مسؤوليّة إدارة بايدن عن تمادي الحوثيّين!

مسؤوليّة إدارة بايدن عن تمادي الحوثيّين!

مشاهدة

19/01/2022

علي حمادة

بداية لا بد لنا من الإشارة الى أن الاعتداء بالمسيّرات على منشآت مدنية  في مدينة أبو ظبي، لا يقف عند حدود القرار الصادر عن الميليشيات الحوثية. إنه قرار إيراني بامتياز، والحوثي مثله مثل "حزب الله" في لبنان، وميليشيات "الحشد الشعبي" في العراق، يستحيل أن تكون له هوامش في القرار والحركة تصل إلى حد توسيع حلقة الصدام العسكري من الأراضي اليمنية الى دول الخليج العربي. من هنا، ما من شك في أن الاعتداء على دولة الإمارات العربية المتحدة قرار إيراني، واجهته حوثية. هذا الواقع كان ولا يزال ينطبق على الهجمات اليومية التي تتعرض لها مدن المملكة العربية السعودية ومطاراتها بالصواريخ البالستية والمسيّرات. قرار استراتيجي يتخذ في طهران وليس في مكان آخر، تنفذه ميليشيات تديرها على الأرض خبرات عسكرية وأمنية تابعة لـ"فيلق القدس" المنبثق من "الحرس الثوري" الإيراني.

إذاً، ما تعرضت له عملياً دولة الإمارات، هو اعتداء إيراني واضح المعالم حصل في لحظة مفصلية من الصراع في اليمن، وبتوقيت حساس في مسار المفاوضات بين إيران ودول مجموعة 5+1 في فيينا بشأن إعادة إحياء الاتفاق النووي لعام 2015. 

إنها لحظة مفصلية في الصراع على أرض اليمن بين الشرعية مدعومة من "التحالف العربي"، وميليشيات الحوثي. ففي الوقائع، بات واضحاً أن الميليشيات المشار إليها آنفاً انتقلت من حالة الهجوم وصولاً الى محاصرة مدينة مأرب الاستراتيجية وتشديد الطوق حولها، الى حالة الدفاع بعدما تمكنت قوات الشرعية بمساندة "التحالف العربي" من فك الطوق، وتحرير مساحات مهمة من المدى الحيوي المحيط بالمدينة، وتزامناً حققت قوات الشرعية اختراقاً نوعياً تمثل بإسقاط شبوة، ووضع طرق الإمداد الجوية التي يستخدمها الحوثيون تحت التهديد. كل هذا حصل ويحصل فيما يمضي طيران "التحالف العربي" بضرباته الجوية التي تلحق خسائر فادحة في صفوف الحوثيين. ثمة تحوّل في مستوى إدارة المعركة من الجانب الشرعي – العربي، كما أن هناك ارتقاءً كبيراً في القدرات الاستخبارية التي يحتاجها الطيران الحربي لتصويب دقيق ومؤذٍ. وهذا أمر يتفق حوله معظم المراقبين المتابعين للحرب في اليمن. من هنا يشكل التحوّل على أرض المعركة حافزاً أساسياً لاعتداء على دولة الإمارات العربية المتحدة، ولا سيما أن "لواء العمالقة" الذائع الصيت يتلقى دعماً عربياً، ولا سيما إماراتياً على الأرض، وذلك في إطار الدعم العربي للشرعية اليمنية. ومع أن المملكة العربية السعودية تمثل العمود الفقري للمجهود الحربي الداعم للشرعية في اليمن، فإن التناغم  السعودي – الإماراتي يمثل الخلطة السحرية التي تمنع اليمن من التحول الى قاعدة آمنة للمشروع الإيراني في "الجزيرة العربية"، أي في قلب الدار الخليجية. هذا معناه أن الدفاع عن الشرعية في اليمن، ومنع الحوثي من الاستقرار، ومن خلفه "الحرس الثوري" الإيراني هو خط أحمر استراتيجي. إنها معركة وجودية لن تتوقف إلا بالعودة الى مقررات الشرعية الدولية التي يرفضها الحوثيون ومن خلفهم الإيرانيون، أو بقبول مرحلي للمبادرة السعودية التي أعادت الرياض طرحها في ربيع العام الماضي، لم تلقَ آذاناً صاغية. 

التوقيت حساس، لأن المفاوضات لإحياء الاتفاق النووي الإيراني في فيينا وصلت إلى مرحلة متقدمة، وثمة إشارات مشجعة يطلقها المفاوضون، تتحدث عن أن المفاوضات دخلت المرحلة الأخيرة قبل التوصل الى اتفاق. من هنا دقة المرحلة حيث إن إيران تستغل خوف المجتمع الدولي، لا سيما الأوروبيين وإدارة الرئيس جو بايدن من حصول أي أزمة تؤخر الاتفاق أو تطيحه. من هنا يشعر الإيرانيون أن لديهم نافذة يمكنهم للتحرك ضمنها، وجمع مزيد من الأوراق في الإقليم. طهران تعرف أن هاجس إدارة بايدن هو العودة الى الاتفاق النووي لعام 2015. وهي لا تريد منح مبررات لإطالة المفاوضات، أو لإجهاضها. لذلك تتصرف الإدارة الأميركية الحالية تماماً كما تصرفت إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما عندما وضعت الاتفاق النووي في رأس أولوياتها، ولم تعر أي اهتمام لهواجس حلفاء واشنطن التاريخيين في المنطقة. إن إدارة بايدن على صعيد الملف الإيراني هي توأم إدارة أوباما السابقة. الوجوه الرئيسية عادت، ونمط التفكير السابق عاد، فضلاً عن أسلوب العمل والسلوك. وما يزيد من فداحة الوضع الراهن أن الرئيس جو بايدن يبدو ضعيفاً ومضعضعاً، ومتردداً. إنه كرئيس للولايات المتحدة لا يوحي بالثقة، ولا بالأمان الاستراتيجي لدى الحلفاء. وقد تجلى الأمر في الانسحاب المخزي من أفغانستان، وفي التعامل الضعيف مع التحرشات الإيرانية المتمادية التي لم تتوقف ضد المصالح الأميركية في العراق وسوريا والخليج العربي. ومن الواضح أن طهران تتعامل مع الضعف الأميركي، والتهافت المشترك الأوروبي – الأميركي على العودة الى الاتفاق النووي بأي ثمن، من خلال النفاذ عبر نقاط الضعف، ومواصلة تنفيذ مشروعها التوسعي في الإقليم. من هنا فإن الاعتداء على الإمارات ما كان ليحصل لولا ضعف الأميركيين في التعامل مع إيران، ولولا كل التنازلات التي منحتها إدارة بايدن للفريق الذي تديره طهران في اليمن. من رفع ميليشيات الحوثيين عن لائحة الإرهاب، الى التضييق على مشتريات الرياض من السلاح والذخيرة الأميركية، الى التعامل بحيادية مؤذية بين حليف تاريخي وعدو تاريخي، الى حد أن إدارة بايدن لامست ضمناً الموقف الانحيازي للحوثيين. 

من الاعتداءات المتواصلة على مدن ومنشآت المملكة العربية السعودية، الى الاعتداء على أهداف مدنية في قلب العاصمة الإماراتية، منبعان، الأول قرار إيراني رداً على التحول في أرض المعركة، والثاني موقف إدارة بايدن المتساهل الضعيف الذي يقوّض ثقة الحلفاء بأميركا.

وتبقى استعادة اليمن الى الشرعية العربية مستمرة ... لأنها وجودية.

عن "النهار" العربي

الصفحة الرئيسية