لبنان: أزمة سياسية على خلفية التدقيق الجنائي بالمصرف المركزي

لبنان: أزمة سياسية على خلفية التدقيق الجنائي بالمصرف المركزي

مشاهدة

29/11/2020

خلقت مسألة التّدقيق الجنائيّ بحسابات مصرف لبنان انقساماً كبيراً في المجتمع اللبنانيّ، على المستوى الشعبيّ والسياسيّ، وأثارت الشهيّة لتبادل الاتّهامات بين القوى السياسيّة ومؤيّديها.

ويؤكّد الجميع دعمهم للتدقيق الجنائي، لكنّ الاختلاف حول قضية رفع السرّية عن حسابات مصرف لبنان، وتقديم تقرير بها إلى الشركة المسؤولة عن التدقيق.

وكانت شركة "ألفاريز آند مارسال" قد أعلنت عن فسخ العقد مع الدّولة اللبنانيّة، لعدم تمكّنها من الحصول على البيانات المطلوبة، نتيجة رفض حاكم المصرف، رياض سلامة، الكشف عن 60 % منها.

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة

وحول مبدأ رفع السريّة، انقسم اللبنانيون إلى فريقَين؛ الأول يمثّله سياسياً التيار الوطنيّ الحرّ، بزعامة جبران باسيل، ويرى أنّ قانون النقد والتسليف، الذي يعمل مصرف لبنان وفقه، لا يمنع الكشف عن حسابات المصرف أمام التدقيق الجنائي، الذي قرّرته الحكومة.

اقرأ أيضاً: تعديل قانون الانتخابات لا ينهي الانقسام الطائفي في لبنان

وبخلاف ذلك؛ يرى الفريق الثاني، ويمثّله سياسياً تيار المستقبل وحركة أمل؛ أنّ قانون النقد والتسليف يمنع الكشف عن بيانات المصرف إلا بأمر قضائي، لا بناء على تكليف من السلطة التنفيذية، مع تمسك تيار المستقبل بالتدقيق الجنائي، لكن وفق القوانين.

يؤكّد صندوق النقد الدولي وجود خسائر لدى القطاع المصرفي تبلغ حوالي 100 مليار دولار ،منها 83 مليار دولار خسائر مصرف لبنان والمصارف التجارية

ولم تكن الاتهامات السياسية بعيدة عن الفريقين؛ وتحوّلت بالنسبة إلى الفريق الأوّل إلى معادلة، إما مع التدقيق الجنائي أو ضدّه. بينما يرى الفريق الثاني أنّ هناك توظيفاً سياسياً للتدقيق، ورغبة في الإطاحة برياض سلامة فقط، كونه محسوباً على تيار بعينه.

اقرأ أيضاً: حتى لا يتم تقديم لبنان جائزة ترضية لإيران!

ما سبق لم يكن بعيداً عن كواليس تشكيل الحكومة، برئاسة سعد الحريري، حتى إنّ مراقبين يرون انعكاس ذلك على مشاركة التيار الوطني في الحكومة، ويعدّ التيار الوطني، والقوّات اللبنانيّة، أكبر كتلتَين مسيحيتَن في البرلمان، وكانت القوات أعلنت عدم مشاركتها في تسمية الحريري، أو المشاركة في الحكومة.

التدقيق الماليّ الجنائيّ

أقرّت الحكومة اللبنانيّة، في 24 نيسان (أبريل) الماضي، إجراء التدقيق الجنائيّ في حسابات المصرف المركزيّ (مصرف لبنان)، وكلّفت شركة "كرول"، لكن بناءً على اعتراض وزير المالية، غازي وزني، انتقل الاتفاق إلى شركة "ألفاريز ومارسال" الأمريكيّة، بعقد قيمته مليونَي دولار للتدقيق في خسائر المصرف، التي تجاوزت 60 مليار دولار، وفق أرقام  "خطّة الإنقاذ" التي أقرّتها الحكومة.

البرلماني عن "تيار المستقبل" هاني حبيش

هذه الخطوة جاءت بعد ضغط فرنسيّ قاده الرئيس، إيمانويل ماكرون، الذي قال خلال زيارته الأولى إلى لبنان، بعد حادثة تفجير مرفأ بيروت: "إذا لم يكن هناك تدقيق في البنك المركزي، فلن يكون هناك المزيد من الواردات في غضون بضعة أشهر، وبعد ذلك سيكون هناك نقص في الوقود والغذاء".

إضافة إلى أنّ هذا التدقيق الجنائيّ للمصرف المركزيّ يُعدّ مطلباً من صندوق النقد الدوليّ والدول المانحة.

اقرأ أيضاً: هل تنفرج أزمة الحكومة اللبنانية المتعثرة بدخول بايدن البيت الأبيض؟

وتختلف تقارير مصرف لبنان، وصندوق النقد الدوليّ عن الحكومة، في تقدير خسائر المصرف، وخسائر المصارف الأخرى. ووفق مقال للاقتصاديّ اللبنانيّ، عماد عكوش، تبلغ خسائر المصرف من العملات الأجنبية، حوالي 39.79 مليار دولار، حتى شهر حزيران (يونيو)، الماضي، وفق سعر الصرف الرسمي، 1515 ليرة مقابل الدولار، وتساوي 60.282 مليار ليرة لبنانية، وحال احتساب الليرة وفق السعر الحقيقيّ، والمقدَّر في وقته بـ 4110 ليرة لكلّ دولار تقريباً، ترتفع الخسائر إلى 163.139 مليار ليرة تقريباً.

اقرأ أيضاً: تفجير أنابيب النفط في لبنان: هل هو مجرد خطأ تقني سوري؟

بينما يؤكّد صندوق النقد الدولي وجود خسائر لدى القطاع المصرفي تبلغ حوالي 100 مليار دولار ،منها 83 مليار دولار خسائر مصرف لبنان والمصارف التجارية،إضافة إلى 17 مليار دولار، نتيجة لدعم بعض المواد منذ مطلع العام الجاري، حتى حزيران (يونيو) الماضي.

ومن المرجَّح ارتفاع خسائر المصرف نتيجة فاتورة دعم الاستيراد، وتبقى هذه الأرقام تقريبية، نتيجة اختلاف الجهات المسؤولة حول الخسائر.

عون مستقبلاً وزير المالية غازي وزني (يمين)

ويرى خبراء؛ أنّ سبب الخسائر هو اقتراض الدولة دون تسديد، وسياسات المصرف المركزي، والفساد في المصرف والحكومة، وعدم التزام الحكومة بالسياسات التي يقرّها المركزيّ.

وجرى التعاقد مع شركة "ألفاريز آند مارسال" لإجراء عملية التدقيق الجنائي المالي، في 21 تموز (يوليو) الماضي، وعقب ثلاثة أشهر أعلن وزير المالية اللبنانيّ، غازي وزني، أنّ الشركة أنهت عقدها مع الحكومة اللبنانية، لعدم حصولها على المعلومات والمستندات المطلوبة للمباشرة في تنفيذ مهمتها.

اقرأ أيضاً: "حزب الله يورّط لبنان".. لبنانيون يجدّدون رفضهم لحزب الله

ورفض حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، تسلّيم المعلومات التي طلبتها الشركة، بدعوى أنّ المادة "151"، من قانون النقد والتسليف، تمنع إفشاء السرّ المهنيّ، ولم يسلّم سلامة جزءاً من المستندات التي طلبتها وزارة المالية.

أزمة السرّية المصرفيّة

وتتمثّل مشكلة التدقيق الجنائيّ في حسابات مصرف لبنان في قضية السرّية المصرفيّة، وهي المادة "151" من قانون النقد والتسليف لعام 1963.

البرلماني عن تيار المستقبل هاني حبيش، لـ "حفريات": السرّية المصرفيّة  تعني أنّ حسابات المصرف تتطلب موافقة الحاكم، بينما حسابات الوزارات تتطلّب موافقة الوزراء

وتنصّ المادة على أنّه "على كلّ شخص ينتمي أو انتمى الى المصرف المركزي، بأية صفة كانت، أن يكتم السرّ، المنشأ بقانون 3 أيلول لعام 1956. ويشمل هذا الموجب جميع المعلومات، وجميع الوقائع التي تتعلق؛ ليس فقط بزبائن المصرف المركزي والمصارف والمؤسسات المالية، وإنما أيضاً بجميع المؤسسات المذكورة نفسها، والتي يكون اطّلع عليها بانتمائه إلى المصرف المركزي".

ويتمسّك كلّ من حاكم المصرف المركزيّ، رياض سلامة، وتيار المستقبل، وحركة أمل؛ بأنّ المادة تمنح حاكم المصرف حقّ عدم إفشاء عن البيانات التي يراها تخضع للسرّية المصرفيّة.

اقرأ أيضاً: لبنان يسير إلى الخلف نحو المستقبل

بينما يرى الفريق الآخر، وعلى رأسه؛ التيار الوطني الحر؛ بأنّ المادة لا تعني حجب البيانات على التدقيق الجنائي، الذي أقرّته الحكومة، وأنّ رياض سلامة يعطّل التدقيق الجنائي.

وحول موقف التيار الوطني الحرّ، يقول الناشط بالتيار، بسام الترك: "التدقيق الجنائيّ هو السبيل الأفضل لكشف الحقيقة، حول مصاريف الدّولة، بكلّ وزاراتها وإداراتها ومجالسها وهيئاتها، إضافة إلى كشف الحقيقة حول الفجوة في حسابات مصرف لبنان، التي قُدّرت ب ٥٤ مليار دولار".

وعن موقف التيار حول رفع السرّية المصرفيّة، يتابع الترك، لـ "حفريات": "التيار الوطني الحرّ يدعم طرح رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة المستقيل، ووزيرة العدل المستقيلة، الذي يقول أنّ التدقيق الجنائي لا يحتاج الى تعديل قانون السرّية المصرفيّة؛ لأنّ المادة 151 لا تعني حجب البيانات في التدقيق الجنائي الحكومي".

طالبت نقابة المحامين اللبنانيين برفع السرّية  المصرفية، كون المادة "151" لا تمنع الحكومة من إجراء تدقيق جنائي

ويرى الترك؛ أنّ أولوية التيار هي التدقيق الجنائي، وليست الخصومة مع رياض سلامة، المدعوم من تيار المستقبل، وحركة أمل، وأنّ كلّ من يدعم تعديل قانون السرّية المصرفيّة، هو ضدّ التّدقيق الجنائيّ.

ويقول عضو البرلمان عن تيار المستقبل، المحامي هاني حبيش: "كتلة المستقبل كانت، وما تزال، مع التدقيق الجنائي، وكنا أول من تقدّم بمشروع قانون للتدقيق، في كلّ حسابات الدولة، وليس فقط مصرف لبنان".

اقرأ أيضاً: اللبنانيون ورحلة البحث عن الدولة في الدولة

ويردف حبيش لـ "حفريات": "بالمنطق القانوني أرى أنّ السرّية المصرفيّة نصّها واضح؛ بأنّ حسابات المصرف تتطلب موافقة الحاكم، بينما حسابات الوزارات لا تتطلّب سوى موافقة الوزراء، وحسابات المصارف الخاصّة تتطلب موافقة هذه المصارف، وإلا يُعدّ ذلك مخالفة لقانون النقد والتسليف".

ويرى حبيش؛ أنّ تصوّر المطالبين برفع السرّية قائم على ادعاءات بوجود فساد واختلاسات في المصرف، بالتالي، تسقط السرّية بعد طلب الحكومة، لكنّ ذلك لا يحدث في تدقيق جنائي تقوم بها شركة، مكلفة من الدولة، بل تسقط السرّية المصرفية في التحقيق القضائي، في دعوى جزائيّة بتبييض الأموال، وغيرها، وذلك بطلب القاضي من المصرف في حساباته، أو المصرف مع الوزارات والمصارف فيما لها من حسابات، ولذلك كان على الحكومة الاتفاق مع المصرف على آلية لرفع السرّية، قبل تكليف شركة بالتّدقيق.

وطالبت نقابة المحامين اللبنانيين، في بيان بتاريخ الثاني من الشهر الجاري؛ برفع السرّية  المصرفية، كون المادة "151" لا تمنع الحكومة من إجراء تدقيق جنائي.

اقرأ أيضاً: بأمر حزب الله.. التغيير مرفوض في لبنان

وشدّد البيان على أنّ أعمال التدقيق والرقابة والتحقيق، يجب أن تشمل، إلى جانب مصرف لبنان، جميع الإدارات والمؤسسات والمجالس والصناديق "أما الذهاب إلى خلاف ذلك، فيطرح التساؤل حول جدية القرار برفع الغطاء عن الفاسدين والمفسدين".

وأصدر نادي القضاة بياناً، في 24 من الشهر الجاري، حمّل السلطة الحاكمة فشل التدقيق الجنائي، وطالب بأن يقوم القضاء بمهمة التدقيق في المصرف المركزي، وسائر مؤسسات الدولة.

التوظيف السياسيّ للتدقيق

ولا يرفض أيّ من اللبنانيين، سواء القوى السياسية أو المواطنين، التدقيق المالي الجنائي بحسابات مصرف لبنان، لكنّهم يختلفون حول آلية رفع السرية المصرفية.

وتتبادل التيارات السياسية التهم بعرقلة التدقيق الجنائي، ويرى البعض أنّ هناك حملة تستهدف حاكم المصرف، كونه محسوباً على قوى سياسية بعينها.

اقرأ أيضاً: لبنان العائم على مخازن "حزب الله"!

وتصدّرت أخبار حاكم المصرف، رياض سلامة، عناوين الأخبار منذ انكشاف الأزمة المصرفية، العام الماضي، ورُبط اسمه بأخبار عن الفساد، والثراء غير المشروع.

وتعليقاً على ذلك؛ يقول رئيس جهاز التنشئة السياسية في حزب القوات اللبنانية، المحامي شربل عيد: "هناك مسؤولية تقع على عاتق عدّة جهات في قضية تبخّر ودائع اللبنانيين، التي تقدّر بـ 120 مليار دولار، أوّلها المصارف الخاصة التي أقرضت الدولة ومصرف لبنان من ودائع المواطنين، ثم المصرف المركزي الذي أقرض الدولة من ودائع هذه المصارف، ما تسبّب في تبخّر الودائع".

رئيس جهاز التنشئة السياسية في حزب "القوات اللبنانية" شربل عيد

وفي تصريحه لـ "حفريات" يرى عيد أنّ المسؤولية الأكبر  تنصبّ "على الوزارات والإدارات والمؤسسات التي تتبعها، التي لم ترد الديون، ولذلك نطالب بتدقيق جنائي يشمل كلّ ما سبق، وخصوصاً الشركات والهيئات التابعة للوزارات، مثل شركة كهرباء لبنان، التي كلّفت الدولة 40 مليار دولار، من المبلغ السابق، ويتحمّل الوزير الوصي على كلّ هيئة المسؤولية، وفي وزارة الطاقة هم وزراء التيار الوطني الحرّ، منذ عام 2008".

اقرأ أيضاً: هل ذهبت انتفاضة اللبنانيين إلى غير رجعة؟

وحول أزمة السرّية المصرفيّة، يقول عيد: "نحن في القوات تقدّمنا بمقترح قانون برفع السرّية المصرفيّة لمدة عام، للانتهاء من إجراء التدقيق الجنائيّ الشامل، على الرغم من أنّنا لا نوافق حاكم المصرف على تفسيره، لكنّ من جانبنا نحاول تذليل كافة العقبات، لأنّ معظم الطبقة السياسية لا تريد تدقيقاً جنائياً، بل هي لعبة سياسيّة ذات أغراض خاصة".

ويعيّن حاكم مصرف لبنان مدى الحياة، ولا يجوز عزله، إلا بسبب العجز الصحي المثبت، أو الإخلال بواجبات الوظيفة وفق القانون، أو خطأ فادح في تسيير الأعمال، وتجوز له الاستقالة الاختيارية.

وكذلك تنطبق حالات العزل على نائبي حاكم المصرف، ويشغل رياض سلامة الوظيفة منذ 27 عاماً.

الصفحة الرئيسية