فريد العليبي: الإسلام السياسي يراوغ وصولاً إلى الحاكمية

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
5136
عدد القراءات

2018-01-25

أرجع الدكتور فريد العليبي عودة الإسلام السياسي في المشهد العربي إلى "الانتفاضات العربية" وإلى قدراته التنظيمية، بالإضافة إلى توجّه بعض القوى الدولية لتشريك "الإسلام السياسي المعتدل".

وأوضح أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، في حوار أجرته معه "حفريات"، أنّ الإسلام السياسي استعملته قوى متصارعة ضد بعضها بعضاً في الماضي، مقابل قوى ديمقراطية عانت عجزاً في إطلاق حداثة عربية، مبيناً أنّ مفهوم "الدولة الإسلامية" لم يكن له وجود مطلقاً حتى تكون هناك مطالبات بعودته؛ لأن "ما ألغاه كمال أتاتورك هو الدولة العثمانية"، على حد تعبيره.

ونوّه العليبي إلى أنّ الإسلام السياسي ‏يراوغ بالديمقراطية في سبيل القضاء عليها؛ أي ليستبدلها في النهاية بفكرة ‏الحاكمية، كما بلورها أبو الأعلى المودودي، أو بولاية الفقيه كما عبّر عنها آية الله ‏الخميني..، فهو  يستعملها لتجريد الشعب من أيّ سلطة سياسية لتدبير ‏شؤونه العامة، ووضع مصير ذلك التدبير بين أيدي الفقهاء الجدد في إعادة إنتاج ‏لنظام حكم ساد على مدى قرون في البلاد العربية وتجاوزه الزمن.‏

مكّنت الانتفاضات العربية الإسلام السياسي من أن يجد له موطئ قدم في ‏الحياة السياسية

والدكتور فريد العليبي أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس الجمهورية التونسية. من أبرز مؤلفاته: "رؤية ابن رشد السياسية"، "ابن رشد والفتنة"، "مقاربات نقدية في فلسفة النبوة"، "تونس الانتفاضة والثورة"، "الربيع العربي والمخاتلة في الدين والسياسة"، وهو عضو سابق بالهيئة المديرة للجمعية التونسية للدراسات الفلسفية وعضو هيئة تحرير سابق لمجلتها العلمية.

الإسلام السياسي اكتسب عبر السنين قوة استمدّها من ‏موروث ديني ضارب في القدم

وفي ما يلي نص الحوار كاملاً:

بم تفسّر عودة الإسلام السياسي للمنافسة على الحكم منذ العام 2011؟

هناك عوامل مختلفة تفسر ذلك، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي، ‏فداخلياً مكّنت الانتفاضات العربية الإسلام السياسي من أن يجد له موطئ قدم في ‏الحياة السياسية بما وفّرته من مناخ الحريات العامة، خاصة أنه كان يتمتع ‏بقدرات تنظيمية تتيح له ذلك؛ وخارجياً كان هناك اتجاه لدى عدد من القوى ‏الدولية، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، لتشريك الإسلام السياسي "‏المعتدل" في الحكم.‏

ولكن، من المحللين من يفسر قوة تيارات الإسلام السياسي وسيطرتها على الشارع بضعف منافسيها من الديمقراطيين والحداثيين وعجزهم عن التواصل مع الشارع، ما مدى وجاهة هذا التفسير؟

هذا صحيح، فالإسلام السياسي اكتسب عبر السنين قوة استمدّها من جهة من ‏موروث ديني ضارب في القدم يسكن، بهذا القدر أو ذاك، الوعي الجماعي للشعوب، ‏ويكفي التظاهر بالوفاء له وإجلاله لتحريك العواطف الجياشة في هذا الاتجاه أو ‏ذاك؛ ومن جهة ثانية، فإنّ الإسلام السياسي كثيراً ما وجد حاجة إليه لدى قوى ‏متصارعة فدعمته واستعملته ضد بعضها البعض، أو ضد قوى أخرى داخل كل ‏بلد لإضعافه، أما القوى الديمقراطية والحداثية، فقد عانت من غربتها في علاقة ‏مع ذلك الموروث الديني، ولم تنجح في إطلاق حداثة عربية من بين ثناياه، فظلّ ‏سلاحاً في يد القوى التقليدية استعملته لتوجيه "الشارع" ضد "الحداثة" ‏و"العلمانية" و"الاشتراكية" و"الديمقراطية" و"المساواة بين الجنسين" ‏الخ... وفضلاً عن ذلك، فإنّ متغيرات إستراتيجية حدثت على صعيد عالمي ‏أضعفت القوى الديمقراطية والحداثية ومنها هزيمة القومية العربية غداة ما ‏سمّي بالنكسة العام 1967، وتفكك الاتحاد السوفياتي العام 1991، وانعطاف العالم ‏كله في اتجاه النكوص إلى الماضي التليد.

برأيك، لماذا بعد أن قضي على "الدولة الإسلامية" التي كان نظام الحكم فيها خلافة، واستبدلت بأنظمة أخرى نجد "الروح" الإسلامية السياسية تعاود الظهور وتجد لها موطئ قدم على حد تعبيرك؟ أليس هذا دليلاً على ضعف ترسخ فكرة الدولة ومفهومها في العالم العربي؟

ربما يجدر بنا تدقيق مفهوم "الدولة الإسلامية"، فتلك الدولة لم ترَ النور أبداً،  ‏بمعنى أنّ الخلافة لا وجود لها في الإسلام كما يذهب إلى ذلك علي عبدالرازق، ‏وما ألغاه كمال أتاتورك العام 1924 هو الدولة العثمانية التي ارتدت معطف ‏الدين لعقود طويلة وليس "الدولة الاسلامية". وما نراه الآن أيضاً من انبعاث ‏‏"الروح الإسلامية" في السياسة، وصولاً إلى الحديث عن قيام للدولة الإسلامية، ‏هو من قبيل مراوغة الشعوب بالدين لحكمها من طرف هذه القوة السياسية ‏الاجتماعية أو تلك. إنّ ما نراه الآن ليس عودة الدين، وإنما استثماره في ‏السياسة من طرف قوى اجتماعية لغايات السيطرة والهيمنة، والتاريخ ‏الإسلامي مليء بالأمثلة التي تبيّن ذلك، فلا يخلو عصر أو بلد من بروز هذه ‏الجماعة أو تلك، استثمرت الدين لأجل تلك الغاية، كذلك كان الأمر مع ‏الأمويين والعباسيين في المشرق والمرابطين والموحدين والفاطميين في ‏المغرب الخ.. ‏

ما ‏يشهده العرب الآن هو بمعنى ما ردّة تاريخية مرتبطة بأزمة عاصفة

والدولة ليست فكرة بقدر ما هي مؤسسات وأجهزة، وهي تضعف وتقوى في ‏علاقة بالتاريخ ومحدداته كما يراه ابن خلدون مثلاً، وعربياً كان وضعها كذلك ‏فقد كانت "ملكاً عضوضاً" تارة وهباء منثوراً تارة أخرى.

في الطرف المقابل، يرى محللون أنّ هذه العودة تعكس تطوراً في فكر الإسلام السياسي وقبولاً بشروط الديمقراطية وخضوعاً لنظامها، ما رأيك في هذا الطرح؟

الإسلام السياسي ليس موحداً، وإنّما هناك تيارات مختلفة يتكون منها ويتشكل، ‏وهي أحياناً تقاتل بعضها بعضاً، وقد حدث هذا بالأمس، ويحدث اليوم أيضاً، وتلك ‏التيارات المختلفة يجمع بينها قاسم مشترك وهو استثمار الدين في السياسة كما ‏ذكرت. وهذا لا يمثل تطوراً في النظريات السياسية، وإنما نكوصاً وارتكاساً إلى ‏أنماط حكم ثيوقراطية. وطالما أنّ الأمر كذلك فإنها والديمقراطية نقيضان. ‏فالحكم باسم الشعب ليس كالحكم باسم الله. ومن هنا، فإن الإسلام السياسي ‏يراوغ بالديمقراطية في سبيل القضاء عليها؛ أي ليستبدلها في النهاية بفكرة ‏الحاكمية كما بلورها أبو الأعلى المودودي، أو بولاية الفقيه كما عبّر عنها آية الله ‏الخميني الخ.. إنّه يستعملها لتجريد الشعب من أيّ سلطة سياسية لتدبير ‏شؤونه العامة ووضع مصير ذلك التدبير بين أيدي الفقهاء الجدد في إعادة إنتاج ‏لنظام حكم ساد على مدى قرون في البلاد العربية.‏

توفّرحركة النهضة في تونس نموذجاً لقراءة الإسلام السياسي على ضوء ‏مفهوم المراوغة

ألا يمكن اعتبار حركة النهضة في تونس وقبولها للتحالف مع حركة "نداء تونس" مثالاً على انخراط تيارات الإسلام السياسي في السياسة وقوانينها وأساليب إدارتها؟

توفّرحركة النهضة في تونس نموذجاً لقراءة الإسلام السياسي على ضوء ‏مفهوم المراوغة؛ فقد نشأت خلال حكم بورقيبة وكانت قريبة جداً منه حتى أن ‏جرائدها كانت تطبع في المقر العام للحزب الدستوري. وعندما حدثت الانتفاضة ‏العمالية العام 1978 أصدرت بياناً اعتبرت فيه ما جرى تخريباً لمؤسسات الدولة، ‏أما عندما وقعت عملية قفصة العام 1980، فقد عبّرت عن استعدادها لحمل السلاح ‏دفاعاً عن نظام بورقيبة الخ.. ثم عندما اشتدّ عودها تآمرت على بورقيبة، وكوّنت ‏مجموعات شبه عسكرية للقيام بذلك، وهو ما حدث مع بن علي أيضاً؛ فقد صرّح ‏راشد الغنوشي بعد لقائه به غداة انقلاب 7 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1987 أنّ له ثقةً في الله ‏وفي بن علي، ونسي حتى ذكر الرسول، ثم ما لبث أن انقلب عليه أيضاً، وهذا ‏يحدث اليوم كذلك في علاقة بمنصف المرزوقي أو حمة الهمامي مثلاً، وهما من ‏الحلفاء السابقين لحركة النهضة. ومن هنا، فإنّه ينبغي فهم التوافق الحالي بين ‏الحركة وحزب نداء تونس لا على أنّه أمر "تطور" في الممارسة السياسية، ‏وإنما باعتباره "ثابتاً" من ثوابت المخاتلة السياسية التي تسم الإسلام ‏السياسي عامة. فهذا "الثابت" تتقاسمه حركة النهضة مع غيرها من مكونات ‏الإسلام السياسي.

كلما اتّهمت تيارات الإسلام السياسي بأنّها "رجعية" وبأنّها معادية للديمقراطية، ردّت بأنّ منتقديها أيضاً لا يرضون بـ "نتائج الصندوق" ويحاولون قلب نظام الحكم إذا أفرزت الديمقراطية فوزاً لهذه التيارات كما حصل في مصر وتونس مثلاً، أليس من المفترض أن نقبل بما تفرزه الديمقراطية؟

أفرزت الانتفاضات العربية حتى الآن ديمقراطية ملتبسة؛ بل بإمكاننا القول إنها ‏مغشوشة، إنها ديمقراطية يتحكم فيها المال السياسي وبعض الإعلام الفاسد محلياً ‏وتدخل قوى دولية وإقليمية خارجياً بالمال وأحياناً بالسلاح لترجيح كفة هذه الحركة ‏أو تلك من المجموعات السياسية الليبرالية والدينية، لذلك يهجر الناس بأعداد ‏متزايدة تلك الديمقراطية، وينفرون من "السياسة" التي أفرزتها، وكما قلت في ‏بداية هذا الحوار، فإنّ الإسلام السياسي وجد فرصة سانحة لاستثمار المناخ الذي ‏وفرته تلك الانتفاضات لا لصالح المنتفضين وإنما لصالحه هو. لأجل هذا ينبغي ‏التعامل على المستوى النظري مع تلك الديمقراطية نقدياً والتنبيه إلى مضارها ‏العملية وصولاً إلى تنقية الديمقراطية من تلك الشوائب والعوائق وإرجاعها إلى ‏جوهرها من حيث هي حكم الشعب لنفسه بنفسه، وهو ما لن يتحقق دون تحقيق ‏السيادة الوطنية والعدل في توزيع الثروة، فعندها يمكن للمباراة الانتخابية أن ‏يكون لها معناها الفعلي. وطالما أنّ ذلك غير متوفر الآن فإنّ ما يحصل هو ‏صراع بين التيارات الدينية والليبرالية وغيرها على السلطة، وإن اتّخذ ذلك ‏الصراع تارة شكلاً "برلمانياً"، وطوراً شكل انقلابات عسكرية وإرهاب ‏تكفيري الخ..

كيف أثرت عودة الإسلام السياسي في الواقع العربي برأيك؟ ما أبرز تداعيات هذه العودة؟

يمكن رصد ذلك التأثير اليوم في بلدان مثل؛ ليبيا والعراق وسوريا واليمن ومصر ‏وتونس؛ حيث تنتشر مظاهر مثل؛ المذابح الجماعية والقتل على الهوية الدينية ‏والطائفية وسبي النساء وبيع المهاجرين عبيداً وانتشار الأمراض وارتفاع لهب ‏الفتن المذهبية الخ.. لقد كان للإسلام السياسي آثاره الضارة في أي بلد حلّ به، ‏وسيكون الأمر أشد سوءاً في المستقبل، فخلط السياسة بالدين لا يحل الأزمة التي ‏يمر بها العرب، وإنما يزيدها تعقيداً، وقد غدا الآن واضحاً أنّ شعار "الإسلام هو ‏الحل"، الذي طالما ردّده الإسلام السياسي، إنما يتمثل تجسيده الواقعي في ذلك ‏الخراب المعمم الذي قلّما نجا منه قطر عربي؛ بل إنه تم تصديره لشوارع عدد من ‏المدن الأوروبية وغيرها؛ حيث دهس أناس أبرياء وتفجير قطارات الخ.. ‏

هذا يحيلنا إلى سؤال مستقبلي: ما الأخطار التي يمكن أن تنجم عن مزيد تغلغل تيارات الإسلام السياسي في الواقع العربي الإسلامي المعاصر؟

العرب في حالة وهن وضعف الآن والإسلام السياسي كان من بين الأسلحة التي استعملت ‏على مدى عقود لتحقيق ذلك، غير أنّه كان غالباً يؤدي دوره من خارج السلطة، أما الآن ‏فإنه يقوم بهذا الدور من داخلها، وهذا ضار ومفيد في الوقت نفسه، إنه ضار من جهة كونه ‏سيفاقم ذلك الوهن وصولاً بالعرب إلى حافة الكارثة خاصة في علاقة باحتدام الفتنة، وهو ‏مفيد من جهة كون عموم الناس أضحوا يدركون أكثر فأكثر بتجاربهم الملموسة أنّ الإسلام ‏السياسي لا علاقة له بالدفاع عن الدين بقدر ما له علاقة بالتجارة به. وقديماً قال فيلسوف ‏العرب الأول أبو إسحاق الكندي "إن من اتجر بشيء باعه"، وهؤلاء يبيعون الدين لمن يشتري.

أشرت سابقاً إلى أنّ التيارات الديمقرطية والحداثية تتحمل مسؤولية – وإن بطريقة غير مباشرة - في صعود تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة، إلى أي مدى يمكن أن تكون إذن طرفاً مساعداً في مواجهتها والحد من تصاعد نفوذها؟

يمكن لتلك التيارات أن يكون لها دورها في الحيلولة دون الوصول إلى تلك اللحظة‏‏/ الكارثة التي ألمحت إليها، متى أرست سياساتها على قاعدة فلسفية ديمقراطية ونقدية ‏وعقلانية الخ.. فهي اليوم غالباً حداثية دونما حداثة؛ أي دون إدراك لمعنى الحداثة ‏ومقوّماتها وعوائقها، وهو ما ينسحب على الديمقراطية أيضاً. وتلك الفلسفة ستجعلها تدرك ‏أن الحداثة والتحديث ينبغي أن ينبعا من العرب أنفسهم في علاقة بموروثهم وتاريخهم لا ‏في غربة عنه. إنّ فلاسفة مثل؛ ابن رشد والكندي والفارابي ومفكرين حداثيين مثل؛ ‏فرح أنطون وشبلي شميل ومحمد عبده والطاهر الحداد الخ... يمكن استعادتهم في بلورة ‏نظريات سياسية عربية معاصرة تحقق تلك القطيعة مع نظريات الإسلام السياسي، وتجسد ‏ذلك في صميم الحياة الواقعية لأوسع قطاع من الناس، بمعنى أن تلك التيارات بحاجة إلى ‏الانشغال أكثر بالمسألة الثقافية التي من بين أبعادها أيضاً مكاسبها الكونية وحسن الربط ‏بينها وبين المسألة السياسية.

 الإسلام السياسي وجد فرصة سانحة لاستثمار المناخ الذي ‏وفرته الانتفاضات لا لصالح المنتفضين وإنما لصالحه هو

وما الآليات التي تراها كفيلة بالحد من امتلاك الإسلام السياسي للمجال العام على نطاق واسع، هل يبدو لك الحل الأمني أو العسكري قادراً على ذلك؟

هناك أمثلة كثيرة تبين أنّ قمع الأفكار مهما كانت طبيعتها لا تؤدي إلا إلى تقويتها. ‏والأديان نفسها، كما العديد من الفلسفات، انتشرت بعدما تم خنقها بوسائل القوة والردع، لذلك ‏أشرت إلى أهمية المجال الثقافي فهزيمة الإسلام السياسي ممكنة هنا بالذات، فتلك نقطة ‏قوته وضعفه أيضاً وهنا المفارقة. إنّه يتغذى من زعمه امتلاك ذلك الموروث، فهو القيم ‏عليه وحارسه، وفي هذا مكمن قوته. غير أنّ نزع هذا القناع الأيديولوجي سيعرضه إلى ‏الضعف على نحو متزايد. ومهمة المفكرين العرب المنخرطين أيضاً في المعركة ‏السياسية والاجتماعية متأكدة هنا. وينبغي أن يعاضدها فاعل سياسي يمتلك آليات نشر ‏الفكرة بين أوسع قطاع من الناس لتتحول بهم ومن خلالهم إلى قوة مادية.

هل ترى مستقبلاً لهذه التيارات في ظلّ ما سبّبته من أزمات بعد 2011؟

في تاريخ البشر تعرجات وانحناءات ومنعطفات؛ بمعنى أنه لا يسير وفق خط مستقيم، وما ‏يشهده العرب الآن هو بمعنى ما ردّة تاريخية مرتبطة بأزمة عاصفة، ليس هنا مجال ‏تفصيل ظاهرها وباطنها. والإسلام السياسي نتاج لهذا الوضع المركب، وسيظل قائماً ما ‏بقيت تلك الأزمة دون حل. إنه ببساطة حل وهمي من بين حلول وهمية أخرى لها، ‏وسيكتشف الناس مع مرور الوقت الزيف الكامن في تلك الحلول، قبل أن يبتكروا هم أنفسهم ‏حلها المتطابق مع مصالحهم دون سواها. وقد تكون مهمة المثقفين مساعدتهم على أن يروا ‏في الظلام الحالي نقطة الضوء التي تلمع من بعيد لجعلها تكبر شيئاً فشيئاً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



محمد بحري: الفن والأدب متأخران عن الحراك الشعبي في الجزائر

680
عدد القراءات

2019-06-17

أجرى الحوار: محمود أبو بكر


قال الناقد الجزائري محمد لمين بحري إنّ المثقف لن يستوعب صدمة الحراك الحالية التي رفعت سقف الحرية عالياً، ولا استيعاب خطاب الهبّة الشعبية إبداعياً، إلا بعد أعوام، مستدركاً في حواره مع "حفريات" أنّ ثمة مواكبة من الأدب الجزائري للتحولات السياسية والمجتمعية التي يعيشها المجتمع، وأكد أنّ "هناك من الأعمال الروائية ما ساير الأوضاع، وكشف ملفات الفساد، ولو رمزياً".
وتحفّظ بحري على مطالبة المبدعين "بالاستشراف" باعتباره "ترفاً لفظياً أكثر منها مصطلحاً نقدياً حقيقاً بالأدب ودراسته"، مفضلاً كلمة "الحساسية"، بأن "يكون القلم المبدع لسان حال وميسم استشعار، ذا إحساس عالٍ نحو قضايا عصره".

وهنا نص الحوار:

المثقف واستيعاب صدمة الحراك

لن نستطيع احتواء البعد الفني والخطاب الإبداعي للحراك الحالي إلا بعد أعوام

هل لعب الأدب الجزائري، وخاصة الروايات، دوراً في كشف الفساد وتحريك الشارع؟

قليلة هي الأعمال الروائية التي استبقت الحراك الشعبي في الجزائر؛ ذلك أنّ الحراك هبّة شعبية عفوية، لم تكن متوقعة التاريخ بالتحديد، وإن كانت متوقعة الحدوث نتيجة احتقان اجتماعي وركود سياسي، وتفشي الفساد المعلن، وتغوّل الطبقة السياسية الأوليغارشية الفاسدة، وامتهان كرامة الشعب.

قليلة هي الأعمال الروائية التي استبقت الحراك الشعبي بالجزائر؛ فهي هبّة شعبية عفوية لم تكن متوقعة التاريخ بالتحديد

وفي نظري؛ الحراك بهبّته الموحدة والسلمية الراقية، ووضوح مطالبه السيادية قد حرر الأقلام والصحافة والعدالة والجامعة، وكل قطاعات الحياة الثقافية، والقرائح المبدعة، وتجاوز بخطابه وإبداعه وتجدده كلّ تلك القطاعات التعبيرية والإبداعية التي لم تستطع مواكبة صوت الحراك وإبداعاته التي نراها تنبثق وتجدد كلّ يوم؛ في الشعارات والعبارات واللوحات والمشاهد الفنية التي فاقت كلّ تعبير فني. 
والأكيد أنّنا لن نستطيع احتواء بعده الفني وخطابه الإبداعي إلا بعد أعوام؛ في كتاباتنا، وأطروحاتنا، وفنون العرض والتشكيل؛ لذلك أرى، بعكس أطروحة استشراف الكتابة للحراك، أنّ هذا الأخير قد كشف كثيراً من الأقلام واستكانتها قبل هبّته، والإعلام واستلابه، والأكاديمي وصمته، والمثقف عموماً الذي لم يتحرك إلا كرد فعل شرطي ومنبه قوي الجرعة، دفع بالقلم والصوت والصورة للتعبير باسم الحراك الشعبي، وبعثه من جديد بطاقة داخلية وحّدت الجميع.

اقرأ أيضاً: هل ينجح "العسكر" في إدارة مرحلة انتقالية في السودان والجزائر؟
لذلك أعتقد أنّ المثقف لن يستوعب صدمة الحراك الحالية التي رفعت سقف الحرية عالياً، ولا استيعاب خطاب الهبة الشعبية إبداعياً، إلا بعد أعوام، وبأثر رجعي؛ لأنّ الإبداع ليس في حاجة إلى طاقة تحركه وتفجر طاقته مثل الحرية التي تُستلهم دوماً من ملاحم الشعوب، ونضالها، أما ركوب موجته الآن إبداعياً، وكما اتفق، ومحاولة ترديد شعاراته في الكتابة والرسم وفنون العرض وغيرها، فهو في اعتقادي مسيء للذين حاولوا محاكاته؛ لأنّ صوت الحراك وقوة إبداعه الحالية فوق كلّ تعبير، في حين يخرج لنا الشعب كلّ جمعة، بعالم إبداعي متجدّد، وفكرة غير مسبوقة من الإبداعات والشعارات واللوحات، لا قِبَل للأقلام باستيعابها، إلا بترديدها واتباع وهجها؛ لذا أقول: إنّ الحراك بإبداعه استبق، بل اكتسح، من ميادين المسيرات الحرة كلّ إبداع، وليس العكس.

مواكبة الأدب لتحولات المجتمع
ما مدى مواكبة الأدب الجزائري للتحولات السياسية والمجتمعية التي يعيشها المجتمع؟

هناك من الأعمال ما ساير الأوضاع، وكشف ملفات الفساد، ولو رمزياً، ولعلنا نبدأ برواية "قصيد في التذلل"، للراحل الطاهر وطار، التي حفرت عميقاً في موضوع الفساد الثقافي، وقلّبت في سياسات المفسدين في القطاع، وجسّدت نماذجهم البشرية، ونهجهم الانحرافي المستفحل في كلّ المؤسسات.

الراحل الطاهر وطار
غير أنّ ما لفت انتباهي في العامين الماضيين؛ روايتان، إحداهما لعبد القادر ضيف الله، وهي نصّ بوليسي بعنوان "زينزيبار"، صادرة في مصر، عن دار "الدار" للنشر والتوزيع، 2016، تفادى صاحبها نشرها في الجزائر، كونها تعالج موضوع علاقة الجيش الجزائري وجنرالاته بالاستخبارات الداخلية والخارجية، والعلاقة بين هذه الفئة من الجنرالات والإرهاب عبر عمليات وقصص اغتيالات وتفكيك لشفرات السياسات الداخلية للخلايا الأمنية والاسخباراتية، وحتى لمسار الاغتيالات الأمنية والسياسية والتصفيات الانتقامية المستفحلة منذ الاستقلال بين فروع ورجالات وأذرع الاستخبارات، حتى أنّ عنوان رواية "زينزيبار"؛ هو اسم عملية استخباراتية معقدة التنفيذ ووخيمة النتائج، ترتكز على خلفية وقائعية حقيقية، وهذا ما زاد من جرأة النص، في مواكبة مسلسل الفساد العسكري والسياسي في الجزائر المعاصرة.

اقرأ أيضاً: ما تأثير الإسلام السياسي على المجتمع الجزائري؟

أما التجربة الروائية الثانية؛ فهي رواية صدرت عام 2018، للروائية المغتربة بإيطاليا، أمل بوشارب، بعنوان "ثابت الظلمة"، وتتعرض بدورها لرباعي الفساد (السياسة، الثقافة، العسكر، الإرهاب)، وهي رواية استخباراتية بامتياز، تكشف حتى السبل الشيطانية في استغلال ثروات الجزائر، وبيعها من من طرف أبناء المسؤولين والسفراء والوزراء وشركائهم من رجال المال الفاسد.
وأعتقد أنّ هذه الحلقة من الفساد هي أول حلقة كشفها الحراك وأطاح بأكبر رؤوسها بعد تحرير العدالة، التي لم يكن لأحد أن يتصور بأنّها ستتحرر، بعد أن كانت وصية على حماية المافيا السياسية الحاكمة.

الأدب بين الاستشراف والحساسية

الأدب ليس مطلوباً منه مهمة الاستشراف بل تحسس قضايا المجتمع
هناك من يرى أنّ روائيي الجيل الجديد في الجزائر ظلوا يتناولون ما يقع لحظياً، دون أن يتمكنوا من الاستشراف بخلاف الجيل الأول من الروائيين، ما رأيك؟

أتحفّظ على كلمة "الاستشراف"؛ إذ تبدو ترفاً لفظياً أكثر منها مصطلحاً نقدياً حقيقاً بالأدب ودراسته، بل أفضِّل بدلاً منها كلمة "الحساسية"، وهي اصطلاح نقدي مؤسس فكرياً وفنياً لدى عديد النقاد الغربيين والعرب؛ أي حينما يكون القلم المبدع لسان حال وميسم استشعار، ذا إحساس عالٍ نحو قضايا عصره، فيخاطب الأزمنة جميعاً؛ الكائن منها، والقائم، وحتى المستقبل الممكن، في حركة، أو لوحة، أو تعبير، أو خطاب ثائر، وهذه الأشياء لا يعدمها الإبداع في مختلف تجلياته، خاصة الكتابية منها.

الحراك الجزائري بهبّته الموحدة والسلمية الراقية ووضوح مطالبه السيادية حرر الأقلام والصحافة والعدالة والجامعة

لكن علينا أن نقف في هذا الموضوع عند التساؤل الآتي: ما الذي يكشف هذه الحساسية الإبداعية في الكتابة الروائية؟
وذلك باعتبارها حركة إبداعية ضمنية، بطابع رمزي، وشحنة دلالية ثانوية خلف الصيغ والتراكيب والصور والمشاهد، وليست صيغة تعبيرية واضحة معلنة الخطاب صريحة اللفظ والمعنى.
ومن هنا وجب على النقد أن يكشف تكوينية هذه الصيغ، وأن يمنحها ما يليق ببعدها الإحساسي من استقراء وتأويل، باعتبارها لسان العصر وميسماً من مياسم استشعاره الإبداعية؛ لأنّ الرؤية تتشكل في الأدب عبر مقومات رمزية وبنيات دالة، للوعي الممكن، ولا يمكن أن نبرهن على قيمتها الدلالية فقط بتلك العبارات المتحدثة بصيغة ما يستقبل من الزمان.

اقرأ أيضاً: ماذا وراء إلغاء انتخابات الجزائر؟
لذلك؛ إنّ دراسة الحساسيات الإبداعية لا تستوعب قيمتها وتعبيريتها من النص مباشرة، بل عن طريق دراسات نقدية فاحصة لتكوينيتها ورؤيتها للعالم؛ لأنّ الحساسية الإبداعية موجودة في كلّ الإبداعات الروائية التي، إن كانت تحمل صيغة المباشرة لدى مؤسسي الرواية الجزائرية؛ كعبد الحميد بن هدوقة "ريح الجنوب"، كاتب ياسين "نجمة"، الطاهر وطار "الزلزال"، رشيد بو جدرة "العسس، التفكك، التطليق، الربيع، ...إلخ"، أو في عبارات ضمنية في مؤلفاتهم (ما يبقى في الواد غير أحجاره "الزلزال" الطاهر وطار)، (أرى حياة لا يحرسها الأب (بن هدوقة) "ريح الجنوب")، وغيرها؛ فإنّ هذه الحساسية في كتاب الجيل الحالي قد تحمل دلالة تكثيفية أو انتشارية، عبر مشهد كامل، وتتمفصل عبر رحلة الشخصيات وما يواكبها من أحداث من بداية النص إلى نهايته؛ "هجرة حارس الحظيرة"، لنجم الدين سيدي عثمان، أو تتجلى في رمز "فنتاستيكي" مبتدع، يزرعه الروائي في عمله، لينتشر دلالياً، عبر كلّ مفاصل الحياة وأبعادها القائمة والممكنة؛ "هالوسين"، إسماعيل مهنانة، "وادي الجن"، مبروك دريدي.

اقرأ أيضاً: تصفية حسابات بين إسلاميي الجزائر
ذلك أنّ من ميزات الحساسية الجديدة في الرواية الشبابية المعاصرة في الجزائر؛ اللجوء إلى ابتكار الجرثوم الانتشاري، ونسج العمل حوله وتركه ينشر عدواه ليس في النص الواحد بل في عملين أو أكثر، وربما في أجزاء أو سلسلة روائية، ليتجلى مفهوم الحساسية بمختلف أبعاده التعبيرية، لا كرؤية فنية للعالم فحسب؛ بل كأسلوب في التعبير يشمل جيلاً بأكمله، بدأ يرسم قطيعته الأسلوبية والتعبيرية، وحتى الرؤيوية، مع أجيال الروائيين الواقعيين المؤسسين لهذه الرواية.

اقرأ أيضاً: "إخوان" الجزائر يفشلون في ركوب الحراك الشعبي
وهنا لن يكفي ذكْر روائي أو اثنين؛ بل نتحدث عن جيل ألفيني صاعد من الروائيين، الذي يؤسسون لروح نصّ، ويرسمون ملامح عصر روائي قادم، من أمثال: خولة حواسنية، وعبد الرزاق طواهرية، وحنان بركاني، وأمل بوشارب، ومحمد بن زخروفة، وغيرهم من الأقلام الصاعدة لجيل لا تكفّ حساسيته عن التجلّي وابتداع بصمتها التعبيرية المختلفة، لكن هل هناك من أقلام نقدية مبدعة تصغي لهذه الحساسية الروائية الشاردة؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي طرحه للوصول إلى سؤالك السابق.

الناشطة التونسية ضحى عيادي: تغيير المجتمعات لا بد أن يمرّ بالمرأة

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
862
عدد القراءات

2019-06-11

أجرى الحوار: عيسى جابلي


قالت الباحثة والناشطة التونسية، ضحى العيادي، إنّ أنشطة المجتمع المدني في مجال مكافحة التطرف والإرهاب ضرورية لمساندة الدولة التي تبقى المسؤول الرئيس عن الحد من هذه الظاهرة الخطرة.
وأكدت العيادي، في حوارها مع "حفريات"، أنّ أنشطة الجمعية التي تديرها "تونس لينا الكلّ" ترتكز أساساً على الفن والثقافة عموماً بوصفهما أداتين فعّالتين للحد من ظاهرتي التطرف والإرهاب في تونس.

اقرأ أيضاً: الجهاديات.. هكذا تغير دور المرأة في صفوف التنظيمات المتطرفة
ونوّهت الباحثة في القانون بهيئة الحقيقة والكرامة، بدور المرأة الناجع في الوقاية من التطرف العنيف والإرهاب وذلك لـ "مدى التزامهنّ بالقضايا العادلة في الوقت الذي فقد فيه الشباب الثقة في العمل الميداني، والثقة في إمكانية التغيير".
وهنا نص الحوار:

جمعية "تونس لينا الكل" (تونس لنا جميعاً)

ما هي أبرز المشاريع والأنشطة التي تشتغلون عليها في إطار مكافحة التطرف والإرهاب؟
جمعية "تونس لينا الكل" (تونس لنا جميعاً) هي جمعية شبابية في بداية نشاطها عملت على التشبيك مع جمعيات أخرى في مجال مكافحة الإرهاب ونبذ كل أشكال التطرف العنيف. فكان أول أنشطتها في هذا المجال تنظيم تظاهرة ثقافية صحبة جملة من منظمات المجتمع المدني بالقيروان تحت عنوان "نجاوبوكم فن" (نجيبكم بالفنّ) لما للفن من أهمية في مكافحة السلوكيات الخطرة عموماً، والإرهاب والتطرف خصوصاً.

نركز أساساً على علاقة الفن بالحد من الإرهاب وكيف يمكن للثقافة أن تقلص من هذه الظاهرة

اشتغلت الجمعية أيضاً في مجال العنف السياسي مع منظمات وطنية وجهوية إثر تطور الأحداث في تونس، والوصول الى التصفية الجسدية لقيادات حزبية، ليتم تأسيس منتدى الحوار الذي تمكنا من خلاله من تنظيم عدة ورشات للدفع تدريجياً نحو التثقيف بأهمية الحوار كوسيلة للتصدي للإرهاب، مشرّكين في هذه الورشات الإعلاميين والأمنيين والحقوقيين والأئمة وأكاديميين ومربين باعتبار أنّ مساهمتهم ضرورية في مقاربة القضاء على الإرهاب؛ لأنهم ببساطة العناصر الأكثر ارتباطاً وتأثيراً في المجتمع.
في نفس الإطار قامت الجمعية ببعث نوادي المواطنة وحقوق الإنسان ببعض المؤسسات الجامعية والشبابية على غرار نادي الوطن والمواطنة ونادي الحوار بدار شباب حفوز.

اقرأ أيضاً: كيف تستخدم التنظيمات الإرهابية المرأة كسلاح سري؟
نفذت جمعية "تونس لينا الكل" مشروعين تم تمويلهما من طرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الأول؛ العام 2016 متوجهين لشباب معتمدية حفوز من ولاية القيروان بمشروع أطلقنا عليه اسم "محبة تونس تجمعنا"، والذي يهدف أساساً إلى الحد من ظاهرة التطرف لدى الشباب، والثاني؛ هو مشروع تمت تسميته "نساء قادرات" توجهنا به إلى النساء الريفيات في المنطقة نفسها العام 2018 والذي يهدف إلى دعم قدرات المرأة الريفية في الوقاية من التطرف العنيف وكيفية الحد من ظاهرة التطرف بالجهة.
من مشروع "محبة تونس تجمعنا"

إذن يبدو أنّكم تركزون أساساً على الفن والثقافة عامة في مقاومة التطرف والإرهاب؟
نعم، في أغلب الأنشطة والمشاريع التي نفذناها تم التركيز أساساً على علاقة الفن بالحد من الإرهاب وكيف يمكن للثقافة أن تقلص من هذه الظاهرة، كما كان أغلب تركيزنا في أنشطتنا على دور الحوار والتماسك الاجتماعي في الحد من التطرف، لما للحوار من أهمية في فض النزاعات مع تنفيذ دورات تكوينية في هذا المجال. ويعتبر - في تقديري - تشريك الأئمة ضرورياً لما للخطاب الديني من تأثير إيجابي في حال استخدم النص القرآني والسنة النبوية في محلها ودون إخراجها من سياقها.
لماذا استهدفتم المرأة تحديداً؟ وأي أدوار يمكن أن تلعبها في مقاومة الإرهاب والتطرف؟
في إجابتنا عن هذا السؤال نستشهد بمقولة لبرنارد شو حين اعتبر أنّ "المرأة هي نصف المجتمع، وهي التي تلد وتربي النصف الآخر".

المرأة مهما بلغت درجة الوعي لديها لا يمكن أن تحقق استقلاليتها دون أن تكون مستقلة مادياً

في عملنا مع النساء اكتشفنا مدى التزامهن بالقضايا العادلة في الوقت الذي فقد فيه الشباب الثقة في العمل الميداني، والثقة في إمكانية التغيير، نظراً لحالة اليأس المرتبطة بالوضع العام لوطننا. فاخترنا العمل مع النساء اللاتي بدورهن سيقمن فيما بعد بتوعية الشباب.
إضافة إلى أنّ النساء هن اللاتي طالبننا بتكوينهن في مجال التوقي من التطرف العنيف، وكيفية التدخل للحد من هذه الظاهرة. وللأمانة، في اختيارنا للمشاركات المنتفعات بالتدريب في مشروع "نساء قادرات"، فضّلنا أن لا نقصي الأميات منهن، وأن نجعل المشاركة مفتوحة لكل الفئات العمرية على أن يتم اختيار 20 منهن. ونظراً لإلحاحهن وإبداء الرغبة في الالتزام بالحضور بجميع مراحل المشروع مع القيام بنقل المعارف التي يلقينها إلى نساء أخريات قمنا بتوسيع قاعدة المشاركات ليصل عددهن إلى 35 امرأة ريفية وسفيرة للحوار.

اقرأ أيضاً: المرأة والثورة.. لماذا تتصدر الصورة؟
إن تركيزنا على المرأة عائد إلى إيماننا بأنّ التغيير يبدأ أولاً من داخل المجتمع المصغر وهو العائلة، ونظراً إلى الدور الذي تلعبه المرأة داخل الأسرة وخارجها، وبأنّ النساء هن صانعات قادة المستقبل والأكثر التزاماً، كما ثبت من خلال عديد التجارب المقارنة أنّ تدخل المرأة يساهم في الحد من ظاهرة التطرف والإرهاب وأنهنّ يؤثرن بشكل إيجابي على مفاوضات السلام ومبادرات بناء السلم وفرص النجاح معهن أنجع.
إنّ النساء يلعبن دوراً تثقيفياً وتربوياً وأدواراً أخرى في المجتمع وكل ما ينقصهن هو الدفع نحو دعم قدراتهن في هذا المجال وتمكينهن من فرص فعلية للتدخل.
 هناك بعض الخلط في المفاهيم وخاصة في مفهوم التطرف والتطرف العنيف والإرهاب

من خلال ملامستكم عن قرب لهموم النساء الريفيات ومشاغلهن، هل وجدتم فيهن وعياً بخطورة ظاهرة التطرف؟
في الحقيقة مسألة الوعي تبقى دائماً نسبية، إذ كان هناك بعض الخلط في المفاهيم وخاصة في مفهوم التطرف والتطرف العنيف والإرهاب ومفاهيم أخرى مشابهة، مع تخوف جدي من الخوض في الموضوع لارتباطه، أحياناً، بالدين.

اقرأ أيضاً: المرأة والحداثة: سقوط وهم الأمومة المثالية
على مستوى الوعي بخطورة الظاهرة يمكننا أن نجزم أن ما جعل المنتفعات بالمشروع يتمسكن بالمشاركة هو من منطلق إيمانهن بخطورة الإرهاب، ما سهل علينا كجمعية كسر الجليد مع المشاركات، والتعامل مع الظاهرة كغيرها من الظواهر والسلوكيات الخطرة الأخرى، أضف إلى ذلك أنّه من بين المشاركات أم متضررة من الجماعات الإرهابية تمت "دمغجة" ابنها والتغرير به وتسفيره إلى سوريا عبرت عن رغبتها في توعية النساء حول خطورة الظاهرة وكيفية التعامل معها في حال ظهور سلوكيات تنم على إمكانية وجود تصرفات مشبوهة.
ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها بعد نشاطكم مع النساء؟
مقارنة بنقطة البداية التي انطلقنا منها، والمتمثلة في غياب شبه تام لثقافة الحوار في الفضاء العائلي وخارجه، وغياب شبه تام لثقافة احترام الآخر المختلف عنهم، وما توصلنا إليه بعد ستة أشهر عمل، وبعد ثماني ورشات عمل متتالية تمكنا من تكوين نساء قادرات على القيام بحملات مناصرة وتحسيس انتفعت بها نساء أخريات. كما أنّ المنتفعات بالمشروع قمنَ بتأسيس نادٍ ببلدية حفوز للتصدي لظاهرة التطرف والإرهاب ولنشر ثقافة الحوار والاختلاف.

اقرأ أيضاً: 5 كتب تناولت وضع المرأة داخل تنظيم داعش
إنّ مشروع "نساء قادرات" جمع بين تمكين المرأة الريفية اقتصادياً ودعم قدراتها في مجال التوقي من التطرف العنيف، وذلك من منطلق وعينا بأنّ المرأة مهما بلغت درجة الوعي لديها لا يمكن أن تحقق استقلاليتها دون أن تكون مستقلة مادياً، ليتم تخصيص جزء من ميزانية المشروع للمشاركات كدعم لهنّ لتحقيق استقلالهن المادي.
ما أهم الأسباب التي تدفع المرأة نحو التطرف العنيف والإرهاب برأيك؟
في تقديري الأسباب التي تجعل المرأة تنخرط في المنظومة الإرهابية هي ذاتها التي تدفع بالرجل، وتتمثل أساساً في الجهل بالدين، الرغبة في إثبات الذات، الفقر والتهميش، غياب العدالة الاجتماعية..
كل هذه الأسباب كانت المحدد الرئيسي في استراتيجية العمل التي وضعناها لتنفيذ المشروع.

من أسباب الإرهاب والتطرف الجهل بالدين والرغبة في إثبات الذات وغياب العدالة الاجتماعية

في علاقة بالدين كنّا قد شركنا إماماً شاباً من ثقات الجهة في ورشات العمل التي قمنا بتنفيذها، كي نتجاوز إشكالية الجهل بالدين، والذي قام بدوره بإبراز خطورة التطرف والغلو في الدين. وما يمكن أن ينجر عنه من أضرار مبيناً سماحة الدين.
في علاقة بالرغبة في إثبات الذات تم منح المشاركات فرصة التدخل في الشأن العام من خلال التنسيق مع السلطة المحلية لتشريكهن ودعوتهن للإدلاء بمقترحاتهن ضمن الجلسات التي تعقدها لجنة المرأة بالمجلس البلدي.
وفي ما يخص الفقر والتهميش والبطالة تم تخصيص جزء من ميزانية مشروع "نساء قادرات" من أجل دعمهن اقتصادياً كي يتمكنّ من ممارسة حرف يدوية بسيطة تساهم في مساعدتهن اقتصادياً.
المرأة مسؤولة من أي موقع هي به على دعم المقاربة الوقائية للتصدي إلى التطرف

إذن كيف يمكن للمرأة عموماً أن تكون صمام أمان ضد التطرف والإرهاب؟
المرأة مسؤولة من أي موقع هي به على دعم المقاربة الوقائية للتصدي إلى التطرف والإرهاب والسلوكيات الخطرة عموماً لارتباطها الوجداني وقدرتها على التركيز على التفاصيل.
على المستوى التربوي يجب على المرأة منذ البداية أن تكرس فكرة الاختلاف وتغرس ضرورة احترام الآخر المختلف لدى الناشئة مكرسة قيم الاعتدال والتسامح.

اقرأ أيضاً: مفارقة الراعي ودونية المرأة
على مستوى دور المرأة التثقيفي فإنّ الحضور الفعلي لها، ومنحها الثقة من خلال دعم قدراتها يجعلها صمام أمان وحزام صد ضد ظاهرة التطرف العنيف والإرهاب.
ما تقييمكم لأداء المجتمع المدني في مقاومة التطرف والإرهاب خصوصاً أنّ الجمعيات والمنظمات المهتمة بهذا الشأن كثيرة في تونس؟

إنّ المنظمات التي تعمل في مجال مكافحة الإرهاب وكل أشكال التطرف على كثرتها لا يمكنها إلّا معاضدة جهود الدولة في مقاومة هذا السرطان الذي نخر بلدنا، خاصة في غياب الاعتمادات المالية الكافية التي تمكنها من التدخل الفعلي للوقوف حزام صد لهذه الظاهرة. ما يجعل من دورها محدوداً في مجال التوعية والتحسيس والتثقيف ضد هذه الظاهرة.

تركيزنا على المرأة عائد إلى إيماننا بأنّ التغيير يبدأ أولاً من داخل المجتمع المصغر وهو العائلة

وفي تقديري لا يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تحل محل الدولة في مقاومة الإرهاب، لينحصر دورها في الوقاية من الظاهرة، والعمل على الحد منها، بعيداً عن كل ما يتعلق بالجانب الأمني لحساسية الموضوع وخطورته.
أضف إلى ذلك فإنّ عديد المنظمات اشتغلت على وضع مقترحات وبرامج جدية تم تشريك عديد المتدخلين في الشأن العام بها، إلا أنّها بقيت حبراً على ورق ما يعكس حقيقة إرادة الدولة ومدى التزامها بالعمل مع منظمات المجتمع المدني.
وكي لا نحمل منظمات المجتمع المدني ما لا يمكنها أن تحتمل، فإنّ الدولة هي الطرف المطالب بتشريك الجمعيات في برامجها، واعتماد سياسة تشاركيّة، والنأي عن كل أشكال الإقصاء، كما هو الشأن بالنسبة للظواهر الأخرى التي تعول فيها الدولة على جهود المجتمع المدني.

علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها

1,155
عدد القراءات

2019-06-02

أجرى الحوار: سامر مختار


قال الشاعر والروائي المصري علاء خالد إنّ هناك لحظة استثنائية قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل الثقافة أو داخل المجتمع نفسه، وتضع الناس على حدودها القصوى مبشرةً بتغيير جوهري، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ ثورة "يناير" 2011 جاءت في لحظة مفاجئة، "لم تأت من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية،.. والتشابك الحساس بين الفرد والجماعة، لم يكن المجتمع قد اشتغل عليه، ونتيجة لذلك، جاءت لحظة الثورة على أنقاض".

اقرأ أيضاً: النثر والشعر.. التوأمان اللدودان
وأكد خالد أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات، وأحياناً ضد بعضها البعض، " كلما حاولت أن تبتعد عن المجتمع، تشعر أنّك وقعت بتقاطع جديد، وكلما اقتربت يحدث نفس الإشكال".

وهنا نص الحوار:

تراكمات المجتمع

أكد خالد أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات
في روايتك الجديدة "بيت الحرير" ركّزت على فكرة "الفقاعة" التي من الممكن أن يعيش الإنسان داخلها، هل كان الدافع بالنسبة لك أثناء الكتابة هو تلك الغربة التي كانت فاصلة بين الجيلين قبل العام 2011؟

فكرة الجيلين طبعاً، بما تحملها من رمزية، هناك لحظة استثنائية، قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل الثقافة أو داخل المجتمع نفسه، وتضع الناس على حدودها القصوى، ويكون هناك قبول لتلك العلاقات؛ لأنّ الجسر لم ينفتح من الشخص نفسه؛ بل انفتح من اللاوعي الجمعي، وخرج.

اقرأ أيضاً: فكرة المختارات تجوز في الشعر ولا تجوز في النثر
ففكرة الجيلين التي اخترتها من الممكن أن يكون لها جزء رمزي، وفي نفس الوقت جزء درامي نوعاً ما. بمعنى أنّ هذا الخلاف مثلما هو مسموح فيه، مثلما يحمل أيضاً تناقضاً ما، وهذا التناقض كي يلتئم، أو لا يلتئم، يجب أن تحصل صراعات. هذه المساحة، وكأنك في البداية اخترت نقيضك كي ترى في النهاية، هل أنت قادر على التعامل مع هذا النقيض أم لا؛ فالاختيار نفسه كفكرة روائية سمح لمساحة كبيرة من التأويل أن تحدث.
حرصت في روايتك على جمع  النقيضين في الشخصيات، هل وجود مثل هذه النقائض هو اختبار  للمجتمع؟
هذا جزء منه طبعاً، وليس فقط اختباراً للمجتمع؛ بل اختبار إنساني أيضاً؛ اختبار أنّ كل شخص في هذه اللحظة ممثل لشيء أكبر منه. شخصية "دولت" ممثلة لشيء أكبر منها، وشخصية "محسن الحكيم" ممثلة لشيء أكبر منها أيضاً، هناك مساحة ما هي جزء من تناقضات المجتمع بالتلاقي وعدم التلاقي، وأعتقد تحديداً "عدم التلاقي"، ، وجزء من رمزياته غير القادرة على الالتئام.

اقرأ أيضاً: قاسم حداد شاعر أقام ورشة للأمل فضاؤها الشعر
ومن الممكن أن تكون قصة حب لطيفة جداً، لكن لِمَ لمْ تتحول إلى قصة حب لطيفة؟ ولِمَ كانت الفكرة "المكبوتة" موجودة؟ ولِمَ تفجّرت داخلها الفكرة الفرويدية؟ هذه الرمزيات كانت تعمل على كشف هذا الاحتكاك، الذي يكشف بدوره مساحة أخرى موجودة في اللاوعي.
هذا يكشف عن مساحة نفسية داخل تلك اللحظة، أتصور أنّه في الأحوال العادية كانت العلاقات تتم وراء السواتر، في لحظة الثورة، كانت هناك منطقة مكشوفة إلى حد ما، قادرة على كشف اللاوعي الجمعي. هذان الاثنان ممثلان للاوعي الجمعي، لكن هذا لا يمنع أنّهما أفراد؛ أي ليسا رمزين كاملين، بل هذا الجزء يخصهما كآدميين.

شعرنا أنّ سياق العلاقات الاجتماعية والعاطفية داخل الرواية يستبطن نقداً لسياق ما في الثورة، أهو افتقاد احتواء اجتماعي للعلاقات بوعي أكبر؟
الثورة جاءت في لحظة مفاجئة، وفي الوقت ذاته كان التراكم موجوداً قبلها، لم تأت من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية، أو مساحات لفكرة "الأنانية"؛ أي لم تكن هناك بنى ذاتية للذات، والتي هي أيضاً في القاع، بمعنى أنّ العلاقة المهمة جداً لدور الفرد، المفروض أن تحققه كفرد ضمن منتج جماعي؛ أي إنّ التشابك الحساس بين الفرد والجماعة، لم يكن المجتمع قد اشتغل عليه، ونتيجة لذلك، جاءت لحظة الثورة على أنقاض.
ثورية المرأة

غلاف كتاب "مسار الأزرق الحزين"
من خلال الرواية، كيف طرحت نظرة المرأة إلى التغيير؟

التغيير كان بالنسبة للمرأة خلاصاً فردياً، ومن الأسفل، من داخل المجتمع. بعكس الرجل الذي كان ينظر إلى التغيير بوصفه تغييراً سياسياً من فوق؛ لأن المرأة كانت محتكة أكثر.
حتى الشارع كان يثبت ذلك.. حتى فكرة تمثيل النساء في التغيير كانت واضحة؛ التغيير الجوهري حصل للنساء أكثر؛ أي التغيير الجوهري من ناحية التحول من فكرة لفكرة، النزول إلى الشارع والمشاركة، بالطبع كان حضور المرأة واضحاً.

اقرأ أيضاً: رمضان الشعراء في تونس: فرح صغير وليمون حلو
وفي نفس الوقت الذكورة أو فكرة الذكر، تتمثل بالمكان السلطوي، وهو يعاني من تناقض داخلي، مثل شخصية "مصعب" في الرواية، كان لديه تناقض داخلي؛ فأنت تريد أن تتجاوز تناقضك كي تبقى في مكان متساوٍ، وكي تبدأ فكرة الثورة؛ كان التناقض الداخلي مسألة حتمية.
المرأة أيضاً لديها تناقض داخلي، لكن عنفه لم يكن مؤثراً داخل التحولات التي تشكلها.
أي كان العنف لديها داخلياً؟
نعم، كما يظهر في شخصية "دولت"؛ كانت دائماً تواجه العنف ما بينها وبين نفسها، المرأة عندها حسّ من يعطي من نفسه أكثر؛ لأنها استسلمت لقناعاتها الداخلية، وبواعثها الداخلية لفكرة التغيير والتحول.

اقرأ أيضاً: الرصافي والحيدري: جسر بين كلاسيكية الشعر وحداثته
بينما الرجل إلى حد ما لديه حسابات، حتى الحسابات الثورية المجنونة بداخلها نوع من الخيال المدرسي، لكن المرأة لم يكن لديها هذا الخيال المدرسي، فهي من الممكن أن تتزوج أو تقع في الحب، أو من الممكن أن تحدث علاقة ما، وكل هذا يمكن اعتباره تحولات. هناك كائن يقدم أشياء من وجوده، ووجوده هو الذي يحركه؛ أي هو أكثر عضوية، وعضوية "دولت" كانت موجودة أكثر في الثورة. لكن في جيل آخر، وليس كله، ما تمثله شخصية "مصعب"، على سبيل المثال، كان يعيش تناقضاً عنيفاً جداً، لم يقدر أن يتجاوز ذكورته، وكان لا بدّ أن يتجاوزها، قبل فكرة الثورة حتى؛ الثورة لن تضعه في المكان الجديد، وزمنها القصير أيضاً؛ ساعد بعدم حدوث تغيير كبير، كان من الممكن أن يتغير "مصعب" ويكون في مكان أفضل.
أو أن يتغير للأسوأ؟
ممكن، المقصود أنّ مساحة الاختبار هنا، ضيقة جداً، لا توجد تحولات، لا يوجد آخر يضعك في المكان النقيض لتتغير؛ الثورة وتحولاتها كانت تشعرك أنّها بلا "آخر"؛ أي إنّها تفاعل ذاتي، وأحياناً "الآخر" يظهر لك باعتباره جولة ضمن سياق التغيير، أو باعتباره "إخواناً مسلمين" ...إلخ.
كل ذلك لا يأتي بـ"الذات" كي تتغير، كل ذلك كان بمثابة تحولات سياسية، غير قادرة على أن تتحول لفكرة وجودية، متى يحدث تغيير؟ عندما تأخذ المسألة وقتاً أطول، وعندما يكون هناك صراع بين قوى.

اقرأ أيضاً: تأثير الشعر العربي القديم في خطاب "الجماعات الدينية" المتطرفة
هنا الصراع كان يشعرك أنّه محسوم، بينما أنت في الشارع كنت تعمل أن تمدَّ أمداً لشيء وفي مكان آخر الموضوع يجري حسمه؛ فصراعك وهمي؛ لأنّ جزءاً منه ناقص، لكن على قدر استطاعتك أشعلت النار حولك كي يستوي عليها التغيير الذي يعنيك، وتشعر بلهيب هذا التحول، وهذا لم يستمر لفترة طويلة، ونتيجة لذلك، كان الأكثر تغييراً، هو الشخص الذي بداخله تماس وجودي أكثر، والمرأة أو الفتاة بهذا المعنى كانت أكثر تغييراً.

كل تجربة نمر بها هي طويلة الأجل؛ فالحب طويل الأجل، وتأثيره يظل كذلك

تشعر أنّ تحولات تلك اللحظة، كان فيها نوع من الفراغات، كأن تمشي على سطر، وتترك سطراً آخر؛ هناك أكثر من منطقة فارغة، وهذه اللحظة تحدث وسط سياق اجتماعي عالٍ، أقصد أنّها لم تكن منفصلة؛ أي تشعر أنّك لست موجوداً على جبهة، لا يوجد جبهات؛ فكرة الحشد كانت أقوى، وليست المواجهة.. ما أريد قوله هو أنّ استفزاز الذات تجاه آخر أنت ترغب في الانقضاض عليه، كان يتحقق في لحظات بسيطة جداً، ومقلّة، لكن بالشكل العام، كانت الفكرة الجماعية هي فكرة "الحشد"، وتجمّع الناس بجانب بعضها البعض كان من أبرز التفاصيل التي حدثت من فكرة الثورة.
الدفء أو الحميمية كانت أقوى من أي تناقض، من الممكن أن تقع فيه أي ذات، الثورة بالنسبة لهذه الذات أو مثل شخصية "دولت"، كانت مجموعة من العلاقات الدافئة، وليس أنّ هناك فكرة أخرى تجاه التغيير أو التحول العميق.
بين الشعر والسرد

غلاف رواية "بيت الحرير"
أحياناً دافع الكتابة يتغير من فترة لفترة، اسمك برز أولاً كشاعر قصيدة النثر، ما الذي جعلك تتحول إلى "سارد"؟

فكرة الشاعر بالنسبة لي، كانت مرتبطة بلحظة تحول عنيفة عشتها في فترة التسعينيات؛ كنت شخصاً يُقدم على تغيير حياته وقتها.. كنت أعمل، وتخرجت من قسم الكيمياء الحيوية.
أقصد كان هناك تصور للحياة بشكلها الطبيعي والتقليدي والمتعارف عليه، وبلحظة ما تحصل تراكمات كثيرة، وتشعر أنّك في منطقة مزيفة جداً، فيبدأ وعيك الداخلي ينقلك إلى مكان جديد.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
لحظة التحول هذه، كان الشعر هو الذي سندها، ومثلما كنا نتكلم عن شخصية "دولت"، كنت أمر وقتها بتحول وجودي. في لحظة ما تشعر أنّ نظرتك للحياة ولمن حولك تتغير، وتبدأ بخلق مسافة بينك وبين كل التفاصيل والناس من حولك، لا ترغب بالعمل، تترك العمل، تتخلى عن أشياء كثيرة، فكنت أحاول أن أعتمد على الجزء الذي يعنيني من الداخل، وليس الجزء المتعلق بالشكل الاجتماعي؛ أي أن أستند على الوجود الشخصي، أو تصفيته، من غير وجود التباسات حوله، وأرى بعدها إن كان قادراً على العيش أم لا.

هل تقصد أنّ الشعر كان بالنسبة لك بمثابة تشكيل صورة ذاتية جديدة؟
إلى حد ما، أو تثبيت صورة أو البحث في هذه الصورة، في تلك اللحظة كنت أبحث، كنت أسترد فكرة الطفولة وفكرة العائلة، وفكرة العلاقات الاجتماعية، وكيف نشأ هذا الحيز من الوجود، وكيف تغرَّب؟
كنت تبحث على الأشياء الأصيلة داخلك؟
طبعاً؛ كيف تغرّب هذا الوجود، وكيف هناك أشياء بالمقابل غير قابلة للتغريب، مثل؛ فكرة الحب والعلاقات، وما الفرق بين السلطة الأبوية والأب بوصفه أخاً لك، الاثنان تداخلا مع بعضهما البعض، قراءة السلطة بتمثلاتها داخل حياتك، وفي نفس الوقت يجري استخلاص الأشياء التي من خارج الفكرة السلطوية.

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة
هذه اللحظة التي كانت بين هذه المتناقضات، كان الشعر هو الحامل لها، أولاً لأنها تحفر في وجود ذاتي، مثل الطفولة، وتسترجع الزمن وفي نفس الوقت يجري هذا الاسترجاع من خلال رفض المالك للزمن.
لذلك الشعر هو الذي كان واقفاً في تلك اللحظة، لكن مع الوقت، حتى القصيدة، في البدايات، كان لها حس سردي قليلاً، كان هناك مشهد طويل تقوم بحكيه، لم تكن الشعرية مجرد نقطة مجردة في التكوين الشخصي، أو نقطة ناتجة من تفاعل خيال مع حدث خارجي، إنما من واقعة كانت موجودة لحد ما.
الباب الخلفي

غلاف رواية "ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر"
القارئ لقصائد ديوانك "لوس انجلوس" يشعر أنّ هناك عملية توحيد ما بين الصورة الحاضرة في ماضي ذاكرتك، والصورة في اللحظة التي تعيشها؟

هناك قصيدة في هذا الديوان، لا أدري إن كانت موجودة في هذه الطبعة التي معك هنا، أحكي فيها عن وجود باب خلفي دائماً، أظن أنّ اسمها "الباب الخلفي". في حياتنا كطبقة متوسطة، كان في بيوتنا دائماً باب خلفي للهروب. بمعنى آخر، هو أنّ الحياة دائماً تحمل ثنائية داخلها، ثنائية قابلة للهرب، وقابلة للمواجهة. هذا هو تفسيري، كلمة "الباب الخلفي" بالنسبة لي، والتي وصفتها أنت بالصورة، والصورة الثانية، أشعر بها بوصفها مواجهة غير كاملة، مواجهة الحياة، بمعنى أنّ هناك لحظة ما، من ورائك، من الباب الخلفي تتسرب منها الطاقة.
هل يرمز "الباب الخلفي" إلى انسحاب ونوع من الاستسلام، وأنّ نرضى بهزيمة ولو مؤقتة؟
بالفعل، هناك دائماً مساحة معينة، وُجدت كي تعطي للشخص فرصة بأن يتغير، الاستسلام الذي تتكلم عنه أنت من جهة، ومن جهة أخرى "الباب الخلفي" هو شكل من أشكال الوجود. هذه الثنائيات سابقة لوجودنا في الحياة، مثلها مثل كل شيء وجد أو خلق، ونحن دخلنا عليها، البيت الذي كنا نسكنه، كان أشبه بـ"فيلا"، هناك باب بسلّم داخلي، كان هذا هو "الباب الخلفي"، كمساحة للهرب، للراحة، وللاستقلال، أقصد أنّ الأمر لا يقتصر على فكرة "التنازل".
بداياتك الأدبية كانت في مرحلة التسعينيات، كان الشعر هو الحاضر، كيف بدأت تلك المرحلة وكيف تطورت؟
بدايتي الشعرية، كانت في العام 1990 عندما صدر لي ديوان "جسد عالق بمشيئة حبر"، أتصور أنّ هذا الديوان له خصوصية إلى حد ما، وكان له حضور ضمن سياق فكرة الكتابة النثرية في ذلك الوقت، كان يعبّر عن الدوامات التي تجري حوله، من نقاشات عن فكرة الشعرية، والتفاصيل، والذي تنزع عن حسّ شمولي قليلاً، مثل التفصيلة اليومية التي تدخل أحياناً للنص، وأحياناً أخرى فكرة الوجود الفردي، أو الشارع الذي يتحول أحياناً إلى حدث داخل النص، وليس فقط الفكرة المتخيلة، التي ليس عليها رقابة لتزيّدها أو امتدادها، كأن تعمل على نوع من الخيالات أكثر من الاستناد إلى حقائق، ففجأة تتحول القصيدة لنوع من المزايدات اللغوية أو مزيدات فكرية أو صوفية.

هناك لحظة استثنائية قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل المجتمع نفسه

الكتابة في تلك اللحظة كانت بالنسبة لي، وكأنك ترجع للمكان اليومي في الحياة، وهذا ما كان، طبعاً هذه الفكرة الجذرية التي تحمل الكتابة من الداخل، لكن كان هناك نوع من الالتقاطات، كالتقاط السلطة في الحياة اليومية، سواء سلطة السلطة، أو سلطة الحب أو سلطة العلاقات.
لدي ديوان بعنوان "حياة مبيتة"، وأنا أعتقد أنّ هذا الديوان مهم؛ لأنّه جمع تلك التناقضات عند الشاعر؛ ما بين فكرة السلطة وفكرة الحب، وكأنّه قد وضع سلطة داخل عقله، وفي نفس الوقت هناك سلطة الحب، والتي هي موجودة من خلال علاقته بالمرأة، أو بالأم ..إلخ. بمعنى أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات، وأحياناً ضد بعضها البعض. ما أريد قوله هو أنّ فكرة الحب وفكرة التمرد قريبتان جداً من بعضهما؛ فالتمرد له قانونه، المتمثل بالفردية غير القابلة باقتسامها مع أحد.
تقصد الحب ضد الفردانية؟
طبعاً، وفي نفس الوقت الحب يشعل فكرة التمرد؛ فالاثنان موجودان في مكان ضد بعضهما، لكن في لحظة ما يجب أن يكون بينهما علاقة. الأم مثلاً، في لحظة ما تشعر أنّها تمارس سلطة عليك، لكثرة حبك وتعلقك بها، وفي نفس الوقت خلاصك الحقيقي، هو أن تخلق مسافة معها؛ أي إنّ كل شيء بداخله نقيضه. تلك الأفكار التي كنت مشغولاً بها حتى العام 1995.

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة
كانت هذه الذات حائرة، داخل تلك التناقضات، وتحديداً تناقضات الأفكار أكثر، حتى ما هي تناقضات داخل المجتمع، كانت مساحة المجتمع بالنسبة لي هي الأم والصديقة، والأب الذي كان قد توفي مؤخراً آنذاك، والأصدقاء بما يشكلونه من محبة وسلطة. كل هذا كان، بوصفه مجتمعاً صغيراً بالنسبة لي.
في لحظة ما شعرت أنّ هذا المجتمع يجب عليه أن يكبر، بعد أن بات بالنسبة لي ضيّقاً جداً؛ أي ليس من الممكن أن تقاس هذه الأفكار داخل هذا الشكل من المجتمع، برغم دقته، وأهميته، وما يمثله من فكرة عميقة، لكن في النهاية كان هذا المجتمع بالنسبة لي رمزياً نوعاً ما.
وكان من الضروري أن يكبر هذا المجتمع، لأنّني شعرت، أنّ هناك تفاصيل أقع فيها، أو كأنني تعطلت، في تلك اللحظة، وبعد وفاة والدي، كتبت كتاباً بعنوان "خطوط الضعف"، وكان عبارة عن رحلة إلى مدينة وواحة سيوة في الصحراء الغربية.. هنا، كانت بداية التحول، وبدأت أرى كيف من الممكن رؤية الوجه الآخر للسلطة، سلطة الأب، سلطة الحب، أو الصديقة.. وبالفعل بدأ يخرج تاريخ الأشخاص الذين في داخلي، عبر الكتابة بشكل واضح.
هذا الكتاب كان سرداً وليس شعراً؟
نعم، سرد، لكن سرد كان بداخله حس شعري أيضاً، هو عبارة عن فقرات طويلة لكنك تشعر أثناء قراءتها أنّها "مُشعرَنَة"؛ لأنها خارجة من المكان الذي فتحته بتجربتي قبل ذلك؛ إذ إنّ أسلوبك في الكتابة يكتسب خصوصيتك، وتحولاتك، وفي حال كانت بداية تجربتك شعرية، فهذه الأخيرة ستظل مرادفة لك، لم تكن اللغة الشعرية في الكتابة السردية، تزوداً لغوياً، ولا تزوداً خيالياً؛ إذ إنها تحولت لخاصية روائية.

فخ شعرية الرواية

الفردانية ابتلاع أو إشباع لهذا الوجود داخل هذا النوع الهامشي الذي يولّد لك الإحساس بالتميز قليلاً
لكنْ هناك كثير من الكتاب يقع في هذا الفخ، عند انتقالهم من كتابة الشعر إلى كتابة السرد؟

صحيح، فيكتبون رواية "شعرية"، في الكتابة السردية عندي لا يوجد ذلك، الكتابة روائية، لكن الحساسية الشعرية موجودة داخل اللغة.
وفي تلك الفترة؛ أي مرحلة كتابة "خطوط الضعف"، أحسست أنني بدأت أنقد نفسي في السنوات التي مضت، وكنت في لحظة مراجعة، ولا أظن أنّ الشعر كان سيستوعب تلك المراجعة؛ لأن استيعابها، كان يحتاج لنوع من الفضفضة. ابتدأ عبر هذا النموذج من الكتابة، بأن تنقد نفسك، ولم يكن هذا النموذج بهذا الوضوح من الخارج، ولا هو واضح من الداخل بمعناه الغامض هذا، في تلك الفترة بدأت أمتلك حياة خاصة بي، قادراً على التعامل معها، ولدي رصيد ما قادر على التفريط به.
وأنت في تلك المرحلة بدأت تتحرك؟
بالطبع؛ شعرت أنّه بات من الضروري أن أرتبط، أو أتزوج. كنت قد تعرفت على زوجتي سلوى رشاد العام 1990. وتزوجنا ما بين 95 و96. في الخمسة أعوام قبل الزواج، كنا صديقين، ومن العناصر الأساسية التي كانت قريبة أيضاً؛ هي فكرة الثبات في مكان أنت تريد أن تقيم فيه، وارتباطك بالشخص الذي يستوعب تناقضك.
في تلك الفترة التي كنت تكتب فيها الشعر، هل كنت تبحث عن لغة ترسخ من خلالها لتجربتك في الكتابة؟
كنت أقرأ بشكل جيد جداً، ومن جانب آخر كانت المساحات التي تفتحت في اللاوعي والتجربة، قد بدأت تكبر وتتسع. عندما تحدث تلك المواجهات داخل الذات، تشعر أنّك ما عدت تلاحق أو تستوعب الانهيار الذي يحدث.

اقرأ أيضاً: هل أسهمت الرواية في انحسار القصة القصيرة؟
أتصور في لحظة ما، كان هناك نوع من الانهيار، بمعنى كيف يمكن أن تكون هناك لغة تستوعب هذا الانهيار، هناك شيء يجري هدمه، وشيء يجري بناؤه، اللغة تتشكل في لحظة انهيارها، أو لحظة انهيار الذات نفسها، فكتاب "خطوط الضعف"، كان أكثر كتاب أشعر أثناء كتابته، بسعادة شديدة، وبعدها مباشرة أشعر بخسوف نفسي، وكأنك تصل لمناطق معينة داخل ذاتك، تلمسها، وفي نفس الوقت تشعر أنّ الذات كأنّها ترغب في بناء مكان ما يخفي الجرح الذي فتحته، فكان هناك شيء يتكون، وكانت تلك اللحظات من أكثر اللحظات التي تعرضت فيها نفسياً لتعب شديد. لكن ما أنقذني من هذه الحالة، كان السفر، سافرت إلى سيوة، وبعدها سافرت إلى مناطق في الصعيد، وكأني وزعت تعبي هذا على المسافات.
دلالات المكان

خالد: من الأماكن التي كنت أنسى نفسي فيها، منطقة الأقصر البر الغربي
أسّست لمجلة فصلية بعنوان "أمكنة" مهتمة بفكرة المكان، ما هو المكان الذي يحرضك دائماً أن تنظر إليه نظرة جديدة؟ 

من الأماكن التي كنت أنسى نفسي فيها، منطقة الأقصر البر الغربي، هذه المنطقة كانت منذ زمن بعيد، مدينة الأموات، كنت بين الحين والآخر أزور هذا المكان، إنّه مكان في غاية الغرابة، حتى الصحراء هناك مختلفة، كل التفاصيل هناك، تشعر أنّ رموزها قليلة، وغيبية نوعاً ما، تشعر أنّها محسوسة.
هذا الفضاء بمساحته الواسعة، وهو بالأساس مساحة "بعث"، تشعر- كما تحدثنا من قبل- وكأنه العالم الآخر، متمثل ومتلبس في الحياة، كالصحراء، البر الغربي، وكأماكن سافرت إليها باليونان، كالجزر الغريبة التي تقبع وسط المحيط، كمكان معزول، هذه الأمكنة تشكل نموذجاً للفضاء الممتلئ بالنسبة لي.
تشعر أنّها أماكن ماتت فيها الأيديولوجيا على سبيل المثال؟
ممكن.. لكن هذه عبارتك، أقصد أنّها بالفعل أعجبتني، ولذلك لا أرغب في أن أنسبها لنفسي.
ومن الممكن أن تكون شيئاً من هذا القبيل، لكن بمعنى آخر، أشعر أنّ السفر لم يكن سوى محاولة لمدّ خيط لفرديتك، وكأنك تذهب إلى مكان ما للقاء ناس ينتمون إلى عالم الداخل الفردي، وليس لمكان من أجل التعاون من أجل عمل شيء، بمعنى أن ترغب بملء وجودك الإنساني، أكثر من ملء وجودك العملي. واحتمال أنّ هذه العملية نقيضة لفكرة الأيديولوجيا، بمعنى العمل المنظم، أما هنا فالموضوع قائم على سياحة في الحياة، فيها القليل من الرفاهية، بوصفك سائحاً أبدياً في الحياة.
ومن الممكن المنحى أو السلوك الذي أمارسه في هذه العملية، منتفٍ من النفعية قليلاً، بينما هو محاولة لفتح مساحة داخلية، لعلاقتك بالآخرين ووجودك بجانبهم، أو نوع من حضور الآخرين أثناء غيابهم، وهذا ما يحدث أثناء الرحلة.
ألا تعتقد أنّ المكان الذي لا يوجد فيه صراع ما بينك وبين المجتمع، أو صراع أيديولوجي، تكون فيه الأعباء أخفّ نوعاً ما، وتكون هناك مساحة أكبر للشعور بالفردانية؟
هذا صحيح؛ وأحياناً أفكر أنّ هذا التصور ينتمي لجيلي، الأجيال التي قبلنا كانت جميعها مسيّسة، والأجيال التي أتت بعدنا كانت أيضاً كذلك، أما نحن فلا، كأن تسمع عن أحد ما أنّه "اشتراكي ثوري"، على سبيل المثال، كنت أستغرب أنّ هذا المناخ موجود في الجامعات، والذين كانوا قبلنا كانوا مسيّسين بكونهم "يساريين" مثلاً.

الأجيال التي قبلنا كانت جميعها مسيسة والأجيال التي أتت بعدنا كذلك أما نحن فافتقدنا ذلك

أما فترة الثمانينيات والتسعينيات، كانت تخلو من أحداث، كان هناك شيء من الخيبة نوعاً ما، ولم نكن مسيّسين، لم يكن هذا بمزاجنا.
في تلك الفترة كانت الدولة هي من تسيطر على الجامعة، وتفرض وجودها، ولا يوجد أي حدث يحصل؛ فالأيديولوجيا هنا لم تكن تصلنا من ناحيتين؛ من اهتمام الفرد بفردانيته، وقراءته للفكر الوجودي أكثر، وفي ناحية أخرى كان هناك عقم في اللحظة التي عشناها، وعدم الاهتمام هذا غير نابع من فكرة الفرادة، لكنّ جزءاً منه "خامل" نوعاً ما، وبمعنى آخر لا يوجد ميل لهذا النوع من التفاعلات في ذلك الوقت.

معضلات الفردانية

ثورة يناير لم تأتِ من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية أو مساحات لفكرة الأنانية
ألا تعتقد أنّ الفردانية بمجرد اصطدامها بأي فعل أو عمل بيروقراطي ستقع؟

طبعاً، لو اصطدمت بأي مؤسسة ستقع، حتى مؤسسة الزواج! أي مؤسسة لها أي قوة بالمجتمع، هي أقوى من هذه الفردانية التي كانت؛ لأنها بالفعل كانت قائمة على هشاشة غير طبيعية، ولا يوجد إنتاج لصراع حقيقي، الصراع كان غائباً، جميعنا ننتج صراعاتنا الشخصية حتى نقوّي أنفسنا.
هل من الممكن أن نقول إنّ هذه الفردانية كانت الهامش/ المتنفس للفرد؟
نعم، هي نوع من الابتلاع أو الإشباع لهذا الوجود داخل هذا النوع الهامشي الذي يولد لك الإحساس بالتميز قليلاً. رغم أنّ هذا التميز إشكالي أيضاً، كلما حاولت أن تبتعد عن المجتمع، تشعر أنّك وقعت بتقاطع جديد، وكلما اقتربت يحدث نفس الإشكال؛ أي إنّ المساحات التي بينك وبين المجتمع، كلها مليئة بالألغام. أنت لا تدري أين تضع قدمك، هل تذهب لتجلس مع أمك وأبيك وتحاول أن تكون لطيفاً معهما؟ أو تلتحق بوظيفة ما؟ لا يوجد مكان يعطي لك تلك المساحة التي فيها شيء من تصورك عن نفسك.

تجربتك مع المرض وإقامتك بالمستشفى لفترة انعكست على  كتابك "المسار الأزرق الحزين"، هل تخلّيت عن مشاريع كنت بصددها بعد ذلك؟
لم يكن الأمر بهذه الحدّية، لكن وكأنّ هناك فكرة عدمية بدأت تتسلل إلى علاقتي بالحياة والكتابة أكثر؛ هناك حسّ عدمي دخل إلى حياتي، بمعنى أنّه خيط ربما، وشيء آخر كان على مستوى "الكيف" وليس "الكمّ"، مع رغبة أكثر في الكتابة. واحتمال أن يكون الحس العدمي دخل على مستوى الكيفي. قبل ذلك كنت أضع نفسي بمنطقة المقاتل المتفائل، مثل الفترة التي كتبت فيها رواية "ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر" (2009)، الذي يسرد الحياة وكأنّها ستمتد للأبد، وكأنّ الحياة لن تنتهي. أما بعد ذلك، تغيّر الوضع، كأنّ الحياة تقول لك: لا، هناك نهاية.
النهاية بدأت تتسرب في الأعمال التي جاءت بعد العملية، إلى جانب الرغبة في الكتابة.
هل الموضوع بالنسبة لك نفسي/ داخلي، أكثر مما هو شكلي أو خارجي؟
نعم؛ لأن موضوع الإحساس بالموت، والدخول في هذه التجربة، من قبل كان هناك تصور أنّ الإنسان بعد أن يتعرض لهذه التجربة ويخرج منها، وكأنّه سيعود للحياة كصفحة بيضاء أو إنسان جديد، لا يوجد إنسان جديد، هي تجربة مؤلمة، ستضاف إلى سلسلة من التجارب المؤلمة، لكن بشكل مختلف.
هي فكرة ثقافية، مثلها مثل فكرة العنقاء، التي تدور حول فكرة التحول، هناك أساطير كثيرة تتحدث عن التحول، نُقلت لنا عن طريق الديانات، كفكرة النبي الذي ينتقل من مكان إلى مكان آخر جديد، هذه صورة معينة جميعنا نختزلها، ويتم إسقاطها على تحولاتنا العنيفة، على أنّها ستغيرنا، لكن بالفعل كل تجربة نمر فيها هي طويلة الأجل؛ أي تحوّل يحدث هو كذلك، الحب طويل الأجل، وتأثيره يبقى طويلاً.




القطاع النفطي الإيراني يتراجع.. هذا هو موقف أوروبا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
402
عدد القراءات

2019-06-19

أقرّ وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنه، بالصعوبات التي تواجه القطاع النفطي في إيران، مؤكداً أنّ؛ أوروبا لا تتعاون لشراء نفط بلاده في مواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة على الجمهورية الإسلامية، وفق ما ونقلت وكالة "فارس" للأنباء.

وحجبت وزارة النفط الإيرانية بيانات صادراتها من النفط، خلال نيسان (أبريل) الماضي، للشهر التاسع على التوالي، وسط تدني صادراتها من الخام بفعل العقوبات الأمريكية.

وزير النفط الإيراني يؤكد أنّ أوروبا لا تتعاون لشراء نفط بلاده في مواجهة العقوبات الأمريكية

ومنذ أيار (مايو) 2018؛ انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية ومالية ونفطية على طهران، اعتباراً من آب (أغسطس) 2018، وتوسعت في تشرين الأول (نوفمبر) من العام ذاته.

وعرقلت العقوبات الأمريكية صادرات طهران من النفط الخام، بعد منع العديد من الشركات العاملة في صناعة النفط والمشتقات البتروكيماوية، وشركات نقل الخام، أبرزها، شركة "ميرسك تانكرز" الدنماركية، المتخصصة في نقل شحنات الخام.

وجاء في تقرير منظمة "أوبك" الشهري؛ أنّ "إنتاج طهران من النفط الخام تراجع بنحو 227 ألف برميل يومياً، في أيار (مايو) الماضي، مقارنة بـشهر نيسان (أبريل) 2019.

وكان وزير النفط الإيراني، بيجان نمدار زنقنة، قد اعترف بأنّ "طهران تستخدم طرقاً "غير تقليدية" للالتفاف على العقوبات الأمريكية، ومواصلة بيع نفطها في السوق السوداء، في مقابلة نشرت الأسبوع الماضي.

وقال الوزير، لوكالة "شانا" الإخبارية الإيرانية: "لدينا مبيعات غير رسمية، أو غير تقليدية، جميعها سرية، لأنّ الولايات المتحدة ستوقفها إن علمت بها".

وامتنع زنقنة عن إعطاء مزيد من التفاصيل بشأن الصادرات النفطية الإيرانية، مؤكداً أنّه لن يكشف أيّة أرقام إلى أن تُرفع العقوبات.

 

وشهد شاهد: مصور سابق في "الجزيرة" يكشف علاقة القناة بالجماعات المسلحة.. هذا ما قاله!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
341
عدد القراءات

2019-06-19

كشف المصور الحربي السابق بقناة "الجزيرة"، محمد فوزي، الأدوار المريبة للقناة وأجندتها العدائية الداعمة للجماعات المسلحة ونشر الفتنة والاضطرابات.

فوزي: مسلحون في "جبهة النصرة" و"تنظيم أحرار الشام" في سوريا يعملون مع قناة "الجزيرة" كموظفين برواتب

وقال المصور، الذي عمل في شبكة "الجزيرة" نحو 12 عاماً، في مقابلة مع موقع "العين" الإخباري: "كنّا نذهب إلى أماكن الأحداث الإرهابية قبل وقوعها، كنت أعتقد حينها أنّنا نقدّم سبقاً صحفياً".

وعبّر فوزي، لـ "العين"، عن ندمه على العمل في "الجزيرة"؛ بسبب الدور التي اضطلعت به ومساهمتها فيما حدث من تخريب ودمار في المنطقة.

وكشف فوزي، في المقابلة، أنّ هناك أعضاء من تنظيمات مسلحة، مثل: "جبهة النصرة" و"تنظيم أحرار الشام" في سوريا، يعملون مع قناة "الجزيرة"، كموظفين، ويحصلون على رواتب لتسهيل مهمات القناة الصحفية.

"ورغم أنّ علاقة الجماعات المسلحة بقناة "الجزيرة" كانت غامضة، وتثير تساؤلات بين بعض العاملين، إلا أننا –كموظفين- لم يكن لنا الحقّ في السؤال"؛ وفق فوزي.

وقال فوزي: إنّ "قناة "الجزيرة" اشترت مجموعة كبيرة من الكاميرات صغيرة الحجم ووزعتها على التنظيمات المسلحة داخل سوريا."

ولفت، في المقابلة، إلى أنّ القناة "كانت تسمح لنا فقط بتصوير المناطق بعد القصف، أو استهدافها من جبهة النصرة، لكن لم يكن مسموح لنا أن نرافقهم في عملياتهم تجاه المدنيين".

فوزي يكشف كواليس مقابلة قناة الجزيرة مع زعيم جبهة النصرة الجولاني في 2015

وكشف فوزي ترتيبات خاصة لفضائية "الجزيرة"، خلال مقابلتها مع "أبو محمد الجولاني"، عام 2015، زعيم جبهة النصرة في سوريا.

وأشار، وفق "العين"، إلى أنّه شارك في صنع الصورة الذهنية لزعيم جبهة النصرة في سوريا؛ حيث إنّ الفضائية طلبت منه تغيير ملابسه، وإضافة لافتة سوداء خلفه، ووضع سلاح بجواره.

وأضاف: "عندما التقيت زعيم جبهة النصرة في منزله، كان يبدو شخصاً عادياً، يرتدي معطفاً، إلّا أنني طلبت منه تغيير ملابسه، وكذلك وضع لافتة خلفه، وحمل سلاح".

ورأى فوزي؛ أنّ تصريحات زعيم جبهة النصرة خلال المقابلة، ومنها جملة مهمة هي: "ندعم تنظيم القاعدة، ونوافق على طلباته"، توضح التعاون بين "الجزيرة" وتنظيم جبهة النصرة وتنظيم القاعدة، برأيه.

وكشف بعض كواليس اللقاء، وأبرزها، وفق قوله لـ"العين": إنّ "شخصاً جاء خلال المقابلة من الخارج، وأعطى زعيم جبهة النصرة مبلغاً كبيراً من المال وضعه في جيبه".

وأشار فوزي للمصدر ذاته، إلى أنّ أهمّ شيء عند التنظيمات المسلحة هو تصوير العمليات؛ لأنهم يتلقون أموالاً كبيرة مقابل العمليات الإرهابية المصورة.

وقال مصور الحربي السابق في قناة الجزيرة: "فريق عمل الفضائية كان يسكن في سوريا مع الإرهابيين، ومع أسر متعاونة مع الإرهابيين، في بيوت مؤمّنة من جبهة النصرة".

فوزي: فريق عمل الفضائية كان يسكن في سوريا مع الإرهابيين في بيوت مؤمنة من جبهة النصرة

وكشف فوزي في المقابلة؛ أنّ "صحفياً يعمل في "الجزيرة الإنجليزية"، كان يستخدم عربات الفضائية لتمرير إرهابيين من الحدود التركية إلى داخل سوريا، أثناء وجود فريق عمل "الجزيرة" في منطقة "هاتاي" الحدودية.

وأوضح مصور "الجزيرة" السابق؛ أنّه التقى شخصاً كان معدّاً في قناة "الجزيرة"، وكان يعمل كذلك وسيط سلاح وأموال، في منطقة هاتاي على الحدود مع تركيا وسوريا.

وأضاف فوزي: "هذت الشخص كان له باع طويل جداً في تهريب الأسلحة وشرائها، وهو أيضاً شقيق أحد المعارضين السوريين البارزين، وكان له العديد من الأنشطة الغامضة وسط صفوف العاملين في القناة".

تيسير علوني

ولفت فوزي إلى أنّ "هذا الشخض أصبح مديراً لمكتب قناة "الجزيرة" في لندن، مكافأة له على ما قام به في سوريا لصالح الشبكة".

وقال المصور في المقابلة: "الجزيرة كانت من أوائل المحطات التلفزيونية التي دخلت إلى ليبيا".

وأشار فوزي إلى أنّ التغطية الصحفية في ليبيا كانت غريبة ومختلفة؛ حيث "كنا نذهب لأماكن الأحداث أو الهجوم بالأسلحة قبل وقوعها، وكأنها كانت تنفذ بالتنسيق مع "الجزيرة""، وفق قوله لـ"العين".

ونوّه إلى أنّ "الفضائية تملك علاقات قوية جداً مع الجماعات المسلحة في ليبيا، كانت لنا الأفضلية عند التنظيمات الإرهابية المختلفة".

فوزي: التغطية الصحفية في ليبيا كانت غريبة ومختلفة حيث كنا نذهب لأماكن الأحداث قبل وقوعها

ولفت إلى أنّ "مكتب قناة "الجزيرة" في مدينة بنغازي (شرق)، كان عبارة عن مركز للشرطة الليبية، على البحر المتوسط، وتم تدميره واستخدمته "الجزيرة" كمكتب لاحقاً، دون تنسيق مع أحد، ولم يعترضها أحد؛ بل وكانت المظاهرات يتم ترتيبها أمام مكتب "الجزيرة"، بتنسيق مع الجماعات المسلحة، حتى يتم تصويرهم"، وفق قوله في المقابلة.

وكشف المراسل الحربي السابق لقناة "الجزيرة"؛ أنّ "المسؤول الإعلامي لتنظيم القاعدة في "شمال مالي" هو نفسه معدّ قناة "الجزيرة"، وهو الشخص الذي يرتب كلّ اللقاءات الصحفية للفضائية مع التنظيمات المسلحة في إفريقيا"، موضحاً: "عندما احتلّ تنظيم أنصار الشريعة في شمال إفريقيا أجزاء من دولة مالي، "ذهبنا نحن طاقم "الجزيرة"، إلى دولة مالي عن طريق النيجر عبر الحدود، بتنسيق مع معدّ "الجزيرة"، الذي هو في نفس الوقت المسؤول الإعلامي لتنظيم أنصار الشريعة".

وأشار إلى أنّه "في هذه الأثناء، دار حديث بين أمير الجماعة المغربي وشخص آخر موريتاني، مسؤول عن تصوير كل عمليات القاعدة، ولديه شركة إنتاج اسمها "صحارى"، ويعمل أيضاً مع "الجزيرة"، وهو منسق الرحلة لقناة للجزيرة".

وأضاف: "مالك شركة "صحارى"؛ التي تصور العمليات الإرهابية للقاعدة في إفريقيا كان مراسل "الجزيرة" في موريتانيا سابقاً".

وكشف فوزي؛ أنّه أثناء حضوره مؤتمراً صحفياً لوزير خارجية طالبان، عام ٢٠٠١، فوجئ بمصور "الجزيرة" لاحقاً، سامي الحاج، بصحبة الوزير".

وأشار إلى أنّ القناة استعانت بسامي الحاج بعد هذه الواقعة في أفغانستان، ضمن خطتها دائماً، حيث كانت تجند أشخاصاً مرتبطين بالجماعات المسلحة، وترسل لهم كاميرات صغيرة يرسلون منها المواد لإذاعتها بعد ذلك.

وكشف مراسل الجزيرة الحربي السابق؛ أنّ "تيسير علوني، مراسل "الجزيرة"، عام 2001، جاء إلى المراسلين العرب في كابول، وقال لهم: "التحالف الشمالي سوف يقتحم المدينة في اليوم التالي، وسوف آتي غداً وأؤمن خروجكم""، مردفاً: "تيسير علوني جاء بصفته عربياً في هذه الأثناء، وليس بصفته مراسل "الجزيرة"".

ولكن، والحديث لـ "فوزي"، علوني جاء فعلاً في اليوم الثاني صباحاً، وأخذ شخصاً واحداً من حركة طالبان، واسمه "أبو جهاد"، وهو سوري الأصل، ويعدّ أحد قيادات القاعدة في حينها.

سامي الحاج

وأكّد أنّ "علوني" كان قريباً جداً من تنظيم القاعدة، ولهذا اصطحب قيادياً منها، وهرب قبل الاجتياح.

وعمل علوني مراسلاً لقناة "الجزيرة" في أفغانستان، تشرين الأول (أكتوبر) 2001، وهرب قبل ساعات قليلة من دخول قوات التحالف إلى العاصمة كابول، بصحبة تنظيم القاعدة، وفق ما ورد على لسان فوزي في مقابلته مع موقع "العين" الإخباري.

 هذا وقد أبدى المراسل الحربي السابق للجزيرة ندمه على عمله بالفضائية، لمدة ١٢ عاماً؛ حيث إنّ أهدافها لم تكن معلومة له، لكن الآن كلّ شيء أصبح واضحاً للعيان، وفق قوله.

وأضاف فوزي في المقابلة: "كنت أحاول أن أكون بعيداً عن قسم الأخبار العربية؛ لأنّها أساس كلّ المشكلات؛ حيث إنّ أغلبهم من الإخوان، فعندما جاء وضاح خنفر (عمل بالجزيرة من 2003-2011) إلى قناة "الجزيرة"، جاء بفريق كبير من الإخوان المسلمين".

 

التحالف يعترض طائرة مسيّرة تحمل متفجرات.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
294
عدد القراءات

2019-06-19

اعترضت قوات التحالف العربي، اليوم، طائرة حوثية مسيَّرة، تحمل متفجرات، قبل دخولها الأجواء السعودية.

وقال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: إنّ "قوات التحالف الجوية تمكّنت، عند الساعة التاسعة من صباح اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار "مسيّرة"، كانت متجهة نحو الأراضي السعودية"، وفق ما ذكرت وكالة "واس".

الطائرة الحوثية المسيَّرة محمّلة بالمتفجرات وأُطلقت باتجاه السعودية من محافظة الحديدة

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "الطائرة المسيّرة، تم رصد إطلاقها من قبل الميليشيا الحوثية من محافظة الحديدة، وتم اعتراضها فوق الأجواء بمحافظة حجة، قبل دخولها المجال الجوي للمملكة".

وأضاف: "الميليشيا الحوثية الإرهابية مستمرة بمخالفة اتفاق ستوكهولم، وخرق وقف إطلاق النار بالحديدة، وتواصل اتخاذ المحافظة مكاناً لانطلاق الأعمال العدائية والعمليات الإرهابية، بإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار، وكذلك إطلاق هجمات القوارب المفخخة والمسيّرة عن بعد".

وشدّد على أنّ هذه الأعمال تمثّل تهديداً حقيقياً للأمن الإقليمي والدولي، وتقويضاً للجهود السياسية لإنجاح اتفاق (ستوكهولم)، كما تواصل مخالفة القانون الدولي الإنساني، باستهداف المناطق المأهولة بالسكان، واتخاذ المدنيين كدروع بشرية لنشاطاتها الإرهابية المتعلقة بتخزين وإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار، وتفخيخ وإطلاق القوارب المفخخة والمسيَّرة عن بعد.

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ قيادة القوات المشتركة للتحالف تؤكّد الحقّ المشروع باتخاذ وتنفيذ إجراءات الردع المناسبة للتعامل مع هذه الأعمال العدائية والإرهابية، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني، وقواعده العرفية.

وتحاول الأداة الإجرامية الإرهابية الحوثية، استهداف المنشآت المدنية والمدنيين في المملكة العربية السعودية، في محاولات بائسة ومتكررة، عبر هذه الطائرات المسيرة.

وكان تحالف دعم الشرعية في اليمن قد أعلن، ليل الإثنين-الثلاثاء، عن اعتراض وإسقاط طائرتين مسيَّرتين تحملان متفجرات، أطلقتهما ميليشيات الحوثي باتجاه المملكة.

وأمس الأول، الإثنين، دان مجلس الأمن الدولي بشدة، استهداف الحوثيين مطار أبها الدولي السعودي، قبل أيام، داعياً إلى محاسبة مَن يقف وراء هذا الاعتداء الذي قوبل بموجة إدانات عربية وإقليمية ودولية واسعة.

 




في يوم اللاجئ العالمي.. الحاجة سردانة: ننام ونستيقظ على أمل العودة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
37
عدد القراءات

2019-06-19

ماجدة أبو طير

منذ النكبة الفلسطينية حتى اليوم، لم تجد الحاجة هدى يوسف سردانة، الراحة، فالألم يتنوع والقدرة على تحمله باتت قليلة، ولا يوجد في الذاكرة متّسع لحزن جديد.

من الطفولة إلى الشيخوخة، تشكو سردانة من أن «عمراً بأكمله يتجسّد أمامنا لا فرح به بل هو نكبات متتالية تشبه أوطاننا».

وفي يوم اللاجئ العالمي وفي زقاق مخيم البقعة الذي يعتبر من أكبر وأهم المخيمات الفلسطينية في العاصمة الأردنية عمّان، وصلت «البيان» إلى منزل صغير جداً هو عبارة عن غرفتين، استقبلتنا الحاجة بثوبها الفلسطيني المطرّز مرحّبة بنا بلهجة بلدتها «الفالوجة». للحظات فقط وبلا مقدمات بدأت تحكي عن النكبة والنكسة، وكيف تنقّلت من مخيم إلى آخر وصولاً إلى مخيّم البقعة.

حلم العودة

تقول سردانة وهي تلامس الـ 84 عاماً من عمرها: لا يختلف مخيم عن آخر، واللاجئ يبقى متمسكاً في حلم العودة إلى نهاية حياته، ويُذكّر على الدوام أولاده وأحفاده بوطنه، كيف سُلب في لحظات، على أمل أن يكون الخير القادم في هذه الأجيال.. حياة اللجوء لا يمكن وصفها بكلمتين فقد عشنا الموت والرعب ومع ذلك زاد الإصرار لدينا وتشبثنا بالحياة.

تضيف: المرأة في اللجوء تصبح قوّتها مضاعفة لإثبات حقها في الوجود والوقوف إلى جانب أسرتها. لقد حضرت النكبة وكان عمري 12 عاماً وبدأت أسمع قصص المذابح والقتل والتهجير، وكل ذلك ترك أثراً في شخصيتي، وأصبح الصمود منهجاً في تفاصيل حياتي. اليوم أعيش وحيدة في المخيم.. لم أتزوج ووالدتي توفيت مؤخراً، ورغم ذلك فإنني أقاوم المرض والحزن والذكريات.

لجوء متنقل

في عام 1948 كل القرى الفلسطينية هُجرت إلا بلدة الفالوجة، حيث صمدت في وجه العصابات اليهودية لمدة عام، وبعد ذلك توجه أهلها إلى الخليل ومن ثم إلى أريحا وصولاً إلى منطقة «الكرامة» في الأغوار المحاذية للأردن، وكانت تسمى آنذاك «البيار». وعاشت هنالك الحاجة هدى وعائلتها ما يقارب 20 عاماً، ومن ثم انتقلت إلى مخيم «البقعة».

وشهدت سردانة وعائلتها النكبة والنكسة والعديد من المذابح. تقول الحاجة هدى: بعد حرب 1967 توجهنا إلى مخيم البقعة وسكنا في الخيام لمدة عامين، وفي الثالثة بنينا كرفانات من ألواح الإسبست والزينكو. اللاجئ الفلسطيني مرّ بتجارب مليئة بالقسوة والخوف، والأخطر من ذلك كله أننا لم نكن على دراية بمستقبلنا، وفي كل يوم نستيقظ على أمل العودة للفالوجة.

عن "البيان" الإماراتية

هل يبقى ترامب حتى 2024؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
18
عدد القراءات

2019-06-19

وحيد عبد المجيد

بداية مبكرة للانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستُجرى في نوفمبر 2020. تبدأ هذه الانتخابات رسمياً في فبراير القادم مع الجولة التمهيدية الأولى في ولاية أوهايو، لتتواصل حتى اختيار مرشحيْ الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، منتصفَ العام نفسه.
والمعتاد أنه عندما يكون الرئيس في ولايته الأولى، يُعيد حزبه ترشيحه لفترة ثانية، ولا تُجرى بالتالي انتخابات تمهيدية في داخله. ولذا ستُجرى هذه الانتخابات في الحزب الديمقراطي فقط، لأن الرئيس ترامب سيكون مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات 2020.
لكن مقدمات السباق داخل الحزب الديمقراطي بدأت مبكراً مطلعَ العام الجاري، عندما ظهر عدد متزايد من الطامحين لخوض السباق من أجل الترشح، دون أي مؤشر على إمكان حدوث توافق على أحدهم ليكون معبراً عن الاتجاه الرئيس في الحزب. غير أن الصراع داخل الحزب لم يشتد إلا عندما أعلن نائب الرئيس السابق جو بايدن، في 25 أبريل، خوضه المنافسة.
ولا يمثل انضمام بايدن للسباق حلاً لمشكلة التوافق على مرشح يحظى بدعم الحزب كله، بل ربما يفاقم هذه المشكلة. يمثل بايدن (76 عاماً) اتجاهاً وسطياً ينظر إليه قطاع معتبر في قاعدة الحزب بوصفه يمثل الماضي، وليس المستقبل.
كما أن تقدم عمر بيرني ساندرز (77 عاماً)، اليساري الذي نافس هيلاري كلينتون عام 2016 بشراسة، يجعله غير قادر على إقناع قطاعات تنحو لليسار في قاعدة الحزب، كونها تتحفظ على استمرار الأجيال الأقدم في تصدر المشهد السياسي. ومن أهم هذه القطاعات جماعات شبابية تقدمية يتفاوت حضورها من ولاية إلى أخرى. لا تريد هذه الجماعات مرشحاً ديمقراطياً ذا توجهات يسارية فقط، ولكن صغير السن أيضاً. ولا يبدو أنها تتجه إلى توافق على أي من المتسابقين الشباب الذين تُعد عضو الكونغرس «الكساندريا أوسكايو-كورترز» أصغرهم سناً (30 عاماً).
وتفيد مؤشرات أولية أن الكثير من الشباب التقدميين، وغيرهم ممن يميلون لليسار في قاعدة الحزب، يفضلون ترشيح سيدة مرة أخرى. لكن هذه القاعدة منقسمة بشدة، الأمر الذي قد يؤدي حال استمراره إلى إضعاف فرص المتسابقات، وكذلك المتسابقين الشباب، وربما كل مَن يميلون لليسار، لأنه يُشتت الأصوات، ويُضعف فرص الحصول على تمويل كافٍ، وخاصة أن أغلبهم يعتمدون على تبرعات صغيرة عبر شبكة «الإنترنت».
وفي هذه الحال، ستزداد فرصة بايدن، الذي تلقى تبرعات قيمتها 6.3 مليون دولار خلال 24 ساعة فقط بعد إعلان ترشحه، لأنه قد يكون المستفيد الأول من تشتت أصوات القاعدة التي تسعى إلى تجديد شباب الحزب الديمقراطي وتغيير اتجاهه.
وربما يكون ترشيح بايدن خبراً ساراً للرئيس ترامب، الذي قد لا يجد صعوبة -في هذه الحال- في الفوز بفترة رئاسية ثانية. شبح تجربة باراك أوباما يلاحق نائبه بايدن. فقد فضّل نصف الناخبين تقريباً ترامب، القادم من خارج المؤسسة السياسية في انتخابات نوفمبر 2016 الرئاسية، على هيلاري التي عملت مع أوباما وحظيت بدعمه في تلك الانتخابات. وحدث ذلك قبيل أن يجربوا ترامب، ويلمسوا التحسن الملموس في الاقتصاد الأميركي، والتغيير الإيجابي في بعض اتجاهات السياسة الخارجية. ولذا، فالأرجح أن يحصل ترامب على تأييد أكبر بعد أن انخفضت نسبة البطالة إلى أدنى معدل لها منذ عام 1969، وازدادت فرص العمل بمعدل نحو 200 ألف وظيفة جديدة شهرياً في المتوسط، وارتفعت الأجور بنسبة 3%، وتراجع التضخم إلى نحو 2% وأقل.
ولذا، فالأرجح أن يزداد الميل إلى إعادة انتخاب ترامب إذا صار بايدن منافسه في الانتخابات النهائية، لأنه كان أقرب إلى أوباما من هيلاري. وحتى إذا اختفى أوباما من المشهد، وفق طلب بايدن الذي يدرك أن الرئيس السابق عبء عليه، لن ينسى الناخبون الناقمون على أداء البيت الأبيض في الفترة بين 2009 و2016 العلاقة الوثيقة بينهما. وإذا أضفنا أن بايدن لن يحظى بدعم كامل في حزبه المنقسم بشدة، تبدو فرصة استمرار ترامب في الرئاسة حتى نهاية 2024 كبيرة. والأرجح في هذا الحال أن تزداد تدريجياً شعبيته التي تخطت 45% للمرة الأولى منذ تنصيبه، وفق استطلاع معهد «غالوب»، الذي نُشرت نتائجه في 6 مايو الجاري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

لماذا نصوّت لليمين المتشدد؟

84
عدد القراءات

2019-06-19

ترجمة: علي نوار


يتطرق كتاب "وباء التشدد" للصحفي أندريو جيريز، وأستاذ العلوم السياسية، فرانكو ديللي دوني، إلى تصاعد ظاهرة الأحزاب القومية المتشددة والمناهضة لأوروبا والمعادية للأجانب التي تشهدها أوروبا، عن طريق تحليل نماذج من 12 دولة في القارة العجوز، ونقدم هنا الفصل الأخير من العمل الذي يستعرض الأدوات النفسية التي تدفع ملايين الأوروبيين اليوم إلى التصويت لصالح هذه التيارات.

اقرأ أيضاً: وثيقة سرية: اليمين المتطرف بألمانيا يتدرب على سيناريو الحرب الأهلية

"يمنحوننا أصواتهم لأنهم أشخاص عاديون للغاية يعانون مشكلات عادية للغاية". تخص هذه العبارة القيادية رفيعة المستوى في حزب "بديل لأجل ألمانيا" اليميني المتشدد في ألمانيا، بياتريكس فون شتورش، وهي ليست كأي جملة، فهي مفتاحية للبدء في فهم التأثير الناجح للخطاب الذي تتبنّاه حركات اليمين المتشدد الجديدة في أوروبا.

يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول

ليس ثمة مقترحات ولا خطط ولا حتى أيديولوجيا، الأمر كله عبارة عن قيم ومشاعر، وفي نفس الوقت بتوصيف زخم ما وغريزة وتطلّع لشيء مختلف، نشعر جميعاً بأنّنا "عاديون" ونقتنع تماماً بأنّ مشكلاتنا واهتماماتنا ومخاوفنا "عادية". ولا يعرّف خطاب اليمين المتشدد ماهية هذا "العادي"، بل يتركه لرغبات المواطن كي يملأه بما يبدو له مناسباً، ويطلق على عملية الملء هذه مصطلح "الشعور العام"، ولا يوجد خلف هذا الشعور سوى القيم الخاصة بنا، والمفاهيم التي تسمح لنا بالتمييز بين ما نريد وما لا نريد، وما هو خير وشرّ، ما نؤيّده وما نرفضه، وعلى أساس كل ذلك نمنح أصواتنا.

زعيم الحزب المتطرف الإسباني فوكس
نجح اليمين المتشدد في إعداد سرديات تختلف من دولة إلى أخرى، تبلور القيم الأساسية بالنسبة لقطاعات بعينها، ربما تكون هذه القيم غائبة أو مشوّهة في خطاب الأحزاب الأخرى. قيم لا مكان لها بالضرورة في خطط الحكومة، عن طريق مقترحات قوانين أو مشروعات محدّدة. ومن منظور اليمين المتشدد، فإنّ الشيء الأهم هو صياغة منطق أعمق ألا وهو ذلك الذي يحرّكنا: الخوف من المجهول وكراهية المختلف والإحباط الناجم عن عدم تحقّق توقّعاتنا.

اقرأ أيضاً: بعد فلندا.. هل يصعد اليمين المتطرف في إسبانيا؟
هذا هو بالضبط ما تغفل عنه الأغلبية الساحقة من المراقبين ومنافسي أحزاب اليمين المتشدد، الذين لا يدركون السبب وراء قدرة حزب يفتقر لأي محتوى على حشد ملايين الناخبين. يعجز الكثير من ساسة اليسار واليمين على حدٍ سواء في إيجاد منطق ما خلف تنامي نفوذ اليمين المتشدد، وربما لن ينجحوا في ذلك مطلقاً.

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر

فهم لا يعرفون سوى المنطق كأداة ومحفّز ودافع للشعبية الانتخابية، يظنّون أنّ عملية التصويت تخضع لمعايير ذات أساس منطقي بالضرورة، ويعيشون على أوهام القرن الـ19 والـ20، والتنوير، وقدرتنا على التفكير المنطقي العقلاني بوصفه مرشداً لأفعالنا. لكن الحقيقة أنّ عقلنا أعقد بكثير من مجرّد آلية التفكير في المميزات والعيوب؛ فالقرارات تخضع للدوافع والتي بدورها، في أغلب الأحوال، لا تكون ناتجة عن التمحيص، وربما لا نكون على دراية من الأساس بهذه الدوافع، ومن بين أبرز دوافعنا تظهر المشاعر.

تعزّز ظاهرة اليمين المتشدد هذه الفكرة؛ فالدعم الانتخابي الذي يحصل عليه هذا التيار منبعه في حالات قليلة جداً القرار المنطقي، بالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح. وعلى الجانب الآخر، سيكون من المستحيل استيعاب لماذا -على سبيل المثال- يلجأ عامل بسيط ربما يعاني البطالة إلى التصويت لصالح حزب يميني متشدد يخطّط لإضفاء قدر أكبر من المرونة وإفقار سوق العمل، هل يمكن للمشاعر أن تعطينا إجابة في هذه الحالة؟

المشاعر وراء الخطاب

يوجد في أوروبا عدد هائل من أحزب اليمين المتشدد التي لم تنجح فحسب في دخول البرلمان بجميع دول القارة، بل تمكّنت أيضاً من المساهمة في تشكيل بعض الحكومات أو حتى قيادتها. وفي منطقة يغلب عليها نظام الحكم البرلماني، تكتسب النقطة الأخيرة أهمية بالغة لا يمكن التقليل منها؛ فاليمين المتشدد في حقبة ما بعد الحرب ليس ظاهرة هامشية أو محلّية أو مؤقّتة.

اقرأ أيضاً: هل حفّز حريق "نوتردام" من "كراهية الإسلام" عند اليمين الأوروبي المتطرف؟
والواقع أنّ القدرة على جمع مشاعر الاستياء وتقنين الإحباط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية، أدّى إلى تحوّل هذه الظاهرة لنتيجة تلقائية للإطار السياسي. وبتعبير آخر؛ فإنّ الكثيرين يرون أنّ اليمين المتشدد كان مستفيداً عارضاً من التصويت العقابي الذي يستهدف إنزال الهزيمة بأحزاب الأغلبية لحين إعادة ترتيب الأخيرة لأوراقها والعودة للاستماع إلى مطالب المجتمع.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين ولم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً

بيد أنّ هذه الرؤية، التي استُخدمت وأعيد تدويرها مع كل مرة يظهر فيها حزب سياسي يميني متشدد في أي دولة بأوروبا على مدار الأعوام الـ20 المنصرمة، لم تعد صالحة. فهي تتعامى عن بعض العناصر المميّزة لقوى اليمين المتشدد. استعانت هذه التيارات بتلك الخصائص في خطابها للّعب على مشاعر بعينها، وبالتالي التأثير على شرائح من الناخبين بحيث تغيّر مواقفها.
فمن جانب، يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول. فالاتهامات ضد السياسة القديمة هي أداة شائعة الاستخدام في الخطاب الشعبوي. وتسمح للمرشحين الشعبويين بإيجاد عدو يعمل بصورة تتعارض مع مصالح من يمثّلونه؛ الشعب، وبالتالي ينصّبون أنفسهم حماة له. رغم أنّ أثر هذا العامل يرتبط بصلة وثيقة بظهور مشاعر الإحباط. بكلمات أخرى، فإنّ هذا العامل في خطاب اليمين المتشدد يركّز على شعور الاحتقار والسخط إزاء الأحزاب السياسية التقليدية وأعضائها.

اقرأ أيضاً: نيوزيلندا.. هل انتهى تهديد اليمين المتطرف؟
ومن جانب آخر، يلعب المكوّن المناهض لأوروبا دوراً محورياً كذلك. فتصوير الاتحاد الأوروبي على أنّه كبش فداء لجميع الشرور يمنح هذه الأحزاب عدواً ملموساً أكثر هذه المرة. وفي الوقت عينه، يمنحها القدرة على تطوير خاصية ثالثة تميّز خطاب اليمين المتشدد؛ القومية. وفي سرديات هذا التيار، يرمز الاتحاد الأوروبي لكل ما هو مضاد للوطن وفخر الانتماء والحفاظ على الملامح الثقافية لكل منطقة. وإجمالاً، فإنّ العامل الأهم في هذا العنصر هو الخوف. رهاب غير واضح الشكل لكن يغلب عليه عامل مشترك: التهديدات على الهوية.

الإحباط، الغضب، الاستياء، الخوف، الكراهية، تهديد الهوية، أدركت قوى اليمين المتشدد في القارة الأوروبية أنّ استعمال كل هذه العوامل كأداة هو أفضل سلاح بوسعها التوفّر عليه، لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: لماذا ينجح الأمر؟

نايجل فاجي عند باب أحد مراكز الاقتراع في المملكة المتحدة في الانتخابات الأوروبية

الجدل الخاطئ
إنّ المنطق والمشاعر هما مفهومان يجري تصويرهما على أنّهما متعاكسان، أو هكذا لقّنوننا. فالمنطق هو سبب القرارات الصائبة، على العكس من ذلك فإنّ المشاعر حين تتغلّب علينا، تعوقنا عن حسن الاختيار، والأول هو ما يميّزنا عن الحيوانات، فيما ترمز المشاعر للحيوان الكامن بداخلنا، لكن من الضروري فهم أنّ الطريقة التي يعمل بها عقلنا لا تتّفق مع هذا الفهم.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرّف يتّحد في أوروبا.. هذه أهدافه
إنّ المنطق والمشاعر لا يمكن لأحدهما أن يشغل مكان الآخر، ولا يمكن التبديل بينهما، لكنّهما على النقيض من ذلك يكمّلان بعضهما، ويضطّلع كل منهما بمهام مختلفة. فمهام المنطق تتباين عما نعتقده، وبالفعل فإنّنا نعرّف أنفسنا بكائنات عقلانية تدرس المميّزات والعيوب لحظة اتخاذ القرارات. إلّا أنّه وفقاً لأحدث ما توصل إليه العلم في دراسات المخ، فإنّنا بعيدون كل البعد عن ذلك. ويكشف الباحثان أوجو مورسييه ودان سبريبر في كتابهما "معضلة المنطق"، أنّ المنطق، وبالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح، يشمل وظيفتين أساسيتين: وهما البحث أو صياغة تبريرات منطقية لكل من قراراتنا، وهي عملية تعرف باسم "المنطقة"؛ والثاني، تقييم الأسباب التي يقدّمها الآخرون حين يحاولون تبرير قراراتهم.

من الضروري أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة

والهدف من وراء المنطقة هو الحفاظ على صورتنا الاجتماعية، فعندما نكون بصدد اتخاذ قرار ما، فإنّنا نستدعي مجموعة من الاعتبارات التي ستخضع بشكل تلقائي للتقييم من قبل المحيطين بنا. فإذا قرّر شخص التصويت لصالح اليمين المتشدد وكشف عن ذلك على الملأ، سيصبح مُلزماً بتفسير الأمر، ويبدأ عقله في البحث عن التبريرات اللازمة لإضفاء المنطقية على قراره أمام الآخرين. وفي هذه الحالة، تصبح الوظيفة الرئيسة للمنطقية اجتماعية بحتة.
أما الوظيفة الثانية للمنطق فتتكامل مع الأولى؛ إذ يتعلّق الأمر بالتقييم الذي نجريه تجاه مبرّرات الآخرين. هل هي كافية؟ هل هي مقبولة؟ هل تشارك نفس القيم مع هؤلاء الذين يدّعونها؟ وتدفعنا الوظيفة الثانية هذه إلى مراجعة حُجج المتُكلّم كي نتمكن من تحديد موقفنا في هذا السياق.

اقرأ أيضاً: هل سيحكم اليمين المتطرف فرنسا؟

يرتبط دور المشاعر بإيجاد دوافع للشروع في شيء ما، وبدون هذه الدوافع سنصبح عاجزين عن اتخاذ القرارات، أو على الأقل ستحتاج هذه العملية للكثير من الوقت والطاقة. وبحسب خبيرة علم النفس والباحثة ليزا فيلدمان باريت، فإنّ المشاعر هي بناءات اجتماعية تسمح لنا بقراءة ما يحيط بنا وإعداد جسدنا كي يتعامل معه، فإذا كان شخص ما متواجداً بمفرده خلال الليل في منطقة نائية من مدينة مجهولة بالنسبة له، فمن المحتمل أن يشعر بالخوف من أي جلبة مفاجئة مثل نفير سيارة عالٍ أو نباح كلب أو صافرة إنذار، كل هذه العوامل قد يترجمها مخ هذا الشخص على أنّها خطر محتمل ويبدأ في تجهيز الجسد كي يتعامل معه (ازدياد معدّل خفقان القلب وسريان الدم، على سبيل المثال).

اقرأ أيضاً: ما هي أوجه التشابه بين اليمين المتطرف وتنظيم داعش؟

إنّ الخوف الذي يشعر به هذا الشخص في تلك اللحظة والمكان هو شعور مبني على أساس تصنيف لمحفّزات بعينها في موقف مُحدّد (ضوضاء في محيط غير معلوم وغير آمن). هذا الشعور هو ما يمنح القدرة على اتخاذ قرار ربّما عن غير وعي. بمعنى أنّ الشعور، أو الخوف هنا في هذه الحالة، يعمل كمؤشّر يجمع عدداً لا حصر له من المُحفّزات كي نستطيع تلافي أو الحدّ من خطر محتمل.

ويعرّف أستاذ علم النفس بجامعة إموري في ولاية جورجيا الأمريكية، درو ويستن، المشاعر على أنّها وقود اتخاذ القرارات. وإذا انتقلنا إلى مستوى اتخاذ القرارات السياسية، مثل دعم أو رفض حزب سياسي ما، فسنكتشف أنّ المشاعر تلعب دوراً رئيساً. فبالاعتقاد، على سبيل المثال، أنّ منظومتنا الأخلاقية مُهدّدة، سيظهر الخوف، وهذا الخوف هو ما يدفعنا للتحرّك بطريقة دفاعية.
يقودنا كل ذلك إلى سؤال؛ ما هي الأسباب التي تؤدّي بنا إلى الإحساس بشعور ما مثل الخوف أو الكراهية أو الإحباط، والأهمّ من ذلك كيف لنا الوصول إلى هذه المعلومات أو ما هي احتمالات تعرّضنا للتلاعب دون أن ندرك ذلك؟

مظهر من مظاهر النشطاء اليمينيين ضد سياسة الهجرة التي تتبعها حكومة ميركل الألمانية

النقاش والإطار التفسيري

إنّ تقييم المعلومات وما يتبعه من اتخاذ للقرارات قد يتباين كلية وفقاً لطريقة عرضها. بعبارة أخرى: نفس المعلومات المُقدّمة بطرق مختلفة تؤدّي إلى آثار متباينة، توصّل إلى هذا الاكتشاف خبيرا علم النفس دانييل كانمان وآموس تفيرسكي، اللذان عكفا منذ حقبة السبعينيات على دراسة عملية اتخاذ القرار، وتُعد أبحاثهما حجر الأساس لمفهوم الإطار التفسيري.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف قنبلة العالم الموقوتة

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر، وتقدّم الأُطر تعريفاً لمشكلة تتضمّن بدورها عرضاً ما للمعلومات. لذا فقبول إطار يعني بالتبعية تقبّل فرضيّات أو شروط وفي الوقت ذاته تبعات نقاش ما. على سبيل المثال، الإشارة إلى الاتحاد الأوروبي بوصف (بيروقراطية بروكسل) يحمل بداخله تقييماً لنفس المصطلحات السلبية التي تستدعي انطباعاً على كل فرد منّا، حتى لو كان غير واعٍ لذلك.
واختصاراً، فإنّ الأٌطر تسهم في فهم وتنظيم ما يحدث حولنا، وفي نفس الوقت تحدّد وتنتقي وتهيكل المعلومات، وينتج عن ذلك ليس التأثير على تقييمنا فحسب، بل وأيضاً المشاعر التي نختبرها.
لقد عرفت القوى المختلفة اليمينية المتشددة في أوروبا كيف تهيمن على الاستخدام الاستراتيجي للأُطر، وأدركت أنّ هذه الأُطر هي وسيلة لربط مشاعر مُعيّنة بموضوعات مُعيّنة، ومن هنا تحقيق المكاسب الانتخابية والسياسية، ولعلّ هذا هو السبب وراء حصول كل ملفّ من أجنداتها التي تضعها هذه الأحزاب على أٌطر مختلفة ضمن خطابها، وبصورة ممنهجة.

من الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة: الكراهية والخوف والإحباط، بحيث يتغذّى كل منها على الآخر

على جانب آخر، فإنّ اليمينيين المتشددين ناجحين للغاية في استخدام السرديات، وذلك عن طريق توظيف ونقل الأُطر والقيم التي يدّعون تمثيلها والمشاعر التي يثيرونها، في عملية يصفها الفيلسوف والرياضي نسيم نقولا طالب بـ"سردية المغالطة".
عملية الحصول على المعلومات بالنسبة لعقولنا مُكلّفة، فأولًا يجب استثمار موارد من أجل ذلك، وثانياً نستثمر موارد إضافية للاحتفاظ بها، وأخيراً نبذل استثماراً كي نعيد استخدامها. وتُعتبر القصص هي الأداة المثلى كي يدّخر المخ أكبر قدر ممكن من الموارد. حيث تبدو المعلومات في القصص منظّمة ومتكاملة وتسمح ببناء سببيات بين الأحداث، ولا تتضافر هذه الخواص فقط من أجل إعادة بناء القصة، أو بمصطلح آخر؛ الذاكرة، بل إنّ المعلومات تُخزّن كتجربة حيّة وليس كحزمة من البيانات.
لكن الرواية تتضمّن في الوقت ذاته تبسيطاً للمعلومات، وتزداد احتمالات السقوط نحو التقليص بسبب قدرتها التفسيرية والترابطية، وتبدو القصة قابلة للاعتماد عليها رغم أنّها قد تعرض جانباً واحداً من الموضوع، وبالتالي، تحوي النتائج الناجمة عنها ربما خطر أن تكون مضلّلة أو لا أساس لها من الصحة.

اقرأ أيضاً: لماذا ينشط اليمين المتشدد في ألمانيا الشرقية؟
تجعلنا الروايات عرضة لسلسلة من الانحيازات المعرفية التي قد تستغل للتلاعب بالرؤية التي نطوّرها تجاه جدل بعينه، وبهدف تبسيط ومعالجة المعلومات التي نتلقاها باستمرار بصورة سريعة وفعّالة، فإنّ عقلنا يلجأ للانحيازات المعرفية، أي إنّه يعود للخبرات السابقة كي يتّخذ قرارات دون حتى أن ندرك ذلك، وعموماً، فإنّ هذه وظيفة مفيدة جداً، لكن في بعض الأحيان، تؤدّي هذه الانحيازات إلى انحرافات في التأويل، يطلق عليها الانحيازات المعرفية.

إنّ الميل نحو الاعتقاد بقوة حُجّة لأنها قابلة للتصديق، والتركيز فحسب على المعلومات التي تعضّد الأفكار الموجودة بالفعل، أو حتى تفضيل نتيجة صحيحة حتى لو كانت تنطوي على أضرار، هي بعض أوجه هذا الانحياز المعرفي. وتكمن قوة هذه الانحيازات في تجاهلنا لها، بمعنى أنّها تحدث بصورة طبيعية تتطلّب قدراً هائلاً من الطاقة كي ننتبه لها، وبالتالي إعادة النظر في القرارات الناتجة عنها.

في ضوء الخصائص المذكورة، يصبح خطاب المغالطات أداة مُفضّلة لليمين المتشدد، سواء من أجل نقل أُطره أو ضمان انتشاره عن طريق التكرارية.

يروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها

إطار غياب العدالة: الإحباط الدائم

تاريخياً، لطالما شكّل النقاش حول توزيع الثروة جزءاً من أجندة الأحزاب اليسارية، فالصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال هي العناصر البارزة في هذا الاتجاه. لكن ملكية هذا الملف لم تعد قاصرة على هذا التيار السياسي وحده، فقد تمكّن اليمين المتشدد من انتزاعه، لينجح بذلك في إدخال "إطار" إلى النقاش العام يناطح خطاب اليسار ويسعى لوضع إعادة تصوّر للمشكلة.

إنّ معقولية الرواية تجعلها أحياناً سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة

ويروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها، إلّا أنّه يغير تعريفها، بحيث تصبح المشكلة لا بين الأغنياء والفقراء مثلما يرى اليسار، بل تتّخذ صورة أفقية لتتحّول إلى مشكلة بين الفقراء والأجانب الفقراء، بمعنى أنّه يجري الربط بين مسألة الهجرة والشرائح الأكثر تعرّضاً للتهميش. وبفعل ذلك، يضع اليمين المتشدد تلك الفئات في موضع المنافسة على الموارد العامة وفرص العمل والتعليم لأجل أبنائهم والحصول على المنازل، والقائمة لا تنتهي.

وإذا نظرنا إلى الحالة الألمانية، فسنجد أنّ الإطار يعمل على أكمل وجه بفضل خطاب وصول اللاجئين في 2015. وفي هذا الخطاب يُصوّر اللاجئين على أنّهم زوّار غير مرغوب فيهم و"فتحت لهم الأبواب" المستشارة أنجيلا ميركل.

اقرأ أيضاً: عن اليمين السياسي في المنطقة العربية.. أيّ دور وهُويّة؟

يؤدّي الإحباط الناجم عن هذا الإطار، مُعزّزاً بخطاب اليمين المتشدد، إلى حصوله على أصوات هؤلاء الذين لا تتحقّق تطلّعاتهم ولا يشعرون بالرضى، فلم يعد الكثيرون يثقون في النظام ولا الأحزاب السياسية التقليدية، ويشعرون بالإحباط والتهميش والنسيان، كما يستثار الشعور بالاستياء لدى هذه القطاعات حين تجد ضالّتها في كبش فداء أضعف بكثير من الأغنياء والمصارف والشركات العالمية.
بالتالي يسمح إطار غياب العدالة بتلافي اكتساب المشكلة لطابع معاداة الأجانب، على الأقل ظاهرياً، ويضفي نوعاً من المنطقية على رفض الغاضبين للاجئ أو الإفريقي الذي عانى الأمرّين كي ينجو بحياته في مياه البحر الأبيض المتوسط. لا يتعلّق الأمر بالهجوم عليه، بل بالدفاع عن النفس. وهنا يصبح الانحياز المعرفي جلياً للغاية: التركيز على المعلومات التي تؤكّد المخاوف. لقد خان السياسيون، الذين لا يمكن الوثوق بهم، شعبهم بالسماح بدخول الأجانب واستغلالهم للموارد، ويعمد خطاب اليمين المتشدد على الادعاء بأنّ هؤلاء السياسيين هم مشكلة البلاد وأنّ تغييرهم هو الحل، وهذا ما يقودنا إلى المثال الثاني.

الشعب في مواجهة عدو الشعب

إطار التهديد الكامن: الخوف والكراهية

يتميّز خطاب اليمين المتشدد بالثنائية المنطقية. الشعب في مواجهة عدو الشعب، مفهومان يضطلع اليمين المتشدد بتعريفهما وملئهما وفقاً لما يراه. السياسة القديمة، الاتحاد الأوروبي، البنوك، وسائل الإعلام، قد تكون هي أعداء الشعب، والأخيرة تلعب دور العدو عند عملها بما يتعارض مع مصالح البلاد، مع تقديم هذه المصالح على أنّها التمثيل الجماعي للمواطنين.

إنّ بناء هذا الخطاب عملية بسيطة للغاية، لكن لا تفتقر للفعالية في الوقت ذاته. فمن جانب هناك الشرير، العدو، سبب المشكلات ومعاناة الضحية، وعلى جانب آخر قد يظهر المتواطئ، الذي لا يفعل شيئاً سوى منح الشرعية للشرير والتعاون معه. وأخيراً هناك البطل الذي يأتي لمحاربة الشر، رغم أنّه يتعيّن عليه قبلها تجاوز عدة مصاعب من أجل تحقيق هدفه، وفي هذا البناء الخطابي البسيط، يبثّ اليمين المتشدد إطاره التفسيري الأكثر فعالية: إطار التهديد الكامن.

أما الضحية فهو الشعب، يتعرّض الشعب للخطر، ومن الضروري إبراز أنّ هذه النظرة ليست مادية بحتة، ولا تركّز فحسب على الموارد التي يساء توزيعها، بل على قيم الشعب المُهدّدة. فالضحية هنا يشعر بالخوف من فقدان ثقافته ودينه وأسلوب حياته والخوف من ألّا تعود الأمور لسابق عهدها والخوف من الفوضى، كل هذه القيم تلخّص مسألة الهوية الوطنية.

كان للصحافة دور كبير في استمرار الخطاب اليميني المتشدد فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر

وعلى التوازي مع هذا الخطر، أو الشرير، توجد عدة صور في سرديات اليمين المتشدد. فقد تشير إلى الإسلام كـ"دين غريب لا جذور له في أوروبا.."، كما قد يوصف المهاجرين بجماعة خارجية "لا تريد الاندماج وتمتلك تقاليد غريبة وتتعارض على الأرجح مع القيم المحلية"، وقد يُساق السياسيون والأحزاب التقليدية كذلك إلى لعب دور العدو، وأيضاً "تحرّكاتها المعادية للوطن والأنانية والتي تحطّ من شأن مصالح من يمثّلونهم" ليصبحوا في نظر اليمين المتشدد "الجرثومة المسُبّبة لمرض" النظام.

وفي نفس السياق، من شأن الأشرار أن ينتقلوا إلى خانة المتواطئين، فالسياسة "بفتح الأبواب في وجه الهجرة"، أو وسائل الإعلام "بإخفاء الحقيقة"، مثالان واضحان جداً على ذلك.

وأخيراً، فإنّ البطل هنا ليس سوى الحزب اليميني المتشدد، وزعيمه بشكل عام، الذي يصل "للدفاع عن الشعب" وتحقيق عدة أهداف في نفس الوقت "تحذير الشعب من التهديد الكامن، واتهام المذنبين بشرورهم، واسترداد القيم المُنتهكة، وإعادة النظام إلى البلاد".

يحوي إطار التهديد الكامن بداخله عدة أُطر فرعية منبثقة عنه، تظهر في سرديات اليمين المتشدد. فالخوف من التحوّل إلى "أقلية في بلادنا" نموذج لذلك، وقد استعانت عدة أحزاب وحركات بهذه العبارة للتحذير مما أسمته باستبدال ثقافي، وكذلك انهيار الهويات الوطنية. إنّ المكوّن الوطني أو القومي، الذي يتضمّنه هذا الإطار الفرعي، لا يؤدي لإثارة الخوف فحسب، بل ينشر الكراهية تجاه الثقافات الوافدة.

اقرأ أيضاً: الإرهاب اليميني: القتل باسم الكراهية

يندرج دور المرأة وهويات الأنواع .. ونقاط أخرى ضمن بعض ملفّات النقاش التي يطبّق فيها اليمين المتشدد نموذج إطار التهديد الكامن، ويجترّ في خطابه عناصر محافظة متشددة يستخدمها اليمين المتشدد كرأس حربة في مواجهة الحدود الناجمة عن الصواب السياسي. وفي هذا السياق، يضحى ما كان يُنظر إليه باعتباره تقليلاً من الاحترام اليوم واقعاً لا يجرؤ أحد على الإشارة له.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين، وبالتالي، لم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً، بل يتحوّل إلى دفاع عن قيم بعينها. ويرتبط العنصر الأخير تحديداً بالخوف من الفوضى وغياب القواعد وضياع الوضع الراهن.

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد

ثلاثية المشاعر

يلعب خطاب اليمين المتشدد عادة على استثارة حزمة من المشاعر التي تترجم في مجتمعاتنا إلى الكراهية والخوف والإحباط، وبعيداً عن النماذج التي سبق وصفها على حدة، فمن الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة بحيث يتغذّى كل منها على الآخر. السخط على السياسة يتحوّل إلى كراهية بسبب تجاهل مخاوف الشعب الذي يشعر في داخله بغياب الأمان والخوف وعدم اليقين.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كما تعود فعالية هذا الخطاب إلى الاستفادة من انحيازاتنا المعرفية. ومثلما ذكرنا آنفاً، فإنّ معقولية الرواية تجعلها في كثير من الأحيان سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها، وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة. وهنا نظنّ أنّ الخلاصة التي توصّلنا إليها هي نتاج عملية عقلانية، بالمفهوم التقليدي، بينما نحن في حقيقة الأمر نحاول إيجاد تبريرات لمواقف مُعيّنة.

لقد تزايد انتشار خطاب اليمين المتشدد وأطره بسبب عوامل خارجية أخرى. فمن جانب، عانت باقي الأحزاب السياسية صعوبات حقيقية لإدراك المنطق الدعائي لليمين المتشدد، ولم تفهم حتى الآن بعض هذه الأحزاب ما يحدث. فمع إغراقها في التحليل المتخصّص، لم تكن الأحزاب التقليدية قادرة على تطوير أُطر بديلة للمنافسة في الساحة العامة. فقد رأت كيف أنّ قوى يمينية متشددة مختلفة كانت قادرة على اكتساب الناخبين إليها، لا سيما في ملفات مثل الهجرة واللاجئين والهوية الوطنية وموضوعات أخرى. بل إنّ قوى اليمين المتشدد سجّلت نقاطاً لصالحها حتى في النقاشات التي غابت عنها الأحزاب التقليدية بشكل رسّخ لأُطرها أكثر.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما أنّ دور الصحافة كان كبيراً فيما يخصّ استمرار الخطاب اليميني المتشدد، فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر، وبالتالي، سرديات القوى اليمينية المتشددة، فقد ساهمت بصورة غير مقصودة إذن في نشر دعاية اليمين المتشدد، وبشكل ما منحه أهمية لم يكن قادراً على اكتسابها بمفرده.

لم ينته بعد الجدل الإعلامي حول تغطية النشاط السياسي لهذه الأحزاب أم تجاهله، لكن خطر تقديم دعاية مجانية للاستفزازات الاستراتيجية التي يشنّها زعماء اليمين المتشدد لا يزال كامناً. هناك مبادرات جديرة بالاهتمام من قبل بعض مجموعات الصحفيين للتثبّت من الحقائق تقدّم أفكاراً جيدة لمكافحة المعلومات الكاذبة المنتشرة، بيد أنّ مداها محدود في مواجهة ملايين الرسائل الخاصة، والمنشورات التي تُبثّ عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية النشطة يومياً على مدار 24 ساعة.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد. دون أي نوع من الرقابة، وفّرت شبكة الإنترنت لهذه القوى السياسية فرصة كبيرة للوصول إلى قطاعات من الناخبين كانت عاجزة عن الوصول إليها بالوسائل التقليدية، فضلاً عن التمييز بين شرائح الناخبين المختلفة لتزداد بذلك فعالية رسائله ودرجة تعقيدها.

في خضم هذه الأجواء المواتية، تمكّن اليمينيون المتشددون من بث خطابهم، وبالتالي تفعيل ثلاثية الخوف-الكراهية-الإحباط لدى الشعب. وتعدّ هذه العواطف، مضافاً إليها الانحيازات المعرفية ودور العناصر المذكورة بالأعلى، مفاتيح لفهم تنامي نفوذ اليمين المتشدد وبناء قواعد له في أنظمة سياسية محلية.

مسألة انتخابات

تحظى الأحزاب السياسية بفرصة ذهبية لمراجعة مفاهيمها بشأن الناخبين، لكن شريطة تخلّيها عن ثنائية المنطق في مواجهة المشاعر، القديمة والبالية. كما أنّها بصدد فرصة سانحة لإعادة اكتشاف قيمها، وبناء -بالاستناداً إليها- أُطر تتنافس مع تلك الخاصة باليمين المتشدد، وفي حال فعلت ذلك، فستفرض على المواطنين اختيار القيم الأساسية بالنسبة لهم، ممّا يعني عدم الانزلاق وراء الإجابات التلقائية التي يقدّمها المخ.
أمّا في حالة تجاهلها لهذا الوضع وإذا ما قرّرت المضيّ قدماً في نفس نهجها الحالي، فستكون الأحزاب السياسية غير قادرة على عدم الخروج من خندق السياسة القديمة، ما سيعمّق انعدام ثقة الناخبين بها، ما سيؤدّي بالتبعية للاتجاه نحو خيارات أكثر أصولية.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما يمثّل هذا السياق تحدّياً كبيراً بالنسبة للصحافة على مستوى القارة. فدورها رئيس من حيث عدة جوانب، فالمعلومات الكاذبة، على سبيل المثال، هي نقطة محورية تجبر كافة وسائل الإعلام على الارتقاء بمعاييرها للرقابة والتحقّق من صحة المعلومات، والحيلولة دون انتشار معلومات زائفة لن يكون خدمة للمواطنين فحسب، بل سينعكس إيجاباً على جودة الديمقراطية في المنطقة بأسرها.

على جانب آخر، من الضروري أيضاً أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة. ولن يتحقّق ذلك عن طريق التوقّف عن تغطية أنشطة هذه الحركات وتجاهلها، لكن عبر عمل صحفي نقدي دقيق وواع لوجود أُطر هدفها التأثير على الرأي العام.

بوسع المواطنين الاختيار، يمكنهم التفكير في ماهية قيم الخطاب، وتحديد ما إذا كان الاختزال الذي تروّج له حركات اليمين المتشدد يتوافق معهم أم لا. هل معاداة الأجانب إحدى القيم التي يمكن الدفاع عنها؟ هل العنصرية كذلك؟ أم الكراهية أو الأنانية؟

تحليل للكاتب فرانكو ديللي دوني عن أسباب اتجاه قطاع من الناخبين لمنح أصواتهم لليمين المتشدد في أوروبا، نشر بالنسخة الإسبانية من مجلة (فورين بوليسي)


المصدر: https://bit.ly/2HEAOfm

الصفحة الرئيسية