأهولة في يهودا والسامرة اعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل، بما فيها البلدة القديمة في شرقها، ومزايا عديدة أخرى إضافة إلى ذلك.

الجدير بالذكر؛ أنّ إسرائيل مطالبة بأن توافق على إقامة دولة فلسطينية، وإن كانت مجردة وبشروط مقيدة، إلّا أنّها ما تزال دولة تمتد على نحو 70% من المناطق التي يحسبها كثيرون من الجمهور الإسرائيلي مناطق من الوطن، وفي نظرة تاريخية، ينبغي القول: إنّ الفلسطينيين يحصلون في خطة ترامب على أكثر بكثير مما ينبغي إعطاؤهم إياه، عليهم أن يتذكروا أنّ التطلعات القومية للعرب سبق أن تحققت في نحو 20 دولة في أرجاء الشرق الأوسط، بينما التطلعات القومية والأخلاقية والشرعية للشعب اليهودي لم تجد تعبيرها إلا في دولة قومية واحدة صغيرة ومحوطة بالأعداء، وعليه فليس هناك مكان آخر لتنازلات بعيدة الأثر.
مشروع تقسيم متجدد
إنّ خطة ترامب عملياً هي مشروع تقسيم متجدد، وينبغي أن نرى فيها الخطوة الأقرب لتحقيق العدالة التاريخية، والاعتراف بالحقوق التاريخية والقانونية للشعب اليهودي على بلاد إسرائيل، وبسبب التجمعات السكانية الفلسطينية في المدن الكبرى، وبسبب أهمية احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، ينبغي السماح للفلسطينيين بإدارة المنطقة بأنفسهم، لكنّ الحلّ الأكثر عدلاً هو حكم ذاتي فلسطيني وكونفدرالية مع الأردن.

تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو أمريكا

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية، وسخية جداً، بعضها ليست من حكومات باراك وأولمرت، ومع ذلك رفضوها في ظلّ إصرارهم على تقاليد تفويت الفرص التي تعود إلى المشروع التقسيمي.
لا مفرّ من النظر على نحو سليم، والقول إنّ الفلسطينيين غير معنيين بالاعتراف بدولة يهودية، وعملياً هم معنيون بكلّ الأرض من النهر وحتى البحر، لم يعد ممكناً انتظار الفلسطينيين، وتحمّل رفضهم، والإرهاب الذي يمارسونه، فضلاً عن الولايات المتحدة التي تؤيد مبدئياً فرض السيادة الإسرائيلية، يحتمل أن يكون ممكناً ربط المحور السنّي بمثل هذه الخطة، كذلك الدول العربية المعتدلة، ورغم التصريحات التلقائية التي انطلقت من الاتحاد الأوروبي, يبدو أنّ بريطانيا وألمانيا وفرنسا لم يستبعدوا الخطة تماماً، وقد تؤيد أيضاً هي مثل هذه الخطوة، على إسرائيل أن تعلن الخروج من دائرة الرفض الفلسطيني، وتحدّد حدودها دون انتظار أكثر من ما مضى.


مصدر الترجمة عن العبرية: معاريف
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-747896
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-744152
https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-745049

للمشاركة:

"تجنيد الأطفال" وغياب المسؤولية الدولية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

حسين الشيخ
لا شيء في الحياة دون قواعد حتى الحروب التي لا مرادف لها إلا الموت والخراب والدمار لها قواعد تحكمها إلا أن هذه القواعد يتم تجاوزها من الأطراف كافة لتغليبها النصر على الأعداء على أي مطلب آخر، وبغض النظر عن النتيجة كإهمال حياة المدنيين وتدمير البنى التحتية واستخدام الأسلحة المحظورة وغيرها من التجاوزات، إلا أن الأمر الأكثر بشاعة هو تجنيد الأطفال وتدريبهم على حمل السلاح، واستخدامه في القتال.

إن تعريف "الطفل" أخذ كثيرا من الأخذ والرد على مستوى الاتفاقات الدولية والقانون الدولي بتحديده بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة من العمر، وبغض النظر عن العمر المحدد في الاتفاقات الدولية، فإن العمل على تجنيد الأطفال سواء على يد الجماعات والمليشيات أو حتى الجهات الرسمية التي تجندهم بطريقة التفافية ضمن مليشيات تابعة لها، فإن الأمر الأكثر رعباً هو تجنيد الآلاف من الأطفال ممن هم دون الخامسة عشرة من العمر.

ورغم الحظر الدولي لتجنيد الأطفال فإننا نجد المجتمع الدولي والمنظمات المسؤولة عن حماية الأطفال كمنظمة "اليونيسيف" التي تتعامل مع الموضوع بالتصريحات والانتقادات - وبازدواجية في المعايير في بعض الأحيان – دون اتخاذ خطوات جادة تفرض على المجتمع الدولي عدم التعامل مع أي جهة تسهم في تجنيد الأطفال لما له من تبعات جسيمة تنذر بدمار مجتمعات بأكملها وتحويل أجيال برمتها إلى امتهان القتل والدمار.

وفيما يلي سنرصد أبرز الجماعات المرتبطة بملف تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العسكرية، كما سنتعرض إلى واجبات المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المختصة بتطبيق القانون الدولي وحماية الأطفال، وعلى رأسها منظمة "اليونيسيف":
المسألة الأولى تتعلق بأبرز الجماعات العربية المرتبطة بتجنيد الأطفال، في ظل الحروب والنزاعات الدائرة وطول أمدها على الرقعة العربية شكلت منعطفات خطيرة في فقدان الأمن وتحويل البوصلة الفكرية إلى التيارات المتشددة لغياب الحلول السياسية لأزماتها العالقة منذ سنوات طويلة، الأمر الذي ترتب عليه تدهور البنى التحتية، لا سيما قطاعات التربية والتعليم وتسرب الأطفال من مدارسهم، بالإضافة إلى الحالة الاقتصادية المزرية وفقدان أبسط سبل العيش.

الأمر الذي يشكل ظروفاً مناسبة لاستغلال الأطراف المتصارعة لها والعمل على تجنيد الأطفال الذين يحققون لها بعض المكاسب التكتيكية والاقتصادية من خلال سهولة تجنيدهم واستغلال قصورهم الفكري بإلحاقهم بمعسكرات معنوية تعمل على زرع العداوة والبغضاء تجاه الطرف الآخر، الأمر الذي يسهم في تكوين طفل متشدد لا يمكن له في يوم من الأيام أن يقبل الطرف الآخر فتحظى بمقاتل مستميت لنصرة الفكرة التي زرعتها به، عدا عن كونه سهل الحركة وأكثر طواعية في تنفيذ الأعمال العسكرية الموكلة له وبانصياع تام لمُراد مجنِّديه.

هذا الأمر عمل عليه كل من تنظيم "داعش" المهزوم في سوريا والعراق ومليشيات الحوثي في اليمن، علاوة على أن الأطفال يتم تجنيدهم بتكاليف مادية بسيطة من حيث التسليح والأجور، كما أن من لا يستطيع حمل السلاح منهم لأي سبب من الأسباب يمكن استخدامه في نقل الذخيرة أو بناء الدشم، وهو ما عملت عليه كل الجماعات والمليشيات المتصارعة على الأرض العربية، كالجماعات المتطرفة في ليبيا وجبهة النصرة في سوريا والحشد الشعبي في العراق والمليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني.

ولكن الجماعات الأبرز الضالعة بتجنيد الأطفال هما جماعة "بوكو حرام" في الصومال وجماعة "الحوثي" في اليمن، ففي الصومال وبحسب التقارير والإحصاءات الإعلامية يتم تجنيد ما يزيد على ألفي طفل، وفي اليمن ما يقارب الألف طفل، ما يجعلهما في مقدمة المجنِّدين للأطفال مقارنة بالمساحات الخاضعة لهما وتعداد سكانها.

المسألة الثانية تكمن في آلية تعاطي المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مع ملف تجنيد الأطفال..

رغم أن تجنيد الأطفال محظور دولياً وباتفاقات مبرمة لا مجال لتجاوزها، وباعتبار تجنيد الأطفال يرقى لجرائم الحرب، فإن تعاطي المجتمع الدولي معه يعد خجولاً مقارنة بقدراته القانونية والسياسية وحتى العسكرية، وذلك من خلال النظر لهذا الخطر على أنه موضوع ثانوي بل إنه لا يرقى حتى لمجرد مقاطعة أولئك المجنِّدين أو اشتراط التوقف عن تجنيد الأطفال كشرط أساسي قبل الجلوس معها على طاولة للحوار، كما في الملف اليمني والسوري.

أما المنظمات الدولية المعنية، لا سيما منظمة "اليونيسيف" فإنها لا تقتصر على التصريحات والمراقبة دون اتخاذ خطوات جادة، بل إنها تتعامل بازدواجية في بعض الأحيان، إذ تدين تجنيد الأطفال وتستصرخ المجتمع الدولي لمد يد العون وإنقاذهم.

وفي الوقت ذاته تعترف بالجماعات المجنّدة لهم من خلال إبرام الاتفاقات وإدخال المساعدات التي تعلم علم اليقين، أنها لن تصل إلى الأطفال، بل إنها ستنهب وتحوّل إلى جبهات القتال كما حدث في اليمن والتعامل مع مليشيات الحوثي، كما أنها تعتمد على تقارير مواربة رغم قدرتها على لمس الواقع بيدها، إذ تساوي بين الحكومة الشرعية والانقلابيين في موضوع تجنيد الأطفال.

وذلك رغم أن تقاريرها هي نفسها التي نشرها موقع "سكاي نيوز عربية" عام 2017، الذي جاء فيه أن "جماعة الحوثي تجند 1940 طفلا، بينما هناك 274 حالة تجنيد مسؤولة عنها الحكومة اليمنية"، جاء التقرير بلغة تشير إلى أن الحالات المسؤولة عنها الحكومة الشرعية تفتقر إلى التوثيق اللازم لهذا الانتهاك، علاوة على أن العدد - رغم إدانتنا لتجنيد أي طفل - المذكور بحق الحكومة الشرعية عدد ضئيل لا مجال للتأكد منه.

كل ذلك يجعل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مسؤولة وبشكل مباشر عن قضية تجنيد الأطفال وتحويل المجتمعات إلى فرق متناحرة تتجذر فيها قيم التطرف والتشدد واستساغة إراقة الدماء وتدمير الأجيال بحرف أهدافها وطموحاتها وطاقاتها من مقاعد الدراسة والانكباب على العلم والبناء إلى دشم القتال والتمترس وراء البنادق، ما ينذر بكارثة حقيقية لا مجال لاحتوائها إذا مضى وقت أطول دون التعامل معها بحزم أو إيجاد الحلول الجذرية لها.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

أردوغان والفائضون عن الحاجة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

خالد الغنامي

عندما وضع أردوغان إكليل زهور على قبر ثيودور هرتزل في عام 2005 لم يكن يطلق مجاملة عابرة، فتركيا هي ثاني دولة مسلمة تعترف بإسرائيل في عام 1949، بعد إيران التي اعترفت بها في عام 1948. العلاقة بين الجانبين في حقيقتها أقوى من علاقة طيور الحُب في 14 فبراير، خصوصاً على مستوى وزارتي الدفاع (التركية والإسرائيلية)، فالتعاون العسكري يطال العديد من المجالات التي تشمل الجو والبحر والأرض، ومن قوات المشاة إلى التسليح، ومن المجال الاستخباراتي إلى صناعة الطائرات والأسلحة والصواريخ.. وهو تعاون ينطلق أساساً من تعاون اقتصادي راسخ. إنه حلف استراتيجي مؤسسي وبنيوي يشتمل على لجان التوجيه والاجتماعات المنتظمة والحوارات التي لا تنقطع.. مهما مارس أردوغان من مسرحيات هزلية أمام المتفرجين. هذه المسرحيات هي ما جعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسخر من تظاهر أردوغان بعداوة إسرائيل، في حين يقدّر التبادل التجاري بين الجانبين بعشرات المليارات، ويسير على نحو متصاعد في كل عام.
الاتفاق التركي الإسرائيلي في فبراير 1996 يؤكد أنه عندما يكون هناك جنود لإحدى الدولتين، على أراضي الطرف الآخر، فإنهم لن يشاركوا في النزاعات بين الدولة المضيفة وأي طرف ثالث. هذا الاتفاق يتم تمديده سنوياً وقد مهد الطريق للزيارات العسكرية المتبادلة والتدريب الذي يشمل إرسال المراقبين للإشراف على المناورات العسكرية وتبادل الموظفين واكتساب المعرفة العسكرية، وقيام القوات الجوية والبحرية بزيارات متبادلة وتدريبات مشتركة.
وعلى صعيد الطيران العسكري، تُجرى التدريبات الدورية للقوات الجوية ثماني مرات سنوياً، في أربع عمليات انتشار في كلا البلدين. وتُجرى هذه التدريبات في تركيا بسبب حجم إسرائيل الضئيل، مما يتيح لقواتها الجوية أن تمارس التدريب الدوري في حوض البحر المتوسط، فيما يتدرب الطيارون الأتراك على ميدان إطلاق النار المحوسب في إسرائيل وفي مطار نيفاتيم.
ولابد أن نعلم أن إسرائيل قلّصت عبر العقود من مصالحها واستثماراتها في اليونان وكردستان، رغم التعاطف مع قيام دولة للأكراد، ضماناً لمصالحها مع تركيا. وفيما يتعلق بالتعاون الاستخباراتي، وهو مجال حيوي آخر تزدهر فيه العلاقات الإسرائيلية التركية، يجري تبادل المعلومات الروتينية وتحليل البيانات، بما فيها تلك التي جمعتها الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية.
الدافع وراء العلاقات الإسرائيلية التركية هو المصالح الوجودية المشتركة التي نسجت علاقاتهما الوثيقة في محيط عربي تستبعدان الاندماج فيه، وتجدان أن شخصيتيهما «الغربيتين» تحثهما على التعاون، خصوصاً بعد أن اتضح أن فائدتهما للمصالح الغربية أصبحت موضع شك، منذ الإعلان عن نهاية الحرب الباردة، مما زاد من رغبتهما في التقارب والتعاون من أجل البقاء. هذا غيض من فيض، مما تشهد به الوثائق الرسمية المعلنة للعالم.
على هذه الخلفية، وفي الوقت الراهن تحديداً، وما تشهده علاقة العالم العربي بالدولة التركية الحالية من توتر.. لا يمكن أن نحسن الظن بأولئك الأتراك الأيديولوجيين الذين يهتفون في بلد ثالث: «بالروح بالدم نفديك يا أقصى»، وكان الأولى بهم أن يذهبوا إلى مقر السفارة الإسرائيلية في أنقرة وأن يهتفوا للأقصى من هناك، أو أن يذهبوا إلى مصانع السلاح التركية التي تصدّر إلى إسرائيل الذخائر التي تقتل بها الفلسطينيين، فيمنعوا تصديرها.
ومع كل هذا، تجد أن الفائضين عن الحاجة، بحسب تعبير نيتشه، وهم جماعة «الإخوان المسلمين»، ما زالوا يدافعون عن خليفتهم المزعوم أردوغان ويمارسون تضليلهم الإعلامي للإنسان العربي العادي الذي لا يملك الوقت للبحث والتقصي حول خلفياتهم ودوافع مواقفهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية