ما دلالات عودة الإرهاب إلى تونس من جديد؟

ما دلالات عودة الإرهاب إلى تونس من جديد؟

مشاهدة

13/09/2020

بعد حوالي ستة أشهر من الاستقرار النسبي؛ عاد إلى تونس شبح الإرهاب من جديد، في وقتٍ ومكانٍ غير متوقَعين، خاصة أنّه تزامن مع تسلّم الحكومة التونسية الجديدة مهامها؛ ما يشير إلى وجود خلايا نائمة توجّه تحركاتها وأهدافها بحسب المستجدات الواقعة في البلاد، وفي مقدمتها التجاذبات السياسية التي أفرزت مشهداً متوتراً وغير مستقر، وفق تصريحات متطابقة أدلى بها خبراء عسكريون لـ "حفريات".

التطورات التي عاشها المجتمع التونسي منذ الثورة ساهمت مجتمعة في تسلّل الإرهاب بين صفوف شبابه، وعملية سوسة رسالة مفادها أنّ الكيانات الإرهابية ما تزال قائمة

يأتي ذلك إثر مقتل رجل أمن وإصابة ثانٍ، على يد عنصرين إرهابيين مسلّحين، تمّ القضاء عليهما لاحقاً، بعد مطاردتهما بمحافظة سوسة الساحلية، قبل يومٍ من الكشف عن خلية إرهابية متمرسة في عمليات التسميم والطعن والتفخيخ وصنع المتفجرات عن بعد.

وتكافح تونس، على امتداد الأعوام العشرة الماضية، على أكثر من صعيدٍ، من أجل إنجاح مسارها الانتقالي، الذي تعثّر واصطدم بكثير من العراقيل والتعقيدات الاجتماعية والسياسية، في مقدّمتها ملف الإرهاب، الذي أرهق السلطات الأمنية والعسكرية، رغم الإستراتيجية الوطنية لمكافحته، التي صدرت منذ عام 2015.

الخطر ما يزال قائماً

ورغم أنّ الجماعات الإرهابية التي استغلت مرحلة الإرباك السياسي وتخلخل أجهزة الدولة، إثر ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، تلقّت عدّة ضربات أضعفتها، وأفقدتها قياداتها، غير أنّها ما انفكّت تستغل تداعيات الأزمات السياسية التي تمرّ بالبلاد من حينٍ إلى آخر، من صراعات ومناكفات حزبية لتواصل نشاطها وتعيد ترتيب أوراقها.

وكان رئيس الحكومة الحالي هشام المشيشي قد كشف، حين كان يشغل وزير داخلية، منتصف تموز (يوليو) الماضي، أنّ الوحدات الأمنية أحبطت مخططاً للتسميم في طور الإعداد، دون أن يكشف مزيداً من التفاصيل عن ذلك، فيما راجت لاحقاً معلومات حول المخطط الذي كان يستهدف رئيس الجمهورية، قيس سعيّد.

وقال المشيشي؛ إنّ المؤسسة الأمنية تعمل بصفة استباقية على مواجهة خطر الإرهاب الذي ما يزال متواصلاً، وإنّ العمل الإرهابي انتقل إلى مرحلة الاعتماد على الذئاب المنفردة والعناصر غير المكشوفة أمنياً.

اقرأ أيضاً: "اتحاد القرضاوي" بتونس.. كيان مارق يحتضن التطرف

من جانبه، يؤكّد العميد المتقاعد من الجيش الوطني والرئيس السابق للجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب، مختار بن نصر، أنّ الإرهاب لم ينتهِ في تونس، وأن التطرف ما يزال متفشياً، لافتاً إلى أنّ المجموعات الإرهابية لم تتوقف يوماً عن الترصد والبحث عن سبل أذيّة تونس بشكلٍ عام.

وأضاف بن نصر، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ منفّذَيْ العملية الأخيرة، تمّ استدراجهما وتكوينهما في وقتٍ وجيزٍ، من المسجد الذي كانا يتردّدان عليه، وهو ما يثبت تواصل نجاح هذه المجموعات في التفريخ، فضلاً عن وجود مساجد خارج السيطرة، داعياً إلى ضرورة التوقّي من التطرّف العنيف، وإعداد خطة للسيطرة على المساجد وعلى الخطاب الديني فيها.

اقرأ أيضاً: كيف وصلت السلفية المتشددة إلى تونس؟

بن نصر أشار أيضاً إلى أنّ الأمر الإيجابي في العملية أنّ الوحدات الأمنية كانت في غاية اليقظة، وتمكّنت في ظرف وجيز لا يتجاوز الثلاثين دقيقة من التعرّف إلى مكان الإرهابيين الثلاثة، ورصدهم ومحاصرتهم والقضاء عليهم، مؤكداً أنّ ما قامت به الوحدات الأمنية عمل كبير يُحسب لها.

 وكان والد الإرهابيَّين قد أكّد أنّ ابنَيْه تغيّرا منذ شهر، وأصبحا يرتادان المسجد القريب منهم باستمرار، وأنّ أصغرهما صار يرفض الجلوس مع العائلة، ويفضّل الجلوس لساعات طويلة في المسجد، فيما كان الآخر يعيش حياة صاخبة مليئة بالسهر، إلا أنّه تغيّر منذ أربعة أسابيع، ورفض الاستماع إلى تحذيراته.

رسائل مشفّرة

من جانبه، يرى الخبير الأمني والضابط السابق بالحرس الوطني، علي الزرمديني، أنّ تنفيذ عملية سوسة الإرهابية، هي رسالة موجّهة للدولة والوحدات الأمنية، مفادها أنّ الكيانات الإرهابية ما تزال قائمة الذات رغم الضربات التي تلقتها، خصوصاً أنّها تلقت في تونس عديد الضربات، والتي أربكتها، فضلاً عن محاولتهم إعطاء نفَس لكلّ المنتمين إلى هذه التنظيمات، وتبليغهم بأنّ بإمكانهم التحرك متى يشاؤون، وكيفما يريدون، وفي الوقت والمكان الذي يحددونه.

ورأى الزرمديني، في حديثه لـ "حفريات"، أنّ الإرهاب عمل مستمر، وامتدادٌ لواقع انطلق منذ ثورة 2011، مشدّداً على أنّه حقيقة موجودة في الجبال والمدن والأحياء والحدود، وأنّه يترصّد أيّة ثغرةٍ للتسلّل إلى تونس، لأنّ من عقيدته التمدّد والتوسّع، خاصّةً أنّ تونس نقطة إستراتيجية بالنسبة إليه.

ويقدّر عدد الخلايا الإرهابية في تونس بأكثر من 180 خلية منتشرة في كامل أنحاء البلاد، وتضمّ كلّ خلية ما بين 3 و7 أشخاص، وتكوّنت بعد أن استقطبت شباباً ينحدرون من فئات اجتماعية هشّة.

العميد المتقاعد مختار بن نصر لـ"حفريات": الإرهاب لم ينتهِ في تونس والتطرف ما يزال متفشياً، وما تزال هناك مساجد في تونس خارجة عن سيطرة الدولة

وتتصدّر تونس قائمة البلدان المصدّرة للإرهابيين؛ حيث يبلغ عدد التونسيين المقاتلين في صفوف تنظيم داعش ما بين 6 و7 آلاف شخص، يتولى العشرات منهم مراكز قيادية.

وقال مختار بن نصر؛ إنّ تنظيم داعش يحاول إرباك القوى الأمنية وإحباط معنوياتها، من خلال تنفيذ العملية الإرهابية في عيد الحرس الوطني، ويريد إثبات وجوده رغم الخسائر التي تلقاها، سواء على مستوى قياداته أو على المستوى اللوجيستي.

كيف تمكّن الإرهاب من المجتمع التونسي؟

عرفت تونس ظاهرة الإرهاب في الفترة التي تلت الثورة (2011)، حيث نشأت حينها مجموعات جديدة تنشط باسم الدين بين مفاصل التحركات الاجتماعية، مستغلّةً حالة الفراغ الأمني الذي أعقب فترة سقوط نظام بن علي، وتفكّك أجهزة الدولة، من خلال نصب الخيام الدعوية، والمناداة بدولة الخلافة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: من يشفي تونس من جراحها؟

ومثّل تاريخ 18 أيار (مايو) 2011 منعرجاً في مسار نشاط هذه المجموعات؛ أنصار الشريعة، جند الخلافة، كتيبة عقبة بن نافع، وغيرها؛ حيث شهدت تونس أول عمليةٍ إرهابية، في منطقة الروحية (شمال غرب تونس) تمثّلت في مواجهة مسلحة بين مجموعة إرهابية وعناصر من الجيش الوطني، ذهب ضحيتها عسكريَّان اثنان.

ودخلت هذه المجموعات مرحلة التوحّش بعد تنفيذها عمليات نوعية استهدفت الوحدات الأمنية والعسكرية، على شكل كمائن ومواجهات مباشرة في الجبال التي تحصّنت بها (جبل الشعانبي، قبلاط، سيدي علي بن عون) راح ضحيتها عشرات الجنود والأمنيين.

 وقد سيطرت في عهد حكومة الترويكا؛ النهضة، والمؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات (2012 – 2014) ظواهر جديدة وغريبة، على الشارع التونسي، واتخذت من الأحياء الشعبية والمناطق المفقرة فضاء ملائماً لأنشطتها.

وعن سرعة تمكّنه من المجتمع التونسي، قال الخبير الأمني ومسؤول قسم الاستشراف ومكافحة الإرهاب في المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، مازن الشريف؛ إنّ جملة التطورات التي عاشها المجتمع التونسي منذ الثورة، ساهمت مجتمعة في تسلّل الإرهاب بين صفوف شبابه.

اقرأ أيضاً: تعليم ديني لاتحاد القرضاوي يعبّد الطريق لأجندات الإخوان في تونس

وأوضح الشريف، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ دولة الاستقلال لم توازن في التطوير البنيوي بين المنوال التنموي والاقتصادي والتعليمي والمجال الديني، حيث قامت مثلاً في البداية بتطوير التعليم والتنمية في بعض المدن فقط، على حساب الداخل التونسي، كما طوّرت السياحة في المدن السياحية على حساب الفلاحة في باقي المحافظات، فيما عملت على تطوير الثقافة برؤية محدّدة تحارب في مجملها الجانب الديني، وقام النظام لاحقاً بغلق جامعة الزيتونة.

اقرأ أيضاً: ألفة يوسف: على حركة النهضة دفع ثمن ما ألحقته بتونس من فوضى

ولفت الخبير الأمني إلى أنّ ذلك ولّد شعوراً بالغبن لدى المجتمع التونسي، ودفع فئةً كبيرةً من التونسيين إلى التوجّه نحو بعض القنوات التي يحكمها الخطّ التكفيري المتشدّد، وجعلهم يستقبلون شيوخها خلال الثورة، ويقبلون على فكرهم وخطبهم المتطرّفة.

مسؤول قسم الاستشراف ومكافحة الإرهاب في المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، شدّد أيضاً على أنّ الخيبة النفسية التي عاشها الشباب التونسي من الثورة، إلى جانب الصراعات الأيديولوجية، والمعارك الإقليمية، في مقدمتها قضية ليبيا، التي جعلته يقبل على المخدّرات، وساهمت في ارتفاع معدّل الجريمة بشكلٍ غير مسبوق، وسهّلت تسلّل الإرهاب إليه.

الصفحة الرئيسية