نهاية العزلة: كيف يتصالح العالم العربي مع سوريا؟

نهاية العزلة: كيف يتصالح العالم العربي مع سوريا؟

مشاهدة

05/12/2021

رابحة علام

جاءت زيارة وزير خارجية الإمارات إلى دمشق بمثابة التتويج لعدة خطوات عربية سابقة تشي بفتح ملف تطبيع العلاقات العربية مع النظام السوري ورفع العزلة عنه. إذ سبقتها خطوات أخرى كان أهمها إعادة فتح السفارة الإماراتية في دمشق في نهاية عام 2018، وتبادل اتصالين هاتفيين على الأقل بين ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد وبشار الأسد خلال العام الجاري. فضلاً عن تبادل الزيارات بين وفود رجال الأعمال من البلدين طوال العامين الماضيين قبل وبعد دخول قانون قيصر الأمريكي حيز التنفيذ. عدا ذلك قام الأردن بإعادة فتح معبر “جابر- نصيب” الحدودي بين البلدين في شهر سبتمبر الماضي، وهو المعبر الذي يمثل حلقة الوصل التجارية البرية بين سوريا وبلدان الخليج عبر الأردن. 

 ولذا، أثارت هذه الزيارة وما سبقتها من خطوات العديد من الأسئلة؛ فهل تمثل هذه التحركات خطوات مطردة ستفضـى إلى عودة دمشق للحضن العربي؟ أم أنها مجرد خطوات استكشافية لما يمكن أن تقدمه دمشق في مقابل رفع العزلة العربية عنها؟  

العودة السورية في ظل “تداول المنافع”

يمكن القول إن خطوات التقارب الإماراتي السوري ليست معزولة عن مجمل المقاربة الإماراتية في المنطقة وهي محاولة لاستمالة الخصوم عبر خلق نظام تبادلي من المصالح المفيدة للطرفين. ينطبق هذا الأمر على الحالة السورية، كما ينطبق على التقارب مع إسرائيل وخطوات الانفتاح على تركيا أيضا خلال الأشهر القليلة الماضية. 

يسعى الأسد إلى رفع العزلة الدولية عن نفسه وفي مقدمتها العزلة العربية. وهو في ذلك يحاول استعادة الوضع الطبيعي في علاقاته الدولية، بعدما استطاع بمساعدة حلفائه، وبخاصة روسيا وإيران، استعادة السيطرة على معظم الأراضـي السورية – ويُستثنى من ذلك بالطبع الشمال الشرقي للبلاد الواقع تحت السيطرة الكردية بحماية أمريكية، والشمال الغربي الواقع تحت سيطرة الميليشيات المعارضة التي تحظى برعاية تركية-. 

غير أن سيطرة الأسد على بقية الرقعة السورية ليست خالصة؛ فالنفوذ الروسي ممتد وإن كان يبدو أنه محصور في قاعدتين فقط في مطار حميميم وميناء طرطوس. إذ يزحف النفوذ الروسي شرقًا أيضًا في شرق حمص ومناطق السيطرة الكردية لموازنة الوجود العسكري الأمريكي بها. ويطمح الروس كذلك في زحزحة النفوذ الإيراني بعيدًا عن مناطق الجنوب الغربي حيث خطوط التماس مع إسرائيل، ومسرح العمليات الأبرز لمليشيات إيران وحزب الله على الآراضي السورية. وينسق الروس مع الإسرائليين تراجع إيران من هذه المناطق في مقابل عدم قصف مواقعها بالطيران الإسرائيلي، فيتم التفاوض للانسحاب تارة ولا يتم تارة أخرى فتنفذ إسرائيل ضرباتها المعادية. 

 ومن ثم، فالساحة السورية مكتظة بالفاعلين الدوليين ولا ينقصها بالتأكيد فاعل جديد. غير أن ما تقدمه الإمارات للالأسد هو أمر يفتقده بشدة. فالنظام الذي بالكاد استعاد السيطرة الجغرافية على آراضيه لا يستطيع أن يحكمها فعلياً بسبب أزمته الاقتصادية المستفحلة- والمتصلة أساساً بالأزمة اللبنانية وبالحصار المطبق عليه وعلى حليفته إيران من جانب القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة. وبالتالي، فعمليات إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد يلزمها أدوات وفاعلين جدد تختلف عما استخدمه الأسد في السيطرة العسكرية على الرقعة الجغرافية.  وهنا تبدو اليد الإماراتية الممدودة هي أشد ما يحتاجه الأسد الآن لإعادة تدعيم حكمه من البوابة الاقتصادية والدبلوماسية. 

تكامل الأدوار العربية في التعامل مع سوريا

غير أن المقابل الذي سيقدمه الأسد يبقى حتى الآن غامضًا. وإذا كانت المقاربة الإماراتية ترى في الانفتاح على سوريا سبيلًا لإبعادها تدريجيًّا عن شِباك التحالف مع طهران، يبدو هذا الهدف تبسيطيًّا أو على الأقل غير قابل للتنفيذ في المدى المنظور. فمن غير المنطقي أن يتخلص الأسد من تحالفه مع طهران في يوم وليلة، أو حتى في غضون عدة أشهر كما اقترح البعض في سبيل السماح له بحضور القمة العربية القادمة في الجزائر؛ فعضوية سورية مجمدة في جامعة الدول العربية منذ نوفمبر 2011، عندما رفض الأسد حينها المبادرات العربية المتتالية لحل الأزمة السياسية في بلاده بشكل سلمي بدلًا من اللجوء للقوة المسلحة لإخماد الثورة الشعبية التي كانت مشتعلة آنذاك. 

كما أن الأطراف العربية الأخرى ما تزال متوجسة من الانفتاح على دمشق بشكل غير مشروط، فمن جهة ترى الرياض في النفوذ الإيراني في المشرق العربي خطرًا توسعيًّا داهمًا وليس أدل على ذلك من سحب السفراء من لبنان ومنع الاستيراد منه. ومن ثم، من غير المنطقي أن تنهج غير ذلك مع سوريا؛ فالحضور الإيراني في دمشق ليس أقل منه في بيروت. بينما قد تبدو هذه المقاربة أكثر منطقية إذا ما افترضنا تقاسم الأدوار التكاملية بين أبو ظبي والرياض في التعامل مع النفوذ الإيراني في كل من سوريا ولبنان. وهنا قد يبدو استدراج دمشق إلى الابتعاد عن طهران ليس إلا محاولة لقطع خطوط إمداد إيران إلى لبنان، وتفكيك حلقات التحالف الإيراني في المنطقة. 

ثم يأتي الدور المصري في موقع وسط، إذ استقبلت القاهرة مدير المخابرات السورية في مؤتمر استخباراتي عربي الشهر الماضي، بينما سارع وزير خارجيتها بالإشارة إلى حاجة النظام السوري إلى التقدم بعدة خطوات سياسية لضمان تحسين الوضع الإنساني قبل حصول سوريا على علاقات طبيعية مع الدول العربية.  

يوحي هذا أن المواقف العربية بطريقها إلى التنسيق فيما يشبه تحرك عربي موحد إزاء دمشق، ولكن ما الذي سيدفع الأسد إلى التضحية بإيران في هذه المرحلة؟ وإذا ما توافرت لديه الرغبة في ذلك هل هو قادر فعلياً على التنفيذ؟ لم تتكشف بعد المطالب التي قُدمت للأسد في سبيل المضى في خطة إعادة سوريا ونظامها إلى الحضن العربي. غير أنه من غير المؤكد أن الأدوات العسكرية التي استخدمتها إيران لإنقاذ الأسد طوال عشر سنوات لم تعد فاعلة في مواجهة الحصار الاقتصادي الذي أصبح يستلزم أدوات جديدة تمتلكها بالتأكيد دول الخليج وفي مقدمتها الإمارات. 

إشراك الأطراف الدولية في التصالح العربي مع دمشق

إذا كان هناك موقف عربي شبه موحد بصدد التشكل إزاء القبول برفع العزلة عن النظام السوري؛ فإن تأمين مثل هذا الإجماع على المستوى الدولي يعد صعبًا للغاية. بالنسبة للولايات المتحدة، وضعت واشنطن “قانون قيصر” في حيز التنفيذ منذ يونيو 2020، وهو يستهدف معاقبة كل الأطراف التي تحاول إنقاذ نظام الأسد أو مساعدته على الاستمرار في الحرب بما يعقد الوضع الإنساني. ويتميز هذا القانون الذي أُقر بأغلبية ثنائية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، أنه ليس قانونًا واحدًا بل مظلة من القوانين التي تصدر تباعًا وتسمح بمعاقبة أي كيانات دولية اقتصادية أو سياسية تقدم الدعم للقطاعات السورية المتصلة بالطاقة والصناعات الحربية والانشاءات والبنية التحتية وتتعامل مع الحكومة السورية في سبيل ذلك

لذلك، لا يبدو أن واشنطن عازمة على رفع هذا القانون من التداول إلا بعد إجراء اصلاحات جوهرية تغير من بنية النظام وطبيعة تفاعله الداخلي مع السوريين، وهو الذي لم يتحقق من جانب النظام حتى اللحظة الراهنة. ولكن في نفس الوقت تسامحت واشنطن مؤخرًا مع جهود إيصال الغاز المصري لتأمين تقوية شبكة الكهرباء اللبنانية عبر الآراضي الأردنية ثم السورية إلى لبنان دون أن يتخلل ذلك شبه اختراق لقانون قيصر. وهو ما يشي بأن الموقف الأمريكي قابل للمساومة إذا ما توافر النفوذ المناسب لإقناعه. 

بالمثل، كانت الدول الأوروبية كانت سباقة في وضع عقوبات مالية وسياسية ضد قادة بارزين في النظام السوري بهدف حصار حرية حركتهم أو تجميد أرصدتهم. غير أن الهدف الأبرز للمصالح الأوروبية هو تغيير هيكل وطبيعة النظام السوري بما يسمح بتغيير سلوكه ومن ثم يفتح المجال لتوفير بيئة آمنة لعودة اللاجئين السوريين المنتشرين في كافة الدول الأوروبية، وكذلك دول الجوار السوري والتي تتحمل أوروبا قسم مهم من تكلفة إعاشتهم. 

غير أن إعادة الأسد إلى البيئة الدبلوماسية العربية لا يوفر حتى الآن خريطة طريق واضحة تضمن تغيير سلوكه بما يجعل من عودة اللاجئين الطوعية آمنة. بل قد تؤدي على العكس من ذلك إلى زيادة ثقة الأسد في قدرته على الاستمرار على نفس نهجه في الحكم دون التحسب لعواقب ذلك من حيث الكلفة الإنسانية على المدنيين. ورغم الاتفاق العام على هدف استقرار سوريا ووحدة آراضيها وتخفيض حدة الصراع فيها، إلا أن المقاربة الأوروبية والأمريكية تختلف قليلاً عما تفترضه المقاربة الإماراتية صاحبة المبادرة في مطلب رفع العزلة عن الأسد. 

أما روسيا، فترى أن تهدئة الأوضاع على الرقعة السورية، وعودة الأمور إلى طبيعتها أمرًا محمودًا، خاصة إذا ما تلازم مع ضمان حصة وافرة لروسيا في تقاسم كعكة إعادة الإعمار. كما تتفق روسيا كذلك مع المبادرة الإماراتية في الرغبة في تخفيف النفوذ الإيراني وربما استبداله بمصالح عربية سورية أوثق. لكن الروس الذين استثمروا كثيرًا في وجودهم في سوريا لن يسمحوا للأسد بكل تأكيد بتقديم هدايا مجانية في سبيل العودة لمحيطه العربي والإفلات من عواقب الخسائر الإنسانية التي تسبب بها خلال عشر سنوات من الحرب. 

من ثم، فإن الصفقة السورية العربية للتغاضي عن ميراث الصراع السوري لابد أن تشمل أيضا حصة روسية معتبرة تُطمئن روسيا على مستقبل وجودها السوري، وتُحَصِل بها بعضٍ من نفقاتها العسكرية لإنقاذ النظام منذ تدخلها في سوريا عام 2015. أما تركيا، فتبدو أنها الأسهل في المقايضة، فالاقتصاد التركي المتردي ظمآن بالفعل لاستثمارات إماراتية موعودة وبالتالي فإسقاط الخطة الإماراتية  للسياسية التركية التوسعية في شمال سوريا لن تكون صعبة. إذ ستتمكن تركيا حتماً من تنفيذ ما تتفق عليه مع أبو ظبي في سبيل السيطرة على الميليشيات المعارضة التي ترعاها في الشمال السوري ربما للحد الذي قد يشمل تفكيكها على المدى الطويل.  

من هنا، لا تأتي صعوبة تنفيذ المبادرة الإماراتية من ضرورة تقديم القدر الكافي من الإغراءات اللازمة لكل طرف ضالغ في سوريا كي يمتثل، بل تكمن الصعوبة في تصميم سلسلة من محاور الحلول السياسية والاقتصادية التي تضمن اكتساب الثقة بين الأطراف المتضادة وبالتالي تمضي قدماً في تنفيذها. من الجهة الغربية يبدو الشرط الأساسي في تفكيك وإعادة بناء البيئة السياسية والقانونية والأمنية السورية بما يسمح لللاجئين السوريين بالعودة الطوعية دون الخوف من ملاحقات أمنية أو اعتقالات أو تصفيات جسدية. ومن جهة الروس الشرط الأهم هو إيجاد دور دائم ومستقر لنفوذهم العسكري والأمني في المشهد السوري الجديد، أياً كانت مفردات هذا المشهد.  وبين ذلك وذاك يبقى زعزعة النفوذ الإيراني في سوريا مطلب يتفق عليه الجميع – ما عدا طهران بطبيعة الحال- وهو ما يعطي أرضية مشتركة يمكن التفاوض على أساسها بين الروس والغرب وأيضا إسرائيل. 

يعني هذا أنه سيتعين على الدول العربية المبادرة أن تستدعي حلولًا جزئية وتكاملية من كل من مسار الأستانا ومسار جنيف كي ترسم مسارًا جديدًا يستقطب الفاعلين الضالعين في سوريا على أرضية مشتركة، بما يؤهل النظام السوري لإعادة إنتاج نفسه بثوب جديد يتلافى ميراثه الثقيل في الكُلفة الإنسانية التي خلفتها الحرب الأهلية. ورغم صعوبة هذه المهمة، فإن أبرز التحديات التي ستواجهها هي مسألة إقناع قطاع واسع من السوريين والفاعلين المنخرطين في سوريا بمقايضة مبدأ العدالة بمبدأ الاستقرار، وطي صفحة الحرب ونسيان ما خلفته من ويلات.     

عن "مركز الإنذار المبكر"

الصفحة الرئيسية