لماذا لا تستطيع مزارعات غزة الوصول إلى أراضيهن؟

لماذا لا تستطيع مزارعات غزة الوصول إلى أراضيهن؟

مشاهدة

24/10/2020

رحلة عمل شاقّة تشقّها يومياً، رسمية أبو نار (48 عاماً)، وهي أمّ لستة أبناء، سيراً على الأقدام، لمسافة تزيد عن خمسة كيلو مترات، للوصول إلى أرضها الزراعية المحاذية للشريط الحدودي في بلدة الفخاري، شرق محافظة خانيونس، لتأمين لقمة العيش لعائلتها وسدّ رمقها، رغم المخاطر المحدقة التي قد تتعرض لها أثناء عملها من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ يتعمّد هؤلاء إطلاق الرصاص بشكل مباشر نحو المزارعين.

اقرأ أيضاً: نساء فلسطينيات في سلك الشرطة: أغلال من حرير

وتضيف أبو نار، في حديثها لـ "حفريات": "لا مجال لديّ للاستيقاظ متأخرة؛ فعملي يبدأ عند الخامسة فجراً وحتى الثالثة مساء، لريّ محصول الكوسا والباذنجان والبطاطا في أرضي، التي تبلغ مساحتها ثلاثة دونمات زراعية، ليلحق بي أبنائي بعد فترة وجيزة، لمساعدتي في عمليات الريّ وجني المحاصيل الناضجة".

يعاني المزارعون الفلسطينيون من ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية اللازمة لمحاصيلهم وكذلك ارتفاع أسعار المحروقات والانقطاع المستمر للكهرباء، إضافة إلى الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحقّهم

وبحسب دراسة صادرة عن مركز الميزان لحقوق الإنسان حول واقع الفلاحات في قطاع غزة، منذ بداية العام 2015 وحتى 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2020؛ فإنّ الفلاحات الفلسطينيات يواجهن صعوبة كبيرة في الوصول لأراضيهن بقطاع غزة؛ نتيجة استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في المناطق الحدودية، و29 فلاحة تكبّدن خسائر نتيجة تضرّر أراضيهنّ الزراعية، التي بلغت مساحتها حوالي 109 دونمات، جراء عمليات التجريف الممنهج لتلك المناطق.

...

ووفق وزارة الزراعة الفلسطينية؛ فإنّ هناك ما يقارب 66 ألف مزارع في غزة، 20% منهم من النساء، بعضهنّ يمتلكن تلك الأراضي وبعضهن يعملن بها.

وأشار تقرير صادر عن جمعية التنمية الزراعية الفلسطينية إلى أنّه "في كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) 2017 فقط؛ تعرّض 63 مزارعاً لإطلاق النار من قبل قوات الجيش الإسرائيلي".

اقرأ أيضاً: الاحتلال الإسرائيلي يمارس العقاب الجماعي ويحرم فلسطينيين من بطاقة الهوية

وتحظر القوات الإسرائيلية على الفلسطينيين في القطاع دخول المنطقة المحاذية للشريط الحدودي لمسافة 300 متر، وتطلق عليها اسم المنطقة العازلة، وتطلق النار على كلّ من يوجد فيها، أو تعتقله.

مخاطر كبيرة

أبو نار ترعرعت في عائلة ريفية، وهو ما ساعدها في إتقان زراعة المحاصيل الزراعية المتنوعة"، فـ "العمل لا يكاد يخلو من الإصابات، المميتة أحياناً؛ فأرضي لا تبعد سوى 50 متراً عن الحدود، وفي كلّ مرة أستمع فيها لأصوات الرصاص التي تطلق من قبل الجنود الإسرائيليين أتوقّف عن الزراعة، وفي أحيان كثيرة أترك أرضي لعدة أيام، لعدم استطاعتي الوصول إليها بفعل التهديدات الإسرائيلية، وهو ما يتهدّد بتلف المحاصيل المزروعة".

المزارعة فاطمة البحري لـ"حفريات": أنتظر منذ فترة طويلة حصاد محصول البامية والملوخية، لتأمين متطلبات عائلتي المعيشية، باعتبارها المهنة الوحيدة التي أمارسها على مدار العام

وبيّنت أنّها تفضّل دوماً الذهاب إلى أرضها وحدها، دون اصطحاب أبنائها، خوفاً من تعرّضهم لأيّ إطلاق نار إسرائيلي، بعد إصابة زوجها، عام 2017، بطلق ناري أطلقه عليه جنود الاحتلال أثناء فلاحة أرضه، فأصيب في عموده الفقري، ما أدّى إلى إصابته بشلل رباعي، ولم يعد قادراً منذ حينها على العمل، لتدرك حينها مخاطر هذا العمل، إلا أنّ انعدام البدائل أمامها يدفعها لمواصلة عملها لتغطية مصاريف عائلتها.

خسارة مالية باهظة

ويتراوح الدخل الشهري للمزارعة أبو نار ما يقارب 1500 شيكل (400 دولار أمريكي)، وهو مبلغ يكاد يفي بمتطلبات أسرتها المعيشية؛ حيث إنّ جزءاً كبيراً من هذا المبلغ يذهب لشراء المبيدات الحشرية للحفاظ على سلامة المحاصيل منذ بداية غرس الشتلات الزراعية في التربة حتى تصبح جاهزة للبيع، إضافة إلى مصاريف النقل وغيرها، مبينة أنّها "قبل عام تكبّدت خسارة مالية باهظة تقدّر بـ 2300 دولار أمريكي، بعد تجريف جرافات الاحتلال لمساحة واسعة من أرضها المثمرة بالباذنجان والكرنب والطماطم، وكذلك تدمير بئر المياه الذي تستخدمه لريّ محاصيلها الزراعية".

...

وأكّدت أنّ "المزارعين يعانون أوضاعاً صعبة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية في القطاع"، مشيرة إلى أنّ "غالبية المزارعين في المناطق الحدودية باتوا يلجؤون إلى زراعة المحاصيل البعلية، والتي تعتمد على الريّ بواسطة مياه الأمطار فقط، والتي تمكّن المزارعين من الوصول إلى أراضيهم عند حصاد المحاصيل الزراعية فقط، وهي زراعة قليلة التكلفة وذات جدوى اقتصادية كبيرة".

تهديد حياة المزارعين

"لا أحد يستطيع الوصول إلى أرضه"؛ بهذه الكلمات بدأت المزارعة فاطمة البحري حديثها لـ حفريات"، وهي سيدة تمتلك خمسة دونمات زراعية قرب الحدود الإسرائيلية في منطقة بيت لاهيا، شمال قطاع غزة، مبينة أنّ "الأراضي الزراعية في تلك المنطقة لا تكاد تخلو من الأجسام المشبوهة والقذائف غير المتفجرة، والتي يصعب الوصول إليها من قبل الجهات المختصة لقربها من السياج الحدودي، وهي تهدّد حياة المزارعين، وقد تفقدهم حياتهم".

اقرأ أيضاً: طيور السِمان تقطع آلاف الأميال لتقع في شباك صيادي غزة

وتضيف البحري (53 عاماً): "الاحتلال لا يسمح بوصول المزارعين لأراضيهم الزراعية بحرّية"، مؤكدة أنّها تنتظر منذ فترة طويلة حصاد محصول البامية والملوخية، لتأمين متطلبات عائلتها المعيشية، باعتبارها المهنة الوحيدة لها والتي تمارسها على مدار العام، في ظلّ انعدام البدائل أمامها لممارسة مهن أخرى".

إتلاف المحاصيل الزراعية

وأوضحت أنّ "الجنود الإسرائيليين يتعمّدون إطلاق النار بشكل مباشر نحو المزارعين، تحديداً في فترات الحصاد، والصراخ عليهم عبر مكبرات الصوت، لدفعهم إلى ترك أراضيهم عنوة، باعتبارها مناطق عسكرية مغلقة، وذلك لتدمير لقمة عيش المزارع الفلسطيني"، مشيرة إلى أنّ "الاحتلال يشترط على المزارعين زراعة أنواع محددة من المحاصيل لا يزيد ارتفاعها عن متر واحد، لأسباب وحجج أمنية".

اقرأ أيضاً: نساء من غزة في صالات كمال الأجسام بحثاً عن الجمال

مخاطر شديدة تتعرّض لها البحري أثناء عملها تحت أزيز الرصاص والقذائف الإسرائيلية؛ حيث لا تتوانى قوات الاحتلال عن إصابة وتهديد كلّ من يقترب من السياج الحدودي الفاصل، وغالباً ما تهدّد تلك الإجراءات العنصرية تأخير حصاد المحاصيل الزراعية، ما يؤدّي إلى تلفها وفقدانها لجودتها".

وأكّدت أنّ "الاحتلال ابتدع مؤخراً طرقاً أخرى جديدة لتدمير المحاصيل الزراعية؛ عبر رشّها بمبيدات حشرية سامّة باستخدام الطائرات، لإتلاف المحاصيل الزراعية وتكبيد المزارعين خسائر إضافية فادحة".

أوضاع مأساوية صعبة

بدوره، يقول سعد الدين زيادة، مدير دائرة الضغط والمناصرة في اتحاد لجان العمل الزراعي؛ إنّ "القطاع الزراعي في غزة يعاني أوضاعاً مأساوية صعبة؛ بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ عدة أعوام"، مشيراً إلى أنّه "لولا وقوف مؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني إلى جانب المزارعين ودعمهم بالمدخلات الزراعية، لأصبح هناك عزوف كبير من قبلهم عن الاستمرار في مهنهم".

...

ويضيف زيادة، في حديثه لـ "حفريات": "المساحات الزراعية في قطاع غزة تقدَّر مساحتها بـ 160 ألف دونم، كما يعمل في القطاع الزراعي من مزارعين وصيادين، ما يقارب 13 ألف شخص، يقومون بإعالة 80 ألف أسرة تقريباً"، موضحاً أنّ المزارعين يجدون صعوبة في تسويق منتجاتهم؛ وذلك لانخفاض القدرة الشرائية لدى السكان في غزة، بالتالي، عدم تحقيقهم لهامش ربحي معقول يلبّي الحدّ الأدنى من متطلبات الإنتاج".

اقرأ أيضاً: فلسطينيون يروون لـ"حفريات" كيف أطفأ الاحتلال الإسرائيلي عيونهم

ويعاني المزارعون من ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية اللازمة لزراعة محاصيلهم الزراعية، وكذلك ارتفاع أسعار المحروقات والانقطاع المستمر للكهرباء، إضافة إلى الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحقّهم، كتجريف الأراضي ورشّها بالمبيدات السامّة وفتح السدود في فصل الشتاء، الذي يتسبّب بغرق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وهي أسباب كفيلة بتكبيد المزارعين خسائر مالية فادحة.

اقرأ أيضاًَ: استثمارات حماس تخنق المتنزهات في غزة وتستولي على الأملاك العامة

ولفت زيادة إلى أنّ "الاحتلال يمنع وصول المزارعين للأراضي المحاذية للسياج الفاصل على مسافات متفاوتة، تتراوح من 300 وحتى 1500 متر، بعيداً عن الحدود؛ حيث يلجأ غالبية المزارعين إلى الاعتماد على الزراعات الموسمية في هذه المناطق؛ بسبب هاجس الخوف الناجم عن تهديدات الاحتلال"، مبيناً أنّه "في حال استغلال هذه المناطق بالشكل الصحيح ستحقق عوائد مالية تقدَّر بـ 60 مليون دولار أمريكي".

اقرأ أيضاً: ارجموا مريم: صرخة مسرحية غزّاوية تعرّي العنف ضد المرأة

وعن الحلول اللازمة للنهوض بالقطاع الزراعي، يقول زيادة: "المزارعون في غزة في حاجة إلى دعم منتجاتهم الزراعية، وكذلك تفعيل صندوق دعم المزارعين، تحديداً في فترات الطوارئ"، إضافة إلى قيام الحكومة الفلسطينية بزيادة نسبة ميزانية القطاع الزراعي من الموازنة العامة، لدعم هذا القطاع، المنهك منذ عدة أعوام".

الصفحة الرئيسية