لبنان: "فيتو" مسيحي ضد تعديل قانون الانتخابات النيابية

لبنان: "فيتو" مسيحي ضد تعديل قانون الانتخابات النيابية

مشاهدة

01/12/2020

يبدو أنّ المناداة بدولة لا طائفيّة في لبنان، تحوّلت إلى لعبة سياسيّة بيد الطوائف، وفقدت معناها، فمن غير المنطقيّ أن تخرج قوّة سياسيّة تطالب بإلغاء الطائفية، في قانون الانتخابات النيابية، وكأنّ الطائفية موجودة فقط في البرلمان، لا في كلّ جزء من لبنان.

وفي هذا السياق؛ جاء طرح كتلة التنمية والتحرير النيابية (حركة أمل) مشروع قانون على اللجان النيابية المشتركة في البرلمان، لتعديل قانون الانتخابات النيابية، للمرة الثالثة خلال مدة لا تزيد عن 15 شهراً، بدعوى تطوير النظام السياسي، والاتجاه نحو القضاء على الطائفية.

هناك مراحل تمهيدية وفق خريطة اتفاق الطائف لإلغاء الطائفية؛ منها تحقيق لا مركزية إدارية، وحصر السلاح في يد الدولة، والالتزم بالحياد، والقبول بالقرارات الدولية

ولا يأتي إصرار حركة أمل على تعديل القانون الانتخابي، الذي تمّ إقراره عام 2017، بعد مفاوضات شاقّة، من رغبة في القضاء على الطائفية، بل لإدراك الحركة أنّ التغيّر الديموغرافي في لبنان لصالحها، وربما لا يكون ذلك بعيداً عن صراع تشكيل الحكومة، والتدقيق المالي الجنائي لحسابات مصرف لبنان.

خريطة الدوائر الانتخابية، قانون 2017

ولا تطالب الحركة بالنظر في المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، لكنّها تطرح جعل لبنان دائرة انتخابية واحدة، واستحداث 6 مقاعد للمغتربين، وتخصيص كوتة من 20 مقعداً للمرأة، وهناك مقترح آخر بانتخاب أعضاء مجلس الشيوخ، والذي ربطه الدستور بخطوات إلغاء الطائفية.

اقرأ أيضاً: لبنانيون يسخرون من وزير الصحة.. ما علاقة حسن نصر الله؟

وتكمن الخطورة في تحويل لبنان إلى دائرة انتخابية واحدة؛ حيث ستتمكّن الطائفة التي تمتلك ناخبين أكثر من تحديد الفائز، حتى من حصص الطوائف الأخرى، فبإمكان الشيعة إيصال نواب مسيحيين، موالين لهم، مباشرة إلى البرلمان، دون الحاجة إلى التحالف مع حزب مسيحي.

اقرأ أيضاً: لبنان: أزمة سياسية على خلفية التدقيق الجنائي بالمصرف المركزي

وتتمثّل خطورة الاقتراح السابق في تجاوزه قانون الانتخاب إلى تعديل جوهر النظام السياسيّ، وهي خطوة محمودة في ذاتها، لكن من الجليّ أنّها لا تزيد عن كونها لعبة سياسية خطيرة، بهدف هيمنة الشيعة من حركة أمل وحزب الله، على البرلمان اللبناني، ومن ورائه الحكومة، والرئاسة، فضلاً عن سلاح حزب الله، ليكون لبنان بذلك في قبضة الأحزاب الموالية لإيران.

قانون الانتخابات النيابيّة المقترح

عقد مجلس النواب اللبناني، جلسة مشتركة للجان النيابية، لمناقشة الاقتراح المقدّم من النائبين أنور الخليل، وإبراهيم عازار، عن كتلة التنمية والتحرير (حركة أمل)، بقانون جديد للانتخابات النيابية، ومقترح قانون بانتخاب أعضاء مجلس الشيوخ، وذلك في الـ 25 من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري.

وينصّ الاقتراح على إدخال تعديلات جوهرية على قانون الانتخاب النيابي الحالي؛ وهي اعتبار لبنان دائرة انتخابية واحدة، وفق النظام الانتخابي النسبي، والكوتا النسائية، وإلغاء الصوت التفضيلي، واستبداله بما يُسمى الترتيب المُسبق.

اقرأ أيضاً: تعديل قانون الانتخابات لا ينهي الانقسام الطائفي في لبنان

وجرى آخر تعديل على قانون الانتخابات، عام 2017؛ إذ اعتمد النسبية، والصوت التفضيلي، وتقسيم لبنان إلى 15 دائرة انتخابية، ونُظمت انتخابات البرلمان الحالي وفقه.

وقبل ذلك، كانت الانتخابات تُجرى وفق قانون عام 1960، المتأسّس على قاعدة الأكثرية.

زعيم حركة أمل، ورئيس البرلمان اللبناني نبيه بري

ورغم إقرار جميع القوانين الانتخابية، بتقسيم مقاعد البرلمان، البالغ عددها 128 مقعداً، مناصفةً بين المسيحيين والمسلمين، إلا أنّ هناك اختلافات بين القانون الحالي، وقانون عام 1960، والقانون المقترح، حول الكيفية التي يتم انتخاب المقاعد المسيحية بها.

وفي قانون العام 1960، كان الصوت المسيحي ينتخب 30 نائباً، مقابل 34 نائباً مسيحياً، ينجحون بالأصوات المسلمة.

اقرأ أيضاً: حتى لا يتم تقديم لبنان جائزة ترضية لإيران!

وفي قانون 2017؛ ينتخب المسيحيون مباشرةً 54 نائباً، من حصّتهم، بينما يصل 10 نواب مسيحيين إلى البرلمان عبر الأصوات المسلمة.

ويراهن مقترح حركة أمل الجديد على التغير الديموغرافي لصالح الشيعة، الذي يضمن لهم التحكم في نسبة كبيرة من الحصة المسيحية تحديداً، التي تبلغ نصف عدد المقاعد، بينما يمثّل المسيحيون اليوم نسبة 35% من السكان تقريباً، مقابل 31% للشيعة تقريباً.

منسّق قطاع الشباب بتيار المستقبل - طرابلس لـ "حفريات": اللبنانيون يرغبون في دولة مدنية حقيقية، غير طائفية، لكنّ المقترح الجديد لن يؤدي إلى ذلك

وبحسب آخر إحصاء سكاني في لبنان، عام 1932، مثّل المسيحيون 58.7 %، مقابل 40% من المسلمين، وجرى التوافق على النظام السياسي في عام 1943، في الفترة التمهيدية لانتهاء الاحتلال الفرنسي، وفق هذه التركيبة، التي تغيّرت بفعل عوامل عديدة، كان للصراع الطائفيّ والهجرة الدور الأبرز فيها.

اقرأ أيضاً: هل تنفرج أزمة الحكومة اللبنانية المتعثرة بدخول بايدن البيت الأبيض؟

وحول طرح حركة أمل، يقول رئيس جهاز التنشئة السياسية في حزب القوات اللبنانية، شربل عيد: "مع ظهور المشروع السياسي الشيعيّ، للمرة الأولى، في زمن الحرب الأهلية، كان أساسه قانون انتخابيّ ينصّ على دائرة لبنانية واحدة، لأنّهم يرون أنّ النظام السياسي لعام 1943 هضم حقّهم، ويعتبرون رئاسة البرلمان حقاً منقوصاً، أما القيادة السنّية فلا تسعى إلى تهميش المسيحيين، وتحافظ على المناصفة".

اقرأ أيضاً: تفجير أنابيب النفط في لبنان: هل هو مجرد خطأ تقني سوري؟

ويردف شربل، لـ "حفريات": "يعوّل المشروع الشيعي على تغيير قانون الانتخابات، كي ينالوا بالديموغرافيا، ما لم يأخذوه بالنظام السياسي، الذي يمنح المسيحيين 64 مقعداً برلمانياً، لكنّ حركة أمل تريد أن يُطرح 30 مقعداً منهم للتصويت من قبل غير المسيحيين، وفي تلك الحالة يكون الصوت غير المسيحيّ هو من ينتخب نصف النواب المسيحيين، وبذلك هم حافظوا على المحاصصة، لكن فُرّغت من مضمونها".

مواقف القوى الإسلامية

وحول موقف حركة أمل؛ قال عضو كتلة التنمية والتحرير، النائب قاسم هاشم​، في حديث تلفزيوني: "المناخ السياسي مفقود اليوم في البلد، ونحن اليوم، بكلّ جرأة، طرحنا اقتراح قانون الانتخاب، على أساس لبنان دائرة واحدة، وفق النسبية، والذي نراه ضرورياً ومنطقياً لتطوير الحياة السياسيّة في لبنان، وذلك من منطلقات الدستور اللبناني لتطوير النظام السياسي".

وبينما ترى حركة أمل في المقترح ترجمةً للدستور، وخطوة للتخلص من القسمة الطائفية، تختلف مواقف القوى الأخرى؛ فالغموض سيد الموقف للقوى السنّية، مع حرصها على التوافق مع المسيحيين، ويرفض الصوت المسيحي المقترح، بينما لم تصدر أيّة تصريحات أو تلميحات عن موقف حزب الله، هذه المرة.

وليست جديدة إثارة مسألة الحصة المسيحية، أو كيفية انتخاب هذه الحصة، وفي عام 2017، أثناء النقاش حول قانون الانتخابات، عمد حزب الله إلى نشر إحصاءات، تفيد بأنّ عدد المسيحيين لا يتجاوز 36.4 %، من سكان لبنان.

اقرأ أيضاً: "حزب الله يورّط لبنان".. لبنانيون يجدّدون رفضهم لحزب الله

وفي مقال منشور، يقول الكاتب اللبناني، شادي علاء الدين، عن موقف حزب الله: "لم يكن بريئاً أن يعمد الحزب مؤخراً إلى نشر إحصاءات تفيد بأنّ وزن المسيحيين في البلد لا يتجاوز الـ 36.4%، وتالياً؛ فإنّ الخطاب الذي يضمره هذا البعد الإحصائي يقول (إنّ حصة المسيحيين بكل تياراتهم لا يجب أنّ تتجاوز هذا الرقم)، ولكن الحزب يصرّ، رغم ذلك، على منحهم المناصفة من خلال التحالف معهم".

اقرأ أيضاً: تركيا و"حزب التحرير" اللبناني.. تقاطع مصالح أم دعم لأردوغان؟

ويضيف في مقاله المنشور في صحيفة "العرب": "البعد الخطير في هذا المنطق أنّه يفرض عملية نقل شرعية التمثّيل المسيحيّ والمناصفة من الدستور واتفاق الطائف إلى التحالف مع الحزب".

ومن المرجّح أن تكون هذه وجهة نظر حزب الله، لكن على عكس حركة أمل، فلديه حسابات أخرى، وربما يفضل الحزب التحالف مع المسيحيين، في التيار الوطني، بدلاً من الدخول في معركة النظام السياسي، التي تتعدى الفرقاء اللبنانيين أنفسهم، وربما تهدّد استقرار البلاد، بالتالي، مكاسب الحزب.

اقرأ أيضاً: لبنان: هل يؤخّر التمثيل المسيحيّ الإعلان عن حكومة الحريري؟

ومن البيئة السنّية، يقول منسق قطاع الشباب، بتيار المستقبل - طرابلس، علاء أرناؤوط: "في قانون 2017، تقسيم الدوائر قام بشكل طائفي، كلّ منطقة طائفية على حدة، رغم أنّ النسبية متطورة عن الأكثرية، وترى الأحزاب المسيحية أنّ هذا القانون منحها التمثّيل الصحيح".

منسّق قطاع الشباب بتيار المستقبل – طرابلس، علاء أرناؤوط

ويردف أرناؤوط، لـ "حفريات": "اللبنانيون يرغبون في دولة مدنية حقيقية، غير طائفيّة، لكنّ المقترح الجديد لن يؤدي إلى ذلك، فعلى من يرغب بأن يكون لبنان دولة مدنية، أن يقضي أولاً على كلّ ما ينتج ويعزز الطائفية، حتى لا ندخل في تسييس فكرة مدنية الدولة، هي الأخرى".

اقرأ أيضاً: لبنان يسير إلى الخلف نحو المستقبل

وعلّقت "الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات" على مشروع القرار الجديد في بيانها، قائلة: "ترى الجمعية أنّ الأحزاب السياسية غير جدّية في طرح إدخال إصلاحات جوهرية على قانون الانتخابات، كما أنّ المسار الذي تسلكه النقاشات جزءٌ لا يتجزأ من أدوات عمل الأحزاب السياسية في السلطة، في جعل طرح القوانين الانتخابية لعبة ضمن إطار التجاذبات والمناكفات السياسية بين الأحزاب والتيارات، وبالتالي الخوف من ألّا يكون المبتغى من طرح قانون الانتخابات هو إصلاح النظام الانتخابي". 

فيتو مسيحي

وواجهت الكتل المسيحية مقترحات حركة أمل المتتالية بالرفض القاطع، خصوصاً في الجلسة الأخيرة.

وعن موقف التيار الوطني الحرّ، أكبر كتلة مسيحية في البرلمان، قال النائب بيار بو عاصي، في الجلسة: إنّ "طرح البحث في قانون الانتخاب خادع، لأنّ وراء الشكل المرتبط بإحترام الدستور واتفاق الطائف هناك أمر خطير جداً، يتعلق بصحة التمثّيل السياسي للناس، ويخلق قلقاً كبيراً عند القواعد المجتمعية والسياسية المسيحية، تحديداً التي عاشت تجربة سيئة جداً، بين العامين 1990 و2005، وترفض أنّ تتكرر".

اقرأ أيضاً: اللبنانيون ورحلة البحث عن الدولة في الدولة

بينما كان حزب القوات اللبنانية أشدّ في رفضه للقانون، ويعبّر شربل عيد عن موقف القوات، ويقول: "ركوب لبنان من قبل جماعات طائفية على أساس المناصفة والموازنة، وحين نمسّ بالمناصفة نمسّ بأساس البلاد، ولن نقبل بأن ينال طرف من حصتنا في النظام السياسي، كما لا نقبل أن يمسّ مسيحي بحقوق الطوائف الأخرى".

واستنكر عيد، في حديثه لـ "حفريات"، توقيت طرح القانون، بينما لبنان يعاني من أزمة اقتصادية طاحنة، وفساد مستشرٍ، وفشل في تشكيل حكومة اختصاصيين، علاوةً على الفشل في إجراء تحقيق نزيه حول انفجار مرفأ بيروت. ويتساءل عيد: "هل سيبقى البلد عاماً آخر بهذا الشكل حتى نفكر في الانتخابات؟".

اقرأ أيضاً: بأمر حزب الله.. التغيير مرفوض في لبنان

وتتجاوز مسألة قانون الانتخابات الكتل السياسية المسيحية، الممثلة في البرلمان، ولا يتوقف الرفض على البرلمانيين فقط، بل يوجد كثيرون ممن يريدون دولة مدنية حقيقية، لكنّهم يرفضون أن يتلاعب الطائفيون بالمدنية.

وفي سياق ذلك، يرى رئيس حزب السلام، روجيه إده؛ أنّ هناك تقاسم سلطة في لبنان، بين المنظومة الطائفية، وكلّ مشاريع القوانين تُفصّل لخدمة هذه المنظومة، والتي أوصلت لبنان إلى الفشل الحالي، أو "جهنم" بتعبير الرئيس عون.

رئيس حزب السلام، روجيه إده

ويقول إده، لـ"حفريات":  "أن يكون لبنان دولة مدنية حقيقية، لا مركزية، ودون طائفية، هو ما نريده، لكنّ لذلك مراحل تمهيدية وفق خريطة اتفاق الطائف، ويبدأ ذلك بتأليف خارطة طريق، تُحقق لا مركزية إدارية، وتحصر السلاح في يد الدولة، وتلتزم بالحياد، وتقبل بالقرارات الدولية، وغير ذلك نرفض بشكل قاطع أيّ نقاش مما يثيره ثنائي محور إيران، (حزب الله، حركة أمل)".

ويردف إده: "مثل هذا البحث، في وقت ينهار فيه البلد، وتسود الطائفية في مفاصل الدولة، ينذر بحرب أهلية، وتقسيم لبنان على غرار ما حدث في يوغوسلافيا".

اقرأ أيضاً: لبنان العائم على مخازن "حزب الله"!

وصدر القانون الدستوريّ رقم 18 لعام 1990، عقب اتفاق الطائف، الذي ينصّ على إعادة إنشاء مجلس الشيوخ بموجب المادة 22 من الدستور ،كمخرج  من الطائفية السياسية في مجلس النواب اللبناني.

ويعدّ مجلس الشيوخ اللبناني هو الغرفة الثانية في البرلمان، وأنشئ بموجب الدستور اللبناني لعام 1926، وتم إلغاؤه بموجب قانون دستوري لعام 1927، بإيعاز من سلطات الانتداب، وضُمّ أعضاؤه لمجلس النواب بعد أن تبيّن أنّه يعرقل الحياة البرلمانية. وجرى الحديث في الأوساط اللبنانية عن إعادة إحيائه في الآونة الأخيرة، خصوصاً بعد اتفاق الطائف.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية