"منفستو الديك النوبي".. إدانة صارخة لفساد السلطة والمجتمع

6038
عدد القراءات

2018-09-12

عبر مزيج واقعي وغرائبي تسرد رواية "منفستو الديك النوبي" للروائي السوداني عبدالعزيز بركة ساكن، قضايا اجتماعية وسياسية ودينية وثقافية، وتدين جهات عديدة تتشابك مصالحها الفئوية على حساب مصالح الفقراء، ويظهر رئيس الدولة كدمية ومهرج أو زعيم عصابة مهمتها النهب والقتل وإدارة شؤون الفساد لا إدارة شؤون البلاد.

الحالة الديكية

تُعتبر شخصية فتح الله مثالاً على ظاهرة متفشية، فهو لم يكن "الحالة الوحيدة التي أصيبت بداء الديك، بل ظهر في البلاد كلِّها ما يُعْرف ﺑ(الحالة الديكية)، وهي أقرب لما يُسمَّى ﺑ(جنون البقر)، حتى أطلق عليه بعض الأصحاء الساخرين؛ أيْ الذين لم يُصابوا به: جنون الديك".

رغم كل البؤس لم تخلُ الرواية من شخصيات إيجابية لا يؤثر فيها المال كأحمد زكي ورشا وأمها

ومن الأمثلة على تفشي الحالة الديكية أن منفستو الديك النوبي يتكون من عبارة واحدة، على لسان ضمير الجمع المتكلم: "نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة"، تتكرر مراراً، وقراءتها على هذا النحو تجعل القراء شركاء في هذا العهد وجزءاً من هذه الظاهرة.

دولة الفساد

تخضع إدارة الدولة في هذه الرواية لاعتبارات الفوائد أو الخسائر الشخصية لبعض أركانها؛ فشخص واحد يتسم بثلاث صفات: (الشيخ السياسي الطبيب)، هو من "أقنع المؤسسة الدينية بتحريم الضغوط عندما استيقظ ذات صباحٍ ووجد ابنته سُهى تنام وتحت شفتها السُّفلى كُرةٌ لزجةٌ بائسةٌ منه، وكان يعلم العلاقة بين سرطان اللثة وهذه المادة النطرونية المخدرة، ولكن وزير المالية الذكيَّ أقنع الجميع بأن ذلكَ سيفقد الدولة المفلسة ١٧% من الدخل القومي، ويفقر ألفين من التجار الوطنيين، ومنهم خمسون سياسيّاً مشهوراً، وما لا يقلُّ عن مليوني تاجرٍ محلي، فتراجعت الفتوى الدينية من التحريم إلى الكراهية، ثمَّ إلى التحليل الخجول".

غلاف رواية مانفستو الديك النوبي

أمل وسط البؤس

رغم كل البؤس لم تخلُ الرواية من شخصيات إيجابية لا يؤثر فيها المال مثل أحمد زكي، ورشا وأمها؛ ومن قضايا الفساد التي جعلت رشا تنحاز للمعارضة "سوء إدارة الموارد والفساد المؤسسيِّ المستشري في البلاد، والحروب الكثيرة التي تديرها الدولة، في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، محرقة النخيل في الشمالية، إغراق آثار الحضارات النوبية بالسدود الغبية، والفقر المدقع لفئةٍ والثراء الفاحش لفئةٍ أخرى، الغلاء والاحتكار.. الرئيس الوحيد الأبدي الفائز دائماً في كلِّ دورات الانتخابات، التزوير في الاقتراحات العامَّة، اغتصاب وجلد البنات، جرائم الحرب، قرارات الولاة المتخبطة، ختان الإناث، سرقة المال العام، مفاخذة الرضيعات وزواج القاصرات، المحسوبية والعنصرية التي تفرخها خطابات المسؤولين وجرائدهم، المحاباة..".

للمثقفين نصيب من النقد عندما تستعملهم الدولة في الوشاية بزملائهم فهم أقدر على قراءة نيات بعضهم البعض

والمثال على عدم ثقة المواطن في الحكومة يأتي من خلال الخاتمين والتماثيل الأثرية التي تحتفظ بها رشا وأخوها (السر) من أجل إعادتها إلى المتحف القومي "في اليوم الذي تكون فيه حكومةٌ وطنيةٌ تحترم تاريخ وإرث البلد".

وتبحث الرواية في أسباب التمرد فترجعها إلى التاريخ، "الرجال يحملون السلاح ويحاربون الحكومة وهي عدوُّهم الوحيد والدائم، إنهم متمرِّدون بالسليقة، ودائماً ما يشتكون من ظلم السلطة المركزية لهم، ويتبعون أوَّل من يسعى لقتالها.. عداءٌ موروثٌ منذ السلطنة الزرقاء التي كانت تقوم بغزوات البشر لاستخدامهم كرقيقٍ وجنود، وأيضاً كموردٍ لدخل الدولة، حيث يتمُّ تصديرهم للعالم الخارجي، وبيع البقية في الأسواق المحلية".

مصالح تجمع الجميع

ومن صور فساد المؤسسة العسكرية نجدها في صفقة فتح الله مع الجيش بواسطة صهره الجنرال، وفيها يتم شراء عربات جيب أمريكية من الجيش وصيانتها وإعادة بيعها للجيش بمبالغ خيالية، وتدين الرواية حزب المؤتمر الوطني، فهو "ليس فكراً سياسيّاً وليس ديناً وليس طريقة تفكير أو أسلوب حياة، هو مجرَّد وظيفة لا أكثر، وظيفة سياسية مؤقتة في الغالب، أيْ ثلة تنتظم مصلحةً ما، أكثر ممَّا تجمعها فكرة، ووقتما انفضَّت المصلحة انفضُّوا".

تظهر الرواية شخصية رئيس الدولة كزعيم عصابة مهمتها النهب وإدارة شؤون الفساد

وبأسلوب تهكمي تعرض الرواية خطة الحكومة للقضاء على البطالة والتسوُّل ومحاربة العمالة غير المقنَّنة العشوائية، وتجمُّعات المفسدين لاعبي الورق، وذلك من خلال قطع شجرة النيم العملاقة "التي تتمُّ تحت ظلالها الفاسدة تلكَ الأنشطة التي لا ترضي الله ورسوله، وتضرُّ بصحة المواطنين والاقتصاد الوطني".

الدولة في الرواية مليشيا تتصارع مع أخرى على النهب والقتل في دلالة على غياب دولة المؤسسات

لا تقتصر الرواية على إدانة السلطة السياسية والعسكرية، فتعرّج  على عبودية القرن الواحد والعشرين بين الشماليين والجنوبيين التي تتجسد في اختطاف الصبي غزال واستعباده من قبل خاطفيه، وللمثقفين نصيب من النقد، فاللواط "شائعٌ في طبقة المثقفين"، وهم وشاة تستعملهم الدولة "في الوشاية بزملائهم المثقفين، فهم أقدر على قراءة نيات بعضهم البعض وتفسيرها تفسيراً صائباً يقود إلى اغتيالٍ أو اعتقالٍ مُبَرَّرٍ ومدعومٍ بالأدلة الدامغة".

اقرأ المزيد...

الوسوم: