ما الثمن الذي سيدفعه اللبنانيون سداداً لشيك تركيا المفتوح؟

ما الثمن الذي سيدفعه اللبنانيون سداداً لشيك تركيا المفتوح؟

مشاهدة

15/08/2020

فتح انفجار بيروت المروّع  الباب على مصراعيه أمام أصحاب المصالح، ومحاولاتهم التكالب على لبنان في أحلك لحظات ضعفه؛ إذ كانت تركيا أول المتكالبين على بيروت الجريحة، خاصة بعد زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى لبنان، والتي جاءت بعد يومين من الانفجار، وأعقبتها زيارة نائب الرئيس التركي، فؤاد أقطاي، الذي تفقّد مكان الانفجار، وصرّح لوكالة "الأناضول" بأنّ "هذه الزيارة بمثابة شيك مفتوح، لتقديم كافة أنواع المساعدة إلى الشعب اللبناني.

قبل أشهر أعلنت تركيا تبنّيها لمشروع إعادة إعمار ليبيا، والآن تعيد الكرّة مع لبنان، دون أن يكون لها الظهير السياسي الداخلي نفسه، على غرار حكومة السرّاج

لكنّ التساؤل الأهم: ما الثمن الذي يجب على اللبنانيين دفعه سداداً لهذا الشيك المفتوح؟

الطير الجريح

تبدو بيروت، في أعقاب انفجار المرفأ كطير جريح تكالبت على جراحه الضباع الجائعة، ولعلّ هذا ما جعل بعض المحللين يصفون زيارة أقطاي بالتكالب على المنافع؛ إذ جاءت عقب زيارة ماكرون، الذي سبق الجميع إلى لبنان، حتى الرئيس عون نفسه، ولأنّ تركيا على خلاف مسبق مع فرنسا في ليبيا، يبدو أنّها تحاول الإسراع إلى لبنان أيضاً فور نكبتها. وبحسب الباحث في الشؤون الأمنية ودراسات الشرق الأوسط بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيحية، مصطفى كمال؛ فإنّ النوايا التركية في لبنان واضحة حتى قبل الكارثة، لكن يبدو أنّها تصورّت أنّ المحنة التي تمرّ بها البلاد، معبر آمن لتدخلاتها السافرة.

ويتابع كمال، في حديثه لـ "حفريات": "يأتي التوجه التركي الحالي ضمن محاولات إحياء العثمانية في الشرق الأوسط، والتي ترتكز بالأساس على استثمار الفوضى واحتلال الفراغ الناشئ عن ضعف الدولة القومية من جانب، وانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من ملفات الشرق الأوسط  من جانب آخر، وتسعى  تركيا، عبر وكلاء محليين أو عن طريق الصدام المباشر، الدخول إلى بؤر الصراع وخلق موطئ قدم لها، وذلك تعويضاً عن  خسائرها الفادحة في الأزمة السوريّة، وفرض معادلات جديدة، سياسية واقتصادية، في شرق المتوسط،  للوصول إلى طاولة المفاوضات، كما هو الحال في ليبيا، للوصول إلى مكاسب بخصوص الغاز الطبيعي في تلك المنطقة".

اقرأ أيضاً: لبنان: هل وصلت المحاصصة الطائفية محطتها الأخيرة؟

ويضيف كمال قائلاً: "تعمل تركيا على الظهور بدور الوسيط والوكيل الأمريكي في المنطقة، عن طريق إشعال الصراعات في عدة بؤر، عبر نشر الإرهاب، ومن ثم يبدأ التوسع التركي، في دول الصراعات بداية من إدارة وتوجيه صراع أهلي عبر وكلاء محليين، وصولاً إلى حرب بالوكالة، ثم تدخّل مباشر بنمط استعماري يتلاقى مع إستراتيجية وطن أزرق".

السباق إلى بيروت

يعتمد لبنان في اقتصادها، بشكل رئيس، على عائدات السياحة، وكذلك تحويلات اللبنانيين بالخارج، والبالغ عددهم أكثر من 18 مليون مواطن، وهذا ما جعل لبنان، الذي لا يملك أيّ إنتاج، سوقاً مهماً وله جاذبية لدى الأتراك.

اقرأ أيضاً: سياسي لبناني يتهم تركيا بالضلوع في تفجير بيروت

 وفي مقال له عبر مجلة "جيوبولوتيك"، يوضح الباحث الاقتصادي التركي، موسى أركان؛ أنّ لبنان، كسوق، جذابة لتركيا، حيث يعتمد البلد على المنتجات الأجنبية بسبب ضعف التصنيع المحلي، وشركات البناء التركية، التي تتمتع بالخبرة ولديها حضور قوي في المنطقة، تمّ تهميشها نسبياً حتى الآن في إعادة بناء البنية التحتية للبنان، كما أنّ قطاعات الأغذية والآلات والمنسوجات التركية، التي يمكن أن تلبي المتطلبات المحلية للسوق اللبناني بشروط وأسعار تنافسية، كانت ممثلة تمثيلاً ناقصاً"، ويعزو أركان هذا الضعف في التواجد التركي إلى الكتلة الأرمنية الكبيرة، التي تقف عائقاً بين أردوغان وبلادهم لبنان، إلّا أنّ توجهه نحو اللبنانيين، ذوي الأصول التركية، يعكس مدى تمسكه بالالتفاف على الأزمة، كما حاول مسبقاً مع سوريا.

ويوضح الباحث في العلاقات الدولية والمتخصص في الشأن التركي، محمد حامد؛ أنّ قوة الحضور العربي والمسيحي في لبنان هي أكبر العواقب في طريق أردوغان، الذي يسعى إلى كلّ استفادة ممكنة له من لبنان، كما يفعل الآن مع ليبيا.

اقرأ أيضاً: هل وصلت النيران التركية إلى لبنان؟

ويستطرد حامد، في تصريحه لـ "حفريات": "للأسف، مؤخراً ظهر داخل لبنان تيار مؤيد للتواجد التركي في البلاد، وهم اللبنانيون من أصول تركمانية، لكن، بشكل عام، الدولة اللبنانية وجدت أهوال ما حدث في سوريا، وما تمّ من ممارسات للنظام السوري عن طريق تركيا، ما ولد لديها نوعاً من التوجس والريبة من التدخلات التركية بشكل عام، لا سيما أنّ التركيبة الطائفية في لبنان تختلف عنها في سوريا، ما يجعل لبنان في موقف أكثر تحسساً من تكرار تجربة جارتها السورية، على أيدي العدو نفسه، ويتجلي ذلك في انتقاد الرئيس اللبناني، ميشيل عون، قبل شهور، للإرث العثماني؛ إذ إنّ الكتلة المسيحية الكبيرة في لبنان، من مارون أو أرمن أو غيرهم، لديهم تحسس كبير تجاه الحقبة العثمانية، والتي تستدعيها السلطة التركية المعاصرة، وتروّج لها في خطاباتها بشكل أو بآخر".

الباحث مصطفى كمال لـ "حفريات": يأتي التوجه التركي الحالي ضمن محاولات إحياء العثمانية في  الشرق الأوسط، والتي ترتكز بالأساس على استثمار الفوضى واحتلال الفراغ الناشئ

ويضيف حامد قائلاً: "هناك أيضاً سُنّة لبنان، المؤيدون للتوجه السعودي الإماراتي، وهم في تقارب دائم وتاريخي مع مصر، وهو ما يجعل كلّ تلك الكتل تتجنب التقرب إلى تركيا، لكن بالتأكيد تركيا لديها رغبة لا تخفيها في لعب دور في التركيبة السياسية اللبنانية، وخلق طبقة سياسية في لبنان مؤيدة للمشروع التركي الأردوغاني، والذي يشكّل مزيجاً من القومية التركية، والإسلاموية العثمانية".
تحت غطاء الإعمار

قبل أشهر قليلة، أعلنت تركيا تبنّيها لمشروع إعادة إعمار ليبيا، والآن تعيد الكرّة مع لبنان، دون أن يكون لها الظهير السياسي الداخلي نفسه، على غرار حكومة السرّاج في ليبيا، ولأنّ الشركات التركية في مأزق مالي كبير، لن تجد مخرجاً لها سوى في العمل خارج البلاد، التي تعاني من أزمة اقتصادية عنيفة، يحاول الرئيس عن طريق معاركه الخارجية إنقاذها قبل الانهيار الكبير؛ إذ بدأت تركيا باقتراح إعادة إعمار صوامع القمح التي دمّرها الإنفجار، وهو ما علّق عليه الباحث محمد حامد بقوله: "يأتي موضوع إعادة إعمار صوامع القمح الذي طرحته تركيا على لبنان، في إطار شهرة تركيا بالعمل على البنى التحتية وشركات الإعمار والمقاولات التي أوشكت على الإفلاس؛ إذ تبحث أنقرة عن عقود لشركاتها، لكن زيارة الرئيس الفرنسي قطعت على أردوغان هذا الطريق".

الصفحة الرئيسية