فرق فنية تونسية ساهمت في رسم طريق الحرية.. هذه أبرزها

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
1552
عدد القراءات

2019-03-09

لم يكن ما حصل في تونس أواخر العام 2010 ومطلع العام 2011 صدفة، بل إنّ مناخاً ثقافياً ظلّ يعتمل لمدة نصف قرن أو أكثر ليتوّج بالحدث الأبرز "الثورة التونسية"، التي أسقطت نظاماً دكتاتورياً فتك بالحريّة والعدالة والمساواة.

أسّس الفنان التونسي صالح التومي مجموعة أبناء المناجم في العام 1977 وهي مجموعة فنية ذات مرجعية عمالية

وكثيراً ما يسلط الضوء على العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت إلى "الثوة"، ويجري التغافل عن البعد الثقافي الذي كان يتحدى منع السجن والقتل والاختفاء القسري، مضيئاً دروب الحرية في السر، شادياً بالعدالة والتحرر بصوت عال رغم الأيادي المكبّلة.
لقد كان الأدب التونسي والمسرح والموسيقى والشعر وغيرها من الفنون، تنشر الوعي من جيل إلى آخر، مشيرة إلى ما يحجب النور ويلدغ كل من مد يداً إلى الغد.

اقرأ أيضاً: موسيقى الراي من مقاومة الاحتلال وتطرف الإسلامويين إلى التمرد على الجسد

"حفريات" ترصد في هذا التقرير، بعض المجموعات الموسيقية الملتزمة، التي ساهمت بشكل فعال في تهيئة المناخ المناسب لتكون الثورة التونسية استثناء ما يزال، رغم تعثره، يبشر بالحرية والديمقراطية والعدالة والقانون والمؤسسات، غير بعيد عما شدت به هذه المجموعات، إلى جانب ألوان أخرى من الفنون التي غرّدت خارج سرب السلطان.

فرقة البحث الموسيقي

مجموعة "البحث الموسيقي"
تعدّ مجموعة "البحث الموسيقي" واحدة من أعرق الفرق الموسيقية الملتزمة في تونس. نشأت من رحم المعارضة السياسية في أواخر السبعينيات، واستفادت من الثراء الفكري حينها. أسسها الفنان والملحن وعازف العود نبراس شمّام في مدينة قابس في الجنوب التونسي، وتأثرت بتجربة الشيخ إمام وسيد درويش رائدي الأغنية الملتزمة في مصر، ولكن جذورها امتدت في التراث التونسي إيقاعاً ولحناً وكلمة معبرة عكست آلام المفقّرين والمهمّشين.

اقرأ أيضاً: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال

وبما أنّها كانت رافضة للصوت الواحد، فقد صدحت بالحرّية في مختلف نواحي الحياة، فلقيت شهرة واسعة في الأوساط الطلابية، وكانت بذلك صوتاً مزعجاً للسلطة وأبواقها، فسارعت الأخيرة إلى التضييق عليها وتشديد الخناق على تحركات أعضائها.

تقول المجموعة عن نفسها في صفحتها الرسمية على "فيسبوك": "رغم المنع ورغم القمع والسجون والطرد من العمل، ورغم التعتيم الإعلامي خاصة، تمسكنا بخطنا، ولم نحد عنه لأن الناس والجماهير احتضنت هذه التجربة ودافعت عن المجموعة، طيلة ثلاثين عاماً ونحن على العهد لشهداء وطننا الكبير سواء في تونس، أو العراق، أو فلسطين، وفي كل نقطة في العالم يقاوم فيها الأحرار القهر والظلم والاحتلال".

تعدّ "البحث الموسيقي" واحدة من أعرق الفرق التي نشأت من رحم المعارضة السياسية بالسبعينيات واستفادت من الثراء الفكري حينها

وتضيف: "قدمت المجموعة مئات العروض بكل مناطق البلاد وفي الكليات والمبيتات؛ والمهرجانات من قرطاج إلى الحمامات إلى بوقرنين إلى سوسة إلى صفاقس، كما غنت المجموعة في كل الاتحادات الجهوية للشغل دون استثناء، ولفائدة الرابطة والأحزاب السياسية.. وغنت المجموعة بالجزائر وفرنسا وبلجيكا والنمسا والكامرون. وحصلت على جائزة أفضل لحن مستمد من التراث لإذاعة فرنسا الدولية في عام 1987".

تحدّت المجموعة المضايقات الأمنية على حفلاتها وتحركاتها، لتنتج أكثر من أربعين أغنية لحّن أغلبها مؤسس المجموعة نبراس شمام، الذي انتقى أجمل الكلمات لشعراء من أبرز التجارب الشعرية في تونس مثل آدم فتحي وعبد الجبار العش وبلقاسم اليعقوبي وكمال الغالي. ومن أبرز الأغاني الّتي ظلت حية في الذاكرة "لو النّدى" و"نخلة وادي البي" و"هيلا هيلا يا مطر" و"يا حجل" و"الأيام فرّاقة" و"نشيد الانتصار" و"جيفارا آت"..

مجموعة "أولاد المناجم"

مجموعة "أولاد المناجم"

أسّسها الفنان التونسي صالح التومي في العام 1977، وهي مجموعة فنية ذات مرجعية عمالية، بما أنّ أغلب عناصرها من عمال المناجم. ربما لذلك جاءت أغانيها طافحة بمعاناتهم القاسية في مناجم الفسفاط التي تصل حدّ الموت تحت الأرض.

عالجت أغاني أبناء المناجم مواضيع تقدمية وانتصرت لحقوق العمال والعاطلين عن العمل والمرأة والفقراء والمظلومين وللحرية والحداثة

في حوار صحافي يقول التومي: "كانت البداية من دار الثقافة بأم العرائس، والتي ورثت مجموعة "أولاد الهمامة"، بعد أن انضممت إليها مع منصف البلدي المخرج التلفزيوني والممثل السابق في فرقة مسرح الجنوب بقفصة، فقد عملت مع مجموعة "أولاد الهمامة" ثم غادرت إلى فرنسا، ومنها عدت إلى تونس مرة أخرى لتأسيس فرقة "أولاد المناجم"".

في رصيد "أبناء المناجم" قرابة 160 أغنية من ألحان صالح التومي، الذي انتقى كلماتها من الشعراء آدم فتحي وبلقاسم اليعقوبي وكمال الغالي ورضا الماجري.

لاقت المجموعة تعسفاً كبيراً وحرماناً من المهرجانات، وتضييقاً كبيراً منذ نشأتها حتى سقوط نظام بن علي. يقول التومي: "في فترة الحكم البورقيبي عانينا من الحصار الإعلامي والملاحقة الأمنية وبعد عام 1988 أغلق علينا الباب نهائياً وقد منعنا من دور الثقافة والمهرجانات، وانحصر نشاطنا على دور الاتحاد العام للطلبة والفضاءات الجامعية، إذ لم نجد مجالاً إلى التواصل مع الجماهير الواسعة سوى عام 1988".

اقرأ أيضاً: لماذا اعتقلت الشرطة في المغرب شابين عزفا الموسيقى في الشارع؟

ويتابع: "في صيف 1988 قدمنا مجموعة من العروض في المهرجانات الدولية، ثم تم إيقافنا رسمياً عن العرض في المهرجانات، ومن يومها ونحن نعاني المطاردة الأمنية، كما كنا ضيوفاً دائمين على مراكز الشرطة في قفصة للإجابة عن الأسئلة، وإلى التوقيع على محاضر جلسات نلتزم فيها بأن لا نغني بعض الأغاني، ولكن في الحقيقة لم نكن نلتزم بما نوقع عليه".
من أبرز أغاني المجموعة: "ضحايا الداموس" و"أنت يا وردة" و"نشيد الطّلبة" و"ثوّار يا أمريكا" ودزّ النّحّ" و"ضحايا الشّقاء" وغيرها من الألحان الخالدة التي عالجت مواضيع تقدمية وانتصرت لحقوق العمال والعاطلين عن العمل والمرأة والفقراء والمظلومين، وانتصرت للحرية والحداثة، وتغنت بالقضية الفلسطينية وبالشعوب المقهورة عبر العالم، ونددت بالامبريالية والاستغلال الفاحش والاستعمار والاستعباد.

مجموعة "الحمائم البيض"

مجموعة "الحمائم البيض"

مجموعة "بحث وتجريب في الموسيقى"، هكذا تعرف المجموعة نفسها على موقعها الرسمي. عرفتها الساحة الطلابية في تونس وكبرت معها وبها أجيال وأجيال، حتى جاوز صيتها حدود تونس لتفرّدها في الجمع بين الموسيقى والكلمة الهادفة. عمد أفرادها إلى تطويع أجسادهم على الركح لتكون جزءاً من أجزاء العرض وعنصراً بارزا يكمّل اللّحن والكلمة، يتفاعل مع الأنغام فيقولها ويوضحها ويبرزها.

اقرأ أيضاً: كيف عملت موسيقى شادي رباب على إنعاش صعيد مصر؟

شدت المجموعة بالحرية والعدالة وطارت أنغامها بالإنسان في آفاق أرحب بانتقاء أشعار لشعراء تونسيين مثل؛ مختار اللغماني وآدم فتحي ومنوّر صمادح وسوف عبيد، وانفتحت على شعراء عرب مثل محمود درويش وسميح القاسم، ولحنت للشاعر العالمي العظيم بابلو نيرودا وتغنت ببعض أشعاره.

تأسست المجموعة في العام 1980 لتكون واحدة من أهم مكونات موجة جديدة من الفرق الموسيقية التي خبرت الالتزام بقضايا الإنسان نهجاً، وبالتجديد الموسيقي والتجريب شرطاً للإبداع الفني، تحمل "رؤية أخرى للموسيقى والأغنية مساهمة منها في الدفع نحو تحرر الإنسان وارتحاله نحو آفاق أرحب" كما تقول عن نفسها.

تأسست الحمائم البيض عام 1980 لتكون واحدة من الفرق التي التزمت بقضايا الإنسان نهجاً وبالتجديد الموسيقي شرطاً للإبداع الفني

"العَركة" (الخصومة) و"هل تعرفون القتلى جميعا" و"الشيخ الصغير" و"لذة القلق" و"صرخة عطش" و"عبور"، وعشرات الأغاني والمقطوعات الموسيقية، هي حصيلة أربعين عاماً من البحث والتجديد في الأغنية الملتزمة للارتقاء بها وتكريس تفردها.
كما تفاعلت المجموعة مع المسرح والسينما، لا من خلال عروضها فحسب، بل بتلحينها للموسقى التصويرية لأكثر من فيلم، وتأليفها لأكثر من مقطوعة موسيقية للمسرح، فقد ألفت موسيقى مسرحيات كثيرة منها "أحبك يا متنبي" و"وكر النسور" و"الصياد النبيل" و"بلغني أيها الملك السعيد".. إلخ. كما ألفت المجموعة موسيقى تصويرية لأفلام عديدة أبرزها "مكتوب" و"كسّار الحصى" و"يا نبيل" و"السيدة".

اقرأ أيضاً: حماس تمنع المهرجانات الموسيقية بغزة حفاظاً على الأخلاق

اقرأ المزيد...

الوسوم: