نساء فلسطينيات في سلك الشرطة: أغلال من حرير

نساء فلسطينيات في سلك الشرطة: أغلال من حرير

مشاهدة

10/10/2020

بلون أزرق قاتم تتوشّح الملازم أول، رانيا موسى، التي تعمل في إدارة العلاقات العامة والإعلام بجهاز الشرطة، وهو اللون الذي اعتادت أن يمثل جزءاً كبيراً من حياتها ومسؤولية، طالما كانت حكراً على الرجال، لتثبت جدارتها وتسجّل حضوراً لافتاً في مجال عملها، وتقف جنباً إلى جنب مع الرجل في الدفاع عن وطنها بكيانها، بعد انتسابها إلى معترك العمل الأمني والشرطي.

اقرأ أيضاً: ارجموا مريم: صرخة مسرحية غزّاوية تعرّي العنف ضد المرأة

وتضيف موسى (30 عاماً)، والتي تعمل في جهاز الشرطة منذ 10 أعوام: "على الرغم من معارضة عائلتي لهذه المهنة منذ الانتساب إليها، نظراً للصورة النمطية السائدة عن العمل الشرطي النسائي، الذي لطالما كان حكراً على الرجال، والذي أدّى إلى تغييب دور المرأة من الانخراط به لفترة ليست بالقصيرة، لعدة اعتبارات، من بينها؛ عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني المحافظة، والتي ترفض اندماج ومشاركة حواء في الأعمال التي يراها الفلسطينيون شاقة وصعبة، إضافة إلى اعتبارات تتعلق بطبيعة الأنثى الفيزيولوجية، وهي تحديات كبيرة تمكّنت من تجاوزها، كغيرها من الفتيات اللواتي يعملن في ذلك المجال".

الخدمات التي تقدّمها الشرطة النسائيّة مهمّة وضرورة حتمية، في ظلّ وصولها إلى كافة فئات المجتمع

ويتركّز عمل الشرطة النسائية في فلسطين في مراكز الإصلاح والتأهيل ومكاتب التحقيق وإدارات العلاقات العامة والمعابر، وتفتيش المنازل، وتأمين المهرجانات والاحتفالات، إضافة إلى الشرطة النسائية المجتمعية، والتي تهدف إلى تثقيف المجتمع المحلّي من الفتيات والنساء بالموضوعات الأمنية والشرطية.

ووفق إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، خلال العام 2018، بلغت نسـبة النسـاء العامـلات في القطـاع الحكومــي 26% مــن مجمــوع النســاء العاملات، مقابــل 72.7% يعملــن في القطــاع الخــاص.

يواجه عمل الفتيات في جهاز الشرطة العديد من العقبات أبرزها نظرة المجتمع الفلسطيني االرافضة لفكرة خروج المرأة إلى العمل، وأنّ دورها يقتصر على أعمال البيت فقط

وصادق الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، على اتفاقية "سيداو"، بتاريخ 8 آذار (مارس) 2009، وبعدها تمّ التوقيع رسمياً على الاتفاقية في الأمم المتحدة، بالأول من نيسان (أبريل) عام 2014، دون أيّة تحفظات عليها، وتطالب الاتفاقية بضرورة مساواة الرجل والمرأة في الحقوق، دون أيّ تمييز، وعلى حقّ المرأة بالتمتع بجميع "الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية".

إقبال نسائي خجول

وتعود موسى في ذاكرتها إلى الوراء، منذ بدايات عملها في جهاز الشرطة، وتستذكر نظرات الاستغراب التي كانت توجّه صوبها من قبل جيرانها والمحيطين بها، والتساؤلات التي كانت تدور في عقولهم حول أنّه كيف لامرأة أن ترتدي زياً عسكرياً، وما هو موقف عائلتها من ذلك، إلا أنّ ثقتها بذاتها دفعتها نحو إثبات نفسها شيئاً فشيئاً، لتجد لها موطئ قدم في مهنة كانت منذ عدة سنوات مقتصرة على الرجال فقط.

اقرأ أيضاً: المرأة الإماراتية سند للوطن في خطواته نحو الـ 50

وأكّدت أنّ "الإقبال النسائي على العمل الشرطي ما يزال خجولاً طالما بقيت نظرة المجتمع، كما هي نحو انخراط النساء في العمل وتحديداً الأمني منه"، موضحة أنّ "هناك العديد من النساء والفتيات اللواتي يرغبن في الانضمام لسلك العمل الأمني والشرطي، إلا أنّ معارضة عائلاتهن تقف عائقاً أمام تحقيق أحلامهن".

اقرأ أيضاً: المرأة بعينيّ المنفلوطي.. مساوية للرجل ولا تخالطه

وترى موسى أنّ "عملها في المجال الشرطي جاء أيضاً للإفلات من شبح البطالة وتردي الأوضاع الاقتصادية الذي تشهده الأراضي الفلسطينية قاطبة، بعد تخرجها من كلية الإعلام، وذلك لمساندة زوجها في تأمين أدنى متطلبات الحياة المعيشية"، مبينةً أنّ "العمل الشرطي النسائي يقتصر في غالبه على العمل الإداري خلال فترات النهار، ولا تحتاج المرأة إلى المبيت في خارج بيتها، ليمنحني ذلك فرصة ذهبية للعودة إلى منزلي لطهي الطعام والقيام بالأعمال المنزلية المختلفة والجلوس مع عائلتي دون الشعور بتعب العمل".

انتقادات واسعة

وتعتقد موسى أنّ النساء خلال عملهن في الأجهزة الشرطية المختلفة "أثبتن أنهنّ ندّ عنيد وقوي في أداء مهامهنّ، لدورهنّ المهمّ في حفظ الأمن والأمان في المجتمع"، مبينة أنّ بدلتها الشرطية التي تخفي وراءها أنوثتها جعلها تحقق ما كانت تصبوا إليه منذ طفولتها بأن تصبح شرطية تخدم المواطنين بصفة عامة والسيدات بشكل خاص".

الإقبال النسائي على العمل الشرطي ما يزال خجولاً

موسى استطاعت التوفيق بين حياتها المهنية والأسرية والاهتمام بعائلتها ومنزلها وتربية أبنائها الثلاثة لمساندة زوجها وأهلها لها، "على الرغم من الانتقادات الواسعة التي تشهدها الفتيات أثناء عملهن في هذا المجال من قبل المجتمع الذي يقلل من فرص المرأة الشرطية في الزواج، نتيجة الأفكار، السلبية والنمطية، الخاطئة عن المرأة العاملة كالشائعات التي تدور حول اختلاطهن بالرجال في العمل أو مبيتهن خارج البيت".

مسؤوليات كبيرة

بدورها، ترى النقيب مرام الكيلاني (31 عاماً)، التي تعمل في مجال التحقيق في جهاز الشرطة منذ ثمانية أعوام؛ أنّه يقع على عاتقها مسؤوليات كبيرة لا تقل أهمية عن الرجل، موضحة أنّها تتعامل مع فئة من النساء واللواتي ارتكبن جرائم متنوعة في المجتمع، وهنّ في حاجة إلى محققة ماهرة لتتعامل مع هذه الحالات التي تتميز فيها العديد من المتهمات بالذكاء والدهاء وتضليل العدالة في كثير من الأحيان للهروب من الجريمة.

اقرأ أيضاً: أمثال شعبية قللت من شأن المرأة على مر التاريخ

وأكّدت الكيلاني أنّ "الشرطة النسائية تسير بخطى واثقة وثابتة نحو الانتشار والاستمرار في العمل الشرطي، في ظلّ تلاشي بعض العادات السلبية المجتمعية التي كانت سائدة عن الشرطيات الفلسطينيات، بعد أن أثبتن جدارتهن وأهمية تواجدهن في الكثير من القضايا والمهام، وهو ما أدّى إلى أن يكون هناك ارتياح اجتماعي ومعنوي لهنّ، خاصة من قبل النساء".

الملازم أول رانيا موسى لـ"حفريات": عملي في المجال الشرطي بعد تخرجي من كلية الإعلام جاء للإفلات من شبح البطالة وتردي الأوضاع الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية

ويواجه عمل الفتيات في جهاز الشرطة العديد من الصعوبات والعقبات، بحسب الكيلاني، أبرزها "نظرة المجتمع الفلسطيني، الذي يرفض فكرة خروج المرأة إلى العمل، وأنّ دورها يقتصر على أعمال البيت فقط، إلا أنّ الشرطيات استطعن أن يكنّ ركيزة مهمّة في حفظ الأمن والنظام العام، بحيث لا يقل دورهنّ عن الرجال".

وبينت الكيلاني؛ أنّ "الخدمات التي تقدّمها الشرطة النسائيّة مهمّة وضرورة حتمية، في ظلّ وصولها إلى كافة فئات المجتمع"، مشيرة إلى أنّها "فخورة بدخولها هذه المهنة، لتغيير النظرة المجتمعية عن النساء العاملات في المجال الشرطي والعسكري، حتى يتأكد المجتمع أنّ الأنثى هي الأجدر والأقوى على تحمّل المسؤولية أكثر من الرجال في التعامل مع بعض القضايا التي تتطلب وجود العنصر النسوي الشرطي فيها".

صعوبات وعقبات مجتمعية

واستطلعت "حفريات" آراء عدد من المواطنين والمواطنات حول عمل المرأة في المجال الشرطي والأمني، وكيف ينظر المجتمع للشرطة النسائية، حيث أكّد المواطن خالد الحصري (43 عاماً) أنّ "الشرطة النسائية ضرورة ملحّة في المجتمع، إلا أنّ هناك صعوبة في تقبّل الآخرين لدورهنّ، الذي يحتاج في نظرهم إلى رجال أكثر خشونة وصلابة، تحديداً خلال التعامل مع المجرمين، إيماناً منهم بأنّ طبيعة المرأة تغلب عليها العاطفة، وهو ما قد يعيق القيام بمهامها على أكمل وجه".

تقع على عاتقهن مسؤوليات كبيرة لا تقل أهمية عن الرجال

أما السيدة خلود أبو هاني (39 عاماً)، وهي موظفة في إحدى المؤسسات الخاصة، فبيّنت أنّ "هناك العديد من التحديات والصعوبات التي تواجه عمل المرأة بشكل عام، والشرطيات بشكل خاص، وهو ما يشكّل ضغطاً كبيراً عليهن، وقد يؤثر في قدرتهنّ للاندماج والتأقلم بداخل عملهن"، مبينة أنّ المجتمع ما يزال ينظر بدونية لعمل الشرطة النسائية، متجاهلين ما يمكن أن تحققه هؤلاء النسوة من أمان وارتياح للنساء، خاصة المعنّفات منهنّ".

اقرأ أيضاً: المرأة التي هزّت عرش الإخوان في تونس.. من هي عبير موسي؟

وترى الفتاة هالة أبو لمضي (25 عاماً)، وهي طالبة بكلية الحقوق: أنّ "كثيرين من أفراد المجتمع ينظرون بانزعاج وازدراء  للشرطيات مهما كان عملهنّ، ولا يتقبلون فكرة أن تكون بناتهم أو زوجاتهم في هذا المكان"، موضحة أنّ "عمل الفتاة في المجال الشرطي قد يكون على حساب سعادتها ويقلل من فرص ارتباطها بشريك حياتها، مع رفض كثير من الشباب ارتباطهم بالفتاة التي تعمل في السلك الأمني، لاقتناعهم بعدم قدرتها على التوفيق بين حياتها المهنية والعائلية، إضافة إلى عدم تقبّل عائلاتهنّ لتلك الفكرة, وبالتالي تقلّ فرصة الزواج لديهن".

الصفحة الرئيسية