التراث كمسرح لرغبات الحاضر: البحث عن عقلانية "إسلامية"

3442
عدد القراءات

2018-09-30

أشار الناقد الثقافي المرموق، ريموند وليامز (1929-1988)، في كتابه الأساسي "الكلمات المفاتيح" (Keywords)، عندما جاء عند مصطلح تراث (tradition)[1)، أو تقليد؛ إلى أنّ هذا المصطلح، بمعناه الحديث، "صعب بشكلٍ واضحٍ". ورغم الصعوبة النظرية لتحديد ما يعنيه "التراث"، إلا أنّ وليامز يتتبّع المراحل المستخدَمة في السياق الإنجليزيّ لهذا المصطلح؛ الأمر الذي يدلّ على اختلاف وتطور وتنوّع الاستخدام الدلالي للمصطلح "تراث".

التراث مصطلح استعمل حديثاً خاصّة منذ ظهور الاستشراق عربياً وشيوع الكتابات حول التراث منذ عصر النهضة

تفيدنا إشارة وليامز، على قِصرها، بأن نرى الصعوبة الجمّة عندما نريد أن نحدّد هذا المصطلح في التداول العربي، نظراً إلى أنّ هذا المصطلح هو مصطلح استعمل حديثاً، خاصّة منذ ظهور الاستشراق عربياً، وشيوع الكتابات حول التراث منذ عصر النهضة، فالمطّلع على الكتابات الدينية والفلسفية والأدبية القديمة، يجد أنّ أسلافنا كانوا يستخدمون، عندما يتكلمون عمّن سبقهم، بـ"علوم الأوائل"، "الأقدمين"، "السلف"، وغيرها من المفاهيم الرائجة تراثيّاً.

ولأنّ البحث الفيلولوجي عن ماهية التراث، يخرج بنا عمّا تحتاجه وترومه هذه المقالة، فإنّنا سنركز، بالأساس، مكتفين بالإشارة السابقة، على صعود الاهتمام الاستشراقي أولاً، والعربي ثانياً، بما يسمّى التراث العربي أو التراث الإسلامي؛ لأنّ البحث في، أو البحث عن، التراث ما يزال رائجاً عربياً، لم ينتهِ، منذ النهضة العربية وحتى اليوم.

التراث كـ"موضوع" للدراسة

رغم المعرفة الاستشراقية القديمة بالحضارة العربية والإسلامية، إلا أنّ الاهتمام بعلوم هذه الحضارة وتراثها، ازداد بشكلٍ جليّ منذ القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، وحتى يومنا هذا، اللهمّ إلا أنّه في ثوب جديد نوعاً ما [2]. كانت المعرفة الاستشراقية التي تُبنى حول الآخر، الذي هو هنا التراث الإسلامي، متفاوتة، وتختلف من تيار استشراقيّ إلى تيار استشراقي آخر، ورغم ما قدّمته المعرفة الاستشراقية من دراسات جادة حول الإسلام وعلومه وتراثه، بيد أنّ هذه المعرفة كانت تدخل ضمن "خطاب" الغرب عن الآخر الإسلامي؛ لمعرفته والتحكم فيه، فالمعرفة لا تنفصل عن القوة، أي من يملك المعرفة هو الذي يملك القوة؛ قوة التحكم في الآخر المدروس، لقد تحوّل التراث الإسلامي إلى "شيء مادّي" للدراسة، لمدروس ما، لمجموعة من "النصوص" أو "الوثائق"، التي تدلّ على ثقافة أمّة بعينها، في مراحل تاريخية معينة.

البحث في التراث وعن التراث ما يزال رائجاً عربياً لم ينتهِ منذ النهضة العربية وحتى اليوم

أعتقدُ أنّه كان على الاستشراق أن ينشئ، أو أن يفصِل، بين "تراثات" الأنا والآخر، فالانطلاق من التعريف الأوروبي لنفسه، كغرب منفصل عن بقيّة العالم، غير الداخلة في تاريخ اللوجوس، حتّم -بشكلٍ ما- إنشاء شيءٍ يسمّى "التراث الإسلامي"، منفصلاً انفصالاً عضوياً عن "التراث الغربي"؛ الذي هو اليونان بشكلٍ أساسي.

لكن، كانت عملية صنع التراث الإسلامي من قبل المتخيّل الاستشراقي تنطوي على إستراتيجيّتين لا بدّ من إيضاحهما:

الإستراتيجية الأولى، ويمكن تسميتها "إستراتيجية الدمج"؛ هي عدّ "التراث الإسلامي"، بالمعنى الواسع، ليس سوى تراث هجين من قبل التراثات التي سبقته، كأن يكون الفقه الإسلامي ليس سوى هجين روماني قديم [3]، أو أنّ البلاغة وافد يوناني على الحضارة العربية، أو أنّ الفلسفة الإسلامية ليست سوى فلسفة يونانية بلسان عربي، غير مبين.

تهجين التراث الإسلامي وفصله عن التراثات الأخرى ليس سوى موقف ناجم عن مركزية أوروبية متشنجة

الإستراتيجية الثانية، ويمكن تسميتها "إستراتيجية الفصل": وهي عدّ التراث الإسلامي خارجاً عن تاريخ اللوغوس الأوروبيّ، وهذا ما يمهّد من إضفاء أحكام مركزية وجوهرانيّة على هذا التراث، كأنّه تراث همجيّ، وغير ديمقراطيّ، ولا يعترف بحريّة الإنسان، إلى آخر الأحكام الناتجة عن بعض تيارات الاستشراق في صورتها المتوحشة، والأكثر يمينيّة، كبرنارد لويس ومدرسته.

ورغم ما يبدو بين الإستراتيجيتين من تناقض؛ أي بين دمجٍ وفصل، غير أنهما ملتحمان جوهريّاً؛ حيث يتمّ دمج التراث الإسلامي ضمن تراثات أخرى، وإفقاده أيّة أصالة يتمتع بها، مع فصله، في الوقت ذاته، عن تراث واحد ووحيد يقبله الغرب؛ ألا وهو التراث اليوناني؛ الذي مرّ عبر تراث وسيط، وهو التراث الإسلامي، لنشوء ما نسميه اليوم "الحداثة الغربيّة".

يتضح من الإستراتيجيتين السابقتين؛ أنّ تهجين التراث الإسلامي وفصله عن التراثات الأخرى، ليس سوى موقف ناجم عن مركزية أوروبية متشنجة. وهنا يختلط المعرفي بالأيديولوجي؛ لأنّ لا معرفة دون تحيّزات داخلها، ودون "خطاب" ينشئه الغير عن الآخر، يضمر فيه تصوّراً ما لنفسه ولغيره.

يمكننا القول، بالاعتماد على دراسة الراحل إدوارد سعيد عن الاستشراق: إنّه لا يمكن فهم ما صنعه الاستشراق حول ما يسمّى التراث الإسلامي، إلا في ضوء نزع المشترك الإنسانيّ في المعرفة والحضارة الإنسانيتين، وإلغاء خطوط التواصل، للتأكيد على المركزية الأوروبية؛ فصناعة شيء مستقل اسمه "تراث إسلامي، أو تراث صيني، أو تراث هندي، ...إلخ"، ليس إلّا تأكيداً على "غربنة الغرب"، و"شرقنة الشرق"، أي التأكيد على "التمايزات المعيارية" بين جملة المعرفة البشريّة التي أنتجها كلّ تراث من ناحيته، ورؤاه المعرفية وموقفه الأنطولوجي [4].

اقرأ أيضاً: الحرب الباردة ما بعد الاستعماريّة: كيف نفهم العلاقات الصينيّة-الأمريكيّة؟

فليس كما يروّج البعض، ومنهم الغرباوي هاشم صالح في مقالة مطولة له تحت عنوان "الاستشراق وأرخنة التراث[5]"؛ بأنّ المستشرقين طبقوا المناهج التاريخية وغيرها على الإسلام؛ لأنهم كانوا يريدون فهم المسيحية، وينجرف هاشم صالح، بلهجة مقوصة وشديدة الليبرالية، ليلغي الخيط المشترك بين المعرفة والسلطة، كما يطرح ميشيل فوكو وإدوارد سعيد، ليؤكد أنه في نيّته أن يؤلّف كتاباً عن "مزايا الاستشراق" لولا عدم تفرغه.

صحيح أنّه ما من أحد يريد أن يلغي محاسن أو مزايا الاستشراق من الدراسات الجادة، التي قام بها العقل الاستشراقي، لكنّنا، في الأساس، نحاول أن نقرأ ما وراء الاستشراق؛ من المضمَر، والمتخيّل، والخطابات التي صنعها الاستشراق حول الإسلام وتراثه، وذلك لن يكون إلا بفهم ماهية الاستشراق بالتخلّي عن التعريف الكلاسيكي، والبريء حقيقة، للاستشراق، بكونه "دراسة العالم الغربي للشرق"، وبإدخال المعرفي في الأيديولوجي، وإنشاء مفهوم أكثر تركيباً للاستشراق، كما فعل الراحل إدوارد سعيد، في كتابه "الاستشراق"، وهشام جعيط كما سآتي على ذكره.

ابن رشد المتخيل

بالانتقال إلى الإنتاج العربي حول "التراث العربي و/ أو الإسلامي"، نلحظ أنّ هذا التأليف انطلق منذ عصر النهضة العربي، منطلقاً من سؤال حول تقدّم الغرب وتأخر المسلمين. بادئ ذي بدئ، لا بدّ من القول، وذلك كما يشير المفكّر التونسي، هشام جعيط، في كتابه "أزمة الثقافة الإسلامية" [6] (2000م): إنّ السؤال الذي طرحه شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ هو سؤال غير صحيح بالأساس، لكن رغم عدم صحته من وجهة نظر جعيط، إلا أنّه ههنا حكم معياري، وإذا انتقلنا إلى الحكم التاريخي، فسنجدُ أنّ هذا هو السؤال المُضمر الذي وجّه جلّ التأليف النهضوي العربي.

اقرأ أيضاً: تحوّلات الإصلاح الإسلاميّ: من الدين إلى الدولة

كانت النهضة العربية بالأساس نهضة نيوكلاسيكية، أي محاولة للعودة إلى الأصول النقية، دون الالتفات إلى "بعض" التجربة الإسلامية، والتركيز على "بعضها" الآخر، أو بمعنى آخر؛ إنّ النهضة العربية كانت أيضاً محاولة لتصفية حساب مبكرة مع التراث الإسلامي، وذلك بإبراز "النواحي العقلانية" في هذا التراث، لمواجهة الغرب الاستشراقي والاستعماري أيضاً، فقد صحا العرب على مدفع نابليون وعلى وقع صرير أقلام مستشرقيه، ولا بدّ من التساؤل حول: ما الدافع الذي جعل النهضويّين ومَن بعدهم يعتقدون أن المشكلة كلّها في "تراثهم"؟

استمرت تصفية العقل العربي مع التراث حتى نشأت ما صرنا نطلق عليها اليوم "مشروعات نقد التراث"

واستمراراً في قراءة التراث، التي انطلقت نهضويّاً من قبل الباحثين والمفكّرين العرب؛ تمّ العمل على الجوانب العقلانية في التراث، وبالأساس تمّ النقاش حول ابن رشد، بوصفه آخر وأهمّ ممثل للمنزع العقلاني في الإسلام. وبالطبع؛ تمّ الاحتراب حول ابن رشد بين الخطاب الاستشراقيّ (رينان)، والخطاب النهضوي (محمد عبده)، وهذا الاحتراب، في جوهره، هو استلاب لابن رشد: هل ابن رشد مفكّر هجين أصله يوناني، أرسطي بالتحديد؛ أم هو متفلسف مسلم ينتمي للثقافة العربية الإسلامية؟

لقد تم الإعلاء من شأن ابن رشد، بوصفه صاحب الثورة العقلانية في الإسلام، لدرجة أنّ مفكراً عربياً كأدونيس، يقول في كتابه "فاتحة لنهاية قرن"[7]: إنّ ابن رشد هو أوّل "علماني في الإسلام"، وهي قراءة مزيفة تؤدلج خطاب ابن رشد، الذي لا ننسى أنه كان فقيهاً، وتهجنه، وتفرض عليه ذات القائل.

استمرت تصفية العقل العربي مع التراث، حتى نشأت ما صرنا نطلق عليها اليوم "مشروعات نقد التراث"، نتكلّم بشكل أساسي عن مشروع المغربي محمد عابد الجابري، ومشروع المصريّ حسن حنفي، واللبناني حسين مروة، والسوري أدونيس، وغيرها من المشروعات الكثيرة.

اقرأ أيضاً: إرهاب البلاغة: لماذا علينا ألّا نقع في هوى السلطة؟

إنّ كلّ المشروعات، التي نسمّيها "نقد وقراءة التراث"، ليست سوى انخراط في أفق الأسئلة الأولى للنهضويين العرب، رغم إعلانها ونقدها وزجرها للإصلاحية الأولى، إصلاحية الآباء، رفاعة وعبده، ورغم رغبتها الجامحة في الخروج على هذا البراديغم، الذي دشّنه عبده بالتوفيق بين الإسلام والغرب. وصحيح أنّ بعض هذه المشروعات أرادت الخروج من هذه التوفيقة التي تسمّ المعرفة العربية الحديثة، وذلك إمّا بتزييف الإشكالية، أو بالانطلاق أكثر نحو الغرب، أو الانطلاق أكثر نحو الإسلام، بات الإسلام مستلباً بين الغرب والتراث.

ما أريد أن أوضّحه بشكلٍ أساسي حول هذه المشروعات؛ أنّها استكمال للمسيرة التي انتُهجت منذ القرن التاسع عشر حول التراث والحداثة، حتى وإن نقدت الاستشراق، فجلّ المفكرين العرب المعنيّين بقراءة التراث قدّموا نقداً للمعرفة الاستشراقية، من حسن حنفي إلى محمد أركون.

ويمكن أن نتفحّص هنا ما كتبه المفكر المصري، حسن حنفي، حول الاستشراق وأخطائه، وتصوّر حنفي لإنشاء "علم استغراب" كرد عربي على مؤسسة الاستشراق، وذلك في كتابه "التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم"، وهو بمثابة المانيفستو لمشروع حسن حنفي، والمدخل إليه، وفهم أراضي هذا المشروع.

كلّ المشروعات التي نسمّيها "نقد وقراءة التراث" ليست سوى انخراط في أفق الأسئلة الأولى للنهضويين العرب

في الفصل الثالث من الكتاب؛ يناقش حسن حنفي أزمة مناهج الدراسات الإسلامية، المتمثلة في الانفصال الحادث بين شخصية الباحث المسلم وموضوع البحث؛ فالتراث قضية وطنية، وهو قضية شخصية للباحث في ذات الوقت؛ لأنه ينتمي إلى هذا التراث فكراً ولغةً وتاريخاً، لهذا يُلاحظ حنفي أن الخطأ في الحكم النهائي ناتج عن خطأ مبدئي في المنهج المتَّبع، خاصة إن كان موضوع البحث في داخله منهجاً بذاته، والباحث يتعامل معه بمنهج خارجي عنه، وهذا ما أدّى إلى شيوع النزعة (العلمية/ الأكاديمية) عند الباحثين من المستشرقين، وشيوع النزعة (الخطابية) عند الباحثين من المسلمين.

وبالنسبة إلى النزعة العلمية التي تسود دراسات المستشرقين؛ يرى حنفي أنّ أزمتها بالأساس هي التصور (المادي) للظاهرات على مستوى العلوم الإسلامية، التي قامت في التاريخ الإسلامي.

بمعنى؛ أنّ المستشرق يدرس التاريخ كتاريخ خالص، مكوّن من شخصيات وأنظمة اجتماعية تاريخية محضة، وبهذا تنقطع الظاهرة عن طابعها المثالي المستمد من الوحي ابتداءً، وعن الواقع الذي هو أساسها.

ويفسّر حنفي فشل الدراسات الاستشراقية بعدة أسباب:

- أنّ جلّ المستشرقين لا يؤمنون بالوحي الإسلامي، فيدرسون الظاهرة منفصلة عن أصلها الإسلامي الذي هو الوحي.

- عدم تخصّص المستشرق في مجال بحثه.

- بسبب النشأة الأوروبية للمستشرقين ذاتهم، فالفكر الأوروبي مرّ بتطورات معينة حتمت ظروفاً تاريخية مغايرة.

لذلك؛ يرى حسن حنفي أنّ دراسات المستشرقين ما هي إلا "موضوعات دراسة"، وليست "دراسة موضوعات"، بمعنى؛ أنّه لا ينبغي أن نتخذ الدراسات الاستشراقية كدراسة مسلَّم بها؛ بل ينبغي التثبت من مصادرها تاريخياً وعلمياً.

وفي كلام طويل؛ تعرّض لمناهج المستشرقين الأربعة (المنهج التاريخي، والتحليلي، منهج الإسقاط، ومنهج الأثر والتأثر)، وقد أفرد شرحاً طويلاً لـ"المنهج التاريخي"، بكلام مهمّ لا يمكن اختصاره.

جلّ المفكرين العرب المعنيّين بقراءة التراث قدّموا نقداً للمعرفة الاستشراقية من حسن حنفي إلى أركون

ففي هذا الفصل؛ نقد مهمّ للمناهج السائدة، يعطي خلفية عن منهجية حنفي في التعاطي مع التراث.

أما بالنسبة إلى الباحثين المسلمين، الذين غلبت منهجهم النزعة الخطابية؛ فذلك ليس إلا لأنّ منهجهم ناتج عن أزمة أكثر من صدوره عن موقف فكري أصيل، ويعترف حنفي بأنّ هذا الاتجاه، وإن كان يعطي الأولوية للوحي على التاريخ بخلاف المستشرقين، إلا أنّه اتجاه ساذج يعبّر عن مراهقة فكرية أوقعته في مشكلات عدة:

- التكرار وتحصيل الحاصل؛ وهو تكرار مضمون النصوص المدروسة.

- التقريظ أو الدفاع؛ فهو يقبل الموضوع، ويسلّم به، ويبرّره، دون وضعه موضع سؤال.

- الجدل والمهاترات؛ وهذا ينتج عن التسليم للموضوع، تقريظاً ودفاعاً، فيجعل الباحث يهاجم كلّ من خالفه.

- الحدس قصير المدى؛ القائم على بديهيات معروفة.

صناعة خطاب شرقي عن الغرب بصورة مؤسسية لن ينتج سوى تخيّلات شرقية عن الغرب

ينتهي حنفي، بالنسبة إلى منهج المسلمين من الباحثين، إلى أنه أيضاً "موضوعات دراسة"، لا "دراسة موضوعات”، وإذا كان خطأ النعرة العلمية عند المستشرقين أنها تعرف (كيف تقول؟)، دون أن تعرف (ماذا تقول؟)؛ فإنّ خطأ النعرة الخطابية عند المسلمين؛ أنها تعرف (ماذا تقول؟)، لكنّها لا تعرف (كيف تقول؟)، و"التراث والتجديد" هو الذي يتفادى الخطأين؛ بمعرفة ماذا يقول (التراث) ومعرفة كيف يقول (التجديد).

هكذا ينتهي حسن حنفي، بعد أن وصّف التيارين اللذين تعرضا للتراث العربي والإسلامي، لكن هل نجا صاحب مشروع "التراث والتجديد" وصاحب "لاهوت التحرر"؟ لقد حاول حنفي أن يؤسّس "معرفة شرقية بالغرب"، وهو ما أسماه "علم الاستغراب"، الذي أصدر بشأنه كتاباً تحت المسمى ذاته.

ليست المشكلة، في رأيي، في صناعة علم استغراب مقابل الاستشراق؛ فصناعة خطاب شرقي عن الغرب بصورة مؤسسية، لن ينتج سوى تخيّلات شرقية عن الغرب، كما صُنعت تخيلات استشراقية وغربية عن الشرق، بالتالي؛ ستحصل نزعة أخرى لن تكون أقلّ سوءاً من الاستشراق، فالاستغراب هو الاستشراق.

ما أجادل فيه؛ هو أنّ مشروعات قراءة التراث ونقده، وإن كانت قد تعرضت للاستشراق بالنقد، إلا أنها ليست سوى محاولة مضادة للاستشراق؛ أي أنّها التزمت بالموضوع (التراث)، باعتباره المدخل إلى التجديد، وإلى الحداثة.

اقرأ أيضاً: الصراع على الإسلام.. من الاستشراق إلى الجهادية الإسلامية

ثمّ ماذا بعد؟ "إنّ المفكرين العرب أبّنوا التراث دون أيّة قدرة على الحداد" يقول المفكّر التونسيّ فتحي المسكيني.


هوامش:

[1] رايموند وليامز، الكلمات المفاتيح، ت. نعيمان عثمان، المركز القومي للترجمة، مصطلح "تراث".

[2] انظر: الصراع على الإسلام: من الاستشراق إلى الجهاديّة الإسلاميّة.

[3] انظر: وائل حلاق، ما هي الشريعة؟، ت. طارق عثمان، مركز نماء للأبحاث والدراسات.

[4] إدوارد سعيد، الاستشراق، ت. محمد عناني، دار رؤية.

[5] الاستشراق وأرخنة التراث - هاشم صالح.

[6] هشام جعيط، أزمة الثقافة العربيّة، دار الطليعة، ٢٠٠٠.

[7] أدونيس، فاتحة لنهاية قرن، دار النهار.

اقرأ المزيد...

الوسوم: