لماذا يعجز العالم عن اجتثاث جماعة بوكو حرام؟

لماذا يعجز العالم عن اجتثاث جماعة بوكو حرام؟

مشاهدة

24/09/2020

لأكثر من عشرة أعوام تتّخذ جماعة بوكو حرام الإرهابية، من الجزر الصغيرة المطلّة على بحيرة تشاد مركزاً لها؛ إذ تمكنّها من السيطرة على مناطق في تشاد والنيجر ونيجيريا والكاميرون ومالي، وعلى الرغم من الجهود الدولية المبذولة من قبل فرنسا والدول الأوروبية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، على مدار العقد الماضي، إلّا أنّ الجماعة الأشهر والأكثر دموية في الجنوب الأفريقي ما تزال تشنّ هجمات قاسية، وتستعيد نشاطها من آن لآخر؛ فهل تذهب الجهود الأوروبية في مكافحة الإرهاب سُدى؟

الانحسار في منظومة الأمن

لم تتجاوز جهود مكافحة نشاط بوكو حرام في جزر بحيرة تشاد تعزيز الأمن والإمدادات العسكرية، وهو ما انتقدته نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، أمينة محمد، في الجلسة المنعقدة، عام 2017، والخاصة ببعثة مجلس الأمن إلى حوض بحيرة تشاد؛ إذ استهلتها بـأنّ "القتال ضدّ بوكو حرام يتطلب تجاوز منظور الأمن للردّ على المظالم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية للشعوب المعنية"؛ حيث تركّز الأمم المتحدة على ستّ ركائز رئيسة للدعم والتنمية في الغرب الأفريقي: "البعد السياسي، والمساعدات الإنسانية، وحقوق الإنسان، والانتعاش والتنمية، والعدالة، وإنفاذ القانون، وتمويل الإرهاب، والدعم الفني للقوة الإقليمية المشتركة متعددة الجنسيات".

في عام 2015؛ أقرّ الإتحاد الأوروبي أنّ الزيادة الإقليمية في تهديد جماعة بوكو حرام تتطلب استجابة جماعية وشاملة لهزيمة الإرهاب، مع الحفاظ على الخطوط الحمراء التي تراعي حقوق الإنسان، وبالفعل، في أواخر العام نفسه، تمّ الإعلان عن مساهمات أوروبية في دعم السلام الأفريقي، وتمّ نشر قوات عسكرية، بإجمالي 10000 فرد من الجنود النظاميين، أمّا الدول المساهمة كانت الكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا، كما نشرت بنين 150 جندياً إضافياً، ويقع مقرها في نجامينا (تشاد)،  وتنقسم القوة إلى أربعة قطاعات، لكلّ منها مقرّه الرئيس: "مورا (الكاميرون)، باغا سولا (تشاد)، ديفا (النيجر)، باغا (نيجيريا)"، كما تقدّم فرنسا والولايات المتحدة دعماً غير مالي للدول المساهمة بقوات في دعم السلام، بينما حشدت المملكة المتحدة 5 ملايين جنيه إسترليني، والتي تمرّ عبر مفوضية الاتحاد الأفريقي.

مثّلت منطقة غرب أفريقيا والساحل، رقماً مؤثراً في عدد العمليات الإرهابية 2019؛ التي تخطت 365 عملية، ما أدّى إلى تشريد الملايين وانهيار كبير للبنية التحتية المتهالكة

 وعلى الرغم من التقدم العسكري وإحراز نجاحات في القضاء على النشاط الإرهابي للجماعة، ما تزال الهجمات وانعدام الأمن التي أثارتها بوكو حرام لها عواقب وخيمة على سكان المنطقة؛ حيث نزح ما يقدر بنحو 2.2 مليون شخص داخلياً، نتيجة العنف في جميع أنحاء حوض بحيرة تشاد، وخلّفت هذه الاعتداءات أكثر من 206.000 لاجئ.

هل تفشل الرعاية الفرنسية؟

قبل أيام قُتل عشرة جنود تشاديين بالقرب من قاعدة لبوكو حرام، نجحت قوّات حفظ السلام في تدميرها، واستعادة بعض الأسلحة والذخائر، بعد مقتل الجنود عن طريق كمين نصبته لهم الجماعة في إقليم بحيرة تشاد،  وفي حوار له عبر قناة "فرانس 24"، الشهر الماضي، أوضح الرئيس التشادي، إدريس ديبي؛ أنّ جماعة بوكو حرام الإرهابية لن تتوقف عن إحداث أضرار بالمنطقة، وأنّها ستبقى لمدة طويلة، ولن تتورع عن ارتكاب فظائع، مثلما حدث في العام الماضي من قتل للأطفال واغتصاب للنساء.

اقرأ أيضاً: بوكو حرام تواصل جرائمها في نيجيريا.. تفاصيل

 ويرى الباحث في الشؤون الأمنية ودراسات الشرق الأوسط، بمركز "الأهرام" للدراسات السياسية والاقتصادية، مصطفى كمال؛ أنّ الطريق طويل أمام قوات حفظ السلام في إقليم بحيرة تشاد؛ إذ إنّ هذه الجماعة تعرف جيداً من أين تؤكل الكتف، فهم يعلمون جغرافيا المنطقة جيداً، ومواضع الالتفاف حول القوات العسكرية التي تدمّر نقاط تمركزهم.

اقرأ أيضاً: تشاد: الحرب على بوكو حرام ومراعاة حقوق الإنسان

يضيف كمال، في تصريحه لـ "حفريات": "مثّلت منطقة غرب أفريقيا والساحل، رقماً مؤثراً في عدد العمليات الإرهابية لعام 2019؛ إذ تخطّت عدد العمليات  365 عملية، الأمر الذي أدّى إلى تشريد الملايين وانهيار كبير للبنية التحتية المتهالكة بالأساس،  وعام 2020؛ تستمر منطقة غرب أفريقيا والساحل كمنطقة وجود لجماعات العنف والإرهاب، خاصة جماعة بوكو حرام، التي ما تزال تنشط عملياتها في نيجيريا ومالي؛ إذ حذّرت مجموعة الأزمات الدولية من اتساع نفوذ جماعة بوكو حرام الإرهابية في الشمال الغربي في نيجيريا، وعملت على تكوين جسر تواصل بين مجموعات مختلفة في منطقتي الساحل وبحيرة تشاد".

هذه الجماعة تعرف جيداً من أين تؤكل الكتف، فهم يعلمون جغرافيا المنطقة جيداً

يتابع كمال بقوله: "من هذا المنطلق يأتي الدور الفرنسي في محاربة الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، ويعود الوجود الفرنسي هناك إلى عام 2013، منذ إطلاق عمليات سرفيال، التي حالت دون انهيار ذلك البلد الساحلي الضعيف أمام هجمات بوكو حرام المتعددة، وقد دفعت العمليات أفراد بوكو حرام إلى البحث عن ملاجئ جديدة، في الأراضي الليبية والنيجيرية، التي اتخذتها منصة جديدة لإطلاق عملياتها وتمركز إستراتيجيتها تجاه المنطقة، ومن أجل تحجيم قدرات جماعة بوكو حرام وتقليل تأثيرها وحجم عملياتها انتقلت فرنسا من عملية سرفيال المحدودة إلى نطاق أوسع عبر قوات برخان التي تشمل ثلاث دول (مالي- النيجر- بوركينافاسو)".

المحلل السياسي البريطاني فينيسنت فوتشر لـ"حفريات" التحديات الهيكلية تجعل من الصعب اجتثاث بوكو حرام، بسبب الفساد والبيرقراطية والفقر وتلاعب النخبة المسلمة الشمالية بالمشاعر الدينية

وفي عام 2020؛ أطلقت فرنسا عمليات تاكوبا التي تسعى فرنسا من خلالها إلى الحضور القوي في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، وذلك عبر الدعم العسكري الذي تقدّمه فرنسا في منطقة الساحل، والذي يتمثل في نشر 5100 جنديِ فرنسي، و75 متعاوناً ومستشاراً عسكرياً، وتدريب أكثر من 7000 جنديِ تابعين للمجموعة الخماسية لمنطقة الساحل، ويرى كمال، أنّ باريس تنطلق  في مقاربتها تجاه الساحل من "الشراكة من أجل الأمن والاستقرار في منطقة الساحل" وتتوزع هذه الشراكة علي عدد من المحاور، من بينها الشقّ العسكري لقوات برخان، وشقّ دبلوماسي هدفه تعزيز التواصل، أو الوصاية على القرار الدبلوماسي والسياسي لحكومات المنطقة، إضافة إلى جانب تنموي برزمة مشروعات تتجاوز 800 مشروع، وبسقف تمويل مالي يناهز ملياري يورو.

المزيد من التمدّد

 قبل أربعة أعوام نجحت نيجيريا بشكل جزئي، وتحت قيادة الرئيس محمد بخاري، في الحدّ من العمليات الإرهابية التي تقوم بها الجماعة الإرهابية، لكن سرعان ما أخفقت هذه العمليات.

اقرأ أيضاً: نيجيريا تحاصر بوكو حرام.. لكنها ليست النهاية

 ويرى المحلل السياسي البريطاني المتخصص في سياسات غرب أفريقيا، فينيسنت فوتشر؛ أنّ التحديات الهيكلية تجعل من الصعب اجتثاث بوكو حرام، بداية من فساد هائل يغذي المنظومة الاقتصادية، وسوء الإدارة البيروقراطية المزمنة، والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، وتعميق الفقر منذ التسعينيات، وهناك أيضاً نقطة مهمة، وهي تلاعب النخبة المسلمة الشمالية بالمشاعر الدينية.


يضيف فوتشر، في تصريحه لـ "حفريات": "كما يقع اللوم على النظام الاجتماعي الأبوي المتصلب، يفقد بعض شباب الريف الأمل لأنهم يضطرون إلى تأخير الزواج، فالوصول إلى شريكات الحياة يكون عن طريق الإكراه أو غير ذلك، وهو عامل جذب مهم لبوكو حرام، وعادة ما تركز التحليلات الخارجية، بشكل مفهوم، على محنة الأسيرات والفتيات اللواتي يستخدمن في التفجيرات الانتحارية، ومع ذلك تشير دراسة حديثة إلى أنّه، بالنسبة إلى البعض، ولا سيما الشابات، فقد وفرت الجماعة الوصول إلى التعليم الإسلامي والهروب من الهياكل الاجتماعية الأبوية غير المرنة".

اقرأ أيضاً: بوكو حرام يوسع نفوذه.. تحذير جديد

ويتابع فوتشر: "كما تشير دراسة سابقة عن مواقف مقاتلي بوكو حرام السابقين؛ إلى أنّ حوالي نصف الأعضاء السابقين قالوا إنّ مجتمعاتهم في وقت ما دعمت بوكو حرام بشكل عام، معتقدين أنّها ستساعد في إحداث تغيير في الحكومة، وما تزال هناك العديد من التقارير المقلقة من قبل المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان؛ إذ تظل ثقافة الإفلات من العقاب في كثير من الأحيان دون منازع، وغالباً ما تظلّ مكافحة التمرد غافلة بشكل فظيع عن سيادة القانون".

الصفحة الرئيسية