هل سيتحول الصراع في السودان إلى حرب أهلية شاملة؟.. قراءة في الواقع والمعطيات

هل سيتحول الصراع في السودان إلى حرب أهلية شاملة؟.. قراءة في الواقع والمعطيات

هل سيتحول الصراع في السودان إلى حرب أهلية شاملة؟.. قراءة في الواقع والمعطيات


08/05/2023

مع تواصل العمليات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي اندلعت في العاصمة السودانية الخرطوم في 15 نيسان (أبريل) الماضي، وعدم استجابة الطرفين لنداءات وقف الحرب والجلوس إلى طاولة حوار من أجل حلحلة الخلافات بينهما، بدا مستقبل السودان برمته كدولة وكيان بين كفّي عفريت، الأمر الذي دفع بكثيرين، على رأسهم الأمين العام للأمم المتحدة، إلى إبداء خشيتهم من أنّ عدم إنهاء الصراع الراهن بين الطرفين المتنازعين بالسرعة اللازمة قد يحوله إلى حرب أهلية مدمرة، وفقاً لأنطونيو غوتيريش، وحذّر رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك الأسبوع الماضي من خطورة تفاقم النزاع في السودان وتحوله إلى أحد أسوأ الحروب الأهلية في العالم، في حال لم يتم وضع حدٍّ له، وأضاف: "إذا كان الصراع في السودان سيصل إلى حرب أهلية حقيقية؛ فإنّ ما يدور في سوريا واليمن وليبيا سيكون مجرد مبارزات صغيرة إزاءه".

لا أحد يعرف قادة طرفيّ الحرب في السودان مثل عبد الله حمدوك، فقد عمل معهما منذ 21 آب (أغسطس) 2019، حين أدّى اليمين الدستورية كأول رئيس وزراء للحكومة المدنية الانتقالية التي تولت إدارة السلطة التنفيذية في البلاد عقب سقوط نظام عمر البشير في نيسان (أبريل) 2019، قبل أن يطيحا بحكومته في انقلاب عسكري في 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، ويضعانه قيد الإقامة الجبرية، ثم يفرجان عنه بتوقيع اتفاق سياسي مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، لكنّه سرعان ما تقدّم باستقالته في 2 كانون الثاني (يناير) 2022، ومنذ ذلك الوقت وحتى لحظة خروج الطلقة الأولى من بندقية أحد الطرفين، ظل السودان يُدار بدون حكومة وبمعرفة قائد الجيش ومجموعة صغيرة من كبار الضباط الذين تربطهم صلات مباشرة وغير مباشرة بجماعة الإخوان المسلمين، فيما كانت الهوة بينهم وبين قائد قوات الدعم السريع تتسع يوماً بعد آخر، إلى أن وصلت ذروتها بُعيد اعتذاره عن مشاركته في انقلاب 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، وإقراره بفشله، ثم توقيعه على الاتفاق الإطاري ودعمه للاتفاق السياسي الذي كان سيفضي إلى تشكيل حكومة انتقالية مدنية وإعادة الجيش والدعم السريع إلى ثكناتهما وسحبهما من الفضاء السياسي، الأمر الذي قطع (شعرة معاوية) بينه وبين قادة الجيش من جهة، وبينه وبين جماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى، ممّا سرّع باندلاع الحرب بينهم.

حضور القبلية في المشهد السياسي

وبينما تستمر الحرب وتغيب الإرادة السياسية للطرفين من أجل إيقافها، فرّ أكثر من (100) ألف شخص من البلاد منذ اندلاع الاشتباكات حتى الآن، بحسب الأمم المتحدة، وتتوقع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أنّ حوالي (800) ألف شخص قد يغادرون البلاد في الأيام والأسابيع المقبلة في حال استمرار المعارك.

لا أحد يعرف قادة طرفيّ الحرب في السودان مثل عبد الله حمدوك، فقد عمل معهما منذ 21 آب (أغسطس) 2019

إلا أنّ ذلك يبدو أمراً هيناً مقارنة بالسيناريوهات الأخرى التي قد تنجم عن استمرار القتال الضاري بين الطرفين، خصوصاً إذا ما اتخذ القتال بُعداً قبلياً وجهوياً، فالواقع الاجتماعي في السودان مرتبط بنيوياً بالانتماء القبلي، حيث تمثل المكونات الاجتماعية حواضن آمنة لمنسوبيها في بلد لا يكاد يُرى فيه أثر لوجود الدولة -إلّا لماماً- منذ عقود طويلة.

وفي هذا السياق، تمّ تأسيس ميليشيات قبلية مسلحة مساندة للجيش من قبل النظام السابق، على رأسها ميليشيا الجنجويد التي يعتبر كثير من المراقبين أنّ قوات الدعم السريع تمثل النسخة الأكثر تطوراً منها، كما أنّ جُلّ الحركات المسلحة التي تمردت على الحكومة المركزية في الخرطوم نشأت في الإطار نفسه.

بينما تستمر الحرب وتغيب الإرادة السياسية للطرفين من أجل إيقافها، فرّ أكثر من (100) ألف شخص من البلاد منذ اندلاع الاشتباكات حتى الآن، بحسب الأمم المتحدة

ويُعتقد على نطاق واسع أنّ نظام الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين) الذي حكم البلاد نحو (30) عاماً أغلق بعض الوظائف في جهاز الدولة على قبائل بعينها، وإن كانت القبيلة في السودان في الأصل حاضرةً في المشهد السياسي منذ استقلال البلاد في العام 1956، ولم تكن بعيدةً عن هذا الملعب مع القوى المدنية والحديثة، وفقاً لوجهة نظر الصحفية السودانية شمائل النور.

نزاعات قبلية

ومع سقوط نظام البشير، وإقصاء الإسلاميين عن السلطة، عملوا بالتعاون مع بعض مكونات الحكومة الانتقالية على تغذية وتأجيج الصراعات القبلية التي عمّت معظم أنحاء السودان، وراح ضحيتها مئات القتلى وآلاف الجرحى، ففي أيار (مايو) 2019؛ أي بعد أسابيع قليلة من إطاحة النظام السابق، اشتعلت مدينة القضارف (شرق السودان) بنزاع بين قبيلتي بني عامر والنوبة، أفضى إلى قتل شخص واحد على الأقل وجرح العشرات، قبل أن تتمكن الجهود الشعبية من احتوائه في غياب تام للمجلس العسكري الانتقالي الذي كان يحكم البلاد وقتها، قبل أن ينتقل الصراع إلى كسلا وبورتسودان أكبر مدينتين في الشرق نفسه، وبين الجماعتين نفسهما، حيث شهد الصراع إحراقاً للمنازل وحوادث نهب وسلب وإتلاف للممتلكات، ونجم عنه موت العشرات وإصابة المئات دون أن تتدخل القوات الأمنية إلّا في إطار محدود، ولصالح أحد أطراف الصراع ضد الآخر، كما يرى كثير من المراقبين والراصدين لتلك الأحداث.

يشهد المجمتع السوداني في الواقع، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، استقطاباً  قبلياً وجهوياً حاداً تقوده مجموعات منظمة مؤيدة لطرفيّ النزاع

وبجانب ذلك اندلعت نزاعات قبلية دامية في غرب السودان (دارفور) بين ما تُسمّى بالجماعات العربية والأفريقية، وكذلك نزاعات أكثر ضراوة بين قبائل الهوسا والفونج في جنوب النيل الأزرق على التخوم الإثيوبية، حيث شهدت قرى ومدن الإقليم القتل على الهوية والحرق والسلب والتهجير، وقد قتل على إثره المئات وأُصيب الآلاف.

احتقان المجتمع

وفي ظل هذا الواقع الاجتماعي المُتأجج والمُفكك، ومع غياب الدولة التام وتمركزها في الخرطوم، أصبحت عاصمة البلاد هي الملاذ الأكثر أمناً وأماناً، فهاجر إليها معظم سكان البلاد، قبل أن تفاجئهم بجحيمها الراهن، ليعودوا أدراجهم مرة أخرى، أو ليغادروا لاجئين خارج البلاد. 

اندلعت نزاعات قبلية دامية في غرب السودان (دارفور) بين ما تُسمّى بالجماعات العربية والأفريقية

الآن، يشهد المجمتع السوداني في الواقع، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، استقطاباً  قبلياً وجهوياً حاداً تقوده مجموعات منظمة مؤيدة لطرفيّ النزاع، وذلك من خلال توصيفه على أنّه صراع بين الجماعات التي تقطن شمال ووسط السودان على امتداد النيل باعتبارها المهيمنة على مفاتيح الثروة والسلطة في البلاد منذ استقلالها وحتى اللحظة، وهذه تؤيد الجيش، وتهيمن على قيادته ومفاصله بنسبة كبيرة، كما يقول المناوئون لها من الجماعات الأخرى عربية كانت أم أفريقية، والتي تعيش في أقاصي البلاد، خاصة في غرب وشرق وجنوب شرق وجنوب السودان، ومنها الجماعات العربية في دارفور، التي تميل إلى تأييد قوات الدعم السريع والدفع بها إلى الاستمرار في الحرب، والعمل على تغيير موازيين القوى في المؤسسة العسكرية والسياسية والاقتصادية، بحيث يجد جميع المواطنين السودانيين فرصاً عادلة في الحصول على الوظائف العامة والرتب العسكرية العليا والمنافسة في الأنشطة الاقتصادية والسياسية.

ربما هذه الحالة من الاستقطاب هي التي دفعت الأمين العام للأمم المتحدة إلى التحذير من أنّ استمرار الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع قد يحوّله إلى حرب أهلية شاملة، ووصف رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك حروب ليبيا وسوريا واليمن أنهّا ستكون محض "مبارزات صغيرة" إزاءها، إذا ما اندلعت.

مواضيع ذات صلة:

البرهان وحميدتي إلى طاولة حوار... والشعب السوداني إلى كارثة إنسانية

صراع السودان في أسبوعه الثالث... اتهامات متبادلة ووضع إنساني يتفاقم

الإخوان في السودان... بيانات الفتنة تستمر



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية