قانون مكافحة الإرهاب في العراق: هل هو حقاً كذلك؟

قانون مكافحة الإرهاب في العراق: هل هو حقاً كذلك؟

مشاهدة

29/11/2020

يثير القانون الخاص بجرائم الإرهاب في العراق، الصادر عن الجمعية الوطنية العراقية عام 2005، جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية، المحلية والأممية، لا سيما في ظلّ تقارير متفاوتة وثّقت وقوع شخصيات عديدة، لم تتورّط في أيّة أنشطة تتّصل بالعنف أو الإرهاب، تحت وطأة هذا القانون؛ إذ خضع بعضهم للسجن، بينما البعض الآخر للإعدام، بحسب ما تنصّ عليه تشريعات هذا القانون، تحديداً المادة الرابعة منه؛ إذ جرى استغلال بنودها من قبل أطراف سياسية محدّدة ضدّ خصومها السياسيين، ومن ثمّ استهداف النشطاء والسياسيّين.

ما القصّة؟

وبحسب تقارير حقوقية أمميّة؛ فإنّ آلاف الضحايا تعرّضوا للقمع بسبب هذا القانون، الذي صدر عن الجمعية الوطنيّة العراقيّة، ووافق عليه الرئيسان السابقان، جلال الطالباني، وغازي عجيل الياور، إضافة إلى وزير النفط السابق، عادل عبد المهدي.

يضمّ القانون ستّ مواد تخصّ قضايا الإرهاب، جرى استخدامها من جانب الميليشيات الولائية، ضدّ الصحفيين والحقوقيين المعارضين لنشاطها السياسي والميداني، وذلك على مدار نحو 15 عاماً، منذ تاريخ صدور القانون، بدعوى وقوع العراق في حالة من الانفلات والسيولة الأمنية، الأمر الذي هدّد بتنامي الأعمال الإرهابية.

قام مجلس النواب العراقي، في نهاية 2016، بالتصويت على قانون "قانون العفو العام"، بهدف تعديل الأوضاع غير القانونية المترتبة على قانون مكافحة الإرهاب

ويشير مركز جنيف الدولي للعدالة، إلى أنّ الحكومة العراقية "لا تتوانى البتة في تبرير عمليات الإعدام، رسمياً، بحجة مكافحة الإرهاب؛ حيث ترتكز هذه التبريرات الرسمية على أساس المادة 4 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13، والذي صدر من جانب الجمعية الوطنية العراقية غير المنتخبة، عام 2005، ومع ذلك؛ فإنّ تعريف مصطلح الجرائم، ومرتكبيها إنّما يفتقر إلى وضوح كامل، وهو عرضة إلى تفسيرات تستند غالباً إلى المبررات غير القانونية، بل الشخصية والمسيسة، كما لا تنسجم كثيراً مع الأفعال التي يمكن أن تفرض عقوبة الإعدام عليها، مع تعريف أشدّ الجرائم خطورة".

إدانات حقوقية

وعلى خلفيّة الجدل المحتدم بسبب هذا القانون، بسبب المخالفات القانونية الناجمة عنه، والتي فضحتها ممارسات تلك الميليشيات، تحديداً في أعقاب انتفاضة تشرين، والاحتجاجات الشعبية المتواصلة، قام رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، بعدّة زيارات مباغتة للسجون العراقية، في أيار (مايو) الماضي، حتى يتسنّى له التأكّد من خلوّها من المتظاهرين، ويتحرّى طبيعة الموقوفين والأحكام الصادرة بحقهم، وملابسات سجنهم أو اعتقالهم، كما وجّه بإنشاء لجنة رسمية لـ "تقصّي حقيقة وجود سجون سرّية، يحتجَز فيها متظاهرون"، بيد أنّه لم يصدر عن تلك اللجنة أيّ تحقيق جادّ بعد.

وثّق مرصد "أفاد" العراقي، المختصّ بمتابعة القضايا الحقوقية، وأوضاع المسجونين العراقيين، مجموعة من الشهادات التي ترصد التجاوزات غير القانونيّة بحقّ المواطنين، وذلك عبر إفادات مباشرة من معتقلين سابقين، أو من ذويهم؛ إذ نشر عبر الصفحة الرسمية له في موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، مقطع فيديو لسيدة تروي أنّه تمّ "اعتقال ابينها عام 2011، ولم يفرج عنهما، كما لم توجَّه ضدّهما أيّة قضايا أو تهم؛ بيد أنّه في عام 2015، حُكم عليهما بالإعدام دون سند قانوني".

اقرأ أيضاً: العراق: هل ينجح الصدر في إخلاء الشارع لمناصريه؟

تشير البيانات الرسمية إلى أنّ عدد السجناء لا يتجاوز 35 ألف معتقل، في حين أنّ المركز الحقوقي العراقي يؤكد أنّ حصيلة المعتقلين، المتواجدين في سجون العراق التابعة لـ "الحشد"، ولوزارتي الدفاع والداخلية، يبلغ نحو 70 ألف سجين، فضلاً عن آلاف المختطفين، والمفقودين، والمغيّبين بصورة قسرّية.

جرائم الميليشيات

وبحسب مرصد "أفاد" الحقوقي؛ فإنّ إدارات السجون والتوقيف في العراق، ما تزال تعمد إلى الاستعانة بآليات القمع القديمة والتقليدية، التي تمّ إلغاؤها منذ عقود، وعقب إسقاط نظام الرئيس السابق، صدام حسين، والتي تقوم على توجيه عبارات طائفية ضدّ المعتقلين، إضافة إلى الضرب والتعذيب لانتزاع الاعترافات، ووضعهم لفترات طويلة في الحبس الانفرداي.

د. هاني سليمان لـ"حفريات": للميليشيات المدعومة من طهران، حقّ الإشراف على بعض السجون، مما يتيح لها مسح الأدلة القانونية التي تتصل بجرائمهم وانتهاكاتهم

ويضيف: "في ظلّ انتشار وباء "كوفيد 19"؛ فإنّ السجون تكتظّ بأعداد هائلة، تفوق مساحة الغرف المتواجدين بها، كما أنّها لا تتوافر على الشروط الصحية والإنسانية، مثل التهوية والنظافة الضرورتين، ما يفاقم الأزمات الصحية، ومن ثم، انتشار الفيروس التاجي بين المسجونين، إذ إنّ هناك 12 نزيلاً، تعرضوا للوفاة بسبب الفيروس".

ومن جانبها، دانت "منظمة العفو الدولية"، الإجراءات القمعية التي يتعرض لها المعتقلون، وبالتحديد "إصدار أحكام الإعدام بجلسة واحدة أحياناً، وقد أعدم 21 سجيناً، في سجن الحوت، في مدينة الناصرية، مؤخراً".

ويلفت حقوقيون، في تقارير أممية تابعة للأمم المتحدة؛ إلى أنّ هناك ما يقرب من 50 سجيناً عراقياً، يواجهون احتمالية الإعدام، نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، بعد إدانتهم بجرائم تتصل بـ "الإرهاب" في محاكمات جائرة".

اقرأ أيضاً: عودة إلى 15 عاماً من أخطاء بايدن في العراق

وفي غضون ذلك؛ تؤكّد اللجنة الدولية لـ "الصليب الأحمر"، أنّ العراق يضمّ أكبر أعداد المفقودين في العالم، التي تقدر بنحو مليون و250 ألف شخص.

وتتّفق والرأي ذاته منظمة "هيومن رايتس ووتش" الأمريكية، التي وثّقت عمليات الإخفاء القسريّ المستمرة، على يد قوات الأمن، و"فصائل الحشد"، وقوات البيشمركة؛ حيث قالت إنّ "القوات الحكومية و"فصائل الحشد" نفّذت إعدامات دون محاكمة، واقتادت الآلاف من مناطق متعددة إلى جهات مجهولة، خلال عمليات ضدّ "تنظيم داعش"، مثل: جرف الصخر، جنوب بغداد، ومنطقتَي الصقلاوية، والرزازة، في محافظة الانبار".

متى تتوقّف العقوبات المسيّسة؟

وبينما قام مجلس النواب العراقي، في نهاية عام 2016، بالتصويت على قانون عرف بـ "قانون العفو العام"، بهدف تعديل الأوضاع غير القانونيّة المترتّبة على قانون مكافحة الإرهاب، وإعادة النظر في المخالفات والانتهاكات بحقّ الموقوفين والسجناء، لكن تمّ الإخفاق في تفعيل القانون بعد الموافقة عليه من جانب النواب، وهو الأمر ذاته الذي تكرّر مع رئيس الوزراء العراقي السابق، عادل عبد المهدي، والذي صاغ قانوناً مماثلاً، إثر تفشّي فيروس كورونا، بينما تصدّت له الميليشيات الأمنية، المدعومة من طهران، وكذا جهات قضائية.

اقرأ أيضاً: من يلاحق قتلَة هشام الهاشمي بعد تهريبهم خارج العراق؟

وفي حديثه لـ "حفريات"، يشير الدكتور هاني سليمان، مدير المركز العربي للبحوث والدراسات في القاهرة، إلى أنّه بعد خروج الولايات المتحدة من العراق، كانت الساحة خالية لإيران للسيطرة على هذا البلد الغني، وإقحامه في صراع طائفي مستمرّ، وتغذية ذلك طوال الوقت، وقد كانت إحدى أهم أدوات إيران؛ ميليشياتها وعملاءها المحليين، مضيفاً لـ "حفريات": ولقمع أيّ صوت مخالف تحرّكت هذه الأدوات ميدانياً، كما اتّجهت لدعم سنّ بعض القوانين، ومنها قانون الإرهاب، خاصة المادة 4 منه، التي تتيح الإعدام أو السجن المؤبد، وقد كان ذلك القانون ذريعة لعمل مذكرات اعتقال لمئات الآلاف من العراقيين، الذين تتلخص كلّ جرائمهم في معارضة سياسة الميليشيات في بغداد".

مدير المركز العربي للبحوث والدراسات الدكتور هاني سليمان

ويلفت سليمان إلى أنّ تلك الميليشيات المدعومة من طهران، لها حقّ الإشراف على بعض السجون، مما يتيح لها مسح الأدلة القانونية التي تتصل بجرائمهم وانتهاكاتهم، من جهة، وتلفيق التهم، من جهة أخرى، فضلاً عن وجود سجون سرّية، أماكنها غير معلومة بالتحديد، بما يجعل مهمّة أية شخصية وطنية في القضاء على ذلك صعلة.

وبمزيد من التدقيق، يمكن القول إنّ ذلك السلوك يتّسق تماماّ مع سياسة إيران مع الشعب الإيراني ذاته، بحسب المصدر ذاته، بالتالي، فإنّ التحدي الأساسي للكاظمي، أو أية حكومة وطنية، هو إنهاء ذلك التوظيف الإجرامي للقوانين، من قبل قوى، ولاؤها للخارج، وتقتل على أساس الهوية والدين.

الصفحة الرئيسية