التراث كمسرح لرغبات الحاضر: البحث عن عقلانية "إسلامية"

التراث كمسرح لرغبات الحاضر: البحث عن عقلانية "إسلامية"
4932
عدد القراءات

2018-09-30

أشار الناقد الثقافي المرموق، ريموند وليامز (1929-1988)، في كتابه الأساسي "الكلمات المفاتيح" (Keywords)، عندما جاء عند مصطلح تراث (tradition)[1)، أو تقليد؛ إلى أنّ هذا المصطلح، بمعناه الحديث، "صعب بشكلٍ واضحٍ". ورغم الصعوبة النظرية لتحديد ما يعنيه "التراث"، إلا أنّ وليامز يتتبّع المراحل المستخدَمة في السياق الإنجليزيّ لهذا المصطلح؛ الأمر الذي يدلّ على اختلاف وتطور وتنوّع الاستخدام الدلالي للمصطلح "تراث".

التراث مصطلح استعمل حديثاً خاصّة منذ ظهور الاستشراق عربياً وشيوع الكتابات حول التراث منذ عصر النهضة

تفيدنا إشارة وليامز، على قِصرها، بأن نرى الصعوبة الجمّة عندما نريد أن نحدّد هذا المصطلح في التداول العربي، نظراً إلى أنّ هذا المصطلح هو مصطلح استعمل حديثاً، خاصّة منذ ظهور الاستشراق عربياً، وشيوع الكتابات حول التراث منذ عصر النهضة، فالمطّلع على الكتابات الدينية والفلسفية والأدبية القديمة، يجد أنّ أسلافنا كانوا يستخدمون، عندما يتكلمون عمّن سبقهم، بـ"علوم الأوائل"، "الأقدمين"، "السلف"، وغيرها من المفاهيم الرائجة تراثيّاً.

ولأنّ البحث الفيلولوجي عن ماهية التراث، يخرج بنا عمّا تحتاجه وترومه هذه المقالة، فإنّنا سنركز، بالأساس، مكتفين بالإشارة السابقة، على صعود الاهتمام الاستشراقي أولاً، والعربي ثانياً، بما يسمّى التراث العربي أو التراث الإسلامي؛ لأنّ البحث في، أو البحث عن، التراث ما يزال رائجاً عربياً، لم ينتهِ، منذ النهضة العربية وحتى اليوم.

التراث كـ"موضوع" للدراسة

رغم المعرفة الاستشراقية القديمة بالحضارة العربية والإسلامية، إلا أنّ الاهتمام بعلوم هذه الحضارة وتراثها، ازداد بشكلٍ جليّ منذ القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، وحتى يومنا هذا، اللهمّ إلا أنّه في ثوب جديد نوعاً ما [2]. كانت المعرفة الاستشراقية التي تُبنى حول الآخر، الذي هو هنا التراث الإسلامي، متفاوتة، وتختلف من تيار استشراقيّ إلى تيار استشراقي آخر، ورغم ما قدّمته المعرفة الاستشراقية من دراسات جادة حول الإسلام وعلومه وتراثه، بيد أنّ هذه المعرفة كانت تدخل ضمن "خطاب" الغرب عن الآخر الإسلامي؛ لمعرفته والتحكم فيه، فالمعرفة لا تنفصل عن القوة، أي من يملك المعرفة هو الذي يملك القوة؛ قوة التحكم في الآخر المدروس، لقد تحوّل التراث الإسلامي إلى "شيء مادّي" للدراسة، لمدروس ما، لمجموعة من "النصوص" أو "الوثائق"، التي تدلّ على ثقافة أمّة بعينها، في مراحل تاريخية معينة.

البحث في التراث وعن التراث ما يزال رائجاً عربياً لم ينتهِ منذ النهضة العربية وحتى اليوم

أعتقدُ أنّه كان على الاستشراق أن ينشئ، أو أن يفصِل، بين "تراثات" الأنا والآخر، فالانطلاق من التعريف الأوروبي لنفسه، كغرب منفصل عن بقيّة العالم، غير الداخلة في تاريخ اللوجوس، حتّم -بشكلٍ ما- إنشاء شيءٍ يسمّى "التراث الإسلامي"، منفصلاً انفصالاً عضوياً عن "التراث الغربي"؛ الذي هو اليونان بشكلٍ أساسي.

لكن، كانت عملية صنع التراث الإسلامي من قبل المتخيّل الاستشراقي تنطوي على إستراتيجيّتين لا بدّ من إيضاحهما:

الإستراتيجية الأولى، ويمكن تسميتها "إستراتيجية الدمج"؛ هي عدّ "التراث الإسلامي"، بالمعنى الواسع، ليس سوى تراث هجين من قبل التراثات التي سبقته، كأن يكون الفقه الإسلامي ليس سوى هجين روماني قديم [3]، أو أنّ البلاغة وافد يوناني على الحضارة العربية، أو أنّ الفلسفة الإسلامية ليست سوى فلسفة يونانية بلسان عربي، غير مبين.

تهجين التراث الإسلامي وفصله عن التراثات الأخرى ليس سوى موقف ناجم عن مركزية أوروبية متشنجة

الإستراتيجية الثانية، ويمكن تسميتها "إستراتيجية الفصل": وهي عدّ التراث الإسلامي خارجاً عن تاريخ اللوغوس الأوروبيّ، وهذا ما يمهّد من إضفاء أحكام مركزية وجوهرانيّة على هذا التراث، كأنّه تراث همجيّ، وغير ديمقراطيّ، ولا يعترف بحريّة الإنسان، إلى آخر الأحكام الناتجة عن بعض تيارات الاستشراق في صورتها المتوحشة، والأكثر يمينيّة، كبرنارد لويس ومدرسته.

ورغم ما يبدو بين الإستراتيجيتين من تناقض؛ أي بين دمجٍ وفصل، غير أنهما ملتحمان جوهريّاً؛ حيث يتمّ دمج التراث الإسلامي ضمن تراثات أخرى، وإفقاده أيّة أصالة يتمتع بها، مع فصله، في الوقت ذاته، عن تراث واحد ووحيد يقبله الغرب؛ ألا وهو التراث اليوناني؛ الذي مرّ عبر تراث وسيط، وهو التراث الإسلامي، لنشوء ما نسميه اليوم "الحداثة الغربيّة".

يتضح من الإستراتيجيتين السابقتين؛ أنّ تهجين التراث الإسلامي وفصله عن التراثات الأخرى، ليس سوى موقف ناجم عن مركزية أوروبية متشنجة. وهنا يختلط المعرفي بالأيديولوجي؛ لأنّ لا معرفة دون تحيّزات داخلها، ودون "خطاب" ينشئه الغير عن الآخر، يضمر فيه تصوّراً ما لنفسه ولغيره.

يمكننا القول، بالاعتماد على دراسة الراحل إدوارد سعيد عن الاستشراق: إنّه لا يمكن فهم ما صنعه الاستشراق حول ما يسمّى التراث الإسلامي، إلا في ضوء نزع المشترك الإنسانيّ في المعرفة والحضارة الإنسانيتين، وإلغاء خطوط التواصل، للتأكيد على المركزية الأوروبية؛ فصناعة شيء مستقل اسمه "تراث إسلامي، أو تراث صيني، أو تراث هندي، ...إلخ"، ليس إلّا تأكيداً على "غربنة الغرب"، و"شرقنة الشرق"، أي التأكيد على "التمايزات المعيارية" بين جملة المعرفة البشريّة التي أنتجها كلّ تراث من ناحيته، ورؤاه المعرفية وموقفه الأنطولوجي [4].

اقرأ أيضاً: الحرب الباردة ما بعد الاستعماريّة: كيف نفهم العلاقات الصينيّة-الأمريكيّة؟

فليس كما يروّج البعض، ومنهم الغرباوي هاشم صالح في مقالة مطولة له تحت عنوان "الاستشراق وأرخنة التراث[5]"؛ بأنّ المستشرقين طبقوا المناهج التاريخية وغيرها على الإسلام؛ لأنهم كانوا يريدون فهم المسيحية، وينجرف هاشم صالح، بلهجة مقوصة وشديدة الليبرالية، ليلغي الخيط المشترك بين المعرفة والسلطة، كما يطرح ميشيل فوكو وإدوارد سعيد، ليؤكد أنه في نيّته أن يؤلّف كتاباً عن "مزايا الاستشراق" لولا عدم تفرغه.

صحيح أنّه ما من أحد يريد أن يلغي محاسن أو مزايا الاستشراق من الدراسات الجادة، التي قام بها العقل الاستشراقي، لكنّنا، في الأساس، نحاول أن نقرأ ما وراء الاستشراق؛ من المضمَر، والمتخيّل، والخطابات التي صنعها الاستشراق حول الإسلام وتراثه، وذلك لن يكون إلا بفهم ماهية الاستشراق بالتخلّي عن التعريف الكلاسيكي، والبريء حقيقة، للاستشراق، بكونه "دراسة العالم الغربي للشرق"، وبإدخال المعرفي في الأيديولوجي، وإنشاء مفهوم أكثر تركيباً للاستشراق، كما فعل الراحل إدوارد سعيد، في كتابه "الاستشراق"، وهشام جعيط كما سآتي على ذكره.

ابن رشد المتخيل

بالانتقال إلى الإنتاج العربي حول "التراث العربي و/ أو الإسلامي"، نلحظ أنّ هذا التأليف انطلق منذ عصر النهضة العربي، منطلقاً من سؤال حول تقدّم الغرب وتأخر المسلمين. بادئ ذي بدئ، لا بدّ من القول، وذلك كما يشير المفكّر التونسي، هشام جعيط، في كتابه "أزمة الثقافة الإسلامية" [6] (2000م): إنّ السؤال الذي طرحه شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ هو سؤال غير صحيح بالأساس، لكن رغم عدم صحته من وجهة نظر جعيط، إلا أنّه ههنا حكم معياري، وإذا انتقلنا إلى الحكم التاريخي، فسنجدُ أنّ هذا هو السؤال المُضمر الذي وجّه جلّ التأليف النهضوي العربي.

اقرأ أيضاً: تحوّلات الإصلاح الإسلاميّ: من الدين إلى الدولة

كانت النهضة العربية بالأساس نهضة نيوكلاسيكية، أي محاولة للعودة إلى الأصول النقية، دون الالتفات إلى "بعض" التجربة الإسلامية، والتركيز على "بعضها" الآخر، أو بمعنى آخر؛ إنّ النهضة العربية كانت أيضاً محاولة لتصفية حساب مبكرة مع التراث الإسلامي، وذلك بإبراز "النواحي العقلانية" في هذا التراث، لمواجهة الغرب الاستشراقي والاستعماري أيضاً، فقد صحا العرب على مدفع نابليون وعلى وقع صرير أقلام مستشرقيه، ولا بدّ من التساؤل حول: ما الدافع الذي جعل النهضويّين ومَن بعدهم يعتقدون أن المشكلة كلّها في "تراثهم"؟

استمرت تصفية العقل العربي مع التراث حتى نشأت ما صرنا نطلق عليها اليوم "مشروعات نقد التراث"

واستمراراً في قراءة التراث، التي انطلقت نهضويّاً من قبل الباحثين والمفكّرين العرب؛ تمّ العمل على الجوانب العقلانية في التراث، وبالأساس تمّ النقاش حول ابن رشد، بوصفه آخر وأهمّ ممثل للمنزع العقلاني في الإسلام. وبالطبع؛ تمّ الاحتراب حول ابن رشد بين الخطاب الاستشراقيّ (رينان)، والخطاب النهضوي (محمد عبده)، وهذا الاحتراب، في جوهره، هو استلاب لابن رشد: هل ابن رشد مفكّر هجين أصله يوناني، أرسطي بالتحديد؛ أم هو متفلسف مسلم ينتمي للثقافة العربية الإسلامية؟

لقد تم الإعلاء من شأن ابن رشد، بوصفه صاحب الثورة العقلانية في الإسلام، لدرجة أنّ مفكراً عربياً كأدونيس، يقول في كتابه "فاتحة لنهاية قرن"[7]: إنّ ابن رشد هو أوّل "علماني في الإسلام"، وهي قراءة مزيفة تؤدلج خطاب ابن رشد، الذي لا ننسى أنه كان فقيهاً، وتهجنه، وتفرض عليه ذات القائل.

استمرت تصفية العقل العربي مع التراث، حتى نشأت ما صرنا نطلق عليها اليوم "مشروعات نقد التراث"، نتكلّم بشكل أساسي عن مشروع المغربي محمد عابد الجابري، ومشروع المصريّ حسن حنفي، واللبناني حسين مروة، والسوري أدونيس، وغيرها من المشروعات الكثيرة.

اقرأ أيضاً: إرهاب البلاغة: لماذا علينا ألّا نقع في هوى السلطة؟

إنّ كلّ المشروعات، التي نسمّيها "نقد وقراءة التراث"، ليست سوى انخراط في أفق الأسئلة الأولى للنهضويين العرب، رغم إعلانها ونقدها وزجرها للإصلاحية الأولى، إصلاحية الآباء، رفاعة وعبده، ورغم رغبتها الجامحة في الخروج على هذا البراديغم، الذي دشّنه عبده بالتوفيق بين الإسلام والغرب. وصحيح أنّ بعض هذه المشروعات أرادت الخروج من هذه التوفيقة التي تسمّ المعرفة العربية الحديثة، وذلك إمّا بتزييف الإشكالية، أو بالانطلاق أكثر نحو الغرب، أو الانطلاق أكثر نحو الإسلام، بات الإسلام مستلباً بين الغرب والتراث.

ما أريد أن أوضّحه بشكلٍ أساسي حول هذه المشروعات؛ أنّها استكمال للمسيرة التي انتُهجت منذ القرن التاسع عشر حول التراث والحداثة، حتى وإن نقدت الاستشراق، فجلّ المفكرين العرب المعنيّين بقراءة التراث قدّموا نقداً للمعرفة الاستشراقية، من حسن حنفي إلى محمد أركون.

ويمكن أن نتفحّص هنا ما كتبه المفكر المصري، حسن حنفي، حول الاستشراق وأخطائه، وتصوّر حنفي لإنشاء "علم استغراب" كرد عربي على مؤسسة الاستشراق، وذلك في كتابه "التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم"، وهو بمثابة المانيفستو لمشروع حسن حنفي، والمدخل إليه، وفهم أراضي هذا المشروع.

كلّ المشروعات التي نسمّيها "نقد وقراءة التراث" ليست سوى انخراط في أفق الأسئلة الأولى للنهضويين العرب

في الفصل الثالث من الكتاب؛ يناقش حسن حنفي أزمة مناهج الدراسات الإسلامية، المتمثلة في الانفصال الحادث بين شخصية الباحث المسلم وموضوع البحث؛ فالتراث قضية وطنية، وهو قضية شخصية للباحث في ذات الوقت؛ لأنه ينتمي إلى هذا التراث فكراً ولغةً وتاريخاً، لهذا يُلاحظ حنفي أن الخطأ في الحكم النهائي ناتج عن خطأ مبدئي في المنهج المتَّبع، خاصة إن كان موضوع البحث في داخله منهجاً بذاته، والباحث يتعامل معه بمنهج خارجي عنه، وهذا ما أدّى إلى شيوع النزعة (العلمية/ الأكاديمية) عند الباحثين من المستشرقين، وشيوع النزعة (الخطابية) عند الباحثين من المسلمين.

وبالنسبة إلى النزعة العلمية التي تسود دراسات المستشرقين؛ يرى حنفي أنّ أزمتها بالأساس هي التصور (المادي) للظاهرات على مستوى العلوم الإسلامية، التي قامت في التاريخ الإسلامي.

بمعنى؛ أنّ المستشرق يدرس التاريخ كتاريخ خالص، مكوّن من شخصيات وأنظمة اجتماعية تاريخية محضة، وبهذا تنقطع الظاهرة عن طابعها المثالي المستمد من الوحي ابتداءً، وعن الواقع الذي هو أساسها.

ويفسّر حنفي فشل الدراسات الاستشراقية بعدة أسباب:

- أنّ جلّ المستشرقين لا يؤمنون بالوحي الإسلامي، فيدرسون الظاهرة منفصلة عن أصلها الإسلامي الذي هو الوحي.

- عدم تخصّص المستشرق في مجال بحثه.

- بسبب النشأة الأوروبية للمستشرقين ذاتهم، فالفكر الأوروبي مرّ بتطورات معينة حتمت ظروفاً تاريخية مغايرة.

لذلك؛ يرى حسن حنفي أنّ دراسات المستشرقين ما هي إلا "موضوعات دراسة"، وليست "دراسة موضوعات"، بمعنى؛ أنّه لا ينبغي أن نتخذ الدراسات الاستشراقية كدراسة مسلَّم بها؛ بل ينبغي التثبت من مصادرها تاريخياً وعلمياً.

وفي كلام طويل؛ تعرّض لمناهج المستشرقين الأربعة (المنهج التاريخي، والتحليلي، منهج الإسقاط، ومنهج الأثر والتأثر)، وقد أفرد شرحاً طويلاً لـ"المنهج التاريخي"، بكلام مهمّ لا يمكن اختصاره.

جلّ المفكرين العرب المعنيّين بقراءة التراث قدّموا نقداً للمعرفة الاستشراقية من حسن حنفي إلى أركون

ففي هذا الفصل؛ نقد مهمّ للمناهج السائدة، يعطي خلفية عن منهجية حنفي في التعاطي مع التراث.

أما بالنسبة إلى الباحثين المسلمين، الذين غلبت منهجهم النزعة الخطابية؛ فذلك ليس إلا لأنّ منهجهم ناتج عن أزمة أكثر من صدوره عن موقف فكري أصيل، ويعترف حنفي بأنّ هذا الاتجاه، وإن كان يعطي الأولوية للوحي على التاريخ بخلاف المستشرقين، إلا أنّه اتجاه ساذج يعبّر عن مراهقة فكرية أوقعته في مشكلات عدة:

- التكرار وتحصيل الحاصل؛ وهو تكرار مضمون النصوص المدروسة.

- التقريظ أو الدفاع؛ فهو يقبل الموضوع، ويسلّم به، ويبرّره، دون وضعه موضع سؤال.

- الجدل والمهاترات؛ وهذا ينتج عن التسليم للموضوع، تقريظاً ودفاعاً، فيجعل الباحث يهاجم كلّ من خالفه.

- الحدس قصير المدى؛ القائم على بديهيات معروفة.

صناعة خطاب شرقي عن الغرب بصورة مؤسسية لن ينتج سوى تخيّلات شرقية عن الغرب

ينتهي حنفي، بالنسبة إلى منهج المسلمين من الباحثين، إلى أنه أيضاً "موضوعات دراسة"، لا "دراسة موضوعات”، وإذا كان خطأ النعرة العلمية عند المستشرقين أنها تعرف (كيف تقول؟)، دون أن تعرف (ماذا تقول؟)؛ فإنّ خطأ النعرة الخطابية عند المسلمين؛ أنها تعرف (ماذا تقول؟)، لكنّها لا تعرف (كيف تقول؟)، و"التراث والتجديد" هو الذي يتفادى الخطأين؛ بمعرفة ماذا يقول (التراث) ومعرفة كيف يقول (التجديد).

هكذا ينتهي حسن حنفي، بعد أن وصّف التيارين اللذين تعرضا للتراث العربي والإسلامي، لكن هل نجا صاحب مشروع "التراث والتجديد" وصاحب "لاهوت التحرر"؟ لقد حاول حنفي أن يؤسّس "معرفة شرقية بالغرب"، وهو ما أسماه "علم الاستغراب"، الذي أصدر بشأنه كتاباً تحت المسمى ذاته.

ليست المشكلة، في رأيي، في صناعة علم استغراب مقابل الاستشراق؛ فصناعة خطاب شرقي عن الغرب بصورة مؤسسية، لن ينتج سوى تخيّلات شرقية عن الغرب، كما صُنعت تخيلات استشراقية وغربية عن الشرق، بالتالي؛ ستحصل نزعة أخرى لن تكون أقلّ سوءاً من الاستشراق، فالاستغراب هو الاستشراق.

ما أجادل فيه؛ هو أنّ مشروعات قراءة التراث ونقده، وإن كانت قد تعرضت للاستشراق بالنقد، إلا أنها ليست سوى محاولة مضادة للاستشراق؛ أي أنّها التزمت بالموضوع (التراث)، باعتباره المدخل إلى التجديد، وإلى الحداثة.

اقرأ أيضاً: الصراع على الإسلام.. من الاستشراق إلى الجهادية الإسلامية

ثمّ ماذا بعد؟ "إنّ المفكرين العرب أبّنوا التراث دون أيّة قدرة على الحداد" يقول المفكّر التونسيّ فتحي المسكيني.


هوامش:

[1] رايموند وليامز، الكلمات المفاتيح، ت. نعيمان عثمان، المركز القومي للترجمة، مصطلح "تراث".

[2] انظر: الصراع على الإسلام: من الاستشراق إلى الجهاديّة الإسلاميّة.

[3] انظر: وائل حلاق، ما هي الشريعة؟، ت. طارق عثمان، مركز نماء للأبحاث والدراسات.

[4] إدوارد سعيد، الاستشراق، ت. محمد عناني، دار رؤية.

[5] الاستشراق وأرخنة التراث - هاشم صالح.

[6] هشام جعيط، أزمة الثقافة العربيّة، دار الطليعة، ٢٠٠٠.

[7] أدونيس، فاتحة لنهاية قرن، دار النهار.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



من سيربح في حرب الديمقراطية؟

2020-02-20

أثناء حصار لينينغراد، في الحرب العالمية الثانية، كان فلاديميروفيتش يقاتل في الخطوط الأمامية عندما حصل على إجازة لمدة 24 ساعة للعودة إلى بيته. وهو يسير في الشارع شاهد كومة من الجثث، وكان منظراً شائعاً وقتها، فتعرَّف على زوجته وأخذ يصرخ: "هذه زوجتي، هذه زوجتي، أريد زوجتي." سُحبت زوجته من بين الجثث وأخذها إلى البيت وأجرى لها إنعاشاً فاستعادت صحتها وفي عام 1952 أنجبت ماريا إيفانوفنا طفلها فلاديمير بوتين. تُعلق هيلاري كلينتون بأنّ هذه الحادثة أثَّرت على شخصية فلاديمير بوتين إلى درجة أصبح يتصور نفسه المخلِّص وأنّ روسيا جثة يسحبها من تحت ركام التاريخ.

انتقام بوتين
يمكن أن ننظر إلى تدخل بوتين في سوريا من خلال هذا الجانب، لكنه هنا لا ينفخ الروح في الجثث. الحقيقة يمكن فهم تدخل بوتين في سوريا وتحالفه مع الأنظمة الديكتاتورية- إيران، كوريا الشمالية، بشار الأسد وأردوغان- من زاوية أهم وهي عداؤه للديمقراطية. وبوتين لا يكتفي بدعم الأنظمة الديكتاتورية فحسب وإنما يعمل على زعزعة الأنظمة الديمقراطية، ودعمه لدونالد ترامب يأتي على هذا الأساس.

يوضح التقرير السنوي لمجلة الإيكونوميست لعام 2016 التَّردي الذي بلغته الديمقراطية في 72 دولة؛ فالديمقراطية تعاني من أزمة

الحرب التي يخوضها بوتين هي حرب على الديمقراطية، والأطراف الديمقراطية لا يمكن أن تجاري بوتين في ميدانه، لأسباب عديدة أهمها أنّ الغرب الديمقراطي نفسه يعاني من تراجع في الديمقراطية. وصعود القوى اليمينية الشعبوية مؤشر على هذا التراجع. فالنظام الديمقراطي، كما يذهب علي الدين هلال في كتابه "الانتقال إلى الديمقراطية"، عالم المعرفة، كانون الأول 2019، "ليس مجرد فاعلين وانتخابات.. بل مدى تمثيل هؤلاء للمصالح الاجتماعية وقدرتهم على تحسين ظروف الحياة لأكبر عدد من الناس". والديمقراطية، كما كتب: "تنهض بجناحين: جناح إجرائي يتعلق بالترتيبات والمؤسسات الانتخابية ونزاهتها، وجناح موضوعي يتصل بنوعية الحكم وجودته ومضمون السياسات العامة وتمكين المجتمع".

أزمة الديمقراطية
يوضح التقرير السنوي لمجلة الإيكونوميست لعام 2016 التَّردي الذي بلغته الديمقراطية في 72 دولة. والنتيجة أنّ الديمقراطية تعاني من أزمة ومن مظاهرها، كما جاء في كتاب هلال: "انخفاض المشاركة في الانتخابات العامة، وتراجع عضوية الأحزاب والنقابات، وتدهور هيبة السياسيين ومكانتهم في المجتمع، وضعف الانتماء الحزبي، وعدم الثقة في المؤسسات العامة، وازدياد الشعور بأنّ السياسة هي نشاط يتسم بالخداع وخدمة المصالح الشخصية".

اقرأ أيضاً: هل يمكن لبوتين أن يُضحي بأردوغان؟

ملامح هذه الأزمة كان قد رصدها ديفيد غريبر في كتابه "مشروع الديمقراطية- التاريخ، الأزمة، الحركة"، عالم المعرفة، تشرين الثاني 2014. "حيث لا يُكلف نصف الأمريكيين أنفسهم عناء التصويت على أي نحو". ويذهب في تشخيص أزمة الديمقراطية في أمريكا إلى أنّ رؤساء مثل جورج واشنطن كانوا "يعارضون الديمقراطية صراحة" وأن ماديسون وهاميلتون وآدامز "كتبوا صراحة أنّهم يرغبون في إنشاء نظام بوسعه تجنب أخطار الديمقراطية والسيطرة عليها".

بوتين لا يكتفي بدعم الأنظمة الديكتاتورية فحسب وإنما يعمل على زعزعة الأنظمة الديمقراطية، ودعمه لترامب يأتي على هذا الأساس

وعن هذه الأزمة تحدث يورغ سورنسن في كتابه "إعادة النظر في النظام الدولي الجديد" عالم المعرفة كانون الثاني 2020، قائلاً بأنّ الديمقراطيات الليبرالية تمر اليوم "بدرجة غير مسبوقة من التأزم، على المستويين؛ المحلي والدولي، من حيث الممارسات المرصودة ومن حيث القيم والغايات المنشودة. ويخلص إلى واقع "هشاشة جميع الدول المتخلفة والمتقدمة على حد سواء". وإلى نتيجتين محتملتين حول مستقبل الأنظمة الديمقراطية، الأولى متفائلة والأخرى تحذر من احتمالات انهيارها. وهذه كلها نقاط تسهم في تعزيز كفة مناهضي الديمقراطية.

سياسة التدابير النشطة
يشير مصطلح "التدابير الفعالة" إلى أعمال الحرب السياسية التي تقوم بها أجهزة الأمن السوفييتية سابقاً والروسية حالياً، (OGPU،NKVD ،KGB ، FSB) للتأثير على مجريات الأحداث العالمية. وتتنوع هذه الإجراءات والتدابير بداية من التلاعب بوسائل الإعلام والمعلومات المضللة والدعاية وتزوير الوثائق الرسمية... إلى الأعمال الخاصة التي تنطوي على درجات مختلفة من العنف والاغتيالات.

يذهب ديفيد غريبر في تشخيص أزمة الديمقراطية بأمريكا إلى أنّ رؤساء مثل جورج واشنطن كانوا يعارضون الديمقراطية صراحة

صعود بوتين إلى السلطة تم عبر هذه الرافعة من الإجراءات. ففي أواخر أعوام يلتسين، الذي فقد السيطرة على مفاصل الدولة، كان بوتين مديراً لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وهي الوكالة التي حلت محل الـ KGB. في تلك الفترة، عام 1999، حدثت سلسلة من التفجيرات الإرهابية دفعت بالشعب الروسي إلى البحث عن قائد أو مخلص، وهو ما ساعد بوتين في الفوز بالانتخابات الرئاسية، وتذهب الشواهد والاستنتاجات اللاحقة ونوع المتفجرات المستعملة إلى أنّ التفجيرات قامت بها الاستخبارات.

لكن هذه الإجراءات أو "التدابير الفعالة" ليست حكراً على روسيا فهي تمَارس في مختلف دول العالم "الديمقراطية"، ومنذ زمن أقدم. فعلى سبيل المثال يبحث الصحفي جون بيلجر والمخرج كريس مارتن في الفيلم الوثائقي "الحرب على الديمقراطية" 2007، دور واشنطن في التلاعب الأمريكي في سياسة أمريكا اللاتينية خلال الأعوام الخمسين الماضية. ويكشف الفيلم عن سياسات مماثلة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في العراق وإيران ولبنان.

وجوه متعددة لعقلية واحدة
بعد انتهاء ولاية بوتين الرئاسية الثانية تحايل على الدستور بأن عين ميدفيديف رئيساً وشغَل هو منصب رئيس الوزراء ثم عاد رئيساً بعد انتهاء ولاية ميدفيديف، وبأسلوب مشابه لتحايل أردوغان على الدستور العلماني ليظل في السلطة كرئيس بدلاً عن منصب رئيس الوزراء. أردوغان نسخة أخرى من بوتين، وبشار الأسد أتى إلى الحكم خلفاً لوالده عبر تعديل دستوري مفصل له شخصياً وهكذا أتى كيم خلفاً لوالده في كوريا الشمالية. وأغلب هؤلاء يمقتون الديمقراطية لكنهم مضطرون للتعامل معها كشكل لا كمضمون.

ديفيد غريبر: ماديسون وهاميلتون وآدامز كتبوا صراحة أنّهم يرغبون في إنشاء نظام بوسعه تجنب أخطار الديمقراطية والسيطرة عليها

تحت قيادة بوتين، أحرزت روسيا نتائج سيئة في مؤشر الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية وشهدت تراجعاً في الديمقراطية. وفقاً لمؤشر فريدَم هاوس للحرية في العالم، سجلت عام 2017 رقماً قياسياً هو الأسوأ منذ عهد الاتحاد السوفيتي: 20/100. ويستشهد الخبراء بسجن المعارضين واغتيالهم، وتقليص حرية الصحافة، وغياب انتخابات حرة ونزيهة. وقد اتهمت منظمات حقوق الإنسان والناشطين بوتين باضطهاد الصحفيين والنشطاء السياسيين، فضلاً عن الأمر بتعذيبهم أو اغتيالهم.

بوتين يمقت الديمقراطية وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يتجاوز الدستور ويريد شرعية دستورية تمكّنه من النظر في عيون نظرائه الأوروبيين بلسان حال يقول: أنا أيضاً أتيت عبر انتخابات ديمقراطية! وأردوغان يحلم باستعادة أمجاد الخلافة العثمانية، وهكذا تداس الديمقراطية تحت أقدام قادة يحلمون باستعادة أمجاد أو أوهام تجاوزتها الملكيات التاريخية- التي تحولت إلى ملكيات دستورية ديمقراطية- بينما ظلت عالقة في أذهان جيل من القادة مدفوعين بالغرور والحقد والطموح إلى استعادة الماضي بمنطق "بيت الطاعة"!

شكل آخر للقوة الناعمة
حرب ترامب على الديمقراطية والحريات الصحفية تُرجح كفة بوتين حتى الآن، فهل سيقوض أمريكا مثلما قوضت هذه الأخيرة الاتحاد السوفييتي، دون أن تطلق رصاصة واحدة؟ وهل سيكون دونالد ترامب المرادف الأمريكي لميخائيل غورباتشوف؟

اقرأ أيضاً: عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

يقدم الفيلم الوثائقي (التدابير النشطة Active Measures )،2018، العديد من الشواهد على تورط روسيا/بوتين في دعم ترامب في الانتخابات الأمريكية ويذهب إلى أنّ هذا الدعم تم منذ وقت مبكر؛ يوم أنقذ بوتين ترامب من الإفلاس ودعمته عبر عمليات غسيل الأموال الهائلة التي يتزعمها بوتين نفسه وتدر عليه مليارات الدولارات إلى الحد الذي جعلته من أغنى رجال العالم. ارتماء ترامب في حضن بوتين وصل إلى حد يصفه البعض بأنّه "دمية بوتين".

اقرأ أيضاً: البوتينية والترامبية في وطن عربي ممزق

ويوصف اختراق روسيا للانتخابات الأمريكية بأنه أكبر عملية اختراق في التاريخ، والأهم أنّ أمريكا والأنظمة الديمقراطية الأخرى لا تملك وسيلة حماية حتى اليوم من أي اختراق قادم. وفي المقابل لا يمكن لأمريكا ولا لأوروبا استعمال هذا السلاح مع روسيا؛ فهي نظام غير ديمقراطي في الأساس.

أردوغان أيضاً يحلم باستعادة أمجاد الخلافة العثمانية، هكذا تداس الديمقراطية تحت أقدام قادة يحلمون باستعادة أوهام تجاوزتها الملكيات التاريخية

في الفيلم الوثائقي تقول الدكتورة ألينا بولياكوفا، زميلة السياسة الخارجية في معهد بروكينجز، "يدرك الروس الفرق الهائل في موازين القوة التقليدية بين أمريكا وروسيا، ولكي يعادلوا هذا الميزان يخوضون حرباً من نوع آخر. وإحدى الطرق لفعل ذلك هو استثمار إجراءات أقل كلفة في محاولة لإضعاف المؤسسات الغربية وتقويض الديمقراطيات بدلا من إرسال الدبابات".

الاختراق الروسي للانتخابات الأمريكية هو أيضاً موضوع الفيلم الوثائقي (انتقام بوتين Putin's Revenge) الذي بثته قناة فرونت لاين في 2017، ويبحث الفيلم في سؤالين: لماذا يرى فلاديمير بوتين في أمريكا وهيلاري كلينتون عدوين؟ ولماذا قرر استهداف الانتخابات الأمريكية؟ ويصف الفيلم مدى التدخل الروسي عبر بوابة الانترنت والتدابير الفعالة، ويُظهر مدى تصميم بوتين على تدمير أمريكا وتقويض أهم عنصر فيها وهو الديمقراطية. هي حرب حول الديمقراطية بوسائل تقنية حديثة صنعتها في الأساس آلة الحداثة الغربية. وروسيا بهذا تحارب الغرب بسلاحه. ولأنّ أمريكا لا يمكنها استعمال السلاح نفسه فلا يُستبعد أن تقود حرب الاختراقات التقنية إلى حرب تقليدية، وربما إلى حرب بيولوجية كما يذهب بعض المحللين في سياق الحديث عن فيروس كورونا.

الغزو التقني
الاختراق التقني الذي يتم بإنشاء منصات على وسائل التواصل الاجتماعي بأسماء مستعارة بقصد دعم مرشح وتشويه سمعة المرشح المنافس هو شكل من أشكال الإرهاب وهو تهديد لا يقل خطورة عن اختراق الهاكرز للمنظومة الأمنية. ومن منظور المعايير الأمريكية لمصادر التهديد الحقيقية أو المحتملة فإنّ روسيا تمثل مصدر تهديد للقيم الديمقراطية التي تستدعي التدخل العسكري للدفاع عنها. لكن روسيا ليست العراق أو أفغانستان حتى يمكن التدخل في شؤونها عسكرياً بحجة نشر الديمقراطية أو الدفاع عنها، أو حتى لدواعي الدفاع عن النفس إزاء تهديد حقيقي يمكن تسميته بالغزو أو الإرهاب التقني. أمريكا نفسها تخوض مثل هذه المعارك في مناطق مختلفة من العالم بحجة الدفاع عن الديمقراطية. والمفارقة أنّ جميع التدخلات العسكرية والسياسية التي قامت بها أمريكا في مناطق مختلفة من العالم لم تكن للدفاع عن الديمقراطية إلا في الظاهر بينما كانت تخفي أهدافاً أخرى، أما في صراعها مع روسيا فيبدو أنّها لن تستطيع أن تستعمل السلاح الذي طالما أجادت استعماله. وهذا يقودنا إلى انتظار ما ستؤول إليه نتائج الحرب على الديمقراطية.

للمشاركة:

كيف أثرت أحداث "الربيع العربي" في الخطاب الديني؟

2020-02-19

تم بناء هذا المقال على فرضية تهمُّ الخطاب الديني في المنطقة العربية بالتحديد، وتفيد بأنّ أحداث "الربيع العربي"، التي اندلعت في كانون الثاني (يناير) 2011، ساهمت في إحداث تحولات لدى الفاعلين في الخطاب الديني.
ونقصد بالخطاب الديني في هذا السياق، كُلّ الفاعلين الدينيين؛ سواءً تعلّق الأمر بأداء المؤسسات الدينية التابعة للدولة الوطنية، أو بالمؤسسات المعنية بصياغة السياسات العامة المرتبطة بالحقل الديني لدول المنطقة، أو الخطاب الديني المُجسّد في الطرق الصوفية؛ أي المشروع الإسلامي الحركي بتفرّعاته الثلاثة؛ الدعوية والسياسية والقتالية، كتنظيم القاعدة وجبهة النصرة وتنظيم داعش.
التحولات في خطاب المؤسسات الدينية
انطلاقاً من التحولات التي عرفها خطاب المؤسسات الدينية، نستحضر المستجدات التي مرت بها أغلب هذه المؤسسات؛ والتي كان أبرزها ما عرفته مؤسسة الأزهر الشريف في مصر، على هامش أحداث "الربيع المصري"، وتحديداً ما سُميّ بـ "وثائق الأزهر"، حيث أُصدِرت 3 وثائق أساسية؛ "وثيقة مستقبل مصر" يوم 19 حزيران (يونيو) 2011 و"وثيقة الأزهر بخصوص الربيع العربي"، يوم 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، و"وثيقة منظومة الحريات الأساسية"، يوم 8 كانون الثاني (يناير) 2012، هذا بصرف النظر عن السجال الخطابي المباشر الذي جرى مؤخراً بين إمام الأزهر ورئيس جامعة القاهرة، على هامش الخوض في موضوع تجديد الخطاب الديني؛ إذ يفيد هذا السجال بأنّ الانتقال نحو محطة مراجعات حقيقية في عقر المؤسسة الدينية لا يزال بعيد المنال، ولن يتم بين ليلة وضحاها.
التحولات في خطاب حركات الإسلام السياسي
مثلّت أحداث "الربيع العربي" فرصة للحركات الإسلامية، وخاصة حركات "الإسلام السياسي"، لاختبار أطروحة "ما بعد الإسلاموية" التي سطرها الباحث الإيراني آصف بيات قبل عام 2011، بالموازاة مع حديث الباحث الفرنسي أوليفيه روا عن "فشل الإسلام السياسي"، وثلاثية؛ "البيان الدعوي"، "الأخطاء الستة للحركات الإسلامية" و"الفطرية"، للباحث والداعية المغربية فريد الأنصاري.

كان حزب العدالة والتنمية المغربي متواضعاً مقارنة مع الآمال التي عُلّقت عليه قبل أحداث الربيع العربي

وصدرت توقعات هذا الثلاثي؛ الإيراني والفرنسي والمغربي، وتوقعات أخرى بالطبع، قبل أحداث "الربيع العربي"، حيث كان على الباحثين والمتتبعين لأداء المشروع الإسلامي الحركي، انتظار أداء الإسلاميين المشاركين في العمل السياسي بعد اندلاع الأحداث، وفوز الأحزاب الإسلامية في انتخابات ما بعد 2011، لمعاينة المعالم الكبرى لأداء الإسلاميين المنخرطين في العمل السياسي والحكومي، بالصيغة التي عاينوها في عدة نماذج، نذكر منها ما جرى في المغرب وتونس وفرنسا.
واتضح في المغرب، أنّ أداء حزب "العدالة والتنمية" كان متواضعاً، مقارنة بالآمال التي عُلّقت عليه قبل اندلاع أحداث "الربيع العربي"، بل ساهمت مواقف الحزب ومعه حركة "التوحيد والإصلاح" الإخوانية، الموالية له في المجال الدعوي، في تسليط الضوء على النسخة المغربية لخطاب العلمانية، التي تؤكد ضرورة إبقاء تدبير الشأن الديني للمؤسسة الملكية، متمثلة في مؤسسة "إمارة المؤمنين"، مع إبعاد الفرقاء الإسلاميين والحداثيين عن المسألة، أو من خلال مساهمتهما النسبية في حدود مُسطرة سلفاً.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: حكومة العدالة والتنمية أصدرت أسوأ القرارات وأشدها إيلاماً
أمّا في تونس، فقد وصلت تعقيدات الأمر حدّ إعلان قيادات حركة النهضة الإسلامية ضرورة التفكير في إحداث قطيعة نظرية بين العمل الدعوي والعمل السياسي، على أمل ترجمة هذه القطيعة على أرض الواقع لاحقاً، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الحديث عن الفصل بين العمل الدعوي والعمل السياسي عند الحركات الإسلامية المنخرطة في العمل السياسي، ليس واقعاً لا يرتفع، وإنما لا يتجاوز في الغالب مقام إعلان نوايا، كما أشرنا إلى ذلك مراراً، وعاينا هذه المعضلة بشكل ميداني وصريح في التجربة المغربية وتجارب أخرى في المنطقة العربية.

اقرأ أيضاً: هل ينتمي حزب العدالة والتنمية المغربي لتنظيم الإخوان المسلمين؟
وفي فرنسا، وبسبب التحولات التي مرّ بها الخطاب الإسلامي الحركي في المنطقة العربية برمّتها، اضطرت القيادات الإسلامية الحركية، والمجسدة في تنظيم حمل اسم "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، وهو الفرع الفرنسي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، لتغيير الاسم إلى "اتحاد مسلمي فرنسا"، بمقتضى القلاقل السياسية والأمنية والثقافية والدينية التي أصبحت تثيرها الحركات الإسلامية في الساحة الفرنسية.
التيار السلفي والتيار الصوفي
بالموازاة مع التحولات والمراجعات التي ميّزت أداء المؤسسات الدينية والحركات الإسلامية، عاينا المعطى نفسه مع التيار السلفي والصوفي؛ ففيما يتعلّق بالتيار السلفي، يمكن الوقوف عند دلالات صدور كتاب يحمل عنوان؛ "ما بعد السلفية: قراءة نقدية للخطاب السلفي المعاصر"، لأحمد سالم وعمرو بسيوني، والصادر عام 2015، بكل الإيحاءات الدالة لهذا العنوان، حيث عايشنا مباشرة بعد كانون الثاني (يناير) 2011 تحولات في أداء المشروع السلفي بالمنطقة العربية، لم تكن متوقعة قبل هذا التاريخ، أقلها وأبرزها في آن؛ إعلان سلفية الإسكندرية في مصر تأسيس حزب النور والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.

لا يمكن للفاعل الديني أنّ يكون بعيداً أو غير معني بالتحولات والمستجدات المجتمعية التي تهم القيم والهوية والتدين

كما تناولت مجموعة من الأعمال البحثية هذه المسألة، نذكر منها عملين على الخصوص؛ كتاب "السلفيون والربيع العربي" لمحمد أبو رمان، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 2013، وكتاب "صناعة السلفية: الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين"، لهنري لوزيير، الذي ترجمه إلى اللغة العربية أسامة عباس وعمر بسيوني، وصدر عن دار النديم ودار روافد، عام 2018.
أمّا فيما يتعلق بالخطاب الصوفي، والذي سلطّت المؤسسات البحثية العربية والغربية الضوء عليه، مباشرة بعد اعتداءات نيويورك وواشنطن، في سياق البحث عن نماذج بديلة للخطاب الديني، بهدف مساعدة شعوب المنطقة على تجاوز المشاريع الدينية الحركية، التي أساءت إليها ولغيرها من الشعوب، ومثال ذلك ما نعاينه في الساحة الأوروبية في ظل تغذية بعض أسباب ظاهرة الإسلاموفوبيا.
ولم يسلم الخطاب الصوفي من موجة المراجعات أو التحولات، ومن ذلك الحديث عن ظاهرة "ما بعد الطُرقية"؛ أي تبني العمل الصوفي بشكل فردي، بعيداً عن العمل المؤسساتي.

اقرأ أيضاً: بن كيران يلبس عباءة المعارض لدعم حظوظ العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة
بالنتيجة، يمكن الجزم بأنّ الخطاب الديني في المنطقة العربية، سواء تعلق الأمر بخطاب المؤسسات الدينية أو الحركات الإسلامية أو التيارات السلفية أو الطرق الصوفية، مرّ بتحولات نظرية؛ بدأت أولى معالمها في سياق الإكراهات التي أصابت المنطقة بشكل صادم ومباشر، على هامش التفاعل السياسي والأمني والإستراتيجي مع تداعيات أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، في مرحلة أولى، وتداعيات أحداث "الربيع العربي" في مرحلة ثانية، وبالتالي، لا يمكن للفاعل الديني أن يكون بعيداً أو غير معني بهذه التحولات، خاصة مع وجود عدة مستجدات مجتمعية موازية تهم القيم والهوية والتدين، وتفرض على الفاعل الديني الانكباب النظري والميداني، نذكر منها؛ ظواهر الإلحاد ومد العلمنة والحريات الفردية وتسليع الخطاب الديني ومستجدات أخرى قائمة وقادمة.

اقرأ أيضاً: "العدالة والتنمية" المغربي.. هل حانت نهاية الحزب الإسلامي في الحكم؟
وساهمت ظاهرة "الصراع على الإسلام"، وفق تعبير رضوان السيد في أحد أعماله المرجعية عام 2014، في تعقيد المشهد، حيث إنّها لا زالت مفتوحة ولم تتوقف، لأسباب عدة؛ أهمها إصرار المشروع الإسلامي الحركي على تغذية الصراع، بما يُخول لنا التعامل مع هذه الجزئية الدقيقة، باعتبارها اختباراً حقيقياً وصريحاً لطبيعة ومآل تلك المراجعات، خاصة المراجعات التي يدّعي المشروع الإسلامي الحركي انخراطه بها، على اعتبار أنّ مراجعات المؤسسات الدينية متوقعة ومطلوبة.

لا زال الانتقال نحو محطة مراجعات حقيقية في عقر المؤسسة الدينية بعيد المنال ولن يتم بين ليلة وضحاها

ولا يخرج خطاب وأداء المؤسسات الدينية، في نهاية المطاف، عن ثلاثية الوعظ والتوجيه والإرشاد، والأمر نفسه مع مراجعات الطرق الصوفية؛ لأنّ هذه الطرق لا تدّعي الوصاية على الدين، وتدافع بالكاد عن جلسات الذكر؛ الفردي والجماعي، مع الابتعاد عن قلاقل العمل السياسي، وتحديداً العمل القتالي، فيما يختلف الأمر عند أغلب الحركات الإسلامية في الساحة، بمقتضى تورّط هذا المشروع في قلاقل لا حصر لها، رغم ترويج خطاب "المراجعات".
من الصعب إحصاء طبيعة التحديات النظرية والعملية التي تواجه الفاعل الديني العربي، ممّا يفرض على هذا الفاعل، سواء في المؤسسة الدينية أو الطرق الصوفية أو الحركات الإسلامية، الوعي بتلك التحديات أولاً، قبل التفكير في الاشتغال عليها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ بعض نتائج هذا الاشتغال تتطلب الانخراط في مراجعات حقيقية ونوعية، مع أنّ خطاب العديد من هؤلاء لا زال يعمل بنفس الأفق الإبستيمي (المعرفي) الذي كان سائداً من قبل، كأنّ شيئاً لم يتغير في المنطقة التي تعاني الويلات الإستراتيجية والمفتوحة، وفي مقدمة هؤلاء؛ الفاعل الإسلامي الحركي؛ حيث تزكي ذلك أفعاله وأقواله في الساحة، خاصة رموز المشروع داخل وخارج المنطقة.

للمشاركة:

الحداثيون والتراثيون.. هل الجميع بريء من مشكلاتنا؟

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
2020-02-19

من ضمن ما قاله شيخ الأزهر أحمد الطيب في حواره مع رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت، في ختام مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي في 28 كانون الثاني (يناير) الماضي، أنّ جامعاتنا بكل ما فيها لم يسهم منتجها في صناعة إطار سيارة، وأن ترامب وإسرائيل يأخذون القرارات فيما يتعلق بنا مع غياب القيادات العربية، كاشفاً عن إخفاق السلطة الزمنية.

اقرأ أيضاً: هل عارض الفقهاء اختطاف السياسة للدين؟
ثم قال إنّ التراث الذي تتكلمون عنه هو الذي جعل المسلمين يضعون قدماً في الأندلس والأخرى في الصين، بما يعني أنّه يقول للسلطة الزمنية انشغلوا بإخفاقاتكم، فليس التراث هو المشكلة، والسؤال: هل حققت المؤسسة الدينية - الأزهر والأوقاف - نجاحاً في أداء رسالتها الروحية؟ وما مدى مسؤولية التراث عن تدهور أو انحطاط حضور الإسلام حضارياً في العالم؟ وما هي مسؤولية التراث عن العنف وبعض مشكلاتنا الراهنة؟

مَن يمارس العنف باسم الإسلام يكون بناء على اعتقاده بأن ما يقوم به مطلق اليقين والصواب

إذا كان فضيلة الإمام قد تحدث عن إخفاق السلطة الزمنية، فهل قام الإمام بدور فعّال كصاحب سلطة روحية على مدار أكثر من عشرة أعوام؟ الواقع أنّه قد اعترف بإخفاقه حين كان رئيساً لجامعة الأزهر في إحداث تغيير حقيقي بالجامعة، كما وضح للعيان إخفاقه أيضاً وهو على رأس المؤسسة الدينية في عدم تطوير مستوى الدعوة الدينية، ومستوى الخطاب الموجّه لجمهور الشعب المصري، فحين نبحث عن أسباب بعض الظواهر الاجتماعية الجديدة في المجتمع المصري مثل ظاهرة الإلحاد، وانتحار بعض الشباب، وانتشار العنف في الحياة اليومية للمجتمع المصري، واستشهاد أبنائنا من الجيش والشرطة على حدود البلاد علي يد الجماعات الإرهابية، فإننا نشير إلى أنّ أحد أسبابها إخفاق المؤسسة الدينية عن أداء دورها كواحد من جملة الأسباب التي تقف خلف هذه الظواهر، فالكل في الإخفاق سواء ولا ينبغي أن نتنصل من المسؤولية التاريخية.
  وأما ما ورد من كلامه بأنّ التراث هو الذي جعل المسلمين يضعون قدماً في الأندلس وأخرى في الصين، فهذا كلام يحتاج إلى مراجعة؛ لأنّ ذلك يعود إلى الإسلام -كدين وفكرة وقيمة- في بكورته الأولى، وما كان له من مقدرة على الحشد هو الذي فعل هذا في القرنين؛ الأول والثاني الهجريين، وأسهم التجار والصوفية المسلمون في نشر الإسلام في أقصى شرق آسيا وأواسط إفريقيا عبر الفكرة الدينية الحاملة لقيم التسامح والعدل.

اقرأ أيضاً: التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية.. فما الذي حدث؟
ومن جانب آخر فإنّ الفتح الإسلامي -في جانب منه- كان نتاجاً لضعف الدولة الرومانية الشرقية، والدولة الفارسية، وأنّ الدولة الإسلامية حينما تعرضت للضعف غزاها الصليبيون والتتار، وذبح المسلمون وطردوا من الأندلس، وحين عاودها الضعف في العصر العثماني عجزت عن فتح أسوار فيينا واقتطع الأوروبيون أجزاء منها، ومع مزيد من الضعف استطاعت إنجلترا وفرنسا تقاسم أراضيها في الحقبة الإمبريالية الحديثة، ولم يمنعهم لا الدين ولا التراث عن هزيمة المسلمين، ومن ثم فإنّ الحضارة الإسلامية بدولتها ونظم حكمها قد حكمتها دورات الحضارة من النمو والازدهار والانهيار شأنها شأن كل الحضارات في العالم كما قرر ذلك ابن خلدون في "مقدمته".

كل فصيل من حركات الإسلام السياسي التي اختطفت الإسلام يحاول أن يخصخص الدين لصالحه وفقاً لرؤيته

وأما تراث المسلمين الكتابي المدون -الذي تحدث عنه الإمام الطيب- فلم يبدأ تدوينه إلا في نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريين؛ أي بعد ترسيم معظم أرجاء الخلافة الإسلامية، كانت تشكلات التراث وفقاً لتطور حركة الاجتماع الإسلامي الزمنية، صعوداً وهبوطاً، تسامحاً وتشدداً، فتخلق المذهب الحنبلي وفقاً للخلاف بين أحمد بن حنبل والمعتزلة إبان عصر المأمون والمعتصم والمتوكل، وتخلق تراث ابن تيمية في سياق تدهور وانحطاط العالم الإسلامي إبان الغزوين على العالم الإسلامي فحمل مذهبه الكثير من التشدد، والسعي إلى تعزيز تراث استعلاء الجماعة المسلمة على بقية أهل الكتاب، وأصّل علم العقائد -في مرحلة التدهور- لميراث الصراع والإقصاء والتكفير المتبادل بين المذاهب الإسلامية، فترك هذا ميراثاً من الكراهية والاستبعاد بين المسلمين بعضهم بعضاً، وبين المسلمين وأهل الكتاب؛ حيث رسخ تراث فقه أهل الذمة لتمايز واستعلاء الجماعة المسلمة على أصحاب الأديان الكتابية، وكل ذلك تم تخلقه وفقاً لتطور حركة الاجتماع في التاريخ، بما يعني تاريخية هذا التراث الذي هو في مجمله إنتاج بشري للعقل المسلم في التاريخ.

اقرأ أيضاً: حوار الطيب والخشت.. أي إصلاح ديني نريد؟
وحين نتحدث عن تجليات العنف الذي يحدث في العالم باسم الإسلام الآن، ونقول هل ثمة مسؤولية تاريخية لهذا التراث عما يدور من عنف وكراهية للآخر؟ الإجابة نعم، وذلك لأنّ مَن يمارس العنف باسم الإسلام يكون بناء على اعتقاد لديه بأنّ ما يقوم به مطلق اليقين والصواب، وأنّ الجنة في انتظاره، وهم يستندون إلى تراث فقهي وديني قديم رسخ له الإمام أحمد بن تيمية وغيره.
وحين ننظر لممارسات حركات الإسلام السياسي التي اختطفت الإسلام نرى أنّ كل فصيل يحاول أن يخصخص الدين لصالحه وفقاً لرؤيته هو، فالجميع يفعل ذلك استناداً لتفسيرات تراثية قد انتقاها لخدمة توجهه سواء كان توجهاً دعوياً أو عنيفاً، وما الأحداث الطائفية، واستهداف الكنائس في مصر بين فترة وأخرى إلا نتاج الإيمان بفقه أهل الذمة الذي رسخ لاستعلاء المسلم على الكتابي، والنظر إلى الآخر المغاير لي في الدين على أنّه كافر وضال، وما أحداث القتل وسفك دماء المسلمين – من قتل المصلين في العريش إبان صلاة الجمعة، وقتل أبنائنا من الشرطة والجيش في مشهد مستمر- إلا نتاج حركات منحت نفسها التمايز على المجتمع الذي وصمته بالجاهلية والكفر، ويسعون في تغييره بكل الوسائل التي يملكونها، وذلك باستدعاء الموروثات القديمة – التاريخية – ليكون لها حاكمية على الحاضر بكل تطوراته، فالأزمة في اتخاذ الخلف من تراث السلف الذرائع والمبررات لممارستهم الحاضرة، وتجاهلهم أنّ الزمن قد تغير، وبأنّ الأمة المسلمة التي كانت منتصرة أصبحت الآن مهزومة ومنكسرة ومفككة، ونحن بحاجة إلى قراءة جديدة بفكر ديني جديد وفقاً لظروفنا الحالية.

نحن في حاجة ماسّة إلى مزيد من الحوار بين الأصوليين والحداثيين حول مسألة التجديد

وإذا كنا نؤمن أنّ التراث ابن زمنه وتاريخه ومجتمعه، فإنّ الأزمة الآن ليست في التراث بحد ذاته بل في استقالة العقل لدى علماء عجزوا عن الاجتهاد في الفكر الديني في زمانهم الحاضر بكل تعقيداته وتشابكاته وظروفه المستجدة ومخاطره المستمرة، فإذا بهم يتجهون إلى الاعتصام بالتراث القديم لمواجهة واقعهم المهزوم، معتقدين أنّ التمسك بالتراث والتاريخ المجيد هو سبيلهم القويم للنجاة من ذلك الواقع المهزوم، فإذا بنا نكتشف أنّ الواقع يزداد انهزاماً وتفككاً كل يوم.
إنّ الحوار بين الإمام الطيب والدكتور الخشت هو مواجهة بين تيارين، تيار يرى أنّ التجديد لا بد أن ينطلق من الأصول التقليدية القديمة؛ لأنها الأعمدة الثابتة، وهو تيار الشيخ، وتيار آخر يرى أنّ التجديد لا بد أن يأتي من الخارج باستخدام أدوات العصر من علوم إنسانية وفلسفة، وهو تيار الدكتور الخشت.

اقرأ أيضاً: هل الحاجة ملحّة إلى تجديد العلوم الإسلامية؟
والتيار الأول يخشى أن يكون التجديد طريقاً لتبديد الأصول والتفريط فيها فلذلك يعض عليها بالنواجذ، في حين أنّ التيار الثاني يرى أنّ الأصول في علوم الدين في حاجة إلى نظرة عصرية جديدة، والتيار الأول يتهم الثاني بأنّه يريد أن يفكك حضور الدين في المجتمع، ويحصر سيطرتهم على المجال العام الاجتماعي، والتيار الثاني يتهم الأول بأنّ نظرته مهما اجتهدت فهي جامدة؛ لأنها لا تراعي تطور حركة التاريخ والمجتمع، وفي ظل هذه النظرة المتبادلة من الشك والريبة لا ينظر أي من الطرفين إلى ما في موقف الآخر من إيجابية؛ لأنّ كلاً منهما يدين الثاني ويغمض عينيه عما في موقف الآخر من إيجابيات.

اقرأ أيضاً: هل نتنصّل من مسؤوليتنا باسم القضاء والقدر؟‎
ومن ثم فإننا في حاجة ماسة إلى مزيد من الحوار بين الأصوليين والحداثيين حول مسألة التجديد، حوار يكون هدفه مصلحة الوطن والمجتمع، فنحن جميعاً نقطن في سفينة الوطن التي حين يصيبها العطب فالكل مهدد بلا استثناء، وليس فصيلاً واحداً، فهل ثمة آذان صاغية لأهمية الاستمرار على مائدة حوار واحدة؟
أتمنى أنّ ينصت الجميع لمصلحة الوطن، وضرورة رعاية مصالح العباد التي هي هدف أساسي للإسلام كدين، وبدون ذلك وفي ظل المخاطر التي تحيط بمصر من جهاتها الأربع، وفي ظل ضعف تماسك البناء الاجتماعي لها فإنّ سفينة الوطن قد تتعرض للانهيار والتفكك، فهل لنا من سبيل إلى المحافظة على ما تبقى لنا منها، وذلك بالحفاظ على تماسك البنيان الاجتماعي الداخلي لكي نملك القوة في مواجهة المخاطر الخارجية التي تحيط بنا من كل الجهات من مشاكل المياه ومواجهة حركات العنف والمطامع الخارجية.

للمشاركة:



إيران على القائمة السوداء لـ "FATF"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

أدرجت وكالة رقابية دولية متخصصة في مكافحة الأموال القذرة، أمس، إيران على قائمتها السوداء، بعد أن أخفقت الأخيرة في الالتزام بالقواعد الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب.

وجاء قرار وكالة مجموعة العمل المالي الفرنسية  "FATF"، ومقرها باريس، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التحذيرات التي وجهتها لحثّ طهران على سنّ قوانين ضدّ تمويل الإرهاب، وفق وكالة "رويترز" للأنباء.

مجموعة العمل المالي الفرنسية: طهران أخفقت في الالتزام بالقواعد الدولية لمكافحة الإرهاب

وأعادت المجموعة فرض كلّ العقوبات على إيران، معتبرة أنّها لم تتخذ الإجراءات المنتظرة ضدّ غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وقالت المجموعة المالية، في بيان: "نظراً لعدم تطبيق اتفاقية باليرمو لمكافحة الإجرام المنظم العابر للحدود طبقاً لمعاييرنا، قررت الهيئة إلغاء تعليق كل العقوبات، وتدعو الدول الأعضاء إلى تطبيقها بفاعلية".

وكانت هذه العقوبات قد علِّقت موقتاً، عام 2016، لمنح إيران الوقت للامتثال للمعايير الدولية.

تصنيف إيران سيعيق خططها الرامية إلى تجنب العقوبات الأمريكية من خلال التعامل مع دول أوروبية

وأكدت صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقرير لها اليوم؛ أنّ قرار مجموعة العمل المالي الدولي "FATF" جاء بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التحذيرات التي وجهتها مجموعة العمل المالي،  لحثّ طهران على سن قوانين ضد تمويل الإرهاب.

إلى ذلك، ذكرت الصحيفة الأمريكية، أنّ إدراج إيران في القائمة السوداء سيعيق خططها الرامية إلى تجنب العقوبات الأمريكية من خلال التعامل مع الدول الأوروبية.

وكانت فرنسا وبريطانيا وألمانيا قد أعلنت سابقاً أنّها ستواصل التعامل مع إيران، في حال نجحت البلاد في إخراج نفسها من القائمة السوداء "FATF".

 

للمشاركة:

أردوغان يعترف.. ماذا سيكون موقف المجتمع الدولي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للمرة الأولى، بنشر بلاده مرتزقة سوريين يقاتلون إلى جانب الميليشيات الداعمة لحكومة السراج في طرابلس.

وقال أردوغان للصحفيين في إسطنبول: "تركيا متواجدة هناك عبر قوّة تجري عمليات تدريب، وهناك كذلك أفراد من الجيش الوطني السوري"، في إشارة إلى المرتزقة الذين كان يطلق عليهم سابقاً اسم "الجيش السوري الحر".

وازدادت التدخلات الخارجية في شؤون ليبيا، وإرسال الأسلحة ومقاتلين أجانب، منذ انعقاد مؤتمر برلين الدولي، في 19 كانون الثاني (يناير)، فيما تسعى الأمم المتحدة إلى استصدار قرار بالخصوص وسط صعوبات التوافق حوله.

وكان مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، غسان سلامة، قد أعرب في كلمة توجه بها إلى مجلس الأمن الدولي عن "بالغ الغضب وخيبة الأمل إزاء مسار تطور الأوضاع منذ انعقاد المؤتمر في ألمانيا، بحضور زعماء روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو".

أردوغان يعترف، للمرة الأولى، بنشر بلاده مرتزقة سوريين يقاتلون إلى جانب ميليشيات حكومة السراج

وتُتَّهم تركيا بإرسال آلاف المقاتلين السوريين الموالين لها إلى ليبيا لدعم حكومة فائز السراج، لمواجهة الجيش الليبي، الذي يقوده المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر على ثلاثة أرباع الأراضي الليبية.

وكشفت تقارير؛ أنّ عدد المرتزقة الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا، أو تستعد لإرسالهم إلى هناك، في ارتفاع مستمر، وهو دليل واضح على تمسك أنقرة بمواصلة نهجها في تصعيد التوتر في ليبيا، رغم كلّ الجهود الدولية المبذولة للخروج بحلّ يجنّب البلد المزيد من تعميق الأزمة.

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد أكّد أنّ عدد المرتزقة الذين نقلتهم تركيا، أو تعدّهم للنقل إلى ليبيا، قد ارتفع إلى ما يقارب 4700 مقاتل.

ووفق المرصد؛ فقد قتل 72 مقاتلاً ممن أرسلتهم تركيا للمشاركة في معركة طرابلس ضدّ الجيش الوطني الليبي. وهرب 64 من المرتزقة إلى أوروبا عبر ليبيا.

وكان المتحدث العسكري لقوات الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسسماري، قد دعا مرتزقة أردوغان "من السوريين المغرر بهم إلى تسليم أنفسهم للجيش الليبي، وسيتم منحهم ممرات آمنة للخروج وحلّ مشاكلهم مع القيادة السورية".

 

للمشاركة:

الانتخابات الإيرانية.. من المستفيد؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مدّدت السلطات الإيرانية عمليات الاقتراع في الانتخابات، أمس، ثلاث مرات متتالية، لاستقطاب أكبر عدد من الناخبين، لكنّ ذلك لم ينجح ولم تتجاوز نسبة المشاركين 20٪؜، بحسب مصادر رسمية.

وفي الوقت الذي كان يفترض أن تقفل أبواب مكاتب الاقتراع (الساعة السادسة عصراً) بالتوقيت المحلي، أعلن التلفزيون الحكومي تأجيل إغلاقها لإفساح المجال أمام الراغبين في المشاركة.

السلطات الإيرانية: لم تتجاوز نسبة المشاركين في الانتخابات ٢٠٪؜ على الرغم من تمديد عمليات الاقتراع

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية، التي جرت أمس ، نحو 16٪؜، في طهران، فيما كانت على مستوى البلاد 25٪؜، وفق ما نقلت قناة "إيران إنترناشيونال" عن مصادر خاصة.

ووفق هذه المعلومات؛ فقد سجلت محافظة ألبرز أقل نسبة مشاركة في الانتخابات البرلمانية، بعد طهران، حيث وصلت إلى 17٪؜.

وفي الوقت نفسه، فإنّ معظم المحافظات الإيرانية، بما فيها أصفهان وخوزستان وخراسان الرضوية وفارس وأذربيجان الشرقية، كانت نسبة المشاركة فيها أقل من 30٪؜.

إلى ذلك، أعلن المدير العام للمكتب السياسي والانتخابي التابع لمحافظة سمنان عن مشارك ٢٤٪؜ فقط، من الناخبين المؤهلين قانونياً في هذه المحافظة.

ومن جهته، قال قائم مقام مدينة أصفهان، حسين سيستاني؛ إنّ نسبة مشاركة أهالي هذه المدينة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية الحالية وصلت إلى 21٪؜.

كما أكد قائم مقام مدينة مشهد، محمد رضا هاشمي، أنّ نحو 30٪؜ فقط من أهالي المدينة أدلوا بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية.

يتوقع أن يستفيد المتشددون من تدنّي نسبة المشاركة بعد رفض طلبات آلاف المرشحين الإصلاحيين والمعتدلين

وكان المرشد الإيراني، علي خامنئي، قد ذهب للإدلاء بصوته، أمس، وخلال التصويت دعا الشعب الإيراني إلى المشاركة في الانتخابات "من أجل مصالح البلاد".

ويتوقع أن يستفيد المتشددون من تدني نسبة المشاركة، بعد رفض طلبات آلاف المرشحين الذين يوصفون بالإصلاحيين والمعتدلين.

واستخدمت القيادة الإيرانية جميع الوسائل المتاحة لتشجيع الناس على التصويت، أمس، تماماً كما فعلت خلال الانتخابات السابقة.

يذكر أنّه؛ بعد الاحتجاجات المناهضة للنظام الإيراني، التي اندلعت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، في عموم إيران، تمّ إطلاق عدة حملات لمقاطعة الانتخابات البرلمانية، وتوسعت هذه الحملات بعد إسقاط الحرس الثوري الإيراني طائرة الركاب الأوكرانية قرب طهران، ما أدّى إلى مقتل جميع ركابها.

 

 

 

للمشاركة:



انتخابات إيران وتحدياتها الداخلية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

محمد السعيد إدريس
الإحجام عن المشاركة في الانتخابات، يمكن أن يعطي الفرصة للمرفوضين شعبياً للحصول على عضوية البرلمان والسيطرة على قراراته وأدائه.

تواجه إيران اليوم أحد أهم تحدياتها على الإطلاق؛ حيث من المفترض أن يمتلك الشعب اليوم فرصته؛ ليعبر عن موقفه الحقيقي من كل ما يواجه إيران من أزمات مفروضة من الخارج؛ وفي مقدمتها بالطبع الصراع الساخن مع الولايات المتحدة حول قدرات إيران النووية والصاروخية وتوجهات سياستها الخارجية، وهو الصراع الذي أدى بضغوطه الاقتصادية الهائلة، إلى تفجير أزمات اقتصادية وصعوبات معيشية وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وولد حركة احتجاجات واسعة، رفعت شعارات غاضبة ضد النظام؛ لكن تم استيعابها بحركة تظاهرات أخرى مضادة مؤيدة للنظام. واليوم ومن خلال عملية الانتخابات التي تجرى؛ لاختيار برلمان جديد (مجلس الشورى) سيكون أمام الشعب فرصته؛ لأن يعبر عما يريد، وفي الاتجاه الذي يريده سواء على مستوى إدارة السياسة الخارجية وإدارة الصراع الخارجي مع الولايات المتحدة وحلفائها أو على مستوى إدارة الحكم في الداخل وإيجاد حلول للأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

هذه الفرصة يمكن أن تتم على مسارين؛ الأول هو حجم المشاركة والتصويت في العملية الانتخابية. فالإحجام عن هذه المشاركة، والوصول بها إلى أدنى مستوياتها، وهذا ما يخشاه النظام الحاكم ويحسب كثيراً له؛ سيكون إعلاناً صريحاً بالرفض للنظام وسياساته والتشكيك في شرعيته.

أما المسار الثاني، فهو الاختيار الدقيق لمن هم الأفضل، من وجهة النظر الشعبية؛ للحصول على عضوية البرلمان، والامتناع عن كل من يعرقلون ما يراه الشعب الإيراني من حلول جذرية للأزمات، ومحاربة الفساد، والحد من سلطوية النظام. وفى كل من المسارين يواجه الشعب أزمة معقدة. فالإحجام عن المشاركة، يمكن أن يُعطي الفرصة للمرفوضين شعبياً للحصول على عضوية البرلمان، والسيطرة على قراراته وأدائه، في حين أن الإقدام الإيجابي على المشاركة سيكون تجديداً ودعماً لشرعية النظام في معركته مع الخارج وبالذات مع الولايات المتحدة، التي تراهن بضغوطها وعقوباتها الاقتصادية المشددة، على أن تؤدي إلى تفجير حركة معارضة قوية، يمكن التعويل عليها؛ من أجل إسقاط النظام وفقاً لما يتحدث عنه كثيراً وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، كما أنها لن تفيد كثيراً في تحقيق هدف اختيار من هم أجدر بتمثيل الشعب؛ بعد أن فعَّل مجلس صيانة الدستور المكلف بالإشراف على إجراء الانتخابات «مقصلته»، ورفض اعتماد ترشيح 6850 مرشحاً من بينهم 90 نائباً من نواب البرلمان الحالي من بين 14 ألفاً تقدموا بطلب خوض الانتخابات. ما يعنى أن ما يقرب من ثلث أعضاء المجلس (البالغ عدد أعضائه 290 نائباً) تم استبعادهم وفق اتهامات بارتكاب تجاوزات مالية والتورط في قضايا فساد، في حين فند المرشد الأعلى علي خامنئي هذه المزاعم، دون قصد؛ عندما أعلن تأييده لموقف مجلس صيانة الدستور، بقوله: «إن البرلمان المقبل ليس به أي مكان للخائفين من رفع أصواتهم ضد الأعداء الخارجيين» ما يعني أن الاستبعاد جاء لأسباب سياسية خصوصاً وأن العدد الأكبر من هؤلاء النواب المستبعدين من التيار الإصلاحي، وخاصة من المطالبين بمراجعة إدارة السياسة الخارجية، والمطالبين بتغيير أداء الحكم في الداخل.

وهذا ما سبق أن حذر منه رئيس الجمهورية حسن روحاني في 15 يناير/كانون الثاني الفائت؛ عندما قال: إن «رفض أهلية المرشحين من تيار واحد لا يمكن أن تكون انتخابات، كأن لا يوجد تنوع في سلع متجر، الناس يريدون التنوع».

وفي خطابه في ذكرى الثورة الإيرانية يوم 11 فبراير/شباط الجاري تعمد روحاني أن يضع النقاط فوق الحروف، وأن يفجر قضية «شرعية النظام»، ومعنى ذلك من ناحية تعرضه للخطر أمام غضب شعبي آخذ في التراكم، ولجأ في توصيل رسالته إلى استلهام ثورة الشعب الإيراني ضد نظام الشاه وأسبابها وإمكانية تكرار هذه الثورة إذا تجددت الأسباب، وقال: «لو ترك النظام السابق (نظام الشاه) الناس أحراراً في اختيار نوع الحكومة والدستور، ووافق على قبول انتخابات نزيهة حرة وطنية، لم نكن بحاجة إلى الثورة»، وقال أيضاً ما هو أهم، وما يعد تحدياً لسلطة المرشد الأعلى أن «البلاد قائمة على حكم الشعب والاستفتاء»، وهنا بالتحديد يكون روحاني وهو على أبواب إنهاء فترة حكمه، قد قرر أن يكرر تجربة فاشلة سابقة خاضها الرئيس الأسبق محمد خاتمي في صدامه مع كل من المرشد ومجلس صيانة الدستور؛ عندما فجر قضية «لمن تكون الحاكمية» للشعب أم للمرشد؛ وعندما طالب بالحد من سطوة مجلس صيانة الدستور على الصحافة، وطالب بتمكين رئيس الجمهورية من ممارسة سلطاته الدستورية، وكانت النتيجة هي انتصار المرشد، وإبعاد كامل للرئيس خاتمي عن الحياة السياسية ومعه أهم رموز الحركة الإصلاحية.

الآن يطالب روحاني بالاستفتاء الشعبي على مشروع قانون يجري إعداده في البرلمان الذي سيستمر عمله حتى أغسطس/آب القادم يقضي بتقليص سطوة مجلس صيانة الدستور على الانتخابات.

فهل سينجح روحاني في فرض خيار هذا الاستفتاء الشعبي؟

السؤال مهم؛ لأنه إعلان عن معركة كبرى داخلية قادمة ستفرض نفسها عقب الانتهاء من الانتخابات؛ لكن هذا سيؤدى حتماً إلى تفاقم التحديات الداخلية، ومن هنا يتجدد مأزق النظام.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

الانتخابات البرلمانية الإيرانية المحددة سلفاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مهدي خلجي

في 21 فبراير، نظمت إيران الدورة الحادية عشرة من انتخاباتها النيابية، إلى جانب الانتخابات الخامسة لـ"مجلس خبراء القيادة" ("المجلس")، الهيئة المكلفة بتسمية المرشد الأعلى المقبل. ومن الصائب توقّع أن يكون "المجلس" المقبل مخلصا في الدرجة الأولى لآية الله علي خامنئي؛ لا بل في الواقع، سيكون على الأرجح المجلس التشريعي الأقل استقلالية في إيران منذ عقود. ويضع هذا التوقع الرئيس حسن روحاني في موقف محفوف بالمخاطر، حيث يُلزمه دوره السياسي بتشجيع المشاركة العامة في الانتخابات التي من المؤكد أن معسكره سيخسرها.

الانتخابات عنصر أساسي للتصور الذاتي للنظام
إن ادعاء الجمهورية الإسلامية بأنها حكومة ثورية يعتمد على المشاركة الكبيرة في السياسة. وبغية نفي الواقع غير المستساغ، المتمثل بأن الإكراه هو العامل الرئيسي لصمود إيران، يحتاج النظام إلى أدلة تدعم ادعاءاته بأنه لا يزال يتمتع بدعم شعبي واسع.

ووفقا لذلك، تستخدم القيادة جميع الوسائل المتاحة لتشجيع الناس على التصويت في 21 فبراير، تماما كما فعلت خلال الانتخابات السابقة. وفي الوقت نفسه، تنظم هذه القيادة أساليب المناورة التقليدية للتلاعب بكل مرحلة من العملية، بدءا من تأهيل المرشحين وصولا إلى فرز الأصوات النهائي والإعلان عن النتائج.

غير أن عددا من العوامل يقوّض هذا الاحتيال بعض الشيء، بما في ذلك وجود ممثلين عن المرشحين في مراكز الاقتراع وخلال عملية فرز الأصوات، وكذلك الصراع على السلطة القائم بين وزارة الداخلية في حكومة روحاني و"مجلس صيانة الدستور" الخاضع لسيطرة خامنئي.

ومن أجل تصوير الانتخابات على أنها دليل للشعبية المستمرة للنظام وشرعيته "الديمقراطية"، يجب أن يكون قادرا على الإعلان عن نسبة مشاركة رسمية لما لا تقل عن 50 في المئة من الناخبين المؤهلين. وحتى في ظل استخدام النظام لآلية الاحتيال القوية بحوزته، سيتطلب إعلانه عن هذه النسبة بشكل موثوق وصول نسبة المشاركة الفعلية 40 في المئة على الأقل.

وتحقيقا لهذه الغاية، دعا المرشد الأعلى وغيره من السلطات الدينية الشعب إلى التصويت ليس فقط باعتبار ذلك حقا سياسيا بل واجبا دينيا. غير أن تراجع شعبية النظام قلّص قدرته على الإقناع في هذا المجال.

وبالنظر إلى الأزمات المزدوجة للمثل العليا والسلطة التي يعيشها المجتمع الإيراني منذ بعض الوقت، فقد فقدت السلطات من مختلف أركانها ـ من الشخصيات الدينية إلى النجوم الرياضية والمشاهير ـ الكثير من قدرتها على حشد الجماهير سياسيا. فضلا عن ذلك، أضرت الإخفاقات الاقتصادية المستمرة للحكومة بثقة الشعب بشكل سيء للغاية لدرجة أصبح معها إغراء الناخبين من خلال تقديم وعود اقتصادية جديدة أمرا خياليا.

الادعاءات القومية المنافقة
يبدو السياق السياسي الذي تجري في إطاره الانتخابات الحالية مختلفا إلى حدّ كبير. فقد رسم تطوران رئيسيان معالم هذه البيئة، وهما: العنف غير المسبوق الذي استخدمه النظام لقمع المتظاهرين السلميين في نوفمبر الماضي، وإسقاط "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني في الثامن من يناير طائرة ركاب أوكرانية مليئة بالمواطنين الإيرانيين.

وكان يمكن للشعب أن يقبل بطريقة معقولة فكرة قيام "الحرس الثوري" بإسقاط الطائرة عن طريق الخطأ مهما كانت النتائج مأساوية. ولكن ما أثار سخط الإيرانيين ـ حتى العديد من أنصار النظام ـ هو إنكار الحكومة مسؤوليتها عن هذا الحادث في بداية الأمر، وموقفها المتغطرس وغير المسؤول تجاه أسر الضحايا، ورفضها المستمر تقديم أدلة شفافة بشأن الحادث.

وبدلا من ذلك، أخفى النظام دون خجل الحقيقة ونشر مزاعم مربكة من أجل تضليل الشعب والحكومات الأجنبية على حدّ سواء. وقد تأثر الكثير من الإيرانيين سلبا بهذا السلوك الذي ساهم في تدهور ثقتهم المتراجعة أساسا بالنظام.

ولتخطي أزمة الشرعية هذه الطويلة الأمد، احتاجت الحكومة إلى تجاوز قاعدة سلطتها الاجتماعية (التي تحوّلت إلى أقلية في الوقت الحاضر) وإعادة بناء أسس شعبيتها على شعور مبتكر من القومية.

وكانت تلك خطوة ماكرة بالنظر إلى أن النظام اعتمد على سياسات ودعاية شرسة مناهضة للقومية خلال عهد المرشد الأعلى الراحل روح الله الخميني، لا سيما بعد الفتوى التي أصدرها عام 1981 والتي حرّمت هذا الشعور باعتباره ارتدادا عن الدين ووصفت الشخص المثالي القومي السابق محمد مصدق بأنه كافر.

ولتفادي هذا التناقض خلال الاستفادة من الجانب القومي، اعتمد المرشد الأعلى خامنئي على سياسات الخوف خلال السنوات القليلة الماضية. ووفقا لسرديته ـ التي ازدادت حدة بعد الانتفاضة السورية عام 2011 ـ كانت إيران تخوض حربا فعلية مع أعدائها، وأصبح الأمن القومي حاليا الأولوية العليا لتوحيد جميع المواطنين وراء النظام.

ومن أجل الترويج لهذه الفكرة وتكثيف مساعي إيران لإضفاء الطابع الأمني محليا وفي الخارج، سعى النظام إلى إقناع الإيرانيين القوميين خارج قواعده الانتخابية الضيّقة بأن البلاد تواجه تهديدا عسكريا وشيكا وأن الجمهورية الإسلامية هي الهيكلية القيادية الوحيدة القادرة على تفادي الفوضى في المنطقة ومنع تفكك أقاليمها.

وقد استُخدمت هذه الحجة ليس فقط لتبرير سياسة إيران التوسعية والجريئة في المنطقة، بل أيضا من أجل إبطال مفعول المعارضة المحلية. ومثل هذه التشويهات للحقائق تضع السكان في موقف مربك: ولا سيما أن كون الشخص قوميا إيرانيا يستلزم حالياً دعمه للنظام حتى لو كان يكرهه.

وهكذا، وفي خطاب ألقاه في الخامس من فبراير، دعا خامنئي "كل من يحب إيران" إلى المشاركة [في التصويت]، حتى وإن كان "لا يحب" المرشد الأعلى. كما وصف الانتخابات مرارا وتكرارا بعبارات قومية وموجهة نحو الأمن، واصفا العملية بأنها "تهديد للعدو" ومدعيا أنها "تضمن أمن البلاد"، وأشار إلى أن تأثيرها الإيجابي على التصورات الخارجية بشأن إيران سيساعد على حل "العديد من مشاكلنا الدولية".

تهميش "المجلس"
إلى جانب إعلانه صراحة ومرارا بأنه يتوجب على البرلمان الإذعان لإرادته، لطالما كان خامنئي يفرض السياسة التشريعية على أعضاء "المجلس" ويمارس سلطته للتحكم بأصواتهم. وهذا النهج، يرافقه تقليد تصفية قائمة المرشحين قبل الانتخابات، قد جرّد "المجلس" من أي قدرة على حماية استقلاليته ووظائفه الديمقراطية.

وبدلا من ذلك، فإن ولاء "المجلس" القسري لخامنئي قد منحه أداة فعالة أخرى لإضعاف الرئيس ومنع الحكومة المنتخبة من مخالفة توجيهاته أو تحدي سلطته. إن الضغط من أجل [قيام] مجلس متشدد متجانس سيساعد أيضا في حماية النواة الثورية للنظام إذا توفي خامنئي خلال فترة رئاسته التي أمدها أربع سنوات.

وحتى في ظل تراجع أهمية دور البرلمان أكثر فأكثر، لا يزال المتشددون عازمين على منعه من أن يصبح منصة لشكاوى الإصلاحيين. ووفقا لذلك، استبعد "مجلس صيانة الدستور" عددا كبيرا من المرشحين البرلمانيين قبل الانتخابات المقبلة ـ أكثر من 16000 في المجموع، بمن فيهم 90 عضوا في "المجلس" الحالي وجميع الشخصيات الإصلاحية وحلفاء روحاني تقريبا.

وقد يشير هذا القرار إلى ثقة خامنئي المفرطة بنفسه، إذ إنه ينهي بشكل أساسي الممارسة التقليدية المتمثلة في السماح للإصلاحيين بالتعبير عن بعض انتقاداتهم من خلال "المجلس". وللأسف، قد يكون هناك ما يبرر هذه الثقة بالنفس بالنظر إلى الانخفاض الكبير في شعبية روحاني والفقدان الساحق لأمل الجمهور فيما يتعلق بالإصلاحيين.

غير أن هذا النهج لا يخلو من بعض المخاطر بالنسبة لخامنئي. فإذا استمر الشعب في فقدان الثقة بقدرته على إحداث تغييرات داخل النظام، فمن المرجح أن يتوصل إلى قرار بضرورة رحيل النظام بأكمله. وبالفعل، أصبحت الآن الأصوات المناهضة للنظام ولخامنئي من بين الهتافات الأكثر صدوحا في معظم الاحتجاجات الشعبية ـ وهو تطوّر كان يُعتبر غير وارد سابقا.

التداعيات على واشنطن
تتيح هذه الانتخابات فرصة أكبر للحكومة الأميركية لإسماع صوت الإيرانيين الذين كانوا يعترضون على طبيعة النظام المناهضة للديمقراطية بشكل متزايد. وعند الإدلاء بأي تعليقات حول عملية الاقتراع وتبعاتها، على المسؤولين الأميركيين وضع مطالب هؤلاء الإيرانيين في الواجهة، لأنها أكثر مصداقية بكثير من الانتقادات الأجنبية الصادرة عن إدارة ترامب.

لقد أصبحت واشنطن بارعة للغاية في الاستشهاد بشكاوى الإيرانيين بشأن الفساد وإساءة الاستخدام [الانتهاكات]، لذا فقد حان الوقت الآن لرفع الصوت ـ سواء من خلال مطالبة كبار المسؤولين بتسليط الضوء على هذه الشكاوى، أو عن طريق جعل قنوات البث الأميركية تنقل الأخبار للإيرانيين والتي مفادها أن حكومتهم لن تفعل ذلك.

عن "الحرة"

للمشاركة:

من أين يستمد إخوان أوروبا قوتهم؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-22

ترجمة: مدني قصري


تُظهِر جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928، والمحظورة في العديد من البلدان، جيلاً جديداً، يُطوّر في استراتيجيتها التبشيرية والمعادية للعلمانية في جميع أنحاء أوروبا.

الإخوان أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم ويُحظر تنظيمهم في العديد من البلدان خاصة في العالم العربي

وعُقِد بالفعل عام 2002، مؤتمر لجماعة الإخوان المسلمين، في مدينة بون، حول موضوع "التعليم الإسلامي في أوروبا"، بتنظيم من المركز الثقافي الإسلامي في إيرلندا، و"جمعيات علماء الاجتماع المسلمين" في المملكة المتحدة وألمانيا، حيث استضاف المؤتمر الشخصيات الأوروبية القريبة من جماعة الإخوان المسلمين؛ مثل؛ طارق رمضان، ومحمد كرموس، وأحمد جاب الله، وإبراهيم الزيات، بهدف  تلقين جيل الشباب كيفية التعبير عن رسالة وروح الإسلام في العالم الغربي اليوم، ومواجهة تحدي مناهج المدارس العلمانية التي تتعارض مع دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وتتمثّل رسالة وروح التبشير في الإسلام السياسي الصارم لجماعة الإخوان المسلمين، بوضع حد لتنوع المسلمين، وتصنيفهم تحت عنوان "المسلم" من خلال منحهم تعريف انتمائهم، بغرض امتلاك السلطة عليهم والتحدث نيابة عنهم، كما ورد في كتاب برنارد روجير، "الأراضي التي فتحها الإسلامويون"، الصادر عن دار (PUF).

اقرأ أيضاً: كيف يعمل الإخوان على أسلمة أوروبا؟

 

لقاء سريّ
تُعدّ جماعة الإخوان المسلمين أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم، ويُحظر تنظيمهم في عديد من البلدان، خاصة في العالم العربي؛ لأن هذه الجماعة، في عدد من الدول، مصنفة كـ "منظمة إرهابية"، كما تتخذ أوروبا والولايات المتحدة تدابير منتظمة في هذا الاتجاه، وقد تحدث موقع Interception مؤخراً، عن لقاء سريّ للإخوان، أشاروا فيه إلى بنيتهم التحتية في 79 دولة، وهو انتشار هائل  بالنسبة لمنظمة تُعتبر سرية.
يوسف القرضاوي موجّه الإخوان الخفي
لو كان فرنسياً، لتقاعد قبل حوالي 3 أو 4 عقود، لكنّ الشيخ يوسف القرضاوي، الموجِّه الخفي للإخوان المسلمين، ظل في المؤسسة حتى عمر 92 عاماً، لقد تواجد في السابق بكل مكان من أوروبا، وهو الآن مقيم في قطر، وكان الزعيم الروحي لجماعة الإخوان المسلمين على مدى العقود القليلة الماضية، حيث انطلق من إيرلندا لبناء وتطوير جميع الهياكل الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين التي يسيطر عليها الآن.

يسيطر القرضاوي على جميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي

وكان القرضاوي مؤسساً مشاركاً للمجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، وهي مؤسسة تُصدر فتاوى إسلامية مبسطة للمسلمين في أوروبا، وترأس القرضاوي الاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (IUMS) لمدة 10 أعوام، وهذا ليس كل شيء! فقد كان القرضاوي مُلهماً لجميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي، سواء اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE) أو الجمعيات الوطنية؛ مثل اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسي (UOIF) في ذلك الوقت، الذي يُعرف اليوم باسم "مسلمو فرنسا" (MDF).

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في سويسرا.. قصة سعيد رمضان وابنه!

 

جيل جديد قادم
انسحب القرضاوي الذي دافع مراراً وتكراراً عن الهجمات الانتحارية والعنف ضد المرأة أو برّرها، من المكاتب المذكورة أعلاه، لتنتقل الشعلة الآن إلى مجموعة من الباحثين مع قيادة مؤسستي الإخوان المسلمين الأوروبيتين الرئيسيتين؛ وهما؛ المجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، والاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (UISM)، اللتين تعتبران أكثر شباباً وأكثر عالمية، حيث تخدم الإدارة الجديدة أهمّ "الأسواق الأساسية"، وكل ذلك في شبكة أوروبية جيدة التنظيم.
وقد تجلّت الآثار الأولى لهذا الاتجاه الجديد بسرعة كبيرة، ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، أي بعد أسبوع واحد فقط من المظاهرة ضد "رهاب الإسلام"، التي نظمتها "الجماعة ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا" (CCIF)، المقربة من جماعة الإخوان المسلمين، والتي تغذي خطاب الضحية، وُلِد "مجلس الأئمة الأوروبيين" الجديد، فكان بمثابة منصة إضافية للأئمة المعنيين والتابعين، وهكذا تم تحديث الظهور الرقمي بشكل كبير، وأصبحت "مجالس الفتوى" تتمتع الآن بنسختين؛ نسخة ألمانية ونسخة فرنسية، وبالتالي فإنّ العرضَ متاح من الآن فصاعداً بعدة لغات، وبالإضافة إلى ذلك، تم إطلاق تطبيق "فتوى اليورو"، الذي يتم الاستشهاد به بانتظام في الصحافة الدولية؛، حيث صارت التوصيات في بعض الأحيان غريبة ومخالفة للعقل بالنسبة للمجتمع الإسلامي.

 

التعليم: هوس الإخوان
تتمثل إحدى الوصفات لنجاح جماعة الإخوان المسلمين في اهتمامها الكبير بالتعليم، فقد ساعد القرضاوي بإنشاء المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) خلال التسعينيات من القرن الماضي في شاتو شينون، في مبنى تابع للاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية (UOIF)، حيث يضم مجموعة من كوادر وأئمة المستقبل من العلماء المسلمين وغيرهم من المعلمين الذين يعيشون وفقاً لإسلام الإخوان المسلمين السياسي، والحال أنّ المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH)، لا يتعاون مع أي مؤسسة تعليمية غربية، ولا يزعج المسؤولين، فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي، ويصبح الخريجون منه أئمة يتم تكليفهم خصيصاً في مجتمع مسلم نام، على استعداد للانضمام إلى الإخوان، والوصفة فعالة؛ حيث يوجد الآن في فرنسا حرمٌ للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في حي سانت دينيس، وبعض الفروع في الألزاس وأورليانز، ومدارس خاصة مثل ثانوية ابن رشد في مدينة لِيلْ.

لا يتعاون المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية مع أي مؤسسة تعليمية غربية فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي

وأُنشأ المعهد الأوروبي الألماني للعلوم الإنسانية (EIHW)، المستوحى إلى حد كبير من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، والذي يرأسه المصري خالد حنفي، نائب الأمين العام الجديد للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، والعضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IMSS)، قبل بضعة أعوام في فرانكفورت؛ والذي يرأسه الآن خليفة القرضاوي؛ عبد الله الجديعي، المتواجد على رأس المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) منذ عام، وهو عراقي إنجليزي، إضافة إلى أنه عضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IUMS)، كما كان جزءاً من المجلس الإداري والمجلس العلمي للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في شاتو شينون، وكان نائبه؛ أحمد جاب الله، نفسه قد ترأس لفترة طويلة نفس المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) الذي يعلن عن نفسه كمنظمة أوروبية.

 

حلفاء أقوياء لمنظمة راسخة بشكل متزايد
بُذلت محاولات مختلفة لوضع إخوان أوروبا في مكانهم، ولكن تبيّن، لسوء الحظ، أنّ تمويلهم قوي جداً، حيث تساعد مؤسسات كثيرة في قطر والكويت على زيادة فرصهم في التسلل، كما أنّ تعاونهم الوثيق والمتزايد مع تركيا يثير القلق، فضلاً عن انتشار مساجد الحركة الإسلامية التركية ميلي غوروس (أفق وطني) في كل مكان تقريباً داخل أوروبا، وخصوصاً في ألمانيا، فهذه النسخة التركية من الإخوان المسلمين تقوم حالياً ببناء مسجد كبير في ستراسبورغ على مساحة 7000 متر مربع تقريباً.

تتلقى جماعة الإخوان مساعدات من مؤسسات كثيرة في قطر فضلاً عن تعاونها الوثيق والمتزايد مع تركيا

هل من قبيل الصدفة أن يقع مقر فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد، (IESH-Alsace)، والذي تم تأسيسه في خريف عام 2018 من قبل جمعية عضو في اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية (UOIF)، أي "الرابطة الإسلامية لشرق فرنسا"، في مدينة ستراسبورغ أيضاً، ومقرها حالياً في مسجدٍ للإخوان المسلمين في شارع ثيرغارتن؟
ورغم أنّه لا يزال حديثاً، إلّا أنّ هذا الفرع التابع، يشارك بالفعل في النقاش الدائر باللغة العربية، بتمويل من قطر (QatarDebate)، وقد استضاف بالفعل أحد الزعماء المثيرين للجدل في الجامعة الإسلامية العالمية؛ وهو العالم الإسلامي عبد الله المصلح، ولأنّ الجامعة الإسلامية العالمية هذه كانت دائماً منظمة سعودية مرتبطة بشكل وثيق بجماعة الإخوان المسلمين، فلا يرى عبد الله المصلح أي مشكلة في إضفاء الشرعية على الهجمات الانتحارية ضد "أعداء الإسلام"، وأرسل فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد ألزاس، فور تأسيسه 7 طلاب ومدرسين إلى فيينا في أوائل كانون الثاني (يناير) من العام 2019، للمشاركة في هذه المسابقة التي تموّلها مؤسسة قطر التعليمية.

تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من مسلمي أوروبا يشعرون أنّ جماعة الإخوان المسلمين تُمثلّهم

عند التفكير في تسلل الإخوان المسلمين، فعلى سياسيينا الإدراك بأنّ المؤسسات والجمعيات التربوية التابعة للإخوان المسلمين تعمل دائماً على أساسٍ أوروبي، وأنّ التغيير بين الأجيال الذي يحدث في هذه المنظمات يعني تطابق أيديولوجيا الإخوان المسلمين الخطيرة أكثر وأكثر مع جيل التابعين الشباب، ولا بدّ من بذل جهد أوروبي لمواجهة هذا الشكل من الإسلاموية، ويجب على فرنسا أن تتساءل عمّا إذا كانت ترغب بالاستمرار في استضافة أهم مجموعة من الأئمة والمدرسين الإسلاميين من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية وفروعه على أراضيها، أو ما إذا كانت ستنجح في إيجاد الوسائل لوضع الإسلام على طريق أكثر ليبرالية وأكثر إنسانية، لتُقدّم خدمة رائعة لمسلمي البلاد؛ حيث تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من المسلمين في أوروبا يشعرون أنّهم ممثَّلون من قبل جماعة الإخوان المسلمين، هذه الأقلية التي تعمل على فرض الإسلام السياسي على الأغلبية الصامتة العظمى.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.causeur.fr/freres-musulmans-islam-tariq-ramadan-171941

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية