هل كان حاتم الطائي أكرم العرب حقاً؟

هل كان حاتم الطائي أكرم العرب حقاً؟

مشاهدة

07/01/2021

لقرون عديدة متعاقبة، عُدّ الأشخاص الذين يستأثرون بالإقدام أو بالسخاء، أبطالاً غير مُنَازَعين، وقد تسابقت الثقافات البشرية لتبجيل هؤلاء الخارقين للمعتاد من سلوكيات البشر. وما أن بزغ القرن العشرون، وبزغت معه الفلسفات والنظريات التواصلية والتفاعلية والتبادلية والتشاركية، حتى راحت هالات أسطورية كثيرة تفقد وهجها وبريقها، بعد أن صار الإصرار على احتكار أدوار العطاء والتضحية والفداء من جهة وعدم تقبل ما يمكن أن يقدمه الآخرون من جهة ثانية، ضرباً من ضروب الأنانية التي قد تبلغ حد النرجسية الفاقعة !

 

تدفقت أسطورة حاتم الطائي من العصر الجاهلي إلى صدر الإسلام فالعصر الأموي فالعصر العباسي، وما زالت حتى اللحظة تتمتع بوهج قوي

 

وسواء كان الجواب المنسوب للرسول صلى الله عليه وسلم - في سياق ردّه على تساؤل عدي بن حاتم الطائي عن مصير والده - صحيحاً أو ضعيفاً أو موضوعاً، فإنّ هذا الجواب يلخّص لنا تمييزاً دقيقاً، بين حب الظهور والخلود على ألسنة الناس وبين الرغبة الحقيقية في الإحسان للفقراء والمحتاجين بعيداً عن تلميع الذات؛ أي إنّ الإسلام بتّ بعد مرور سنوات قليلة على وفاة حاتم الطائي، بأنّه طلب الخلود الدنيوي وقد تحقق له ما طلب !

اقرأ أيضاً: لماذا انتقد نولدكه الشعر الجاهلي ثم طالب الألمان بالاقتداء به؟

مع ذلك، فقد تدفقت أسطورة حاتم الطائي من العصر الجاهلي إلى صدر الإسلام فالعصر الأموي فالعصر العباسي، وما زالت حتى اللحظة تتمتع بوهج قوي، في وجدان وعقول عشرات الملايين من العرب المأخوذين بقصة إقدامه على نحر فرسه كي يطعم الفقراء؛ ما يدفعنا لتفكيك هذه الأسطورة على النحو التالي :

أولاّ: تشير المصادر القديمة إلى أنّ حاتماً الطائي، ورث ولعه الشديد بالكرم من أمه (عتبة بنت عفيف) التي اضطر أشقّاؤها للحجر عليها بعد أن راحت تفرّق مالها بين الناس! إنّ سؤالنا بهذا الخصوص هو: متى يضطر الأقربون لممارسة حقهم في الوصاية على الثري؟ والجواب البديهي هو: حينما يتجاوز حد الكرم المعتاد بين الناس ويبلغ حد التهور الذي من شأنه أن يفرغ العطاء من مضمونه الحقيقي ويجعله أقرب إلى الحماقة .

اقرأ أيضاً: هل خَلَت الأندلس من المعتزلة حقّاً؟

ثانياً: تشير المصادر القديمة أيضاً، إلى أنّ حاتماً الطائي قد أقدم على نحر بعض إبل أبيه، ثم وهب ما تبقى منها لشعراء الجاهلية العتيدين (النابغة ولبيد وبشر) طمعاً في نيل مديحهم له ولأبيه؛ ما اضطر والده إلى مغاضبته والارتحال بعيداً عنه! وسؤالنا بهذا الخصوص هو: متى يضطر الأب إلى هجر ابنه رغم حاجته الماسة له؟ والجواب هو: حينما يتجاوز هذا الابن سقف كل التوقعات ويغدو شخصاً خارجاً عن السيطرة !

اقرأ أيضاً: لماذا انضم الناصر العباسي لحركة الفتوّة؟

ثالثاً: تشير المصادر القديمة أيضاً وأيضاً، إلى أنّ حاتماً اضطر مع زوجته ماوية لتعليل أبنائهما بالغناء حتى ينسوا جوعهم ويناموا، ثم اضطر لتعليل زوجته الجائعة بالغناء لتنام وتنسى جوعها، فتظاهرت بالنوم حتى حضرت الجارة الفقيرة طالبة منه ما يقيم أودها وأود أبنائها الجياع، فما كان منه إلا أن نهض واستل حربته ونحر فرسه، ثم أشعل ناراً وطلب منها أن تحضر أولادها ليقطعوا من لحم الفرس ويشووا ويأكلوا حتى يشبعوا، كما أيقظ جيرانه ليقطعوا ويشووا ويأكلوا أيضاً. وسؤالنا بهذا الخصوص هو: لو لم تحضر الجارة التي تكفّل ما فعله حاتم لإطعامها وإطعام أبنائها بتأبيد أسطورته؛ هل كان سينحر فرسه لإطعام زوجته وأبنائه حتى ينقذهم من الجوع، أم أنه لن يفكر بذلك انطلاقاً من معرفته بأنّ هذا الفعل يُعدّ واجباً معتاداً ومتوقعاً من أي رجل تجاه عائلته، وبالتالي فهو لن يعود عليه بأي فائدة تذكر على صعيد توسيع نطاق شهرته وتأكيدها؟

 

الطريف في الأمر، أنّ حاتماً أصاب بنحر فرس واحدة، ما لم يصبه هرم بن سنان والحارث بن عوف اللذان حقنا دماء عبس وذبيان

 

ورغم أننا لسنا بحاجة للزعم، بأنّ الأسئلة الآنفة جديرة بتقويض أسطورة حاتم بالاستناد إلى الأسطورة ذاتها، إلا أننا سنضيف إليها قناعتنا بأنّ المصادر القديمة وهي تَسُوق ما يفترض بالمتلقي التقليدي أن ينظر إليه بعين الانبهار، لم تفعل أكثر من تأكيد نرجسية حاتم الطائي التي لُخّصت بالجواب المنسوب للرسول صلى الله عليه وسلم (إن أباك كان يحب أن يُذكر)؛ فالكرم عند عرب الجاهلية، لم يكن سلوكاً استثنائياً، بل كان جمعياً وقسرياً؛ لأنه مثّل أحد قوانين المرور الذي جرى التوافق على إرسائه وتعميمه للمحافظة على حياة الجميع . وقد عُدّ الخروج عليه تمرّداً صريحاً على الدستور الشفوي الناظم لتلك الصحراء القاحلة والقاسية .

اقرأ أيضاً: هل كان الصعاليك فرساناً اشتراكيين؟!

والطريف في الأمر، أنّ حاتماً قد أصاب بنحر فرس واحدة، ما لم يصبه هرم بن سنان والحارث بن عوف اللذان حقنا دماء عبس وذبيان، ووضعا حداً لحرب طاحنة امتدت أربعين عاماً؛ فالتزما بديّات الطرفين، وقدّما عن طيب خاطر ثلاثة آلاف ناقة. وكأنّ السياق التاريخي والاجتماعي والعقلاني الذي أظَلّ هذا السلوك الخارق والنبيل لم يرتفع - من حيث الإبهار والإدهاش - إلى مستوى السياق الخرافي واللامعقول الذي أظَلّ حكاية إقدام حاتم الطائي على نحر فرسه !

الصفحة الرئيسية