عودة إلى 15 عاماً من أخطاء بايدن في العراق

عودة إلى 15 عاماً من أخطاء بايدن في العراق

مشاهدة

26/11/2020

ترجمة: مدني قصري

كان جو بايدن مؤيداً قوياً للغزو الأمريكي للعراق، عام 2003، إلى حدّ دفاعه من أجل تقسيم البلاد إلى ثلاثة كيانات مستقلّة، مع وصمه لفرنسا بعبارات هجومية.

بينما عارض باراك أوباما، بشجاعة، غزو العراق، عام 2003، كان نائبه المستقبلي مؤيداً قوياً للغزو في مجلس الشيوخ، لقد ذهب جو بايدن إلى أبعد مما ذهب إليه معظم "الصقور"، حيث اقترح، في 2006-2007، تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات مستقلّة؛ سنيّة وشيعيّة وكرديّة، الأمر الذي كان من شأنه أن يؤدّي إلى تفاقم الحرب الأهليّة التي كانت قائمة بالفعل في ذلك الوقت، والتي تسبّب فيها الاحتلال الأمريكي مباشرة.

يتمّ تحديد رؤية بايدن للعراق من خلال معايير طائفية بحتة، دون مراعاة المشاعر الوطنية، ولا العواقب على الشرق الأوسط الناتجة عن تفكّك البلد

من المهمّ العودة إلى هذه الحلقة، التي تكشف بشكل كبير رؤية الشرق الأوسط للمستأجر القادم للبيت الأبيض، حتى لا يؤدي إضفاء المثالية على الفائز على دونالد ترامب إلى خيبات جديدة وخطيرة.

"صقر" جاهز لتقسيم العراق

بايدن، سناتور ديلاوير منذ عام 1973، كان قد ترأّس لجنة الشؤون الخارجيّة القويّة عندما تبنّى، في صيف 2002، دعاية إدارة بوش حول "أسلحة الدمار الشامل"، التي زعمتْ أنّ العراق يمتلكها: "يجب على صدام حسين التخلّي عن هذه الأسلحة، أو يجب عليه أن يتخلّى هو عن السلطة" مثل هذا الدعم كان ضرورياً للبيت الأبيض، الذي كان يواجه مجلس الشيوخ الذي كان يهيمن عليه الديمقراطيّون، في تشرين الأول (أكتوبر) 2002، كان بايدن واحداً من بين 29 عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ الذين قاموا بالتصويت، ضدّ رأي 23 آخرين، وإلى جانب 48 عضواً جمهورياً منتخباً؛ أي الشيك على بياض الذي يسمح لجورج دبليو بوش بشنّ الحرب على العراق كما يطيب له.

 في تموز (يوليو) 2003، بعد ثلاثة أشهر من إطاحة صدام حسين، وعلى الرغم من فشل 150  ألف جندي أمريكي في العراق في العثور على أدنى أثر لأسلحة الدمار الشامل، أصرّ بايدن وجزم: "لقد قلتُ ذلك العام الماضي، وأنا اليوم على يقين تامّ بأنّ صدام حسين، مع مليارات الدولارات التي تحت تصرفه، سوف يحصل بعد خمسة أعوام على سلاح نوويّ تكتيكيّ".

بايدن كان قد ترأّس لجنة الشؤون الخارجيّة القويّة عندما تبنّى، في صيف 2002، دعاية إدارة بوش حول "أسلحة الدمار الشامل" في العراق

شارك بايدن وهو ما يزال سيناتوراً، بنشاط، في حملة تشويه سمعة فرنسا، المتهمة في رأيه، بكلّ الشرور لعدم دعمها الغزو الأمريكي للعراق: "نعلم جميعاً أنّ الفرنسيين يَصلُحون لكلّ شيء إلا للتعاون، بل وكانوا متهوّرين. هذا التشهير بأقدم حليف للولايات المتحدة رافقته مناورةٌ من قِبل بايدن لإعادة كتابة تاريخ العراق برؤيته هو، في تشرين الأول (أكتوبر) 2004، أكّد أنّه "لم يؤمن أبداً بامتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل"، وفي الوقت الذي تمت فيه الموافقة على دستور عراق فيدرالي وديمقراطي، عن طريق استفتاء جرى في تشرين الأول (أكتوبر) 2005، مما أعطى سلطات واسعة للحكومة الإقليمية لكردستان في شمال البلاد، اقترح بايدن، بعد ستة أشهر، المضي قدماً إلى أبعد من ذلك: تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات: سنيّة وشيعيّة وكرديّة، وتقليص سلطة بغداد المركزية إلى الحدّ الأدنى.

وقد أثار هذا التقسيم الفعليّ للبلاد، مزيداً من المعارضة، خاصّة أنّه قد يعرّض لإعطاء جهاديي "دولة العراق الإسلامية" (ISI) السيطرة على منطقة خالية من سكانها الشيعة.

رؤية طائفيّة للشرق الأوسط

في عراق ما يزال متعدّد الطوائف إلى حدّ كبير، خاصّة في بغداد، كانت "خطة بايدن" ستساعد، إذا تمّ تبنيها، في تسريع التطهير العرقي الذي ترتكبه الميليشيات الطائفية. لقد تمّ نقلُ المنطق الثلاثيّ للسيناتور الديمقراطي، فجأة، من البوسنة والهرسك؛ حيث لم يُؤَدّ هذا المنطق بالفعل إلا إلى شلّ سلطة سراييفو، كما أن هذا المنطق أمر فظيع بالنسبة للأقليات، مثل المسيحيين والتركمان والأيزيديين، الذين تُركوا للاستبداد من قبل المجموعة المهيمنة في قطاع كلّ منهم في العراق.

من ناحية أخرى، يعارض بايدن "الاندفاع" الأمريكيّ في العراق؛ حيث تعتمد التعزيزات المنتشرة على الميليشيات السنّية، المسمّاة "الصحوة"، لصدّ الجماعات الجهادية وإلحاق الهزيمة بها في نهاية المطاف؛ إذ يفضّل بايدن، وبدلاً من ذلك،  الاستمرار في سراب "خطته" التي وافق عليها مجلس الشيوخ، بتصويت غير ملزم، في أيلول (سبتمبر) 2007، في الوقت نفسه الذي أعطى فيه استطلاع أجرته هيئة الإذاعة البريطانية في العراق، 9٪ من الإجايات لصالح تقسيم العراق (مقابل 62٪ لصالح حكومة مركزية جديرة بهذا الاسم).

اقرأ أيضاً: محاولة اغتيال الناشط العراقي أكرم عذاب... هل لتيار الإسلام السياسي علاقة؟

يتمّ تحديد رؤية بايدن للعراق من خلال معايير طائفية بحتة، دون مراعاة المشاعر الوطنية العراقية، ولا العواقب على بقية الشرق الأوسط الناتجة عن تفكّك البلد.

 عندما عهد أوباما، عام 2009، بالملف العراقي إلى نائبه، راهن هذا الأخير، دون تحفّظ، على الرجل القوي في الطائفة الشيعيّة، نوري المالكي، رئيس الوزراء منذ عام 2006، وهكذا قدّم بايدن دعماً حاسماً لبقاء المالكي في منصبه، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2010 .

اقرأ أيضاً: من يلاحق قتلَة هشام الهاشمي بعد تهريبهم خارج العراق؟

ليس مهمّاً بالنسبة لبادين الاستبداد العدوانيّ المتزايد لرئيس الحكومة العراقية، وتعاونه الوثيق مع إيران وضراوته الطائفية ضدّ ميليشيات "الصحوة" السنّية، فالذي يهمّه هو نجاح الانسحاب الأمريكي خارج العراق، عام 2022، هذه السياسة الأمريكية قصيرة النظر تساعد في عودة شعلة الدولة الإسلامية التي اكتسبت، عام 2013، موطئ قدم في سوريا المجاورة، وأصبحت "الدولة الإسلامية في العراق وسوريا"، والمعروفة باسم الاسم العربي المختصر، داعش.

 فلم يتخلّ بايدن أخيراً عن المالكي، الذي أُجبِر على التخلي عن السلطة، إلا في آب (أغسطس) 2014، بعد شهرين من سقوط الموصل، وبعد شهر من إعلان الخلافة الجهادية الزائفة، ومع ذلك؛ فقد كان له وزن مؤثّر لصالح الغطاء الجوي للولايات المتحدة للميليشيات الموالية لإيران، الأمر الذي مكّن الحرس الثوري من توسيع شبكاته في جميع أنحاء البلاد، وجعله في موقع قوة خلال أزمة كانون الثاني (يناير) الماضي.

هذا التذكير بالتاريخ العراقي لِبايدن يثبت أنّ السناتور، الذي أصبح نائباً للرئيس، كان دائماً كلّما توصّل إلى قرار يختار الخيار الأكثر خطورة من حيث الصراع الدولي والحرب الأهلية، ولا يوجد دليل على أنّ الرئيس المستقبلي قد تعلّم أيّ درس من العديد من الأخطاء الماضية.

مصدر الترجمة عن الفرنسية: 

www.lemonde.fr

الصفحة الرئيسية