هل صار ماكرون وفرنسا عقدة أردوغان؟

هل صار ماكرون وفرنسا عقدة أردوغان؟

مشاهدة

21/11/2021

تتفاقم بوما بعد بوم حساسيات أردوغان ضد زعماء وشخصيات لتنعكس سلبا على العلاقة مع دولهم وتتطور الى نوع من العقدة المستعصية.

وبعد الخلاف الحاد بين اردوغان وماكرون حول عدد من المفات والقضايا ومنها تحركات تركيا شرق المتوسط واستخدام ملف الهجرة لابتزاز اوروبا واصطفاف فرنسا الى جانب اليونان، يبرز اليوم الملف الليبي كعقدة خلافية تتصدر المشكلات القائمة بين البلدين.

في نظر انقرة لا ينبغي لفرنسا أن تمارس نشاطا سياسيا في ليبيا  على هذا المستوى وتتذرع بالقول كانت لباريس علاقة غامضة مع نظام الحاكم الليبي الراحل معمر القذافي.

 على مدى القرن ونصف القرن الماضي لم تكن فرنسا بعيدة عن ليبيا، وكانت لديها استراتيجية متماسكة.

تاريخ العلاقات الفرنسية الليبية مليء بالتغيرات الدبلوماسية. إنها علامة على فهم عميق للواقع المحلي وهي علامة على تفرد فرنسي في التفسيرات الخاصة بها والتي لا تناسب فهم انقرة.

 وبحسب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإن استئناف العلاقات الثنائية وعودة فرنسا إلى ليبيا ضرورة استراتيجية. ومع ذلك ، تدهورت العلاقات في عام 2019، حيث قدمت باريس الدعم الكامل للجنرال الليبي خليفة حفتر بينما كانت تؤيد حكومة الوفاق الوطني الشرعية في طرابلس بقيادة فايز السراج، وهنا ازداد الخلاف مع انقرة بسبب تفردها بالوضع في ليبيا وارسالها جماعات مرتزقة الى هناك.

في مايو 2018، استضافت فرنسا اجتماعًا في باريس جمع قادة ليبيا الأربعة المتنافسين الرئيسيين للمصادقة على خريطة طريق لعملية السلام المتوقفة في البلاد، والتي كان من المقرر أن يقرها أصحاب المصلحة الرئيسيون، بما في ذلك الأمم المتحدة.

دعت مسودة الاتفاقية المقترحة ليبيا إلى تنظيم انتخابات بحلول نهاية عام 2018، ودعم اعتماد إطار دستوري، وإعادة دمج القوات العسكرية من خلال الحوار الأمني ​​الذي تقوده مصر، وإعادة توحيد المؤسسات المالية.

قام ماكرون بمحاولات عديدة  للجمع بين المتحاربين الرئيسيين في النزاع الليبي المسلح، حفتر والسراج وذلك ما كان يزعج انقرة التي كانت تريد حربا بلاهوادة ضد حفتر ومصطفة مع السراج.

وللتغطية على ارسال المرتزقة والسلاح الى ليبيا راحت انقرة تتهم باريس اتهامات مماثلة من قبيل ان  للفرنسيين وجود عسكري في الدولة الواقعة في شمال إفريقيا.

كانت  فرنسا تراقب  الصراع الليبي عن كثب منذ بداية الانتفاضة الليبية ضد القذافي عام 2011. وربما لعبت فرنسا دورًا رئيسيًا في القبض على القذافي، وفقًا لمصادر عسكرية حول استهداف موكب الزعيم الليبي، مما أدى إلى اعتقاله و الإعدام بإجراءات سريعة من قبل قوات المنتفضين.

كشف تحقيق أجرته صحيفة لوموند الفرنسية في فبراير 2016 أن فرنسا نشرت سرا قواتها الخاصة والذراع العملياتي المسمى "العمل الخدمي" للمديرية العامة الفرنسية للأمن الخارجي لشن ضربات دقيقة للغاية ضد أهداف تم تحديدها على أنها تابعة لـ داعش في ليبيا. كان هدفها احتواء التطور النهائي لتهديد داعش في ليبيا وذلك اسهم في نوع من الاستقرار في ليبيا وهو ما لم تفعله انقرة.

على الرغم من أن باريس لم تعترف رسميًا بتزويد حفتر بالأسلحة والتدريب والمساعدة الاستخباراتية الا ان انقرة تتهم  باريس بأنها شاركت على منذ عام 2015 في تدريب قوات حفتر العسكرية. قررت باريس، بأوامر من لو دريان ، الذي كان وزيرًا للدفاع في إدارة الرئيس السابق فرانسوا هولاند، على اساس أن حفتر سيكون الرجل القوي التالي الذي يحكم البلاد.

في 12 نوفمبر، استضافت باريس، للمرة الثانية خلال ثلاث سنوات، مؤتمرا دوليا حول ليبيا، مما دفع الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 24 ديسمبر إلى الأمام بينما تم تأجيل الانتخابات التشريعية إلى يناير 2022.

وهكذا، وضعت باريس نفسها هذه المرة كوسيط "ذي صلة" في الأزمة الليبية لعدم دعمها العلني لأي مرشح معلن لانتخابات 24 ديسمبر. بمعنى آخر، ليس لديها مرشح. ومع ذلك، فإن سياستها الواقعية بقيادة لو دريان، تُظهر بوضوح أن باريس تقف وراء اي مرشح يحول دون التواجد العسكري والمخابراتي التركي – الروسي وهو ما يزعج اردوغان بشدة فيناوئ ماكرون لانية وسرا ولهذا لم يكن مستغربا عدم مشاركة أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ذلك المؤتمر لأنهما مصنفان من جانب فرنسا على انهما معرقلان رئيسيان لاية حلول للأزمة الليبية.

كان مؤتمر باريس الثاني فرصة لماكرون لتأكيد سياسته تجاه ليبيا. ومع ذلك، فإن التطورات المعقدة الجارية على الأرض تجعل شكوك انقرة تتجه  نحو دعم فرنسا لحفتر.

أدى تكتيك اللعبة المزدوجة الذي تتبعه فرنسا في ليبيا إلى ظهورها على الساحة العامة كوسيط سلام بينما تراهن على محاصرة مروجي الحرب من خلف الكواليس وهما اردوغان وبوتين.

 تعرف باريس جيدًا أن سياستها الخاصة بالمغرب العربي، مثل سياستها العالمية في منطقة الساحل، وبالتالي سياستها الخارجية بأكملها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تنبع من كونها واحدة من الدول ذات الثقل والتي لديها خلفيات استعمارية سابقة وخبرة بالمنطقة في وقت يواجه ماكرون انتخابات رئاسية حاسمة الربيع المقبل، والسياسة الخارجية ليست أقوى نقاطه لكنه لا يريد لفرنسا ان تتخلى عن ادوارها الاقليمية والدولية.

مخرجات مؤتمر باريس الثاني اكدت سياسة ماكرون تجاه ليبيا، حتى فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية التي تلت الانتخابات الرئاسية في ديسمبروالانتخابات التشريعية في يناير2022 في أعقاب عملية إعادة الإعمار، حيث ستكون فرنسا حاضرة بينما تسعى تركيا وروسيا  الى ان تلعب دورًا رئيسيًا في إعادة الإعمار وعملية صنع القرار السياسي. وهو ما يزعج باريس.

باختصار، أظهر مؤتمر باريس الثاني أن ليبيا لا تزال رهينة لجهات داخلية غير متجانسة تعمل بأجندات وإيديولوجيات متعاكسة. لقد خلق الكثير من اللبس بين القوى الإقليمية والدولية الرئيسية وكانت  باريس تسعى لانهاء الوضع الراهن.

 باريس لاتريد أن ترى ليبيا وهي تتحول إلى الصومال أو السودان بفضل تدخلات اردوغان وبوتين وغيرهما كما لن تسمح مصر أبدًا بتحول ليبيا إلى دولة مليشيات أو تقسيمها إلى ثلاث دول.

وبالتالي ، ترتبط سياسة باريس تجاه ليبيا بسياستها العالمية في منطقة الساحل حيث يحتاج أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية إلى الحماية. لذلك ، يجب على انقرة ان تفهم ذلك جيدا وخاصة بعد ان تحولت فرنسا وماكرون الى حجر هثرة امام سياسات انقرة التوسعية في ليبيا.

عن "أحوال" تركية


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية