هل تطور الخطابُ الأمريكي تجاه فلسطين؟

هل تطور الخطابُ الأمريكي تجاه فلسطين؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
01/06/2021

ترجمة: مدني قصري

يوجّه مشرِّعون ونشطاء ومشاهير المزيد من الانتقادات لإسرائيل، لكنّ جو بايدن يواصل دعم الحكومة الإسرائيلية بكلّ إخلاص.

عندما تمّ الإعلان عن صفقة لبيع أسلحة بقيمة 735 مليون دولار لإسرائيل، فيما كانت القنابل تمطر على غزة ، أعرب التقدّميون والمدافعون عن حقوق الفلسطينيين عن غضبهم العارم في البيت الأبيض.

اقرأ أيضاً: تجار يروون لـ"حفريات" كيف دمر العدوان الإسرائيلي اقتصاد غزة

عقد الديمقراطيون في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب اجتماعاً غير رسمي، دون تأخير، لمناقشة عملية البيع.

وبحسب بعض الأنباء ينوي جريجوري ميكس، رئيس اللجنة ، إرسالَ رسالة إلى الإدارة يطلب فيها تعليق الصفقة حتى ينظر الكونغرس فيها.

هذه المبادرة من قبل الهيئة التشريعية، التي تجلب تقليدياً دعماً غير مشروط لإسرائيل ، كانت ستصبح غير مسبوقة، لقد وصفها أحدُ أعضاء الكونغرس بأنّها "لحظة فاصلة". لكن في اليوم التالي، أكّد ميكس أنّه لن يرسَل أيّ خطاب،  وأنّ عملية البيع ستمضي قدماً، قائلاً إنّ "إسرائيل لها كلّ الحقّ في الدفاع عن نفسها".

تُظهر هذه الحلقة استعداداً متزايداً للبحث مجدّداً في دعم أمريكا غير المشروط لإسرائيل، لكنها توضح في الوقت نفسه أنّ هذا الدعم لم ينمُ بعدُ بشكل كافٍ للتأثير على السياسة.

وقالت مايا بيري، المديرة التنفيذية للمعهد العربي الأمريكي "لا شك في أنّ الأمور تتغير"، مضيفة أنّ هذا التطوّر مدفوع بزيادة الاعتراف بحقوق الفلسطينيين.

اقرأ أيضاً: مصر تواصل الوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد الهدنة... كيف؟

وتقدّر مايا بيري على موقع "Middleeasteye"؛ أنّه إضافة إلى إدانات العنف الإسرائيلي الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص (بما في ذلك عشرات الأطفال)، أنّ الديناميكية الأوسع للصراع قد تم فهمها بشكل أفضل في الدوائر الأمريكية.

وقالت هذه الأخيرة للـموقع المذكور: إنّ "الأمور تتقدم، وبالتحديد فهم أنّ الاحتلال في حدّ ذاته عنف، وأنّ حرمان الفلسطينيين من حقّ تقرير المصير عنف ، وأنّ تجريد الشعب الفلسطيني من ممتلكاته عنف".

أصوات تطالب بكسر التابو 

أوضح النائب مارك بوكان، التقدّمي البارز الذي انتقد إسرائيل علانية، الوعيَ المتزايد بالنزاع، في تغريدة "يعيش الفلسطينيون في غزة في سجن في الهواء الطلق، محاصرون جواً وبراً وبحراً، مع تقييدٍ شديد للوصول إلى الماء والغذاء والكهرباء والرعاية الصحية"، وتواصل إسرائيل توسيع المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية، إنّه ليس الأسبوع الماضي فقط، بل عقودٌ من انتهاكات حقوق الإنسان".

اقرأ أيضاً: إسرائيل وفلسطين: السخط الانتقائي لأوروبا

في الكونغرس، رفع مارك بوكان، وغيره من التقدّميّين، أصواتهم من أجل حقوق الإنسان الفلسطيني، كما لم يحدث من قبل.

الأربعاء الماضي، قدّمت ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، إحدى أشهر أعضاء الكونغرس، قراراً بهدف وقف بيع أسلحة بقيمة 735 مليون دولار مع إسرائيل، في مبادرة غير مسبوقة، على الرغم من حقيقة أنّه من غير المرجّح أن يتمّ تمرير هذا الإجراء ، إلا أنّه يكسر التابوهات (المحظورات) المتمثلة في البحث مجدداً في علاقة أمريكا الأمنية بإسرائيل.

تمنح الحكومة الأمريكية 3,8  مليار دولار من المساعدات العسكرية لإسرائيل كل عام ، مما يجعلها إلى حد بعيد أكبر متلقي للمساعدات الأمريكية.

مؤخراً؛ استضاف مارك بوكان جلسة لمدة ساعة واحدة في مجلس النواب لعشرات أعضاء البرلمان للتحدث عن حقوق الفلسطينيين.

قالت إلهان عمر في تلك الجلسة: "هذا ليس صراعاً بين دولتين، هذه ليست حرباً أهلية"، "هذا صراع تسعى فيه دولة، بتمويل ودعم من حكومة الولايات المتحدة، إلى احتلال عسكري غير شرعي لمجموعة أخرى من الناس".

على الرغم من التغيير الحقيقي في الموقف تجاه إسرائيل في واشنطن، فإنّ أيّ تراصف رئيس حول القضية سيكون، على الأرجح، عملية بطيئة

والتقدميّون ليسوا وحدهم؛ بدأ الديمقراطيون التقليديون، بمن فيهم بعض المؤيدين الأقوياء لإسرائيل، يعبّرون عن عدم ارتياحهم للسياسات الإسرائيلية والحرب على غزة.

"أنا مضطرب للغاية بسبب المعلومات التي أظهرت الأعمال العسكرية الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل المدنيين الأبرياء في غزة، والاستهداف الإسرائيلي للمباني الإعلامية الدولية"، هذا ما ورد في مقدمة إعلان بشأن أزمة السناتور بوب مينينز، المؤيد المتحمّس لإسرائيل.

قام بوب منديز، الذي يرأس لجنة الشؤون الخارجية القوية لمجلس الشيوخ، بتوبيخ حماس، واتهمها بتهديد المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكنّ انتقاداته لإسرائيل تظلّ، مع ذلك، جدّ مهمة.

مسؤولون سامون يستنكرون أيضاً

كتب زعيم وكالة المخابرات المركزية السابقة، جون برينان على تويتر: "صواريخ حماس تستحق إدانة قوية، والقصف الإسرائيلي على غزة الذي قتل المدنيين عارٌ دوليّ أيضاً".

اقرأ أيضاً: التعايش السلمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين: ممكن أم خرافة؟

"إذا كانت إسرائيل تملك الشجاعة لدعم حلّ الدولتين، فإنّ المزيد من القادة والشخصيات الفلسطينية سوف يرفضون العنف ويهمّشون حماس".

كما انتقد بِنْ رودس، الذي كان نائب مستشار الأمن القومي في عهد باراك أوباما، نهج أمريكا إزاء هذه الأزمة، في رسائله على الشبكات الاجتماعية.

موقف "صادم" من بايدن

في الرأي العام والثقافة الشعبية، يبدو الآن أنّ القضية الفلسطينية هي أيضاً قضية حقوق الإنسان، على الأقل بين الليبراليين.

أُجبِر المرشحُ لانتخابات بلدية نيويورك، أندرو يانج، على العودة إلى بيانٍ جزئي كان قد عبّر فيه عن دعمه لإسرائيل، بعد أن تعرض لفيضان عارم  من اللوم على الإنترنت، لا سيما من قبل ناشطين وجهات فاعلة وسياسيين.

وقال عمر بدر، وهو محلل إسرائيلي - فلسطيني: "لقد تغيّر الخطاب العام حقاً، مقارنة بالمرة الأخيرة التي اعتدت فيها  إسرائيل على غزة، عام 2014، البيئة المحيطة بالوضعيّتَين لا علاقة لها على الإطلاق".

"نحن في الوقت الحاضر، في وضع صار فيه من الشائع جداً بالنسبة للمشاهير العظماء الذين لم يعبِّروا من قبلُ قط دون لف ودوران، أن يعترضوا الآن على جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين، ويطالبوا بمحاسبة الحكومة الأمريكية فيما يتعلق بسلوك إسرائيل".

اقرأ أيضاً: ترحيب دولي واسع بالهدنة التي توصلت إليها مصر بين الإسرائيليين والفلسطينيين

مهما يحدث فيما يخص هذا الموضوع، فإنّ الاستجابة الرسمية الأمريكية للأزمة الحالية، لا يمكن فصلها تقريباً عن الحروب السابقة: تأكيد ما تسميه واشنطن حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ورفض إدانة الانتهاكات الإسرائيلية، والدعوة إلى الكفّ عن التصعيد، وضبط النفس.

يعتقد يارا عاصي، وهو باحث ضيف على  المركز العربي واشنطن العاصمة "l’Arab Center Washington DC"؛ أنّ سياسة بايدن فيما يتعلق بهذا الصراع "مروّعة"، لا سيما بالنسبة لرئيسٍ ركّز حملته الانتخابية على التعاطف والاحتشام والأدب.

يقول يارا عاصي: "هناك شائعة تنتشر الآن حول كونهم لا يرغبون في إعطاء الأولوية لإسرائيل - فلسطين؛ لأنّ لديهم الكثير من المشاكل الداخلية، لديهم إيران، ولديهم الصين. من الواضح أنّ الوقت لم يعد مسألة اختيار، عندما تنفجر هذه الأشياء".

اقرأ أيضاً: فيسبوك تواكب العدوان الإسرائيلي على غزة بهذا القرار الجديد

اِلتزم بايدن بمتابعة سياسة أجنبية تركز على حقوق الإنسان وتعددية الأطراف، وغالباً ما يستدعي وزير خارجيته، أنتوني بلينكون "النظامَ القائم على القواعد"، كأساس للدبلوماسية الأمريكية، لكنّ هذه القواعد يبدو أنّها غير قابلة للتطبيق عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.

على سبيل المثال، لم تقم الإدارة بإدانة حملة الإزاحة والهدم القسري للبيوت من قبل إسرائيل ضدّ الفلسطينيين في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية، واكتفى البيت الأبيض، ببساطة، بالتعبير عن "قلقه" حول موضوع نشاط إسرائيل الاستيطاني فيما يصفه العديد من الخبراء حول العالم، بانتهاك القانون الدولي.

تقوم الإدارة بتعطيل نداءات الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار الفوري، وترفض الطلب بتحقيق ذلك علناً، بناء على طلب العشرات من المشرّعين الديمقراطيين، بما في ذلك زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، المؤيد الحازم لإسرائيل.

تقاوم الإدارة الأمريكية الضغوط، مدّعية التركيز على الدبلوماسية الهادئة.

اقرأ أيضاً: ما الحقائق التي يكشف عنها العدوان الإسرائيلي على غزة؟

"لسوء الحظ، السياسة هي آخر ما يأتي تغييره، يقول عمر بدار؛ "هذه الأشياء ما تزال تتطور من أسفل إلى أعلى"، "يبدأ الأمر من نشطاء القاعدة الذين يوجّهون الإنذار حول ما يحدث، ويطالبون بسياسة أفضل، وتنتقل هذه المعلومات، يتغير الخطاب العام، والحلقة الأخيرة ستكون تغيير السياسة، كلّ هذا هو مقدّمة لتغيير سياستنا الأمريكية القادمة".

رابط "خاص" مع إسرائيل

في حين أنّ المدافعين عن الحقوق الفلسطينية يعملون على تغيير الطريقة التي يُنظَرُ بها إلى الموضوع، تسعى الجماعات الموالية لإسرائيل جاهدة، من جانبها، لتصوير إسرائيل كضحية، وتمرّر انتقادات  للجهلة أو الداعمين لحماس، التي تُعدّ منظمة إرهابية في الولايات المتحدة.

يبثّ اللوبي المؤيد لإسرائيل "AIPAC" حملات دعائية رقمية تستهدف أعضاء الكونغرس البارزين، فيما يتعلق بإسرائيل، بما في ذلك مارك بوكان، ورشيدا طالب، إحدى هذه الإعلانات تُظهر وجهَ النائبة إلهان عمر على خلفية صواريخ تحلق فوق تل أبيب، مع الأسطورة التالية: "عندما تستهدف إسرائيل حماس، فإنّ النائبة تصف هذا بـ "العمل الإرهابي".

اقرأ أيضاً: نواب أمريكيون يسعون لمنع بيع صفقة أسلحة لإسرائيل.. هل ينجحون؟

لكنّ العديد من الديمقراطيين، بمن فيهم رئيسة النواب، نانسي بيلوسي، صاروا صدى للدعم غير الحرج الذي يقدمه بايدن إلى حكومة نتنياهو.

هناك العديد من العوامل المعقّدة التي تحفّز دعمَ واشنطن لإسرائيل، منذ فترة طويلة ظلّ تسليح إسرائيل والدفاع عنها يشكل مصلحة إستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والتي تعود إلى الحرب الباردة، عندما عدَّت إسرائيل الثقل الأمريكي الموازن في مواجهة الأنظمة العربية المدعومة من قبل السوفييت.

يقع هذه الرابط الأمريكي "الخاص" مع إسرائيل في قلب نهج واشنطن الجيوسياسي في المنطقة.

لخّص بايدن الاهتمام الإستراتيجي لأمريكا في تزويد إسرائيل بالوسائل، في خطاب في مجلس الشيوخ، عام 1986، حيث وصف فيه المساعدة الأمريكية للحكومة الإسرائيلية باعتبارها "استثمار".

إذ قال بايدن: "لو لم يكن هناك إسرائيل، لكان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تخترع "إسرائيل" لحماية مصالحها في المنطقة".

غالبا ما تستفيد مواقف واشنطن الإستراتيجية طويلة الأجل من دعم ثنائي يتجسد في سياسات متماسكة بين الإدارات المختلفة.

وهكذا، على الرغم من التغيير الحقيقي في الموقف تجاه إسرائيل في واشنطن، ومن خلال الولايات المتحدة، فإنّ أيّ تراصف رئيس حول القضية سيكون، على الأرجح، عملية بطيئة.

فلنأخذ، على سبيل المثال، التحالف الأمريكي مع المملكة العربية السعودية، الأكثر فأكثر إثارة للجدل، ألقى الديمقراطيون، بالإجماع تقريباً، باللوم على المملكة، ودعوا إلى إعادة مراجعة التحالف مع الرياض.

قال الرئيس الأمريكي جو بايدن: لو لم يكن هناك إسرائيل، لكان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تخترع "إسرائيل" لحماية مصالحها في المنطقة

لكن رفضت إدارة بايدن فرضَ عقوبات على السعودية، لأنّ واشنطن أرادت تجنّب "قطيعة في العلاقات مع الرياض".

هكذا، فيما يتعلق بإسرائيل، التي ما تزال تتمتع في الكونغرس بدعم أكبر بكثير من المملكة العربية السعودية، لا بدّ من بعض الوقت حتى ينعكس تطورُ الرأي العام، وعند بعض السياسيين، على السياسة.

"أودّ أن يكون الأمر أسرع، لكن يبدو أنّه لا بدّ من تغيير تدريجي على بعض الناس"، تقول مايا بيري، في أسف وحسرة، "ولهذا السبب لن تكلّ جهودُنا ومرافعاتنا".

وأضافت أنّ الأمريكيين يحقّ لهم أن يطالبوا بألّا تذهب أموالُ ضرائبهم في انتهاك حقوق الإنسان.

"لا بدّ من طرح أسئلة صعبة على هؤلاء الأعضاء في الكونغرس، الذين يرغبون في التحدث عما يحدث في اليمن، والذين يرغبون في التحدث عما يحدث في الصين بحق، لكن الذين يفقِدون ألسنتهم عندما يتعلق الأمر بإسرائيل".

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

www.middleeasteye.net/fr

الصفحة الرئيسية