جذور الصراع على القوميّة والإسلام في مصر

جذور الصراع على القوميّة والإسلام في مصر

مشاهدة

24/10/2019

منذ بداية القرن العشرين، نشأ صراع في مصر، التي تسعى للانفكاك عن الاستعمار على طبيعة وهويّة الدولة الملكيّة القائمة، وما تعنيه هذه الهويّة بالنسبة إلى المصريين. تأتي أهميّة إلقاء الضوء على هذا الصراع نظراً لمفعوله الحاضر حتى وقتنا الراهن، الذي غالباً ما يتخذُ شكلَ صراع بين التيارين؛ العلمانيّ والإسلاميّ، في مصر على هويّة الدّولة، وهو إشكال ليس خطابياً فحسب، بل دستورياً، وله مفعول قانونيّ.

الصّراع على الهويّة هو سياسة في المقام الأول ولا ينبغي التعامل مع الإشكال باعتباره مسألة محض تاريخ

على الرغم من إعادة التأكيد الدائمة على أهميّة التأريخ ودوره في صنع التصور والمخيال العامّ للمواطنين داخل دولة ما، إلّا أنّ هذا التأريخ نفسه -كيف يُكتب، ومَن يكتبه، ومن أيّ موقع- قد يكون هو الإشكال بحدّ ذاته. لطالما تمّ التأريخ لهذا الصراع على أساس جوهرانيّ: بحيث تكون الوطنيّة -التي هي اختراع حديث- في مقابل الإسلام -الذي هو تقليد خطابيّ واسع- في تضادّ، ولهما تياران أساسيان يرفدان الحياة السياسيّة والثقافيّة منذ بداية القرن العشرين وحتى يومنا هذا.

من المعلوم أنّ الصّراع على الهويّة هو سياسة في المقام الأول، ولا ينبغي التعامل مع الإشكال باعتباره مسألة محض تاريخ. فالبنية الاجتماعيّة والسياسيّة في الزمن هي ما تشرط الخطابات المتعلّقة بهذا الصراع، وهي ما تُحدّد منطلقاته والغايات التي يرومها؛ بمعنى أنّها صراعات خلقتها شروط معيّنة للاجتماع والثقافة والسياسة في مصر، وليس نقاشاً ميتافيزيقياً وكليّاً حول هويّة مصر.

بين هويّتين

في الواقع، إنّ النقاش حول هويّة مصر كان متجاذباً جداً منذ بداية القرن العشرين، ورغم أنّ التأريخ العامّ يميل إلى تصوير ثورة 1919 باعتبارها ثورة وحّدت المصريين، إلّا أنّ الرجوع بالتاريخ لعقد فقط قبلها، يمكن أن يوضّح لنا الطبيعة الانشقاقيّة والنزاعيّة حول هويّة البلد. فقد كان هناك صراع إسلاميّ-قبطيّ حول إسلاميّة مصر من قبطيّتها، وهو جدال واسع أسفر عن تحديدات قوميّة من كلا الجانبين. فقد أكّدت جريدة الوطن القبطيّة مثلاً "بأنّ الأقباط هم المصريّون الأصليّون" وذلك رداً على قول صحيفة المؤيّد بأنّ "مصر مسلمة منذ زمن الفتح الإسلاميّ".

بعد ثورة 1919 حدث منعطف آخر ألا وهو ظهور الإسلامويّة ممثّلة بجماعة الإخوان على يد مؤسّسها حسن البنا

كانت تلك النقاشات بطبيعة الحال مشروطة بالظرف الاستعماريّ الضاغط والذي كان في أتونه يتمّ النقاش حول "القوميّة" باعتبارها جامعاً لكلّ التيارات في مصر. النقاش حول القوميّة -المشتملة على سيادة الدولة وتحديد المصير... إلخ- كان، كما تشير الأنثربولوجيّة صبا محمود في كتابها "الاختلاف الديني في عصر علمانيّ"، يضمر هو أيضاً إقصاءات ستبزع جديدة؛ وستنشأ قسمة الأكثريّة والأقليّة، بحيث سيتمسّك الخطاب الإسلاميّ بكونه يعبر عن الأكثريّة والخطاب القطبيّ سيتمسّك بالنقاء العرقيّ وأحقيّتهم في الفراعنة من مصر التي أؤسلمت لاحقاً -رغم أنّ الأقباط، كخطاب مؤسسيّ، رفضوا رفضاً قاطعاً تسميتهم بأقليّة، واستمسكوا بمفهوم "أهل الذمّة" حفاظاً على سيادتهم على الاستقلاليّة الماليّة.

اقرأ أيضاً: القوميات الإثنية والهويات المتنقلة

في الفترة نفسها، وبعد حصول مصر على استقلال نسبيّ من الهيمنة الاستعماريّة الإنجليزيّة، كان هناك الدستور المهمّ عام ١٩٢٣ والذي أثار جدالاً، بل هو بحسب الباحثين المختصين في القانون المصريّ، ما زال مفعوله سارياً إلى اليوم، لا سيّما في المسألة المتعلّقة بدين الدولة، حيث نصّت المادّة ١٤٩ من الدستور على أنّ "الإسلام دين الدولة" مما أثار مخاوف عند الأطياف الدينيّة الأخرى. انشقّ النقاش في مصر آنذاك إلى شقين: شقّ يُدافع عن علمانيّة الدولة، والشق الآخر يقول بأنّ هذا هو تحصيل حاصل باعتبار أنّ المسلمين هم الأكثريّة.

اقرأ أيضاً: حركة القوميين العرب.. كيف تحوّل التنظيم القومي إلى الماركسيّة؟

كان المصريّون، آنذاك، توّاقين إلى دولة جديدة ستختلف فيها العلاقات الدينيّة عمّا كانت قبلها، بالنسبة إلى المسلمين وإلى الأقباط إلى حدّ سواء. ففي دولة علمانيّة حديثة، تعني أبسط مفهوم العلمنة "الحياد". بيد أنّ النقاشات في مصر لم تكن واعية بالتحتيم العلمانيّ الذي لا يعني مجرّد حياد الدولة تجاه الدين، وإنّما أنّ العلمانيّة تعني تدخل الدولة في الشأن الدينيّ. السيادة الدولتيّة هذه على الدين تحديداً هي ما لا تُسائل غالباً، ويتمّ استدعاء الدولة لحلّ المشكلة الدينيّة، دون النظر إلى الدولة نفسها باعتبارها منشئة لهذا الصراع بتدخلها القانونيّ والسياديّ في هذا المجال. وهنا تفيد إشارة ماركس في ردّه على باور بأنّ الدولة الليبراليّة لا تلغي الدين، وإنّما ترحله من العموميّ إلى القانون الخاصّ، وبالتالي تُبقي سيادتها عليه.

منعطف إسلامويّ.. وقوميّة وليدة

في كتابه المهمّ "البحث عن خلاص: أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر"، يضطلع المؤرخ المصريّ، شريف يونس، بتأريخ مغاير للسرديتين؛ الوطنيّة (القوميّة) والإسلامويّة، في مصر بداية القرن العشرين. يُحدّد يونس ثورة 1919 باعتبارها اللحظة التي تولّدت فيها الروح القوميّة المصريّة الحديثة، ووضع حدّ، حتى وإن كان غير كامل، للاختلاف بين المسلمين والمسيحين، وأنّها الثورة الأولى "الحديثة" بمعنى أنّها لم تخرج بصيغة المقدس.

قام البنا بأدلجة الإسلام متخيّلاً إياه كنظام يشمل كلّ جوانب الحياة الحديثة وأنّ هناك مُعادلات إسلاميّة لكلّ القيم الحديثة

بعد ثورة 1919، سيحدث منعطف آخر ألا وهو ظهور الإسلامويّة ممثّلة في حركة الإخوان المسلمين على يد مؤسّسها حسن البنا، الذي سيطرح الإسلام بصيغة مركزيّة وستسمرّ ألا وهي فكرة "شموليّة الإسلام". البنا، مثله مثل إصلاحيي القرن العشرين، قام بأدلجة معيّنة للإسلام، متخيّلاً الإسلام كنظام شامل يشمل كلّ جوانب الحياة، الحديثة، وأنّ هناك مُعادلات إسلاميّة لكلّ القيم الحديثة.

بطرحه صيغة هوياتيّة للعمل السياسيّ والدينيّ على خلاف النهضويين من قبله الذي انصبّ جلّ همّهم على إصلاح الإسلام من داخله وبإحياء نزعات عقلانيّة (محمد عبده، والأفغاني) أو سلفيّة (رشيد رضا)، سيكون البنا هو المؤسّس الوحيد لفكرة أنّ مصر دولة إسلاميّة غير منفصلة عن الخلافة التي سقطت حديثاً، وأنّ موجة القوميّة والأوربة والتحديث الشامل هذه دخيلة على مصر.

اقرأ أيضاً: 6 منظرين أسسوا للفكر القومي العربي.. كيف اختلفت أطروحاتهم؟

فبعد ثورة ١٩١٩، وحتى قبل ظهور الإخوان في ١٩٢٨، كانت هناك تيارات إسلاميّة بسيطة مرتاعة من مخرجات هذه الثورة ودستور ١٩٢٣، وبالتالي بدأ الحديث عن "هوية مصر الإسلاميّة" التي سيكتمل مع التأسيس الفعليّ للجماعة باعتبارها جماعة دعويّة، ستنخرط لاحقاً في السياسة، بحيث ستغدو، كما لا يفهمها أكثر نقادها، غير مفرّقةٍ بين الدعوة والسياسة بحال.

رأى حسن البنا أنّ الوضع الإسلامي بعد سقوط الخلافة قد آل إلى ترد مخز، الأمر الذي دفع البنا إلى التفكير في حلّ للمعضلة الإسلامية التي كانت قد مرت بعد مسارات (إصلاحية) وفشلت، وجد البنا، ببساطة، أنّ الحلّ يكمن في عودة نظام الخلافة الذي جمع المسلمين على مدار قرون طويلة، لكنّ هذه "الاستعادة" للخلافة لن تكون امتداداً للتقليد الخلافي الذي عاش في ظله المسلمون؛ بل سيتم وضعه وفق شرط جديد للعصر الذي تغير تماماً واختلف، من ناحية بنيوية، مع سابقه؛ معرفياً وسياسياً واجتماعياً.

اقرأ أيضاً: قصة المصائر المتشابكة للقومية العربية والصحوة الإسلامية

وبالتالي، يمكننا القول إن بلحظة ثورة ١٩١٩ يمكننا أن نعيّن تاريخاً للصراع الحديث على هويّة مصر: لحظة قوميّة متمثّلة في ثورة 1919 مشتملة على مسلمين ومسيحيين ستأخذ فيما بعد شكل تيار قوميّ علمانيّ نوعاً ما، ولحظة قيام جماعة الإخوان المسلمين (ما أسمّيها المنعطف/اللحظة الإسلامويّة) كمشاركة للأولى في محاربة الاستعمار ولكن على أسس دينيّة، ولكنّها تختلف كلّ الاختلاف مع المنظور القوميّ، ومسألة الدستور والحريّة والديمقراطيّة (التي كانت آنذاك يُنظَر لها بعين الريبة والتخوين).

رغم أنّ تيار القوميّة المصريّة يحتوي على تيارات كثيرة بداخله، قد تصل ببعضه إلى حدّ الشوفينيّة وامتلاك الفراعنة (انظر كتاب: فراعنةُ مَن؟)، إلّا أن التيار الإسلامويّ كان حاسماً في شكل الهويّة الذي هو في الحقيقة سيتطور إلى منظور قانونيّ متمثلاً في الدفاع عن هوية الدولة عبر القانون (العلمانيّ) بالعبارة المدشّنة في دستور ١٩٢٣ بأنّ "الإسلام دين الدولة"، إلى أنّ "الشريعة هي المصدر الأساسيّ للتشريع".

اقرأ أيضاً: خسائر قضية فلسطين بين القومية والإسلاموية

كلّ تلك النقاشات حول الهويّة والتي آلت إلى التعاطي مع الشريعة في مصر تغفل، عن عمدٍ وغير عمد، إلى موضوعة الشريعة في دولة حديثة، وما تعنيه: هل هي قانون؟ أم محض عبادة؟ أم هي لها لوازم أخلاقيّة فيما يخصّ النقاش العامّ؟ الطرح القوميّ عادةً عن الإسلام كان طيفيّاً، وغير محدّد، بينما الطرح الإسلامويّ مرّ بمراحل كثيرة من الدعوة إلى الحاكميّة (التجسيد البشريّ للكلمة-الشريعة) إلى دمقرطة الشريعة وتقنينها. وهي مسائل لا تنفكّ عن أيّ نقاش حول شكل الدولة التي يسعى لها المصريّون بكافّة أطوارهم، وهو أيضاً النقاش الذي امتدّ إلى ثورة يناير وما بعدها حتى يومنا هذا.

الصفحة الرئيسية