فريد العليبي: الإسلام السياسي يراوغ وصولاً إلى الحاكمية

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
5560
عدد القراءات

2018-01-25

أرجع الدكتور فريد العليبي عودة الإسلام السياسي في المشهد العربي إلى "الانتفاضات العربية" وإلى قدراته التنظيمية، بالإضافة إلى توجّه بعض القوى الدولية لتشريك "الإسلام السياسي المعتدل".

وأوضح أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، في حوار أجرته معه "حفريات"، أنّ الإسلام السياسي استعملته قوى متصارعة ضد بعضها بعضاً في الماضي، مقابل قوى ديمقراطية عانت عجزاً في إطلاق حداثة عربية، مبيناً أنّ مفهوم "الدولة الإسلامية" لم يكن له وجود مطلقاً حتى تكون هناك مطالبات بعودته؛ لأن "ما ألغاه كمال أتاتورك هو الدولة العثمانية"، على حد تعبيره.

ونوّه العليبي إلى أنّ الإسلام السياسي ‏يراوغ بالديمقراطية في سبيل القضاء عليها؛ أي ليستبدلها في النهاية بفكرة ‏الحاكمية، كما بلورها أبو الأعلى المودودي، أو بولاية الفقيه كما عبّر عنها آية الله ‏الخميني..، فهو  يستعملها لتجريد الشعب من أيّ سلطة سياسية لتدبير ‏شؤونه العامة، ووضع مصير ذلك التدبير بين أيدي الفقهاء الجدد في إعادة إنتاج ‏لنظام حكم ساد على مدى قرون في البلاد العربية وتجاوزه الزمن.‏

مكّنت الانتفاضات العربية الإسلام السياسي من أن يجد له موطئ قدم في ‏الحياة السياسية

والدكتور فريد العليبي أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس الجمهورية التونسية. من أبرز مؤلفاته: "رؤية ابن رشد السياسية"، "ابن رشد والفتنة"، "مقاربات نقدية في فلسفة النبوة"، "تونس الانتفاضة والثورة"، "الربيع العربي والمخاتلة في الدين والسياسة"، وهو عضو سابق بالهيئة المديرة للجمعية التونسية للدراسات الفلسفية وعضو هيئة تحرير سابق لمجلتها العلمية.

الإسلام السياسي اكتسب عبر السنين قوة استمدّها من ‏موروث ديني ضارب في القدم

وفي ما يلي نص الحوار كاملاً:

بم تفسّر عودة الإسلام السياسي للمنافسة على الحكم منذ العام 2011؟

هناك عوامل مختلفة تفسر ذلك، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي، ‏فداخلياً مكّنت الانتفاضات العربية الإسلام السياسي من أن يجد له موطئ قدم في ‏الحياة السياسية بما وفّرته من مناخ الحريات العامة، خاصة أنه كان يتمتع ‏بقدرات تنظيمية تتيح له ذلك؛ وخارجياً كان هناك اتجاه لدى عدد من القوى ‏الدولية، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، لتشريك الإسلام السياسي "‏المعتدل" في الحكم.‏

ولكن، من المحللين من يفسر قوة تيارات الإسلام السياسي وسيطرتها على الشارع بضعف منافسيها من الديمقراطيين والحداثيين وعجزهم عن التواصل مع الشارع، ما مدى وجاهة هذا التفسير؟

هذا صحيح، فالإسلام السياسي اكتسب عبر السنين قوة استمدّها من جهة من ‏موروث ديني ضارب في القدم يسكن، بهذا القدر أو ذاك، الوعي الجماعي للشعوب، ‏ويكفي التظاهر بالوفاء له وإجلاله لتحريك العواطف الجياشة في هذا الاتجاه أو ‏ذاك؛ ومن جهة ثانية، فإنّ الإسلام السياسي كثيراً ما وجد حاجة إليه لدى قوى ‏متصارعة فدعمته واستعملته ضد بعضها البعض، أو ضد قوى أخرى داخل كل ‏بلد لإضعافه، أما القوى الديمقراطية والحداثية، فقد عانت من غربتها في علاقة ‏مع ذلك الموروث الديني، ولم تنجح في إطلاق حداثة عربية من بين ثناياه، فظلّ ‏سلاحاً في يد القوى التقليدية استعملته لتوجيه "الشارع" ضد "الحداثة" ‏و"العلمانية" و"الاشتراكية" و"الديمقراطية" و"المساواة بين الجنسين" ‏الخ... وفضلاً عن ذلك، فإنّ متغيرات إستراتيجية حدثت على صعيد عالمي ‏أضعفت القوى الديمقراطية والحداثية ومنها هزيمة القومية العربية غداة ما ‏سمّي بالنكسة العام 1967، وتفكك الاتحاد السوفياتي العام 1991، وانعطاف العالم ‏كله في اتجاه النكوص إلى الماضي التليد.

برأيك، لماذا بعد أن قضي على "الدولة الإسلامية" التي كان نظام الحكم فيها خلافة، واستبدلت بأنظمة أخرى نجد "الروح" الإسلامية السياسية تعاود الظهور وتجد لها موطئ قدم على حد تعبيرك؟ أليس هذا دليلاً على ضعف ترسخ فكرة الدولة ومفهومها في العالم العربي؟

ربما يجدر بنا تدقيق مفهوم "الدولة الإسلامية"، فتلك الدولة لم ترَ النور أبداً،  ‏بمعنى أنّ الخلافة لا وجود لها في الإسلام كما يذهب إلى ذلك علي عبدالرازق، ‏وما ألغاه كمال أتاتورك العام 1924 هو الدولة العثمانية التي ارتدت معطف ‏الدين لعقود طويلة وليس "الدولة الاسلامية". وما نراه الآن أيضاً من انبعاث ‏‏"الروح الإسلامية" في السياسة، وصولاً إلى الحديث عن قيام للدولة الإسلامية، ‏هو من قبيل مراوغة الشعوب بالدين لحكمها من طرف هذه القوة السياسية ‏الاجتماعية أو تلك. إنّ ما نراه الآن ليس عودة الدين، وإنما استثماره في ‏السياسة من طرف قوى اجتماعية لغايات السيطرة والهيمنة، والتاريخ ‏الإسلامي مليء بالأمثلة التي تبيّن ذلك، فلا يخلو عصر أو بلد من بروز هذه ‏الجماعة أو تلك، استثمرت الدين لأجل تلك الغاية، كذلك كان الأمر مع ‏الأمويين والعباسيين في المشرق والمرابطين والموحدين والفاطميين في ‏المغرب الخ.. ‏

ما ‏يشهده العرب الآن هو بمعنى ما ردّة تاريخية مرتبطة بأزمة عاصفة

والدولة ليست فكرة بقدر ما هي مؤسسات وأجهزة، وهي تضعف وتقوى في ‏علاقة بالتاريخ ومحدداته كما يراه ابن خلدون مثلاً، وعربياً كان وضعها كذلك ‏فقد كانت "ملكاً عضوضاً" تارة وهباء منثوراً تارة أخرى.

في الطرف المقابل، يرى محللون أنّ هذه العودة تعكس تطوراً في فكر الإسلام السياسي وقبولاً بشروط الديمقراطية وخضوعاً لنظامها، ما رأيك في هذا الطرح؟

الإسلام السياسي ليس موحداً، وإنّما هناك تيارات مختلفة يتكون منها ويتشكل، ‏وهي أحياناً تقاتل بعضها بعضاً، وقد حدث هذا بالأمس، ويحدث اليوم أيضاً، وتلك ‏التيارات المختلفة يجمع بينها قاسم مشترك وهو استثمار الدين في السياسة كما ‏ذكرت. وهذا لا يمثل تطوراً في النظريات السياسية، وإنما نكوصاً وارتكاساً إلى ‏أنماط حكم ثيوقراطية. وطالما أنّ الأمر كذلك فإنها والديمقراطية نقيضان. ‏فالحكم باسم الشعب ليس كالحكم باسم الله. ومن هنا، فإن الإسلام السياسي ‏يراوغ بالديمقراطية في سبيل القضاء عليها؛ أي ليستبدلها في النهاية بفكرة ‏الحاكمية كما بلورها أبو الأعلى المودودي، أو بولاية الفقيه كما عبّر عنها آية الله ‏الخميني الخ.. إنّه يستعملها لتجريد الشعب من أيّ سلطة سياسية لتدبير ‏شؤونه العامة ووضع مصير ذلك التدبير بين أيدي الفقهاء الجدد في إعادة إنتاج ‏لنظام حكم ساد على مدى قرون في البلاد العربية.‏

توفّرحركة النهضة في تونس نموذجاً لقراءة الإسلام السياسي على ضوء ‏مفهوم المراوغة

ألا يمكن اعتبار حركة النهضة في تونس وقبولها للتحالف مع حركة "نداء تونس" مثالاً على انخراط تيارات الإسلام السياسي في السياسة وقوانينها وأساليب إدارتها؟

توفّرحركة النهضة في تونس نموذجاً لقراءة الإسلام السياسي على ضوء ‏مفهوم المراوغة؛ فقد نشأت خلال حكم بورقيبة وكانت قريبة جداً منه حتى أن ‏جرائدها كانت تطبع في المقر العام للحزب الدستوري. وعندما حدثت الانتفاضة ‏العمالية العام 1978 أصدرت بياناً اعتبرت فيه ما جرى تخريباً لمؤسسات الدولة، ‏أما عندما وقعت عملية قفصة العام 1980، فقد عبّرت عن استعدادها لحمل السلاح ‏دفاعاً عن نظام بورقيبة الخ.. ثم عندما اشتدّ عودها تآمرت على بورقيبة، وكوّنت ‏مجموعات شبه عسكرية للقيام بذلك، وهو ما حدث مع بن علي أيضاً؛ فقد صرّح ‏راشد الغنوشي بعد لقائه به غداة انقلاب 7 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1987 أنّ له ثقةً في الله ‏وفي بن علي، ونسي حتى ذكر الرسول، ثم ما لبث أن انقلب عليه أيضاً، وهذا ‏يحدث اليوم كذلك في علاقة بمنصف المرزوقي أو حمة الهمامي مثلاً، وهما من ‏الحلفاء السابقين لحركة النهضة. ومن هنا، فإنّه ينبغي فهم التوافق الحالي بين ‏الحركة وحزب نداء تونس لا على أنّه أمر "تطور" في الممارسة السياسية، ‏وإنما باعتباره "ثابتاً" من ثوابت المخاتلة السياسية التي تسم الإسلام ‏السياسي عامة. فهذا "الثابت" تتقاسمه حركة النهضة مع غيرها من مكونات ‏الإسلام السياسي.

كلما اتّهمت تيارات الإسلام السياسي بأنّها "رجعية" وبأنّها معادية للديمقراطية، ردّت بأنّ منتقديها أيضاً لا يرضون بـ "نتائج الصندوق" ويحاولون قلب نظام الحكم إذا أفرزت الديمقراطية فوزاً لهذه التيارات كما حصل في مصر وتونس مثلاً، أليس من المفترض أن نقبل بما تفرزه الديمقراطية؟

أفرزت الانتفاضات العربية حتى الآن ديمقراطية ملتبسة؛ بل بإمكاننا القول إنها ‏مغشوشة، إنها ديمقراطية يتحكم فيها المال السياسي وبعض الإعلام الفاسد محلياً ‏وتدخل قوى دولية وإقليمية خارجياً بالمال وأحياناً بالسلاح لترجيح كفة هذه الحركة ‏أو تلك من المجموعات السياسية الليبرالية والدينية، لذلك يهجر الناس بأعداد ‏متزايدة تلك الديمقراطية، وينفرون من "السياسة" التي أفرزتها، وكما قلت في ‏بداية هذا الحوار، فإنّ الإسلام السياسي وجد فرصة سانحة لاستثمار المناخ الذي ‏وفرته تلك الانتفاضات لا لصالح المنتفضين وإنما لصالحه هو. لأجل هذا ينبغي ‏التعامل على المستوى النظري مع تلك الديمقراطية نقدياً والتنبيه إلى مضارها ‏العملية وصولاً إلى تنقية الديمقراطية من تلك الشوائب والعوائق وإرجاعها إلى ‏جوهرها من حيث هي حكم الشعب لنفسه بنفسه، وهو ما لن يتحقق دون تحقيق ‏السيادة الوطنية والعدل في توزيع الثروة، فعندها يمكن للمباراة الانتخابية أن ‏يكون لها معناها الفعلي. وطالما أنّ ذلك غير متوفر الآن فإنّ ما يحصل هو ‏صراع بين التيارات الدينية والليبرالية وغيرها على السلطة، وإن اتّخذ ذلك ‏الصراع تارة شكلاً "برلمانياً"، وطوراً شكل انقلابات عسكرية وإرهاب ‏تكفيري الخ..

كيف أثرت عودة الإسلام السياسي في الواقع العربي برأيك؟ ما أبرز تداعيات هذه العودة؟

يمكن رصد ذلك التأثير اليوم في بلدان مثل؛ ليبيا والعراق وسوريا واليمن ومصر ‏وتونس؛ حيث تنتشر مظاهر مثل؛ المذابح الجماعية والقتل على الهوية الدينية ‏والطائفية وسبي النساء وبيع المهاجرين عبيداً وانتشار الأمراض وارتفاع لهب ‏الفتن المذهبية الخ.. لقد كان للإسلام السياسي آثاره الضارة في أي بلد حلّ به، ‏وسيكون الأمر أشد سوءاً في المستقبل، فخلط السياسة بالدين لا يحل الأزمة التي ‏يمر بها العرب، وإنما يزيدها تعقيداً، وقد غدا الآن واضحاً أنّ شعار "الإسلام هو ‏الحل"، الذي طالما ردّده الإسلام السياسي، إنما يتمثل تجسيده الواقعي في ذلك ‏الخراب المعمم الذي قلّما نجا منه قطر عربي؛ بل إنه تم تصديره لشوارع عدد من ‏المدن الأوروبية وغيرها؛ حيث دهس أناس أبرياء وتفجير قطارات الخ.. ‏

هذا يحيلنا إلى سؤال مستقبلي: ما الأخطار التي يمكن أن تنجم عن مزيد تغلغل تيارات الإسلام السياسي في الواقع العربي الإسلامي المعاصر؟

العرب في حالة وهن وضعف الآن والإسلام السياسي كان من بين الأسلحة التي استعملت ‏على مدى عقود لتحقيق ذلك، غير أنّه كان غالباً يؤدي دوره من خارج السلطة، أما الآن ‏فإنه يقوم بهذا الدور من داخلها، وهذا ضار ومفيد في الوقت نفسه، إنه ضار من جهة كونه ‏سيفاقم ذلك الوهن وصولاً بالعرب إلى حافة الكارثة خاصة في علاقة باحتدام الفتنة، وهو ‏مفيد من جهة كون عموم الناس أضحوا يدركون أكثر فأكثر بتجاربهم الملموسة أنّ الإسلام ‏السياسي لا علاقة له بالدفاع عن الدين بقدر ما له علاقة بالتجارة به. وقديماً قال فيلسوف ‏العرب الأول أبو إسحاق الكندي "إن من اتجر بشيء باعه"، وهؤلاء يبيعون الدين لمن يشتري.

أشرت سابقاً إلى أنّ التيارات الديمقرطية والحداثية تتحمل مسؤولية – وإن بطريقة غير مباشرة - في صعود تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة، إلى أي مدى يمكن أن تكون إذن طرفاً مساعداً في مواجهتها والحد من تصاعد نفوذها؟

يمكن لتلك التيارات أن يكون لها دورها في الحيلولة دون الوصول إلى تلك اللحظة‏‏/ الكارثة التي ألمحت إليها، متى أرست سياساتها على قاعدة فلسفية ديمقراطية ونقدية ‏وعقلانية الخ.. فهي اليوم غالباً حداثية دونما حداثة؛ أي دون إدراك لمعنى الحداثة ‏ومقوّماتها وعوائقها، وهو ما ينسحب على الديمقراطية أيضاً. وتلك الفلسفة ستجعلها تدرك ‏أن الحداثة والتحديث ينبغي أن ينبعا من العرب أنفسهم في علاقة بموروثهم وتاريخهم لا ‏في غربة عنه. إنّ فلاسفة مثل؛ ابن رشد والكندي والفارابي ومفكرين حداثيين مثل؛ ‏فرح أنطون وشبلي شميل ومحمد عبده والطاهر الحداد الخ... يمكن استعادتهم في بلورة ‏نظريات سياسية عربية معاصرة تحقق تلك القطيعة مع نظريات الإسلام السياسي، وتجسد ‏ذلك في صميم الحياة الواقعية لأوسع قطاع من الناس، بمعنى أن تلك التيارات بحاجة إلى ‏الانشغال أكثر بالمسألة الثقافية التي من بين أبعادها أيضاً مكاسبها الكونية وحسن الربط ‏بينها وبين المسألة السياسية.

 الإسلام السياسي وجد فرصة سانحة لاستثمار المناخ الذي ‏وفرته الانتفاضات لا لصالح المنتفضين وإنما لصالحه هو

وما الآليات التي تراها كفيلة بالحد من امتلاك الإسلام السياسي للمجال العام على نطاق واسع، هل يبدو لك الحل الأمني أو العسكري قادراً على ذلك؟

هناك أمثلة كثيرة تبين أنّ قمع الأفكار مهما كانت طبيعتها لا تؤدي إلا إلى تقويتها. ‏والأديان نفسها، كما العديد من الفلسفات، انتشرت بعدما تم خنقها بوسائل القوة والردع، لذلك ‏أشرت إلى أهمية المجال الثقافي فهزيمة الإسلام السياسي ممكنة هنا بالذات، فتلك نقطة ‏قوته وضعفه أيضاً وهنا المفارقة. إنّه يتغذى من زعمه امتلاك ذلك الموروث، فهو القيم ‏عليه وحارسه، وفي هذا مكمن قوته. غير أنّ نزع هذا القناع الأيديولوجي سيعرضه إلى ‏الضعف على نحو متزايد. ومهمة المفكرين العرب المنخرطين أيضاً في المعركة ‏السياسية والاجتماعية متأكدة هنا. وينبغي أن يعاضدها فاعل سياسي يمتلك آليات نشر ‏الفكرة بين أوسع قطاع من الناس لتتحول بهم ومن خلالهم إلى قوة مادية.

هل ترى مستقبلاً لهذه التيارات في ظلّ ما سبّبته من أزمات بعد 2011؟

في تاريخ البشر تعرجات وانحناءات ومنعطفات؛ بمعنى أنه لا يسير وفق خط مستقيم، وما ‏يشهده العرب الآن هو بمعنى ما ردّة تاريخية مرتبطة بأزمة عاصفة، ليس هنا مجال ‏تفصيل ظاهرها وباطنها. والإسلام السياسي نتاج لهذا الوضع المركب، وسيظل قائماً ما ‏بقيت تلك الأزمة دون حل. إنه ببساطة حل وهمي من بين حلول وهمية أخرى لها، ‏وسيكتشف الناس مع مرور الوقت الزيف الكامن في تلك الحلول، قبل أن يبتكروا هم أنفسهم ‏حلها المتطابق مع مصالحهم دون سواها. وقد تكون مهمة المثقفين مساعدتهم على أن يروا ‏في الظلام الحالي نقطة الضوء التي تلمع من بعيد لجعلها تكبر شيئاً فشيئاً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



جان كرم: المؤسسات الإعلامية المتهاونة تكرّس الرداءة

2019-09-15

أجرت الحوار: رشا سلامة


على خلاف ما قد يخاله المتأمّل من قرب أفول الصحافة الورقية؛ فإنّ أستاذ الصحافة والإعلام اللبناني، جان كرم، يرى أنّ "هنالك أملاً في إقامة توازن بين معايير الربح والخسارة، من جهة، والحفاظ على وجود الصحف ومهنيّتها، إلى حدّ ما، من جهة أخرى"، مع إقراره في الوقت نفسه بأنّ المؤسسات الإعلامية المتهاونة تكرّس الرداءة.
يقول كرم، الحائز على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة السوربون الفرنسية في عام 1981، إنّه "لا وجود لتدريس أكاديمي صحفي سليم في ظلّ غياب ممارسة جادة وعميقة للعمل الصحفي في الصحافة المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية، وحتى الإلكترونية".

تقع مجموعة كبيرة من الكليات والمؤسسات الإعلامية العربية في خطأ الاستسهال والتهاون مع القارئ والمستمع والمشاهد

في حواره مع "حفريات"، يقول كرم، الذي تقلّد منصب مدير مركز النهار للتدريب والبحوث، والمشرف العام على الدورات التدريبية للصحفيين اللبنانيين والعرب، بالتعاون مع مؤسستَي "إنترنيوز" و"MEPI" الأميركيتين، إضافة إلى منصبه كمشرف عام على ملاحق عدة في "النهار"؛ إنّه يضع اللمسات الأخيرة على مؤلَّفه "موسوعة الصحافة الميسّرة"، التي جاءت خاتمة لستة عشر كتاباً وعشرات الدراسات والمقالات في مسيرته التأليفية، في مدّة تربو على عشرة أعوام.
يُذكر أنّ جان كرم، من مواليد عام 1941، وقد مارسَ العمل الأكاديمي والإشراف على رسائل الدراسات العليا في أقطار عربية شتى، أبرزها الجامعة اللبنانية، ومعهد الإعلام الأردني، إضافة إلى مناصب عدّة تقلّدها في الصحف والمطبوعات اللبنانية والعربية، كما قدّم مجموعة من المؤلفات التي أثرت المكتبة العربية، منها على، سبيل المثال لا الحصر، "جبران خليل جبران"، و"التوجيه في البلاغة والعروض"، و"مدخل إلى لغة الإعلام"، و"الدليل الصحفي العربي"، و"الإعلام العربي إلى القرن الحادي والعشرين"، و"التحوّلات نحو الحداثة في تحرير الأخبار".
يضع كرم اللمسات الأخيرة على مؤلَّفه "موسوعة الصحافة الميسّرة"

هنا نص الحوار:

يهجس معظم القائمين على الصحافة المكتوبة حالياً بإنقاذها من الإفلاس وإبقاء رأسها فوق مستوى الماء؛ ما الأسباب التي أفضت لكلّ هذا التدهور، وما تقييمك لمدى نجاح هذه الجهات في إحداث توازن بين معايير السوق والأرباح والخسارة من جهة، وبين المهنية الإعلامية من جهة أخرى؟

إذا كان سقوط الصحيفة المطبوعة (المكتوبة أو الورقية) سريعاً ومدوياً في الغرب؛ فهو في العالم العربي يتهادى مترنحاً بين سقوط محدود حاصل وسقوط مرتقب قابل للمعالجة، أما أسباب التدهور والسقوط فهي عديدة، منها: شيوع المواد الإخبارية والإعلامية على وسائل الإعلام والتواصل الأخرى "حالاً حالاً"، وعلى نطاق واسع وشبه مجاني، وفي صيغ جذابة وملحقة بالتحليل المتعدد الأصوات والاتجاهات، ومنها نزعة التفاعل مع البرمجيات الرقمية لدى الأجيال المخضرمة والشابة مما يدخلها لذة الاكتشاف، ومنها ذكاء أجهزة الاتصال والإعلام في دمج المرئي والمسموع بالاتصال الفوري، مما يضاعف الشعور بعجائبية التلقي، ومنها هجرة قسم كبير من الإعلانات مع مردوداتها المالية إلى المواقع والصحف الإلكترونية، ومنها أيضاً عدم تنازل أصحاب الصحف وكبار الكُتّاب والمراسلين عن أرباحهم ومرتباتهم الخيالية المستحقة مداراة للسقوط، وغير ذلك كثير.

لا وجود لتدريس أكاديمي صحفي جامعي سليم في غياب ممارسة جادة وعميقة في الصحافة المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية وحتى الإلكترونية

عربياً؛ لديّ اعتقاد بأنّ إمكانات النجاح في إقامة التوازن بين معايير الربح والخسارة، من جهة، والحفاظ على المهنية القائمة، من جهة أخرى، غير مستبعدة وذلك للأسباب الآتية:

أولاً: طبيعة المساندة الحكومية المستترة والظاهرة، لدى معظم الأنظمة، لمعظم الصحف لقاء تناغمها الصارخ أو المعقول مع السلطة، مما يؤدي إلى ضمان توزيع سخي للأعداد على المؤسسات الرسمية والصديقة، وفي هذا ضمان الربحية كيفما اتفق.
ثانياً: عدم وصول الانتشار الإعلامي والاتصالي المتطور إلى غاياته القصوى في المناطق والكيانات العلمية والثقافية المتوسطة، مما يبقي الصحيفة الورقية المطبوعة هي الأقرب تناولاً وشراء.

ثالثاً: بناء على المعطَيين السابقين تبقى مردودات الإعلان عالية والأرباح مضمونة، ورابعاً: الاستفادة من تجارب الغرب في التحوّلات التي طرأت على صحفه، ما يخلق حذراً من محظور الإغلاق.

لذلك ستبقى الأحوال الصحفية المطبوعة تحت السيطرة.

صحافة بلا أجندة

حائز على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة السوربون الفرنسية في عام 1981
الإعلام متهم دوماً؛ ثمة من يراه مسؤولاً رئيساً عن معظم ما يحدث حالياً من احتقانات واستقطابات، فيما يرى بعض آخر أنّه يقف موقفاً سلبياً ولا يؤدي الدور المنوط به، ما هي وجهة نظرك حول الإعلام العربي عموماً، واللبناني تحديداً، في الوقت الحالي؟

الصحافة، ذات المهنية المؤكدة، لا دور لها سوى الشهادة على الواقع بلا أجندات مغلفة؛ لذلك، تتوالى فيها معالم إخفاقات واستقطابات وغيرها بشكل غير مقصود؛ بل على شكل انعكاس للواقع، وهذه هي مسؤوليتها الوحيدة، أما الصحف الخارجة عن المهنية الصحفية؛ فهي مجرد نشرات إعلانية في خدمة من يموّلها أو من ينشرها؛ لذلك لا يكون لها إلا دور سلبي في التعاطي مع الجمهور العام  يتمثل في الاختلاق والتشويه والتحامل والتحريض وإثارة النعرات من جهة، وتجميل القبح من جهة ثانية؛ هذا الوضع قائم في العالم كلّه، كما في العالم العربي ولبنان، إنّما طغيان اللا مهنية والانحدار نحو الزبائنية هو الممعن في التواجد والهيمنة على مساحة  العالم العربي ولبنان.

عملت عقوداً في الحقل الأكاديمي وفي التحرير الصحفي في كبريات المطبوعات؛ أيّ العملين كان أقرب لنفسك؟ وهل ترى أنّ السلك الأكاديمي أخذك، نوعاً ما، من الممارسة اليومية؟

لا وجود لتدريس أكاديمي صحفي جامعي سليم، في غياب ممارسة جادة وعميقة للعمل الصحفي في الصحافة المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية وحتى الإلكترونية؛ فالنظريات التي يطلقها الأستاذ الجامعي تبقى زاداً فوقياً، ما لم ترفق بأمثلة واقعية عايشها وتمرّغ فيها هو شخصياً.

اقرأ أيضاً: كيف يواجه الإعلام تحديات "الفساد المقدس" في العراق؟

من هنا، أنا لم أفترق يوماً عن ممارسة العمل الصحافي حتى في زمن التدريس، ولم أفصل بين مرحلة وأخرى، وإن كنت مرتاحاً إلى الزمن الأكاديمي ارتياحاً مطلقاً؛ لأنّه كان دائماً مرفقاً باستعادة التحرير ومندرجاته وتطوراته في أثناء ممارسة الأعمال التطبيقية.

تلقيت تعليمك العالي في فرنسا، وقد اختبرت الحياة الأكاديمية الغربية، والآن طلبتك ينتشرون في معظم الدول العربية بعد أن درّست في كثير من أقطار الوطن العربي؛ ما هي الفروقات التي رصدتها بين الحقلين الأكاديميين العربي والغربيّ في تعليم الصحافة والإعلام؟

جئت إلى العالم العربي، بجامعاته ومؤسساته الإعلامية، ومعي مخزون من الفكر والنظريات والرؤى في تدريس الصحافة والإعلام الحديث والتدريب عليهما، أهم ما في ذلك المخزون: المفهوم الحديث المتطوّر لمجمل الشائع عن وظائف الإعلام ومكوّنات الخبر والعلاقة بين المحرّر القائم بعملية الإرسال والمتلقي أينما كان، إضافة إلى الإيمان الواجب وجوده بضرورة الانقلاب المستمر على المفاهيم والممارسات القائمة، كلّما طرأ جديد ومثير عليها؛ فالتحوّل نحو الحداثة شأن يومي؛ بل لحظوي.

اقرأ أيضاً: كيف لا تختار دبي عاصمة للإعلام؟

لقد كان شائعاً عندنا، وعلى مساحة كبيرة من المجال الإعلامي العربي، الاسترخاء والنوم على حرير عند المفكرين الإعلاميين العرب وتطبيقاتهم، فقمت أنا وزملائي المشبعون بالتجارب الغربية على إيجاد فرق وتحوّل وبدا ذلك في النجاحات التي رافقت طلبتنا الخرّيجين والمتدرّبين حيث حطّت بهم الرحال في المؤسسات الإعلامية العربية والعالمية.

مهادن أم فاقد للأمل؟

مارسَ العمل الأكاديمي والإشراف على رسائل الدراسات العليا في أقطار عربية شتى
من يقترب من جان كرم يلحظ كم هو مهادن حالياً من ناحية سياسية، ولا أخال أنّ هذه المهادنة كانت في وقت مضى؛ فهل تكفّل الزمن بالمصالحة بين جان كرم والسياسة، أم أنّ هذه المهادنة دليل على فقدان أمل في التغيير؟

اليومَ أحتفظ لنفسي بالإخفاقات والنجاحات السياسية التي اختبرتها في الأزمنة المتعاقبة، وكلّها يقود إلى فقدان الأمل بالتغيير.

كثر هم من ينعون الصحافة الورقية بشكل شبه يومي، منهم أكاديميون يُدرّسون الصحافة والإعلام في الجامعات؛ ما الذي يستشرفه جان كرم فيما يتعلق بالصحافة الورقية؟ وهل يظن أنّها إلى زوال فعلاً؟ كيف تصف مشاعرك حيال تكهنات من هذا القبيل بعد أن حفرت اسماً عريقاً في تعليم الصحافة المكتوبة؟

انتهى زمن النعي وحلّ زمن الانتقال إلى طبائع ما بعد النعي، الصحافة الورقية أو المطبوعة أو المكتوبة تتموضع اليوم في مكان متعدّد المنازل، منه منزل الموت المنتهي؛ حيث الإقفال إلى غير رجعة، لأسباب موضوعية، أهمها عدم التحسّب للحاصل والآتي، ومنزل الخاضع للمعالجة تيمناً بشفاء ممكن عن طريق خفض الانتشار والإنتاج والأرباح وإشراك العدو اللدود المتمثل بالموقع الإلكتروني بالإنتاج، ومنزل العابث اللاهي عن بكائيات الميت، فاخترع له مكاناً في العالم الرقمي القائم سعيداً، وأوجد صحافة ومواقع في الفضاء الليبرالي الممتد إلى الهواتف الذكية، سارقاً ما شاء من مكونات الصحافة التاريخية، ومضيفاً ما شاء من مخترعات تكنولوجيا الاتصال والإعلام.

اقرأ أيضاً: الإعلام الرسمي والرقمي.. بماذا يثق الشباب العربي؟

هذا هو الواقع اليوم؛ هل أحزن لاطماً باكياً؟ لا، لأنّ منطق الوجود والحياة يقول بحتمية التحوّلات التي ستؤول إلى نهايات لا تستثني البدايات التاريخية، والبدايات الصحفية تكونت مع الصحافة المطبوعة وتحوّلاتها الداخلية.

موسوعة الصحافة الميسّرة

تعكف حالياً على موسوعة الصحافة؛ أين وصلت في كتابة هذه الموسوعة؟ وما الذي ستحمله من فرادة وخصوصية؟ هل استعرضت فيها التجربتين؛ العربية والغربية أم اكتفيت بواحدة؟ هلاّ حدثتنا عنها..

"موسوعة الصحافة الميسّرة" خاتمة ستة عشر كتاباً وعشرات الدراسات والمقالات في مسيرتي التأليفية، انتهت كتابة الموسوعة بعد عشرة أعوام من الإعداد وانتهت المرحلة الأولى من طباعتها بعد عامين من المراجعة وإعادة التحديث، تزامناً مع التطورات المتسارعة الطارئة على الصحافة والإعلام، إلى أن وصلنا للمسات الأخيرة القليلة لإطلاقها.
الموسوعة قسمان: الأول يتناول معاني المفردات والعبارات المتعلقة بالصحافة، وما يدخل في صناعتها ضمن الخصوصيات الآتية:

المطلوب هو أن يكون المواطن الصحفي غير المتخصص ذا حضور نادر في ظروف استثنائية جداً ولزوم محدود الصلاحية

أولاً: العرض باللغة العربية وفقاً للترتيب الأبجدي.

ثانياً: الشرح باللغة العربية: إفرادياً، أو موسّعاً من خلال تحليل، أو مرفقاً بأمثلة.

ثالثاً: في المقابل ما يوازي المفردة أو العبارة بالفرنسية والإنجليزية.

رابعاً: مسرد مستقل للمفردات والعبارات المقابلة باللغة الفرنسية، مرفقة بمعانيها المفردة بالعربية والإنجليزية.

خامساً: مسرد مستقل للمفردات والعبارات المقابلة باللغة الإنجليزية مرفقة بمعانيها المفردة بالعربية والفرنسية.

أما القسم الثاني؛ فيتناول الصحافة العربية في تفصيلين تاريخيين: الأول بداياتها في كلّ بلد عربي، والثاني أهم الروّاد والكبار فيها.

إنّها الموسوعة الأولى من نوعها في العالم العربي، وهي موائمة لمن يريد الاستزادة بالعربية، أو الفرنسية أو الإنجليزية.

ألا تجد أن تخصّص الإعلام في العالم العربي، وبالتالي القطاع المهني، بات يضمّ الغثّ والسمين، والكفؤ وغير الكفؤ، وتحديداً بعد بروز ظاهرة المواطن الصحفي واستسهال ممارسة الصحافة؟ وهل ترى أنّ المؤسسات الأكاديمية العربية تعاني خللاً في هذا السياق، أقصد عدم الغربلة؟

كان بإمكان تحوّل الصحافة والإعلام نحو الصناعة الربحية التجارية في العالم العربي أن يعزز استخدام الكوادر الصحفية والإعلامية عالية الكفاءة للتدريب، وإنتاج مستوى رفيع مدفوع الأجر، وانتشاراً واسعاً، وإعلانات سخية، لكنّ بعض التهاون والغباء جعل الأمر يمشي في اتجاه معاكس، مما راكم الطلب على الغثّ من المراسلين وشبه المراسلين؛ بل من أميّي الصحافة، اتكالاً على تصحيحات مأمولة في الغرف الداخلية، خاصة الـ "ديسك" المركزي، أضف إلى ذلك أنّ شيوع ظاهرة المواطن الصحفي، بما فيها من غياب المهنية وشروط الصحافة الأصيلة واستسهال تصيّد الأخبار الفاقعة ومجانية الاختيار، ضرب اهتمام الأكاديميين بتخريج أفواج من الإعلاميين الممتلئين ثقافة وإحاطة وافية بالمفاهيم وشروط الاختيار السليم والتقديم والتحرير.

اقرأ أيضاً: منتدى الإعلام بدبي.. إحياء الحضارات

وعلى هذا؛ فإنّ المؤسسات الإعلامية المتهاونة تكرّس الرداءة باستخدام المواطن الصحفي على علّاته، المطلوب هو أن يكون المواطن الصحفي، غير المتخصص، ذا حضور نادر في ظروف استثنائية جداً، ولزوم محدود الصلاحية، مرفقاً بكثير من التحفظ.
المطلوب من الأكاديميين الإعلاميين أن يخففوا من اندفاعهم نحو تكريس هذه الظاهرة، وما يرافقها من تخلّ تلقائي عن المبادئ والشروط القاسية لإنتاج صحافة مرموقة.

في خلاصة مبدئية، تقع مجموعة كبيرة من الكليات والمؤسسات الإعلامية العربية في خطأ الاستسهال والتهاون مع القارئ والمستمع والمشاهد، وهو أمر لن يستمرّ القبول به، وستتوالى الانقلابات عليه.

للمشاركة:

فريد بن بلقاسم: ادعاء "النهضة" القطيعة مع "الإخوان" دعاية سياسية انتخابية‎

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
2019-09-10

أجرى الحوار: عيسى جابلي


قال الباحث في الفكر الإسلامي والحركات الإسلاموية، فريد بن بلقاسم، إنّ حركة النهضة فقدت الكثير من رصيدها الانتخابي منذ العام 2011، وإنّ حظوظ مرشّحها للرئاسيات "ضعيفة"، مؤكداً أنّ تماسك قاعدتها الانتخابية، كما يزعم قادتها "صورة متوهمة".

حركة النهضة فقدت منذ انتخابات 2011 إلى الانتخابات المحلية في 2018 ما يقارب المليون ناخب

وأضاف بن بلقاسم، في حواره مع "حفريات"؛ أنّ حركة النهضة كانت مجبرة على المشاركة في الانتخابات الرئاسية رغم تركيزها بالأساس على مجلس النواب "الذي يمكنها من التحكم في السلطة التنفيذية والمناورة في الرئاسية"، مؤكداً أنّ المراجعات التي تروج لها الحركة "مسألة فيها نظر، في ضوء الظروف المحلية والإقليمية التي تمّت فيها، مرجِّحاً أنّها مدرَجة إلى الآن في خانة "صناعة الصورة".
وأوضح، الأستاذ المساعد بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس؛ أنّ مسألة قطيعة حركة النهضة مع الإخوان حولها "أسئلة كثيرة"، وهي داخلة في "باب الدعاية السياسية الانتخابية"، على حد تعبيره، متوقعاً ألا تفرز الانتخابات التونسية القادمة قوّة سياسية متفوّقة على الآخرين بشكل كبير.

اقرأ أيضاً: إما تونس أو النهضة
وفريد بن بلقاسم باحث في الفكر الإسلامي والحركات الإسلاموية، له مقالات في قضايا الهوية وفي الإسلام السياسي، وصدر له، العام 2019، كتاب "الإسلام السياسي ومفهوم المخاطر" عن دار الجنوب في تونس، وشارك في الكتاب الجماعي "ميراث النساء ووهم قطعية الدلالة"، ببحث عنوانه "في علم الفرائض دراسة تحليلية نقدية".
وهنا نصّ الحوار:
حظوظ حركة النهضة الانتخابية

نبدأ بالحديث عن حظوظ حركة النهضة في الانتخابات التشريعية والرئاسية، كيف تراها؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال؛ ينبغي أن نشير إلى أهمية هذا الموعد الانتخابي فيما أطلق عليه مسار الانتقال الديمقراطي في تونس؛ فهذه الانتخابات ستوضّح بنسبة كبيرة مدى النجاح في إقامة نظام حكم مبني على قواعد الديمقراطية، وخصوصاً على مبدأ التداول السلمي للسلطة.

المراجعات في أدبيات الإسلام السياسي ليست أمراً جديداً كلّما وجدت حركاتها نفسها في أزمة

والمتابع للمواعيد الانتخابية في تونس، منذ 2011، يلاحظ التطوّرات الحاصلة؛ على مستوى المشاركة في الانتخابات، ومستوى قدرة القوى السياسية على المحافظة على رصيدها الانتخابي، وفي هذا المضمار نلاحظ أنّ حركة النهضة فقدت الكثير من قدراتها، وخسرت الكثير من خزّانها الانتخابي، ولكنّ حظوظها في هذه الانتخابات ليست مرتبطة فقط بهذا العنصر، وإنّما بعنصرين آخرين، هما: حجم المشاركة في الانتخابات القادمة، الرئاسية والتشريعية، من ناحية، وقدرة الأحزاب الأخرى على أن تكون بديلاً قوياً للطبقة الحاكمة اليوم من ناحية أخرى. وأعتقد، في ظلّ الواقع الراهن؛ أنّه من الصعب التكهّن بنتائج الانتخابات، لا سيما الانتخابات التشريعية، في ظلّ كثرة الترشّحات والضبابية، وتشتّت العائلة المحسوبة على التيار الحداثي في تونس، أمّا في الانتخابات الرئاسية فالأمر مختلف، وأعتقد أنّ حظوظ مرشّح حركة النهضة ضعيفة حتى في بلوغ الدور الثاني.
ولكنّ كثيراً من المحللين يرون أنّ "تماسك" قواعد النهضة مقابل تشتت أحزاب منافسيها قد يقوي حظوظها بالفوز؟
في رأيي؛ ينبغي أن نحدّد مَن هم قواعد النهضة؟ وهل هم يشكّلون كتلة متراصّة متماسكة كما يزعم قادة النهضة أنفسهم؟ أعتقد أنّ الأمر لا يعدو أن يكون صورة متوهّمة: هناك حزام قاعدي حول النهضة متماسك وقوي مبني على نوع من الولاء العقائدي، إضافة إلى روابط عائلية متينة، وهو حزام محدود العدد، ولا يجعل من النهضة قوّة سياسية معتبرة، وهناك حزام انتهازي يعتمد على المصالح السياسية والاقتصادية، وهذا الحزام متحرّك يبحث دوماً عمّن يحمي مصالحه، والنتيجة الماثلة بين أعيننا.

زعم قادة النهضة القطيعة مع الإخوان يدخل في باب الدعاية السياسية الانتخابية

إنّ حركة النهضة فقدت، منذ انتخابات 2011 إلى الانتخابات المحلية في 2018، ما يقارب مليون ناخب، وهي نفسها شهدت في الأعوام الأخيرة صراعات داخلية، ظهرت بشكل بارز أثناء إعداد القائمات الانتخابية هذا العام، وهناك تململ داخل قواعدها الوسطى والصغرى، يضاف إلى ذلك مسؤوليتها في ما تشهده البلاد من أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، وهذا كلّه يلقي بظلاله على حظوظها في الانتخابات التشريعية القادمة، أمّا الحديث عن تشّتت القوى الحداثية واليسارية؛ فهذا أمر لا يمكن إنكاره، رغم أنّها تمثّل، في رأيي، القوّة المجتمعية الأكبر في تونس، ولها إمكانية الحكم دون حاجة إلى ما يسمّى التوافق مع حركة النهضة.
لماذا برأيك أصرّت حركة النهضة على المنافسة على انتخابات النواب والرئاسة معاً؟
أعتقد أنّ وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، رحمه الله، وتقديم الانتخابات الرئاسية على التشريعية، وقرب الموعدين من بعضهما (أقلّ من شهر)، جعل حركة النهضة في مأزق؛ فهي إن لم تشارك في الرئاسية ستفقد الكثير؛ أوّلاً من صورتها التي تحاول ترويجها باعتبارها الحركة السياسية الأقوى، وثانياً من الزخم الذي ستوفّره المشاركة في هذا الموعد الانتخابي، فوجدت نفسها مجبَرة على المشاركة.

اقرأ أيضاً: ساعة "الحقيقة" تقترب: "الجهاز السري لحركة النهضة" في برامج مرشحي الرئاسة
وفي رأيي؛ إنّها لم تكن تريد ذلك؛ لأنّ تركيزها الأساسي على مجلس النواب مصدر السلطة الرئيس، الذي يمكّن من التحكّم في تشكيل الحكومة والإمساك بأغلب مفاصل السلطة التنفيذية، ثمّ بعد الانتهاء من الانتخابات التشريعية يمكنها أن تناور في الرئاسية، لكنّ هذا المخطّط سقط ووجدت نفسها في وضع يفقدها المناورة وهو التكنيك السياسي الذي تتقنه جيداً.
حقيقة مراجعات "النهضة"

ماذا عن المراجعات التي تقول "النهضة" إنّها أقدمت عليها بعد الثورة؟ هل هي مراجعات جذرية برأيك؟
المراجعات في أدبيات الإسلام السياسي ليست أمراً جديداً، كلّما وجدت هذه الحركات نفسها في أزمة لجأت إلى القول إنّها بصدد إجراء مراجعات.

المساواة بين الرجل والمرأة كما هي مطروحة اليوم غير مفكَّر فيها في الرؤية الإسلاموية

أعود إلى سؤالك حول حركة النهضة: أعتقد أنّه ينبغي أن نضع ما تقوله في إطار ما يمكن تسميته بصناعة الصورة، والمهمّ في هذه الصناعة ليس الحقيقة كما هي وإنّما قدرتها التأثيرية في المتلقّي؛ أمّا معرفة إن كان الأمر جدّياً أم لا؟
هناك في رأيي معطيان يجب أن يؤخذا بعين الاعتبار: معطى السياق: في أي ظروف وأحداث أعلنت حركة النهضة هذه المراجعات (تنبغي العودة إلى منتصف عام 2013 وما جرى فيه إقليمياً، بسقوط حكم الإخوان في مصر، ووطنياً باعتصام الرحيل بعد الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية ضدّ الأمن والجيش، يضاف إلى ذلك انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة)؛ فهي إذاً، معطيات ضاغطة شعرت فيها الحركة بالخطر.

اقرأ أيضاً: هل تنوي "النهضة" التغوّل في الساحة السياسية التونسية؟
والأمر الثاني؛ هو إخضاع هذه المراجعات لاختبار النزاهة والمصداقية، معرفياً وأخلاقياً، وفي هذا المضمار ثغرات كثيرة عن مدى استقامة الجمع بين الإسلام باعتباره ديناً، والديمقراطية باعتبارها نظاماً لإدارة شؤون المواطنين، وعن مدى قدرة دعاة حركة النهضة على مراجعة لأصول الإسلام السياسي من قبيل "شمولية الإسلام"، و"الإسلام دين ودولة"، و"حاكمية الشريعة"، وعن مدى قدرتهم على استيعاب القيم الحديثة، وخصوصاً قيمة المساواة وقيم حقوق الإنسان، كما تنصّ عليها المواثيق الدولية.

اقرأ أيضاً: النهضة بين وجهها القبيح وأقنعتها الزائفة
إضافة إلى احتكام هذه المراجعات لمبدأ الحقيقة في الكشف عن الماضي والاعتراف به، إلى غير ذلك من الأسئلة العالقة التي تجعل هذه المراجعات تصبّ إلى الآن في خانة صناعة الصورة، وفي خانة التلاعب من أجل المحافظة على الموقع، وهذه الازدواجية هي التي تخلق الهواجس والشكوك في التعامل مع ما تعلنه الحركة.

من هذه المراجعات؛ ما أعلنه مورو مثلاً، بخصوص قطع علاقة حركة النهضة بالإخوان منذ أواخر السبعينيات.
ما قاله السيد مورو يدخل في باب الدعاية السياسية الانتخابية، طبعاً إذا كان يقصد العلاقة التنظيمية؛ فهذه في الحقيقة حولها أسئلة كثيرة، أمّا الروابط الفكرية والإيديولوجية؛ فهي لا تحتاج إلى جهد لإثباتها، فيكفي أن نستحضر مثلاً ما كان يقوم به الاتجاه الإسلامي سابقاً (حركة النهضة اليوم)، ومورو أحد أبرز قيادييه؛ من تلخيص ونشر لكتب سيد قطب مثلاً، والبيان الذي وقّعه مورو شخصياً ضدّ وزير التربية الأسبق، محمد الشرفي، وفيه شحنة تكفيرية ضدّ توجّهاته في الإصلاح التربوي، وغيرها من الأحداث التي تبين أنّ خزّان النهضة الأيديولوجي هو خزّان إخواني.
يلاحظ أنّ الأغلبية الساحقة في قوائم حركة النهضة من الرجال، كيف تصف موقف حركة النهضة من المرأة؟
بالنسبة إلى موقف حركة النهضة من قضية المرأة فهناك نقطتان مهمّتان؛ الأولى على المستوى السياسي، وباعتبار المرأة مواطنة، وهنا لم تعد الحركة تجد حرجاً في الدعوة إلى مشاركة المرأة في الحياة السياسية، فتبنّيها للديمقراطية الانتخابية يحتّم عليها أن تستثمر في الصوت النسائي، وأن تحاول الاستفادة منه، ولكن دون أن تقطع مع الموقف الذكوري، الذي يرهن ذلك الصوت لصالح الدعوة والحركة التي يسيطر عليها الرجال.

اقرأ أيضاً: سطوة الغنوشي تُفاقم الخلافات داخل حركة النهضة
والنقطة الثانية على مستوى المرأة، باعتبارها امرأة لها حقوق خاصّة بها، أقرّتها العهود والمواثيق الدولية، وحرّرتها من منزلة الدونية والتبعية للرجل؛ فحركة النهضة، وحركات الإسلام السياسي عموماً، تتشبّث بموقف أصولي رافض لهذه المنظومة الحقوقية.
"مدنية" الحركة

رفض حركة النهضة لمسألة المساواة في الميراث متوقَّع
كيف تقرأ رفض "النهضة" لقانون المساواة في الميراث وأسبابه في ظل تأكيها أنّها حركة "مدنية"؟

رفض حركة النهضة لمسألة المساواة في الميراث متوقَّع؛ فهي بذلك منسجمة مع مرجعيتها الإسلامية المعلنة في نظامها الأساسي، ومع روافدها الإخوانية المعتمدة على الموروث الأصولي والفقهي، وهو موروث يرى أنّ مسألة الميراث محسومة بما يسمّيه علم الفرائض، إذاً المساواة، كما هي مطروحة اليوم، غير مفكَّر فيها في الرؤية الإسلاموية، يضاف إلى ذلك أنّ حركة النهضة خسرت كثيراً من قاعدتها الانتخابية، ولم يبقَ لها غير نواتها "الجماهيرية" الصلبة، وهي غير مستعدّة من الناحية السياسية لأن تخسر المزيد.
إذاً، ما مدى جدية الزعم بأنّ الحركة قد تحوّلت إلى حزب مدني؟
مدنية حركة النهضة تحتاج إلى أن نحدّد المقصود بالمدنية، إن كان الأمر يتعلّق بأنّ هذه الحركة غير عسكرية، فهذا أمر واضح، وإن كان غير محسوم تماماً في ظلّ الحديث عن جهاز سرّي تابع لها، وإن كان المقصود حركة غير دينية، فهي فعلاً حركة غير دينية؛ فهي حركة سياسية بمرجعية إسلامية، بحسب نظامها الأساسي، دون أن توضّح لنا المقصود بالمرجعية الإسلامية.

اقرأ أيضاً: وفاة السبسي تخلط أوراق النهضة قبل الانتخابات
أعتقد أنّ مسار تحوّل حركة النهضة في تونس إلى حركة مدنية، بمعنى حركة سياسية تؤمن بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، يحتاج إلى جهد كبير، تنظيري وعملي، وعلى مستوى القمّة والقاعدة، وهو عمل يمكن أن تكون النهضة قد شرعت فيه بضغط الأحداث والظروف، وكلّما ازدادت الضغوط ستبذل الحركة جهوداً أكبر للسير قدماً في هذا المضمار، ونحن اليوم نسمع أصواتاً منفردة، لكنّها مهمّة، في هذا الاتّجاه.
الانتخابات التونسية القادمة لن تفرز قوّة سياسية متفوّقة على الآخرين بشكل كبير

على ذكر الجهاز السرّي؛ هل قدمت النهضة حججاً مقنعة تثبت عدم ارتباطها به وبالاغتيالات السياسية؟
امتلاك الحركات الإسلاموية أجهزة سرّية أمر تؤكّده شواهد كثيرة من داخل هذه الحركات نفسها (راجع ما كتبه قادة النظام الخاصّ التابع لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، مثل: علي عشماوي، ومحمود الصبّاغ، وغيرهما)، وفي وقت سابق؛ امتلك الاتّجاه الإسلامي في تونس مجموعة أمنية وعسكرية تابعة له ضالعة في التخطيط لانقلاب على نظام الرئيس، الحبيب بورقيبة، عام 1987، وهو ما أكّده المنصف بن سالم، الذي أشرف على المجموعة في كتابه "سنوات الجمر".

مسار تحوّل "النهضة" إلى حركة مدنية يحتاج إلى جهد كبير تنظيري وعملي وعلى مستوى القمّة والقاعدة

أمّا اليوم؛ فقد أعادت هيئة الدفاع عن الشهيدَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، إثارة هذا القضية، في أيلول (سبتمبر) 2018، وأصبحت قضية رأي عام، وطرحها الرئيس الراحل، قائد السبسي، في مجلس الأمن القومي، ويبدو أنّنا في تونس في حاجة ملحّة إلى إماطة اللّثام على هذه القضية، والحسم فيها قضائياً؛ حفاظاً على سلامة المناخ السياسي، واستكمالاً لشروط الانتقال الديمقراطي؛ وليس هناك من سبيل سوى التحقيق القضائي، فالقضاء هو الكفيل، في تقديري، بأن يكشف الحقيقة.
كيف تتوقع مستقبل حركة النهضة إذا فازت بالانتخابات وتعاملها مع محيط تونس الإقليمي والدولي؟
هذا سؤال سابق لأوانه، واعتقادي أنّ الانتخابات القادمة لن تفرز قوّة سياسية متفوّقة على الآخرين بشكل كبير؛ هناك تقارب كبير بين القوى المتنافسة في هذه الانتخابات، وربّما قد لا تستطيع تشكيل حكومة مستقرّة، أمّا مستقبل حركة النهضة فتتحكّم فيه عدّة عوامل: وجود قوى سياسية قادرة على المنافسة بقوّة قد يدفعها إلى مواصلة نهج المراجعات، وربّما قد يؤدّي إلى انقسامها تنظيمياً، إضافة إلى موقف القوى الدولية الفاعلة من الإسلام السياسي.
حركة النهضة ليست في وضع مريح يسمح لها بحرّية الاختيار، وبأن تكون المتحكّم في المشهد السياسي في تونس، هناك متغيرات كثيرة والأمور لم تستقرّ بعد، وهو ما يجعل كلّ الاحتمالات واردة.

للمشاركة:

محمد البشاري: جماعات الإسلام السياسي تسعى لاصطدامنا مع الآخر

2019-09-01

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال الأمين العام لـ "المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة" د.محمد البشاري إنّه من الضروري تأصيل الفقه وتذليل الصعاب بين الممارسة الدينية وقوانين بلدان المجتمعات المسلمة في الغرب. ودعا، في حواره مع "حفريات"، إلى الالتزام بخطاب إسلامي وسطي معتدل "يحترم سيادة الدول، ويعزز قيم المواطنة والمشاركة والتوادّ والتعاون والتراحم، واجتناب ما يثير نوازع الفتنة والفرقة بين المسلمين أنفسهم وبين غيرهم".

اقرأ أيضاً: كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟
وأضاف رئيس "الفيدرالية العامة للمسلمين في فرنسا"، أنّ علينا العناية بالفقه الذي يؤصّل للعدالة الاجتماعية، و"مراجعة كل ما يحرض على الصدام مع الآخر، ونقد التراث الفكري القديم الذي يجعل هذه العلاقة علاقة حرب وجزية".

وهنا نصّ الحوار:
العيش المشترك

تيارات الإسلام السياسي تشتغل على ما يسمى "الأسلمة" التي تعطي ولاءات خارج الأوطان
كيف تصف الوجود الإسلامي والمجتمعات المسلمة بأوروبا ومشكلاتها؟

المسلمون في دول أوروبية كثيرة يعيشون كأقلية بشرية أو دينية، ورغم اعتراف دول كثيرة بالإسلام رسمياً، والحضور القوي في بعض الحالات، إلّا أنّ المسلمين في حاجة إلى تشريعات قادرة على حماية الحقوق الثقافية والشعائر التعبدية هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ العمل على تأصيل فقه الأقليات والمواطنة مطلوب، مقابل فتاوى الانزواء، لا سيما ما يخص قضايا العيش المشترك وأسس التواصل الحضاري؛ حيث كان من اللازم تأصيل الفقه وتذليل الصعاب بين الممارسة الدينية وقوانين بلدان المجتمعات المسلمة.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟
وما يجري في أوروبا، على سبيل المثال، من محاولة بعض الجماعات عزل المسلمين في "جيتو"، واستخدامهم كظهير للتنظيمات، لا حلّ له سوى العمل بجدية على إعادة العقل الإسلامي من جديد، للحدّ من وتيرة الحروب الدينية والطائفية، التي لن تتم إلا من خلال إطلاق مبادرات الحوار والتنمية المستدامة والعناية بقضايا الشباب والفقر والجهل.

هل توجد تجربة ناجحة ونموذج يمكن أن نبني عليه على هذا الصعيد؟

في رأيي؛ في كلّ دولة من دول المجتمعات المسلمة تجارب مميزة، فمثلاً روسيا استطاعت أن تقدم نموذجاً يحتذى به في مجال إدارة التعددية الدينية والثقافية، وهو ما تحثّ عليه "وثيقة الإخوة الإنسانية"؛ التي وقّع عليها قداسة البابا فرانسوا، والإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، في أبوظبي، وهي التي بعثت أمل التعايش لأتباع الأديان والثقافات، خاصة أنّ دعوة الإسلام هي السلم بين الدول والتعايش بين الشعوب، وبرّ بالوالدين، وحسن الجوار، والمجادلة بالتي هي أحسن، ودعوة عفو وصفح ومحبة، وتعاون على الخير.

الإسلام يحض على احترام التعددية والاعتراف بالمخالفة الدينية

برأيكم، ما الذي يعيد العمل بالتعددية الدينية والثقافية؟
يمكن أن يتم هذا عبر التفكير والرجوع للخزانة الإسلامية المليئة بالمؤلفات، لكن لا بدّ من أن يلاحظ أنّ المدارس الفقهية، مثل المالكية، اعتنت بفقه النوازل، والنازلة هي المصيبة، نظراً إلى قرب مشايخها من الأندلس، وأما المذهب الحنفي؛ فتميز بفقه الرأي، وأما المالكية فتعاملت مع الوجود كأقلية دينية، وجاءت قضية الهجرة بعد غرناطة، فدعت بعض المدارس الفقهية المجتمعات بعدم العيش في بلاد الكفار، وهناك من أصّل فيما بعد للفقه القتالي، وهنا يأتي علينا الدور في تناول المسألة من حيث الفقه المقاصدي، وتظهر هنا مدرسة عبد الله بين بيه، التي تناولت دور الدولة الإسلامية وجيرانها، والأمن الفقهي الفكري السياسي، الأمر الذي كرّسه إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي.

تأصيل فقه الأقليات والمواطنة مطلوب مقابل فتاوى الانزواء خاصة فيما يخص العيش المشترك والتواصل الحضاري

والذي أعطى للمجتمعات المسلمة نفساً كبيراً مع محاوريها؛ أنّ ديننا الإسلامي يحض على احترام التعددية والاعتراف بالمخالفة الدينية؛ لذا نجد أنّ العلّامة الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، يهتم أكثر بإعادة النظر في تراثنا الفقهي، مستنبطاً منه ما يصلح لنا في عالمنا المعاصر لتحقيق العيش السعيد والسليم، مع كلّ المكونات المجتمعية والدينية، من خلال عقده للمؤتمرات والندوات وإطلاقه مبادرة دولية باسم "حلف الفضول"، من أجل ميثاق عالمي للأديان، قادر على أن يمتصّ كلّ الأحقاد والكراهية ليحولها إلى قوة سلم وسلام.

ما الذي تقصده بالأمن الفقهي الفكري السياسي؟
أقصد أنّ المجتمعات تعيش حالة أمن وليس صداماً، من الطرفين على حدّ سواء، فهناك في المجتمعات الأوروبية متطرفون، لكنّها حالات عرضية، وعلينا هنا العناية بالفقه الذي يؤصّل للعدالة الاجتماعية، ومراجعة كل ما يحرض على الصدام مع الآخر، ونقد التراث الفكري القديم الذي يجعل هذه العلاقة علاقة حرب وجزية.

فقه النوازل

الاجتهاد في قضايا المجتمعات المسلمة في الغرب ضرورة ترتقي إلى مرتبة الواجبات الشرعية
هل كان الاستعمار الأوروبي للشرق سبباً في تلك الأزمات ومنها ظهور الجماعات والتنظيمات؟

طوال التاريخ؛ هناك جماعات متطرفة مثل الخوارج، ولم يكن هناك استعمار، لكن الفقه الذي كان يعمل على ما يسمى النوازل والتمكين والقتال تسبّب في ظهور الإخوان والولي الفقيه وحزب التحرير والقاعدة، وكان هذا منسجماً مع الأصول القديمة.

هل تعتقد أنّ هناك من يحرص على تأصيل هذه التناقضات في المجتمعات المسلمة؟
بكل تأكيد؛ هناك من يعمل على هذا الفقه، وهناك من يؤصّل للتناقض، ويخلق حالة من الصدامية، في ظلّ القوانين الأوروبية التي تعدّ المسلمين جزءاً من نسيج المجتمعات الأوروبية، ولاحظ كيف أنّ آلاف الشبان الأوروبيين والفتيات التحقوا بداعش، وهذا دفع بعض الدول لعدم الاعتراف بالإسلام حتى الآن؛ أي أن تموّل ما يسمى الشأن الديني.
على سبيل المثال؛ في ألمانيا ست عشرة جهة تتحدث باسم المسلمين، ورغم أنّ  الإسلام هو الديانة الثالثة في ألمانيا، لكنّه لا يحظى بالاعتراف الرسمي حتى الآن، أما السبب الأساسي الذي يشار إليه؛ فهو تعدّد الجمعيات الإسلامية واستحالة إمكانية تحدثها بصوت واحد.

الغربيون ليس لديهم توجّس من الإسلام والكلام عن العنف تجاه المسلمين مردود

كما أنّ الاختلاف الذي قد يصل إلى التناحر داخل جماعة المسلمين، هو أمر فعلي، وله أصوله في التعددية الإثنية التي تكون الطائفة الإسلامية (أتراك، بوسنيون، إيرانيون، مغاربة)، وهي اختلافات جعلت الحكومات المتعاقبة تطالب المسلمين بتوحيد الصفوف، والتكلم بلسان واحد حتى يمكن الاعتراف بهم، وفي  فرنسا، المادة الثانية، أنّها جمهورية علمانية لا تعترف بالدين لكنها تعترف بالأديان؛ أي إنّها ليست دولة ملحدة، ورغم ذلك هناك جماعات تؤصّل لفكرة القتال وعدم التواصل مع الغربيين أو تحيّتهم، وإعطاء نظرة سلبية عن المجتمعات المسلمة.

أسطورة المؤامرة

ثمة جماعات تؤصّل لفكرة القتال وعدم التواصل مع الغربيين وإعطاء نظرة سلبية عن المجتمعات المسلمة
ما أهم الأطروحات التي تشتغل عليها جماعات الصِدام الآن؟

أهم شيء هو ما يسمى الأسلمة، وهي المفهوم الذي يعطي ولاءات خارج الأوطان، ومالك بن نبي المفكر الجزائري، انتقد ما يسمى "أسلمة العلوم والمعرفة"؛ بل وكان يقول بعدم وجود حضارة إسلامية خاصة، بل حضارة إنسانية، من هنا كان لازماً لتأسيس الفقه الشهود الحضاري الإنساني ليقود هذه المجتمعات نحو الوئام والتعايش السلمي، عِوَضاً عن فقه الضرورة، أو فقه التمكين لهذه الجماعات.

هل تعتقد أنّ ثمة مؤامرة لتضخيم حجم هذه المشكلات، كحوادث العنف ضدّ المسلمين في أوروبا؟
لا أؤمن بنظرية المؤامرة؛ فحالنا أحسن من حال آخرين، والغربيون ليس لديهم توجّس من الإسلام، والكلام عن العنف تجاه المسلمين مردود؛ فهو يحدث لكنّه حالات نادرة فردية، وبرأيي؛ الحلّ هو في ضرورة تشكيل جبهة الأديان والفلسفات الإنسانية لمواجهة تيارات الإلحاد والإباحية التي تذهب بالبشرية إلى العدمية، التي تؤدي مع تيارات العنف إلى تفريغ الأرض والعباد من البعد الروحي والإنساني، وإلى تحرير الدين من جماعات العنف والاستخدام السياسي، وإعطائه دوره الطبيعي في التربية لتحقيق الأمن المجتمعي، وتأصيل قيم الحبّ والسلم شرعياً في زمن الاضطرابات المفاهيمية.
توسع دائرة الاجتهاد

تعدّد الجمعيات الإسلامية في أوروبا واستحالة تحدثها بصوت واحد يعيق الاعتراف بالإسلام
طالبت بتوسع دائرة الاجتهاد فيما يخصّ الأقليات، ما الذي قصدته تحديداً؟

أقصد أنّ للاجتهاد مكانة وأهمية في إطار النظر إلى مجموع الأمة، التي تعيش في ظل المجتمعات الإسلامية، التي تزخر بالعلماء والمفتين والباحثين، والحديث عن الاجتهاد في المجتمعات المسلمة التي تعيش في دول غير إسلامية، كما هو الحال بالنسبة إلى مسلمي أوروبا في فرنسا وإنجلترا والسويد وألمانيا وغيرها.
ثمة وقائع تستحق أن نذكرها بوصف "النوازل، ومن ثم فإنّ الاجتهاد في قضايا المجتمعات المسلمة ضرورة ترتقي إلى مرتبة الواجبات الشرعية، وهو في حقيقته "فرض كفائي"، أو "فرض تكافلي"، كما يعبر عنه بعض علماء الأصول.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش
لذا فالمطلوب اليوم، تجديد واجتهاد؛ تجديد ينطلق لا من مجرد الاجتهاد في الفروع؛ بل من إعادة "تأصيل الأصول"؛ لأنّ القواعد الأصولية التي ينبني عليها الفقه الإسلامي ترجع إلى عصر التدوين، العصر العباسي الأول، وكثير منها يرجع إلى ما بعده، والقواعد الأصولية التي وضعها الفقهاء القدامى، ومن جملتها القواعد الخاصة بالتعليل والقياس والدوران، وما إلى ذلك، ليست مما نصّ عليه الشرع، في الكتاب أو السنّة؛ بل هي من وضع الأصوليين، إنّها قواعد للتفكير، قواعد منهجية، ولا شيء يمنع من اعتماد قواعد منهجية أخرى إذا كان من شأنها أن تحقق الحكمة من التشريع في زمن معين بطريقة أفضل.

كلمة أخيرة توجهها حول المجتمعات المسلمة؟
لا بدّ من ترجيح كفّة الخير، والبدء بالاشتغال الحقيقي بالصحيح من الدين، والالتزام بخطاب وسطي معتدل يحترم سيادة الدول، ويعزز قيم المواطنة والمشاركة والتواد والتعاون والتراحم، واجتناب ما يثير نوازع الفتنة والفرقة بين المسلمين أنفسهم وبين غيرهم، والتحذير من آفتي الغلو في الدين والتطرف العنيف، وتفعيل مراكز الطفولة والشباب لتحصينهم، وتعريفهم بمبادئ الإسلام، وزرع أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوسهم، ترسيخاً للسلوك والفكر الإسلامي القويم.

للمشاركة:



مؤتمر صحفي لعرض نتائج التحقيق في هجوم "أرامكو"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-18

أعلنت وزارة الدفاع السعودية، أمس، أنّها ستعقد مؤتمراً صحفياً، اليوم، حول الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له منشآت نفطية تابعة لـ "أرامكو".

وقالت وزارة الدفاع السعودية في بيان: "ستُعرَض أدلة تورط النظام الإيراني بالهجوم الإرهابي على منشآت أرامكو"، وفق ما أوردت وكالة الأنباء "واس".

وأضافت الوزارة: "سنعرض أيضاً الأسلحة الإيرانية المستخدمة في الهجوم الإرهابي على "أرامكو"".

وزارة الدفاع السعودية تعلن أنّه سيتمّ عرض أدلة تورّط النظام الإيراني بالهجوم الإرهابي على "أرامكو"

هذا وقد أفادت تقارير إعلامية أمريكية بأنّ الولايات المتحدة حددت مواقع في إيران أُطلقت منها الطائرات المسيَّرة وصواريخ الكروز، التي استهدفت منشآت النفط السعودية يوم السبت.

وقال مسؤولون كبار لشبكة أنباء "سي بي إس": إنّ المواقع حُددت في جنوب إيران، في الطرف الشمالي للخليج.

وأضاف المسؤولون؛ "الدفاعات الجوية السعودية لم توقف الطائرات بدون طيار والصواريخ؛ لأنّها كانت موجَّهة جنوباً لمنع هجمات قادمة من اليمن".

في سياق متصل، قال وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، في مؤتمر صحفي عقده في جدة أمس: إنّ "إمدادات السعودية من النفط عادت إلى مستوياتها قبل الهجوم على مرافق "أرامكو""، مؤكّداً أنّه "لا يوجد اجتماع عاجل لمنظمة "أوبك""، وفق ما نقلت "العربية".

وأضاف وزير الطاقة السعودي: ""أرامكو" مستعدة للطرح الأولي لأسهمها، بصرف النظر عن آثار العدوان السافر"، موضحاً أنّ "آثار هذا العدوان تمتد إلى أسواق الطاقة العالمية، وزيادة النظرة التشاؤمية حيال آفاق نمو الاقتصاد العالمي".

أمريكا تؤكد أنّ إيران أطلقت الطائرات بدون طيار وصواريخ كروز التي استهدفت منشآت النفط

من جانبه، صرّح الأمير عبد العزيز بن سلمان؛ "لن تتأثر صادرات السعودية النفطية، ودخلها من هذه الصادرات للشهر الحالي، بالاعتداءات".

وأكّد أنّ شركة "أرامكو" السعودية "سوف تفي بكامل التزاماتها مع عملائها في العالم، خلال هذا الشهر من خلال المخزونات، ومن خلال تعديل بعض أنواع المزيج، على أن تعود قدرة المملكة لإنتاج 11 مليون برميل نفط يومياً نهاية شهر أيلول (سبتمبر) الحالي، وإلى 12 مليون برميل يومياً نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل"، مضيفاً: "إنتاج النفط سيبلغ 9.89 مليون برميل يومياً، في تشرين الأول (أكتوبر)، والسعودية ستصون دورها كمورد آمن لأسواق النفط العالمية".

 

للمشاركة:

سعيّد وقروي إلى الدورة الثانية.. والنهضة تقرّ بهزيمتها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-18

أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس، أمس، مرور المرشَّح المستقلّ، قيس سعيّد، والمرشَّح السجين بتهم تتعلّق بالتهرب الضريبي وغسيل الأموال، رجل الأعمال نبيل القروي، إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.

هيئة الانتخابات في تونس تعلن مرور سعيّد والقروي إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية

وأشارت نتائج الدورة الأولى من الانتخابات، التي جرت الأحد الماضي، إلى تصدّر المرشح المستقل، قيس سعيّد، وهو أستاذ قانون، لنتائج التصويت بنسبة 18.4% من أصوات الناخبين (620711 صوتاً)، يليه مرشَّح حزب "قلب تونس"، نبيل القروي، الموقوف منذ أكثر من 3 أسابيع على ذمّة القضاء، بنسبة 15.6%؛ حيث حصل على (525517 صوتاً)، وفق وكالة الأنباء التونسية.

وحصل مرشَّح حركة النهضة، عبد الفتاح مورو، على دعم 434530 ناخباً فقط، أي بنسبة 12.8% من مجموع الناخبين ليحتلّ المرتبة الثالثة، يليه المرشَّح المستقل ووزير الدفاع السابق، عبد الكريم الزبيدي، الذي حلّ رابعاً في الترتيب بنسبة 10.7% (361864 صوتاً)، وخلفه مرشَّح حزب "تحيا تونس" رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، الذي حصل على ثقة 7% من الناخبين فقط (249042 صوتاً)، بينما حصل منصف المرزوقي على 3% من الأصوات.

وشارك في هذه الانتخابات أكثر من 3 ملايين و465 ألف ناخب، من مجموع 7 ملايين و747 ألف مسجلين في الانتخابات، أيّ بنسبة إقبال بلغت 45%.

ومن المتوقَّع أن تُجرى الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية في تونس، والتي ستحدّد هويّة رئيس تونس القادم، في الفترة بين 29 أيلول (سبتمبر) و13 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل؛ حيث سترتبط روزنامة هذه الدورة بوجود طعون في نتائج الدورة الأولى للانتخابات من عدمه.

وتعليقاً على تأهله للجولة الثانية؛ شكر قيس سعيّد "الإعلام وكلّ من ساهم في بناء هذه المرحلة الجديدة"، معتبراً أنّه "لا مجال لإقصاء أو إبعاد أحد".

واعترفت حركة النهضة الإسلامية بهزيمة مرشّحها، عبد الفتاح مورو، في الانتخابات الرئاسية في بيان أصدرته أمس.

حركة النهضة الإسلامية تقرّ بهزيمة مرشّحها، عبد الفتاح مورو، في الانتخابات الرئاسية

بدوره، أقرّ مرشَّح الحركة، عبد الفتاح مورو، أمس، بهزيمته، معلناً قبوله بالنتائج النهائية التي أعلنتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، والتي لم تمكّنه من العبور للجولة الثانية.

وقال مرشَّح النهضة في مؤتمر صحفي بحضور مدير حملته، سمير ديلو، ورئيس الحركة راشد الغنوشي، أمس، في العاصمة تونس: "قبلنا بنتائج الانتخابات، وبادرنا بتهنئة المرشَّحين اللذين عبرا للدور الثاني (قيس سعيّد ونبيل القروي)".

ومن المنتظَر أن يطفو على السطح جدل قانوني بخصوص استمرار توقيف القروي بتهمة تبييض أموال، رغم تأهّله إلى الدور الثاني للانتخابات الرئاسية؛ إذ من المرجحّ أن يواجه القضاء ضغوطاً أكبر من أجل الإفراج عنه، والبحث عن حلول قانونية ممكنة يمكن تطبيقها في حال فوزه بالرئاسة.

من جانبها، رأت الهيئة العليا للانتخابات في مؤتمرها اليوم للإعلان عن النتائج؛ أنّ "القروي كمرشَّح يملك كامل الحقوق طالما أنه لا يوجد مانع قانوني".

 

 

 

 

للمشاركة:

الإمارات تواصل حملة الاستجابة العاجلة في المحافظات اليمنية المحرَّرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

تواصل دولة الإمارات تقديم قوافل الإغاثة في عدد من المحافظات اليمنية، ضمن حملة الاستجابة العاجلة التي أطلقتها في مجال الإغاثة والصحة والتعليم والنظافة في اليمن، مطلع الشهر الجاري، بمناسبة عام التسامح 2019، وذلك ضمن المبادرات والمشاريع الإنسانية التي تواصل الإمارات تنفيذها عبر أجنحة العمل الإنساني في المحافظات اليمنية المحررة، منها: عدن، ولحج، وأبين، والضالع، وحضرموت، وشبوة، والساحل الغربي اليمني "الحديدة وتعز".

حملة الاستجابة العاجلة تتضمن توزيع 15 ألف سلة غذائية في كلٍّ من عدن ولحج وأبين

وتضمّن الجانب الإنساني والإغاثي في حملة الاستجابة العاجلة؛ توزيع 15 ألف سلة غذائية في كلّ من عدن ولحج وأبين، وتستهدف لإغاثة أسر الشهداء والمتضررين والأسر المتعففة، وفق وكالة "وام".

وبادرت الفرق التطوعية التابعة للهلال الأحمر الإماراتي في عدن بتنفيذ حملة الاستجابة العاجلة، منتصف شهر آب (أغسطس)، والتي شملت توزيع أكثر من 3000 سلة غذائية، استفاد منها 21000 نسمة، إضافة إلى توزيع أكثر من 80 ألف لتر من المياه الصالحة للشرب في عدد من أحياء عدن.

كما دشّن الهلال الأحمر الإماراتي حملة إغاثة واسعة في مدينة زنجبار، عاصمة محافظة أبين، ومنذ انطلاق الحملة وزعت الفرق التطوعية التابعة للهيئة أكثر من 2000 سلة غذائية، استفاد منها 14000 نسمة، وما يزال تسيير القوافل وتوزيعها مستمر.

وفي هذا السياق، قال خالد إبراهيم، منسّق المنظمات الإغاثية في محافظة أبين: إنّ "دولة الإمارات بدأت حملة استجابة عاجلة تتمثل بمواد إغاثية وتوفير الأدوية لمستشفيات المحافظة، وتدشين حملة نظافة واسعة، ومواساة أسر الشهداء والجرحى، وتقديم المساعدات لهم"، معرباً عن تقديره وامتنانه لهذه المساعدات.

من جانبهم، أعرب المواطنون المستفيدون عن فرحتهم وسعادتهم بوصول الحملة الإغاثية التي تنفّذها دولة الإمارات في محافظة أبين.

بدوره، سيّر الهلال الأحمر الإماراتي قافلة إغاثية إلى منطقة الخداد بمديرية تبن في محافظة لحج، تعدّ أول إغاثة تصل إلى المنطقة.

وتواصل هيئة الهلال الأحمر الإماراتي توزيع المساعدات الإغاثية والغذائية في محافظة حضرموت؛ حيث وزعت الهيئة 1115 سلة غذائية، استفاد منها 5575 نسمة من الأسر الفقيرة والمحتاجة؛ في الديس الشرقية، ومناطق دمون والفجيرة بمديرية تريم بالوادي، ومناطق الغرف والردود وشريوف بمديرية تريم بوادي حضرموت.

المواطنون يعبّرون عن فرحتهم وسعادتهم بوصول الحملة الإغاثية التي تقوم بها الإمارات في اليمن

كما وزّعت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي مساعدات غذائية على ذوي الدخل المحدود، بمنطقة عريض آل الشيخ في مديرية مرخة السفلى بمحافظة شبوة، وذلك في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية التي تبذلها على مختلف الأصعدة، لمساعدة الأشقاء في اليمن والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية.

وقام الهلال الأحمر الإماراتي بتنفيذ حملات إغاثية لمساعدة متضرري السيول في الساحل الغربي؛ حيث وزّعت الفرق التطوعية 180 ألف سلة غذئية استفاد منها مليون و260 ألف نسمة في الساحل الغربي اليمني، منذ بدء عام التسامح 2019، حتى شهر أيلول (سبتمبر) الجاري.

يذكر أنّ إجمالي السلال الغذائية التي تمّ توزيعها منذ انطلاق عام التسامح 2019 حتى شهر ايلول (سبتمبر) الجاري أكثر من 320 ألف سلة غذائية، استفاد منها مليونان و240 ألف نسمة في مختلف المحافظات اليمنية المحررة.

 

للمشاركة:



لماذا بقيق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

سوسن الشاعر
الهجوم على "بقيق" في المملكة العربية السعودية يؤكد ثلاث حقائق مهمة، الأولى حجم الضغط الحقيقي الذي تشعر به إيران، والحقيقة الثانية أن أذرعها "العربية" أينما كانت هم جيش إيراني بامتياز، أما الحقيقة الثالثة علينا تجاهل تصريحات المسؤولين الإيرانيين وإعلامها تماماً، فتلك لا تزيد عن بروباغندا أجادتها إيران لفترة من الزمن وانتهت صلاحيتها، أما الحقيقة الأخيرة والأهم فهي أن المملكة العربية السعودية ترد بهدوء بأنها قادرة على تعويض النقص الذي تحتاجه الأسواق النفطية، وهنا بيت القصيد!!

مجرد أن تعلم إيران قامت باستعداء عالمي لا أمريكي فحسب حين أوعزت لوكلائها سواء كانوا في اليمن أو العراق أن يهاجموا معامل النفط في السعودية، فتأكد أنها متضررة داخلياً بشكل كبير ومربك بالنسبة لنظامها، خاصة مع اقتراب احتمال اجتماع روحاني وترامب على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، لأنها تعلم أنها بهذا الفعل تقوض المبادرات الفرنسية التي تحاول إنقاذها وتخليصها، وأنها تحرج ماكرون الذي يحاول أن يعيد تسويقها من جديد، ومع ذلك لا تبالي بهذه النتائج، فقيامها بهذا الفعل يؤكد أن صبرها، الذي جعلها تبدو هادئة وغير متأثرة منذ بدأ تنفيذ العقوبات إلى الآن، قد بدأ ينفد، وأن العقوبات بدأت تؤثر بالفعل على الداخل.

فصادراتها النفطية تقلصت من ثلاثة ملايين برميل إلى 300 ألف برميل يومياً، والعقوبات تخنق صادراتها من التعدين أيضاً، وتطال مساراتها المالية التي تغذي بها وكلاءها "العرب"، فلا يخلط الأوراق بهذا الشكل من كان مسترخياً كما يدعي وغير متأثر كما يروج، أنها تضعف أوراقها التفاوضية وتقيد حلفاءها.

الحقيقة الثانية هي "الجيش العربي" الذي يقع تحت قيادة إيرانية يقود حرباً على المملكة العربية السعودية من العراق ولبنان واليمن، مطلقاً صواريخ إيرانية وطائرات إيرانية مسيرة لا تحدث أضراراً كبيرة ولكنها تحدث عملية استنزاف طويلة الأمد وقليلة الخسائر على الطرف الذي يقودها، والأهم أنها تحدث ضجة أكبر على المستوى الإعلامي، وهذا ما تلعب به إيران أي حرب "البروباغندا".

في نهاية المطاف نعود للحقيقة الأهم من هذا كله، إيران تحاول أن تحدث نقصاً في الإمدادات النفطية، والمملكة العربية السعودية تعرف ذلك جيداً وتملك من النفس الطويل والهدوء في ردة الفعل مما يبطل مفعول جميع هذه المحاولات.

تحاول إيران أن تحدث نقصاً في السوق النفطية من أجل الضغط على ترامب لدفعه للتفاوض والإسراع بقبول العروض الإيرانية، لذلك تسارع المملكة العربية السعودية بنفي أي تأثر وتعويض السوق بالسرعة المطلوبة، فهذا هو الاتفاق الذي يضمن استمرارية العقوبات والضغط على إيران.

ما يهمنا ويهم المملكة العربية السعودية أن تستمر العقوبات الاقتصادية، وأن نوسع دائرة التحالفات حتى لا تتم عملية الاختراقات التي تعمل عليها إيران.

الوقت في صالحنا ولسنا من يتعرض للضغوطات، لذلك ضبط النفس والنفَس الطويل هما أهم الأدوات التي نحن بحاجة لتعزيزها.

عن "الوطن البحرينية"

للمشاركة:

الملالي وطوق النجاة: ارتهان أمن المنطقة بمنطق الميليشيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

يوسف الديني

أصبحت كل أزمات المنطقة مرتبطة بشكل جوهري بوضعية دولة الملالي في طهران التي ترسل أذرعها لتهديد المنطقة عبر الميليشيات التي تدعمها في العراق ولبنان، وبشكل مركز الآن في اليمن من خلال ميليشيات الحوثي.
تركز إيران على استراتيجية نقل المعركة إلى الخارج لتخفيف أزمتها مع المجتمع الدولي في الملف النووي، مستغلة أنه لا يأبه بغير المصالح الاقتصادية. ربما لهذا السبب تحديداً تدرك دولة الاعتدال وفي مقدمتها السعودية أن دولة الملالي، الراعية للإرهاب في المنطقة والمتحالفة مع دول التصعيد ضد استقرار ومنطق الدولة وفي مقدمتها تركيا وذراعها الإعلامية قطر - «الجزيرة» -، تحاول إدارة أزمتها عبر استثمار حالة «الفزع» التي يعيشها المجتمع الدولي تجاه ملفات المنطقة وحضيض الوضع الأمني والاقتصادي وانتعاش الميليشيات، إذ يحاول الملالي في لغتهم مع الدول الأوروبية الضعيفة أمام إمدادات النفط استخدام الشعارات البلاغية في إيصال حقيقة لطالما بشروا بها وهي تفجير الأوضاع في المنطقة واللعب على إمدادات النفط، وكان آخرها، نقل تصعيد ميليشيا الحوثي من الصواريخ إلى الطائرات المسيرة التي قاموا بتدريبهم عليها، بسبب قدرتها على التخريب بأقل الإمكانات في ظل صمت المجتمع الدولي عن إعادة موضعة الميليشيا كمنظمة إرهابية، وليس كطرف نزاع حتى بعد تغير الأوضاع في اليمن واختطاف الدولة وتغيير هويتها السياسية، فإيران تعتبر نفسها كياناً ثورياً عابراً للقارات محكوماً بمنطق الميليشيات والحرس الثوري، وليس الدولة التي تداعب أحلام الدول الأوروبية حول صيغة توافقية في ظل ارتباك البيت الأبيض في اتخاذ خطوات حاسمة تجاه الوضع في إيران، بسبب عامل الوقت والانتخابات. الملالي يرون في المنطقة جغرافيا يجب حرثها من جديد عبر التخريب، بحيث لا تبقى مستقرة في حال انهيارهم الداخلي أو قدرتهم على جر المنطقة إلى حرب كبرى لا يريدها أحد.
في السياسة لا مجال للعاطفة أو التحليل المبني على معطى رمزي عادة ما يتم الحديث عنه بنرجسية بالغة، وهو الوطن العربي الكبير الذي تحول إلى أوطان مهددة بانقسامات صغيرة وهشة، واللافت في الموضوع أن رمزية «الوطن» غير المقسم وبطريقة عاطفية هي الحجة التي يرفعها أنصار الشرعية في اليمن، لكنه لم يرتق إلى مستوى الحتمية التي يجب الحفاظ عليها عبر مصالحة شاملة بين كل الأطراف، خصوصاً الفاعلين في الجنوب الذين لا يرون أبعد من تجاوز إخفاقات صالح في إدماجهم بعد الوحدة القسرية.
الأكيد أن سيناريو التقسيم هو هدف ميليشيا الحوثي والملالي لتفرد ذراعهم بالشمال وتهديد أمن المملكة، وهو ما تدرك السعودية مبكراً خطورته، كما تدرك بالتالي مسؤوليتها في حث الفاعلين في الجنوب على المصالحة، وإيجاد صيغة تفاوضية عادلة تمكنهم من اقتسام السلطة دون استئثار الشمال الذي اتخذ أشكالاً متعددة من رحيل الاحتلال البريطاني.
المعطيات الجديدة التي أفرزتها لنا الأزمة اليمنية التي لعب فيها صمت المجتمع الدولي وتباطؤه وتقاعسه عن طرح حلول جادة أو التفكير خارج صندوق المصالح الضيقة تبدو كارثية جداً، ويوماً بعد يوم تزداد الفجوة بين الأطراف المؤثرة في اليمن بسبب حالة الشره السياسي، وتركة صالح الثقيلة من الانقسام وضعف مستوى النخبة السياسية، وهي معطيات لا يمكن للتحالف تحمل مسؤوليتها دون اليمنيين.
يجب على الفاعلين في اليمن الخروج من ثنائية منطق القوة والغنيمة، من خلال التأثير على وضعية الداخل عبر استثمار التقدم على الأرض كل في سبيل أجندته السياسية وليس الوطن الواحد الموحد، ومن هنا فإن الانفصال بين «الثوار» أو المقاتلين الفاعلين على الأرض، وبين من يتحدثون باسمهم في الخارج، يبدو كبيراً في حالة قد تلقي بظلالها على مستقبل اليمن بشكل جذري وغامض.
النظام الإيراني يهمه نفوذه وسلطته في المنطقة أكثر من وضعيته المتراخية مع المجتمع الدولي التي يلعب فيها على عامل الزمن، وفيما يخص اليمن يحرص على تقوية وضعية ذراعه في الشمال عبر سيطرة ميليشيا الحوثي على أكبر قدر من الأرض، واستمرار تهديدها العبثي والفوضوي للتخفيف على إيران مما يعرض أمن منطقة الخليج إلى حالة التهديد الدائم، لكن ما لم يدركه الملالي في ظل هذا الصلف والتمادي هو أن الوضع الآن انتقل من تهديد أمن الملاحة الدولية إلى إمدادات النفط التي لا يمكن التعامل معها بذات الوضعية المتراخية للملف النووي، وهو ما يعني المزيد من فرص الانقسام في اليمن، ليس بفعل وضعية التحالف، وإنما نتيجة أخطاء فادحة من التيارات السياسية والفاعلين الذين لا يفكرون أبعد من أرنبة مصالحهم.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

نصرالله "قائم مقام" علي خامنئي وحامل سيفه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

هشام ملحم

في ذكرى عاشوراء، جدد الأمين العام لـ "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله ولاءه وولاء حزبه المطلق للجمهورية الإسلامية في إيران، ونصّب قائدها آية الله علي خامنئي، "حسين" هذا الزمان، وشبّه النزاع السياسي والاستراتيجي بين إيران ومحورها والولايات المتحدة وحلفائها، "بمعركة الحق والباطل، وفي معركة الحسين ويزيد."، مشددا على أنه لا حياد في مثل هذه المعركة الوجودية.

وغالى نصرالله في لغته الغيبية حين قال "نحن من لبنان نقول للعالم إن إمامنا وقائدنا وسيدنا وعزيزنا وحسيننا في هذا الزمان هو سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي دام ظله، وأن الجمهورية الإسلامية في إيران هي قلب المحور... نرفض أي مشروع حرب على الجمهورية الإسلامية في إيران، لأن هذه الحرب ستشعل المنطقة، وتدمر دولا وشعوبا، ولأنها ستكون حربا على كل محور المقاومة".

تحدث نصرالله وكأنه مَرْزُبان (حاكم ولاية فارسية) وهذا المفهوم أو التقليد السياسي ـ الإداري لحكم الولايات البعيدة، الذي أتقنته الامبراطورية الفارسية القديمة، يعرف الآن بالإنكليزية بكلمة Satrap التي دخلت إلى اللغة الإنكليزية في القرن الرابع عشر، بعد أن عبر أصلها الفارسي في تنويعات إغريقية ولاتينية وفرنسية.

وهذا الأسلوب الفارسي القديم للحفاظ على المقاطعات المختلفة للإمبراطورية، يعرفه اللبنانيون في تاريخهم الحديث بمنصب قائم مقام في الدولة العثمانية، أي قائم مقام الباب العالي.

حروبنا الأهلية وحروب الآخرين

الحروب التي شهدها لبنان منذ 1975، والتي لم تنته حتى الآن بسلم حقيقي ووفاق وطني قابل للحياة، كان لها أسباب سياسية واقتصادية واتسمت، بسبب طبيعة النظام السياسي والتركيبة الاجتماعية للبلاد، بأبعاد طائفية ومذهبية، واكتسبت أبعادا إقليمية زادتها تعقيدا، بسبب الوجود الفلسطيني في لبنان والنزاع العربي ـ الإسرائيلي، وتنافس، لا بل تصارع دول المنطقة فوق أرض لبنان وإن بأدوات لبنانية.

معظم الحروب الأهلية، وخاصة تلك التي لا تحسم بسرعة وتتصارع فيها أطراف عديدة وتطول لسنوات، تؤدي حتميا إلى تورط جيرانها فيها.

وحدها الحرب الأهلية الأميركية (1861 ـ 1865) من بين الحروب الأهلية الكبيرة في القرنين الماضيين، والتي انتهت بغالب ومغلوب بعد سقوط 750 ألف جندي، لم تتدخل فيها دول أخرى لأن أميركا محاطة بمحيطين ضخمين في الشرق والغرب ودولتين أضعف منها في الشمال والجنوب، كندا والمكسيك.

ولكن الحرب الأهلية الإسبانية (1936 ـ 1939)، التي أدت إلى مقتل نصف مليون نسمة، هي النقيض للحرب الأميركية، لأن دولا أوروبية مثل ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية والبرتغال أرسلت عشرات الآلاف من الجنود للقتال إلى جانب المتمردين اليمينيين وحلفائهم المحافظين، بينما أرسل الاتحاد السوفياتي مئات الجنود والطيارين للقتال إلى جانب الحكومة الجمهورية اليسارية (جوزف ستالين لم يفعل ذلك تضامنا مع اليسار، بل لقاء كميات كبيرة من احتياط الذهب الاسباني).

وانضم إلى الجمهوريين اليساريين أكثر من 40 ألف متطوع أجنبي حاربوا كألوية دولية، من بينهم حوالي 2800 أميركي نظموا أنفسهم باسم "لواء لينكولن" تيمنا بالرئيس أبراهام لينكولن.

القتال الشرس الذي جرى بين هذه القوات (من بينها أكثر من سبعين ألف جندي مغربي بأمرة الجنرال يسيمو فرانسيسكو فرانكو، شكلوا في بداية الحرب رأس الحربة للمتمردين) حوّل اسبانيا إلى مسرح اقتتال عالمي بين اليمين واليسار، كان مقدمة للحرب العالمية الثانية، التي بدأت فور انتهاء الحرب الإسبانية.

الحرب السورية في السنوات الماضية جرت وفقا "للنموذج" الإسباني، مثلها مثل الحرب اللبنانية. الدول الإقليمية ومن بينها إيران وإسرائيل وتركيا، ولاحقا روسيا، إضافة إلى عشرات الآلاف من المتطوعين "الجهاديين" والإسلاميين من سنّة وشيعة، من آسيا الوسطى إلى أوروبا حوّلوا سوريا إلى مسرح قتال إقليمي وعالمي، هو الأسوأ في القرن الحادي والعشرين.

وبعد بروز ظاهرة تنظيم "الدولة الإسلامية" تدخلت الولايات المتحدة وحلفائها لشن حرب جوية ضد هذه الظاهرة التي اقتربت وحشيتها من وحشية النظام السوري. وعند كتابة تاريخ الحرب السورية بشكل كامل، سوف يكون هناك فصلا رئيسيا حول إيران ورأس حربتها في سوريا، قوات حزب الله، التي لعبت دورا ربما مفصليا في إنقاذ نظام الطاغية بشار الأسد من الانهيار.

خصوصية "حزب الله" في لبنان

خلال الحرب اللبنانية حصلت الأطراف المتقاتلة على دعم سياسي ومالي وعسكري من دول عربية ومن إسرائيل ومن دول غربية. ولم يحدث أن تدخل أي جيش أجنبي بدعوة من طرف لبناني أو آخر، أو اجتاح جيش إقليمي جزءا من الأراضي اللبنانية، إلا ووجد طرفا لبنانيا يرحب به ويهلل لدخوله كمنقذ، ويرمي على جنوده الأرز والورد.

كانت الأطراف المتقاتلة تتمتع بمستويات مختلفة من "الاستقلالية" في تعاملها مع حماتها أو داعميها من الخارج. وفي هذا السياق لعبت "الفهلوية" اللبنانية دورا هاما في إقناع بعض الأطراف المحلية بأنها قادرة على استخدام أو استغلال القوى الخارجية كأدوات للتخلص من أعداء الداخل أو إضعافهم، ما أدى إلى نتائج عكسية وحتى كارثية.

لبنانيون راهنوا على إسرائيل، وآخرون (من لبنانيين وفلسطينيين) تعاونوا مع سوريا، آخرون فتحوا لبنان لإيران، بينما تعاون بعضهم مع العراق، وقبض آخرون من ليبيا أو من السعودية، وهكذا. اليساريون ومنظمات فلسطينية تطلعوا إلى الاتحاد السوفياتي للدعم والإرشاد، ورحب كثيرون بمجيء القوات المتعددة الجنسيات.

ولكن لم يحدث أن كان لفريق لبناني علاقة عضوية بدولة أجنبية كما هي علاقة حزب الله بإيران. إيران لم تساعد "حزب الله" كفريق لبناني سعى إليها طلبا للمساعدة؛ وإيران لم تكن حاضنة لـ"حزب الله"، لأن "حزب الله" خرج من رحمها. وهو، أي الحزب، غير قادر على البقاء دون مقومات الحياة التي توفرها إيران، من إرشاد وتوجيه سياسي ومذهبي إلى دعم مالي ومادي وعسكري ولوجستي.

وللمرة الأولى منذ الحروب الإغريقية ـ الفارسية التي استمرت لعقود قبل 500 من الميلاد، أصبحت إيران دولة متوسطية بسبب وجودها العسكري والسياسي والمذهبي في سوريا، ولأنها تهيمن على ولايتها في لبنان من خلال "حزب الله".

ضغوط أمريكية غير مسبوقة

خطاب نصرالله تزامن مع وجود مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر في بيروت. زيارة شينكر هي لمواصلة مساعي سلفه ديفيد ساترفيلد للتوسط بين لبنان وإسرائيل لمحاولة ترسيم الحدود البحرية والبرية، ولكنه حمل معه رسائل واضحة للسياسيين اللبنانيين وخاصة المتواطئين مع سياسات وطموحات "حزب الله"، إما عن قناعة أو عن خوف، وتحديدا "التيار الوطني الحر" الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون ويقوده الآن صهره وزير الخارجية جبران باسيل، بأن "تفهم" واشنطن التقليدي لمعضلة "الدولة" اللبنانية مع "حزب الله" وعجزها أو رفضها عن الوقوف، ولو رمزيا، بوجهه يشارف على النهاية.

ويؤكد المسؤولون الأميركيون، وآخرهم مارشال بيلينغسلي، مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، أن سياسة واشنطن بتقويض اقتصاد إيران وتجفيف مصادر تمويل "حزب الله" سوف تستمر وتتفاقم في المستقبل.

وفي هذا السياق سوف تدرج واشنطن للمرة الأولى شخصيات سياسية ومالية لبنانية من خارج "حزب الله" ومن خارج الطائفة الشيعية ـ في إشارة واضحة لعون وأنصاره الذين تتهمهم واشنطن بتوفير "الغطاء المسيحي" لـ"حزب الله" ـ على لائحة العقوبات.

بعض رسائل شينكر للسياسيين اللبنانيين ولقادة الجيش الذين التقاهم، وفقا لما قالته مصادر مسؤولة قبل وصوله إلى بيروت تشمل تأكيده بأن واشنطن ستؤيد أي إجراءات عسكرية تتخذها إسرائيل ضد "حزب الله" في لبنان أو قواته وقوات إيران في سوريا، وأن واشنطن "تتفهم وتتعاطف" مع قلق إسرائيل من حصول "حزب الله" على معدات وأجهزة متطورة مصممة لتحسين آداء ودقة الصواريخ الإيرانية الموجودة في ترسانة الحزب، وهو ما دفعها لإطلاق مسيرات لتدمير هذه المعدات التي وصلت إلى مقر قيادة تابع لـ "حزب الله" في الضاحية الجنوبية لبيروت. أحد الاسئلة التي طرحها شينكر هي كيف يمكن تبرير عجز الجيش اللبناني عن دخول الضاحية الجنوبية لمعاينة الأهداف التي قصفتها إسرائيل؟

وهناك جدل في الأوساط الأميركية المعنية بلبنان، بين من يدعو إلى الحفاظ على العلاقات العسكرية الأميركية ـ اللبنانية، وضرورة مواصلة تسليح وتدريب القوات اللبنانية المسلحة، وبين من يقول إن الجيش اللبناني غير قادر أو غير مستعد للتصدي، ولو بشكل خجول أو محدود، لـ"حزب الله"، ولذلك يجب أن تقلص واشنطن من مساعداتها العسكرية أو تجعلها مشروطة بإجراءات لاحتواء نفوذ "حزب الله"، وإذا لم ينجح ذلك، يتم قطع هذه المساعدات.

معقل المتشددين هو مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. في المقابل، لا تزال القيادة العسكرية الأميركية تدعو للحفاظ على العلاقة العسكرية، لأن قطع الإمدادات الأميركية سوف يدفع بلبنان للجوء إلى سوريا وإيران. ووفقا للمطلعين على هذا الجدل، يقول العسكريون الأميركيون إن أداء الجيش اللبناني ضد "التطرف السنّي" المتمثل بعناصر تنظيم "القاعدة" أو تنظيم "الدولة الاسلامية" وخاصة في شرق لبنان كان جيدا، وإن اعترفوا بأن تصدي الجيش "للتطرف الشيعي" المتمثل بـ"حزب الله" غير وارد.

ويتبين من سلوك الدولة اللبنانية الرسمية أنها إما غير قادرة على استيعاب أبعاد هذا الجدل في واشنطن، أو أنها تعيش في حالة نكران. الصمت الرسمي للدولة اللبنانية في أعقاب خطاب نصرالله وصل دويه إلى واشنطن، قبل عودة ديفيد شينكر إليها.

لخطاب نصرالله في ذكرى عاشوراء، والذي أكد فيه تبعية لبنان للجمهورية الإسلامية في إيران، جذور قديمة ويمثل استمرارية واضحة لتفكيره ولرؤيته للبنان كولاية إيرانية. وهناك شريط قديم لنصرالله، بالأبيض والأسود ويعود ربما لسنة 1988 أي قبل قيادته للحزب، ويقول فيه بكل وضوح إن مستقبل لبنان هو أن يصبح جزءا من جمهورية إسلامية واسعة يقودها آية الله روح الله الخميني آنذاك.

أنصار "حزب الله" لا يجاهرون بهذا الشريط لأنه يحرجهم مع حلفائهم ويخيف الفئات اللبنانية الأخرى. يقول نصرالله الشاب، وبلكنة فارسية واضحة "ومشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني".

هذا هو مشروع إيران الإسلامية الإنقلابي في لبنان، وهذا ما يقوم به حسن نصرالله لتحويل لبنان إلى ولاية إسلامية يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق آية الله علي خامنئي.

أيها اللبنانيون وطنكم أسير إيران.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية