مؤتمر رام الله – بيروت: استمرار رهن فلسطين لصراعات المحاور العربية والإقليمية

مؤتمر رام الله – بيروت: استمرار رهن فلسطين لصراعات المحاور العربية والإقليمية

مشاهدة

09/09/2020

في الوقت الذي كان يفترض فيه أن يعقد مؤتمر القيادة الفلسطينية في رام الله المحتلة حيث مقر فتح وقيادة السلطة الوطنية الفلسطينية، وغزة المحررة المحاصرة، لإرسال رسالة بأنّ الاجتماع من فلسطين ولأجل فلسطين، عقد في بيروت المنكوبة ورام الله، وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن يخرج هذا المؤتمر بعد مداولات ترتقي لمستوى "الأخطار" المحدقة بالقضية الفلسطينية بقرارات تاريخية، تتضمن إعلان الوحدة الوطنية الفلسطينية وإنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس ومواجهة "صفقة القرن" والتطبيع العربي مع إسرائيل، لم يتحدث بيانه الختامي عن كيفية تحقيق الوحدة الفلسطينية ولا عن وضع برنامج جاد للمواجهة والمقاومة، وعزز ما هو أخطر على القضية الفلسطينية في هذه المرحلة وهو استمرار رهنها أسيرة لتجاذبات وصراعات المحاور العربية والإسلامية، تلك المحاور التي حضرت بقوة في هذا المؤتمر، وبدت كأنها الهدف الأول والأخير للمؤتمر، فيما غابت إسرائيل بوصفها قوة احتلال وأنّ الهدف الأول والأخير للنضال الفلسطيني هو مقاومة مشروعها التوسعي والاستيطاني والحيلولة دون قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس وعودة اللاجئين.

 

لا ترى تركيا وإيران في القضية الفلسطينية إلا ورقة تفاوض على مصالحها الاستراتيجية

 

فرغم الصياغة الدبلوماسية الثورية للبيان الختامي للمؤتمر والوعود بتشكيل لجان للمصالحة الوطنية وصياغة استراتيجية موحدة للنضال الفلسطيني بما فيها إعادة إحياء المؤسسات التمثيلية الفلسطينية ما قبل أوسلو في طريق بناء الدولة الفلسطينية، إلا أنّ سياقات ما قبل انعقاد المؤتمر وخلاله ونتائجه أكدت، وبكل أسف، جملة من الحقائق التي لا يمكن تجاوزها، والتي ستؤسس لمراحل قادمة، يخشى معها على القضية الفلسطينية.

 اقرأ أيضاً: لاجئون فلسطينيون في لبنان لـ "حفريات": الهجرة سبيلنا للكرامة

فمن حيث الحضور والكم فرغم مشاركة 13 فصيلاً فلسطينياً في المؤتمر إلا أنّه واستناداً للأوزان النسبية لكل فصيل فإنّ المؤتمر عقد بين حركتي فتح وحماس فقط، فيما بقية الفصائل تدور في فلك فتح أو حماس، ورغم تقارب وجهات نظر فتح وحماس تجاه "صفقة القرن" وما يتم الترتيب له من حلول للقضية الفسطينية، إلا أنّ الشكوك بين الجانبين وتحديداً من قبل حماس بأنّ فتح تتعاطى مع المشاريع المطروحة، ومن قبل فتح بأنّ حركة حماس تنافسها على أحقيّة تمثيل الشعب الفلسطيني، عبر مفاوضات سرية مع إسرائيل بوساطات عربية وأوروبية بقيت سيدة الموقف والعنوان الذي يحكم العلاقة بين الحركتين.

 اقرأ أيضاً: تركيا وإسرائيل.. حقائق تنهي سنوات المتاجرة بقضية فلسطين

وبالتزامن، ففي الوقت الذي غابت فيه القضية الفلسطينية عن مجريات ومخرجات المؤتمر سلّطت الأضواء على مشهدين قادتهما حماس وفتح أسهما في تثبيت الانقسام الفلسطيني وأكدا مجدداً استمرار ارتهان القضية الفلسطينية لصراعات المحاور الإقليمية، قاد المشهد الأول الرئيس محمود عباس بهجوم على دول الخليج العربي، على خلفية اتفاق السلام المزمع توقيعه بين دولة الإمارات وإسرائيل، وأخذ مساحة أكبر من مساحة الهجوم على إسرائيل، فيما قاد المشهد الثاني إسماعيل هنية بلقاء مع زعيم حزب الله اللبناني وخطاب ثوري حول صواريخ حزب الله الذكية التي ستدك إسرائيل منطلقة من العاصمة بيروت، رغم إدراك هنية أنّ صواريخ حزب الله لا تنطلق إلا بأوامر إيرانية، تلك الأوامر التي لا تصدر إلا لخدمة المشروع الإيراني، هذا المشروع الذي قرر أن يتم تفجيرها بالسوريين، فيما لم ينطلق صاروخ من حزب الله على إسرائيل خلال الحروب التي خاضتها غزة مع إسرائيل؛ حيث كان القرار الإيراني حينها بالوقوف إلى جانب غزة عبر "تويتر" فقط.

 اقرأ أيضاً: لماذا تواصل السلطة الفلسطينية ملاحقة النشطاء المنتقدين لفساد سياساتها؟

ولتفكيك هذين المشهدين، فإننا نعتقد أنّ موقف عباس وهجومه الحاد على دول الخليج، ينطلق من مخاوف على "مكاسب" السلطة الفلسطينية من هنا كان تأكيد السلطة أنها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني والمتحدث باسمه فقط.

 

رغم الصياغة الدبلوماسية الثورية للبيان الختامي إلا أنّ سياقات ما قبل انعقاد المؤتمر وخلاله ونتائجه أكدت حقائق لا يمكن تجاوزها، ستؤسس لمراحل قادمة، يخشى معها على القضية الفلسطينية

 

أما بالنسبة لهنية فإنّ تأكيد الارتباط بالقيادة الإيرانية، يأتي في سياق إظهار المزيد من أوراق التفاوض مع إسرائيل، خاصة بعد موقف حماس من "الثورة السورية" فهو القادم إلى بيروت بإذن من إسرائيل، وبعد توقيعه على اتفاق وقف "الصدام" مع إسرائيل بوساطة قطرية، والمبشر بمشاريع ضخمة للبنى التحتية في قطاع غزة لن تطالها صواريخ حزب الله التي ستنطلق من بيروت، تلك المشاريع التي أعلن عنها بوجود كوشنير، مهندس "صفقة القرن" في المنطقة، وهي ذاتها المشاريع التي أعلن عنها كوشنير نفسه في إطار السلام الاقتصادي.

 اقرأ أيضاً: ماذا جنى الفلسطينيون من الوعود "الثورية" لأردوغان؟

قلة من يرون اليوم أنّ خيارات القيادة الفلسطينية تضيق يوماً بعد يوم، ومع ذلك يتم التداول في أروقة سرية حول خيار انضمام القيادة الفلسطينية إلى تحالف الممانعة الذي ثبت أنّ أقطابه في "تركيا وإيران" لا يرون في القضية الفلسطينية إلا ورقة تفاوض على مصالحه الاستراتيجية، فيما يطرح آخرون مقاربة قديمة جديدة بحل السلطة الفلسطينية، وهي مقاربة يبدو أنّ الزمن تجاوزها بعد المكاسب التي تحققت مع أوسلو لكثير من القيادات الفلسطينية، فيما يغيب بالكامل "من حسابات فتح وحماس" المشروع الوطني الذي يؤمن بالشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية