طيور السِمان تقطع آلاف الأميال لتقع في شباك صيادي غزة

طيور السِمان تقطع آلاف الأميال لتقع في شباك صيادي غزة

مشاهدة

29/09/2020

على مساحة واسعة ومتفرقة من شواطئ قطاع غزة ينصب الصياد، رجب الدسوقي (48 عاماً)، شباكه الرقيقة بيضاء اللون، المثبتة بأعمدة خشبية، لتستقبل أسراب طيور السمان، أو "الفرّ"، كما تسمّى في القطاع، والتي تهرب عبر رحلة طويلة وشاقة من المناخ البارد من قبرص واليونان لتتجه نحو غزة وجمهورية مصر العربية.

يرجع تهافت الزبائن على شراء طيور السمان، أو الفرّ، للفوائد العظيمة الموجودة في هذا الطائر الصغير، والذي يعدّ لحمه من اللحوم الفاتحة للشهية والغنية بالفيتامينات والبروتين والمعادن

ويقول الدسوقي، من سكان مخيم دير البلح وسط قطاع غزة، وهو متزوج ولديه سبعة أبناء، في حديثه لـ "حفريات": "منذ ساعات الصباح الأولى أتوجّه، برفقة نجلي الذي يبلغ من العمر (13 عاماً)، لتفقّد شباكي الممتدة على مسافة 150 متراً على ساحل البحر"، مبيناً أنّ "هجرة الطائر تستمرّ 45 يوماً، إلا أنّ هذا العام شهد تراجعاً كبيراً في أعداد طيور السمان المهاجرة، مقارنة بالـ 15 عاماً الأخيرة، التي كانت تشهد مرور أسراب هائلة في سماء القطاع، وتقع فريسة في شباك الصيادين، ما يهدّد باندثار هذا الطائر بشكل نهائي".

...

والفرّ هو طائر بري مهاجر صغير الحجم، ذو لون رمادي، وهو من رتبة طيور "الدجاجيات" التي تتمتع بالقدرة على الطيران والهجرة؛ حيث يقضي فصل الصيف في أوروبا، ويهاجر إلى أفريقيا في فصل الشتاء، ثم يعود مرة أخرى إلى موطنه، ويقطع حوالي أكثر من 2000 ميل ليصل إلى شواطئ القطاع بعد هجرة تستمر لأيام عدة.

اقرأ أيضاً: نساء من غزة في صالات كمال الأجسام بحثاً عن الجمال

وتنصّ المادة (41) من قانون حماية البيئة الفلسطيني، الصادر عام 1999، على أنّه "يحظر صيد، أو قتل، أو إمساك، الطيور والحيوانات البرية والبحرية، والأسماك المحددة باللائحة التنفيذية لهذا القانون، وتحظر حيازة هذه الطيور والحيوانات، أو نقلها، أو التجوال بها، أو بيعها، أو عرضها للبيع حية أو ميتة، ويحظر إتلاف أوكارها أو إعدام بيضها".

اقرأ أيضاً: كيف تحوّلت غزة من مصدّر للورود إلى مستورد لها؟

وبحسب عماد الأطرش، رئيس جمعية الحياة البرية، الذي نشر عام 2014 إحصائية أفادت بوجود ما يقارب520 نوعاً من الطيور تنتمي لنحو 206 أجناس، وما يزيد عن 65 عائلة، ونحو 21 رتبة في البيئة الفلسطينية، يهدّد "الصيد الجائر" بانقراض صنف واحد منها كلّ 20 عاماً.

رزق موسمي

وبيّن الدسوقي، الذي يمارس هذه الهواية منذ 25 عاماً، أنّ "موسم صيد طيور السمان يبدأ من منتصف أيلول (سبتمبر) حتى نهاية تشرين الأول (أكتوبر) من كلّ عام"، مؤكداً أنّ "تراجع أعداد الطيور يرجع لعدة أسباب، من أهمها: التغير المتذبذب في أحوال الطقس، إضافة إلى الصيد الجائر، وهما عاملان جعلا طيور السمان تتجه للهجرة نحو بيئات أخرى، في بورسعيد والإسكندرية وسيناء المصرية".

...

ولفت إلى أنّه "عند اصطدام طيور السمان المهاجرة بالشباك، يتم إخراجها بعناية فائقة، حتى لا تتعرض لجروح وخدوش يهدّد حياتها؛ إذ يتمّ اصطياد ما بين 10 إلى 15 طيراً خلال اليوم الواحد، وأحياناً تكون الشباك فارغة، ولا يصطدم بها أيّ طائر"، مشيراً إلى أنّ "هذا الموسم يعدّ فرصة ذهبية للصيادين لجني بعض المال، لسدّ احتياجاتهم المعيشية، وسدّ جوع عائلاتهم التي أنهكها الحصار والفقر المدقع".

أستاذ البيئة د. عبد الفتاح عبد ربّه لـ "حفريات":سواحل غزة تعدّ موطناً ومساراً لمجموعات كبيرة من الطيور المهاجرة، ومن بينها طائر السمان الذي يجب حمايته من الصيد الجائر

وتابع الدسوقي: "أكثر ما يتمناه الصيادون أن تمتلئ شباكهم بطيور السمان، والعودة من رحلتهم برزق وفير"، موضحاً أنّه يقوم ببيع ما تمّ اصطياده لزبائنه، الذين يأتون إليه في موقع الصيد لشراء ما يحتاجون إليه من طير السمان، والذي يصل سعر الزوج الواحد منه 18 شيكلاً (5 دولارات أمريكية)".

ويرجع تهافت الزبائن على شراء طيور السمان، أو الفرّ، وفق الدسوقي؛ للفوائد العظيمة الموجودة في هذا الطائر الصغير، والذي يعدّ لحمه من اللحوم الفاتحة للشهية والغنية بالفيتامينات والبروتين والمعادن، علاوة على انخفاض نسبة الدهون الضارة فيه لمستويات كبيرة.

هجرة طويلة

ويستيقظ الصياد ناجي جابر، من مخيم النصيرات، قبل بزوغ شمس كلّ صباح للذهاب إلى شاطئ البحر، لجلب ما اصطادته شباكه الممتدة على مسافة 60 متراً وبارتفاع 3 أمتار، والذهاب بها إلى سوق المخيم لبيعها؛ حيث يجمع يومياً من صيد السمان ما يقارب 100 شيكل (30 دولاراً أمريكياً) لمساعدته في تلبية متطلبات أسرته، المكوّنة من 10 أفراد".

...

وفي حديثه لــ "حفريات"، لفت جابر (50 عاماً) إلى أنّ "السمان يكون مجهداً من هجرته من أوروبا إلى سواحل القطاع، في مسافة تتجاوز 3000 كم، ويكون في حاجة شديدة للاستراحة قليلاً خلال فترة هجرته، قاطعاً البحر الأبيض المتوسط، ليقع فريسة داخل الشباك المموّهة، والتي غالباً ما تكون بالية، وغبر صالحة لصيد الأسماك".

اقرأ أيضاً: بحر غزة يفيض بالأسماك وصيادوه في شباك العطالة والاعتقال

ومستنداً إلى خبرته الطويلة في صيد السمان، يبيّن جابر؛ أنّ "الأحوال الجوية واتجاه وسرعة الرياح يلعبون دوراً مهماً في هجرة الفرّ إلى سواحل قطاع غزة"، ويشرح بأنّه "عندما تكون أمواج البحر مرتفعة فإنّ ذلك يدفع بالطيور للتحليق مرتفعة، وبالتالي تكون بعيدة عن شباك الصيادين، وعندما تهبّ الرياح من الجهة الشمالية، فإنّ ذلك يدفع بطيور السمان للتوجه نحو جمهورية مصر العربية"، مبيناً أنّ "ما يصل السواحل خلال الأعوام الأخيرة قليل جداً، وهو ما يؤثّر سلباً في الصيادين، الذين ينتظرون هذا الموسم كلّ عام بشغف".

اقرأ أيضاً: النوادي الرياضية: ملجأ نساء غزة لتفريغ طاقة الجسد المهموم

وفي محاولة منه للمحافظة على الطير وزيادة تكاثرها، قرّر جابر تربية طيور السمان بداخل منزله، ليبقى متواجداً طوال العام، مبيناً أنّ "تربية الفرّ غير مكلفة، ولا تحتاج إلى مساحة كبيرة، وتستطيع أنثى السمان أن تضع من 20 إلى 25 بيضة شهرياً، وتكون فترة الحضانة لها قصيرة مقارنة بالطيور الأخرى؛ إذ تستغرق 16 يوماً فقط حتى تفقص وتخرج صغارها".

...

وعن الفوائد الكبيرة للفرّ وبيضه، يقول جابر: "هناك طلب كبير من قبل الزبائن على شراء بيض السمان، أكثر من الطير نفسه، وذلك باعتباره مصدراً مهمّاً للبروتين والحديد، بالإضافة إلى مساعدته في تقوية جهاز المناعة، لاحتوائه على الأحماض الذهنية ومضادات الأكسدة".

موطن للطيور المهاجرة

ويرى أستاذ البيئة وعلم الحيوان في قسم الأحياء بكلية العلوم بالجامعة الإسلامية، عبد الفتاح عبد ربّه، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "سواحل قطاع غزة تعدّ موطناً ومساراً لمجموعات كبيرة من الطيور المهاجرة، ومن بينها طائر السمان"، مبيناً أنّ "الصيد الجائر لهذه الطيور من شأنه أن يتهدّد وجودها بداخل البيئة الفلسطينية، علاوة على انقراض أنواع جميلة من الطيور؛ كطائر الياسمينة والحجل والصقور وغيرها، وهو ما يجعلها على حافة الانقراض".

اقرأ أيضاً: هل أصبح شاطئ البحر في غزة للأغنياء فقط؟

ولفت عبد ربّه إلى أنّ "صيد السمان يتطلب من الجهات المختصة وضع ضوابط ومحددات لتنظيم العمل به، مع تحديد أعداد الصيادين والأماكن التي يجب وضع الشباك فيها لصيد طيور السمان، وضمان عدم فتك هذه الشباك بالطيور المهاجرة الأخرى، التي تأتي مهاجرة من البحر الأبيض المتوسط إلى اليابسة، لتجنّب انقراضها".

...

وشدّد عبد ربّه على "ضرورة توعية الصيادين وتثقيفهم بكيفية المحافظة على الحياة البرية من خلال تقنين عمليات الصيد، للحدّ من المخاطر التي تواجه طائر السمان والطيور الأخرى المهاجرة إلى قطاع غزة، لتحقيق التوازن البيئي، والمحافظة على سلالات هذه الطيور من الانقراض".

الصفحة الرئيسية