هل يجتمع الرفيع والوضيع في شخص المبدع؟

هل يجتمع الرفيع والوضيع في شخص المبدع؟

مشاهدة

17/05/2021

طالما استرعى انتباهنا المثقفون الذين يحلّقون عالياً في إبداعهم، ثم يجنحون للطيران المنخفض على صعيد سلوكهم الشخصي، بدءاً من البحتري مروراً بالأصفهاني وليس انتهاء بالحريري. وطالما انتحل الدارسون المداخل النقدية، التي يمكن أنّ تفسّر هذا التفاوت الشديد بين سيكولوجية بعض المبدعين ومنتجهم الإبداعي.

وأحسب أنّ التوحيدي بوجهٍ خاص، قد استأثر بنصيب الأسد من عناية الباحثين المدفوعين بالتساؤل عن هذا التضاد الشديد بين مكتوبه وسلوكه. ومما أجّج هذه العناية أنّ التوحيدي لا يُبدع في التعبير عن حالات تساميه الفكري فقط، بل إنه يبدع أيضاً في التعبير عن حالات تصاغره الشخصي، رغم أننا لا نقرّه على هذا التصاغر.

في ضوء استقرائنا العميق لمجمل ما أبدع، فإن أبا حيان التوحيدي الذي عاش أكثر من مئة عام (310-410 هـ)، قد كان يعاني حالة متقدمة من حالات تدنّي التقدير للذات

وفي ضوء استقرائنا العميق لمجمل ما أبدع، فإنّ أبا حيان التوحيدي الذي عاش أكثر من مئة عام (310-410 هـ)، قد كان يعاني حالة متقدمة من حالات تدنّي التقدير للذات التي يصعب القطع بتحديد سببها الحقيقي؛ فقد يتمثّل في سوء المعاملة التي تلقّاها في طفولته، وقد يتمثّل في فقر عائلته، وقد يتمثّل في سوء الحظ الذي لاحقه وتأخّر به عن إدراك ما أدركه أقرانه الذين يقلّون عنه ثقافة وموهبة. لكن ما نستطيع الجزم به هو أنه، لم يستطع طوال عقود من عمره المديد، أنّ يتجاوز هذا الشعور الممض بِضَعَةِ الحال، أسوة بكثير من الذين تجرّعوا المرارات والخيبات في طفولتهم وصباهم، ثم ألقوا بها خلف ظهورهم، وانطلقوا في ميادين الحياة بكل توثّب وثقة .

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟

ومما زاد من ثقل هذه الحالة التي كان التوحيدي يرزح تحتها، وربما كان من نتائجها أيضاً، سوء ظنّه الشديد بالدنيا والناس، ونزوعه إلى التشكّي والتذمّر الدائم، ما جعل الناس ينفضّون عنه، لما خبروه فيه من نقمة على نفسه وعلى الآخرين. ومن المستغرب فعلاً أنّ يواظب على ندب حظّه لأنه ورّاق، مع أنّ كثيراً من أنداده وأساتذته كانوا راضين بالعمل في الوراقة التي كانت تدرّ على بعضهم دخولاً تكفيهم للعيش في بحبوحة، بل إنّ التوحيدي كان ورّاقاً مشهوراً بنسخ كتب الجاحظ، ولو راجعنا أخبار بعض الورّاقين في القرن الرابع الهجري، لراعنا قدر الأجور التي كانوا يتقاضونها، إلى درجة أنّ صفحة واحدة بخط هذا الناسخ أو ذاك، كانت تُعدّ ثروة كبيرة.

رد فعل التوحيدي جرّاء إقدام العيّارين على نهب مقتنيات بيته يظهر انهياره النفسي، ويؤكد أنّه غير مؤهل للتعامل مع حالات الفقد المادي أو المعنوي

ويبدو أنّ هذا الاتّضاع الشديد في شخصية التوحيدي، قد أدّى به إلى عدم القدرة على تقبّل الخسارات المادية التي يمكن أنّ يتعرض لها الناس من آن لآخر، فيحتسبها معظمهم عند الله ويتابعون حياتهم؛ فرد فعله جرّاء إقدام العيّارين على نهب مقتنيات بيته يظهر انهياره النفسي، ويؤكد أنّه غير مؤهل للتعامل مع حالات الفقد المادي أو المعنوي، رغم أنه تسبّب لنفسه بذلك على الأغلب، فقد عرّض بالعيّارين وأفصح عن أسماء بعض عُرفائهم. ولا ريب في أنّ تهالكه الشديد في التعبير عن هذا المُصاب لا يمثّل أحد أبرز الأسباب التي حالت دون بلوغه المنزلة التي حلم بها عند ابن العميد وعند ابنه فقط، بل هو يمثّل أحد الأسباب التي جعلتهما يعرضان عن تعويضه عن خسارته المادية ويشعران تجاهه بالاحتقار. 

اقرأ أيضاً: هل يؤثر المثقف في مجتمعه أم يتأثر به؟

ومن أبرز ملامح تدنّي تقدير الذات عند التوحيدي، قلّة اعتنائه بهيئته ونظافته الشخصية، في زمن بلغت فيه العناية بالأناقة مبلغاً عظيماً، إلى درجة يمكننا الزعم معها بأن المثقفين كانوا ينفقون على هندامهم أموالاً طائلة، حتى يظلوا محقّقين لشروط الحظوة عند الأمراء البويهيين ووزرائهم. ومن نافل الحديث التذكير بأنّ التهاون في الاعتناء بالمظهر الشخصي كان وما زال وربما سيظل، من أبرز المؤشّرات على وجود اختلال عميق في احترام الإنسان لنفسه، فما بالك إذا تعلق الأمر بمثقف يقف على خط التّماس المباشر بحكم مهنته، مع نخبة المجتمع البغدادي المُتْرفة.  

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟

ومما يؤكد ما زعمناه آنفاً، أنّ التوحيدي كان قليل التقيّد بآداب المجالس المرعيّة في عصره؛ فنراه يتصدّى للجواب والتعليق والاستدراك دون إذن وبغير قليل من الاعتداد والتبجّح!، ما دفع بالصاحب بن عبّاد إلى استبعاده من مجلسه ووقف مستحقاته بوصفه ورّاقاً من ورّاقي مكتبته لمدة 3 سنوات. والغريب في الأمر أنّ التوحيدي احتمل هذا الإعراض المذلّ من الصاحب مدة طويلة، ولم تحدّثه نفسه بالابتعاد فوراً صوناً لكرامته. ولسنا بحاجة للتذكير طبعاً بأنّ هذه الانفلاتات السلوكية التي يصعب التنبؤ بها، تمثّل الوجه الآخر لمن يعانون من حالة التدنّي في تقدير الذات؛ فنراهم يتعمّدون جذب الأنظار والأضواء بأساليب متعدّدة، تؤكّد شعورهم بالدونيّة.

إصرار التوحيدي على مجافاة مدرسة ابن العميد والصاحب بن عباد في النثر وتمسّكه بمدرسة الجاحظ، قد كان السبب الرئيس الذي حال دون بلوغه المنزلة التي يستحقها في البلاط البويهي

ورُبّ قائل يقول إنّ بوهيمية التوحيدي، تعكس حالة من حالات التمرّد على شروط عصره، قياساً على بوهيمية بعض المثقفين الذين عبّروا عن رفضهم لمواضعات زمانهم، من خلال إهمالهم المتعمّد لمظهرهم الشخصي وإصرارهم على الظهور بمظهر الصعاليك، لكننا نعتقد بأنّ أزمة التوحيدي بعيدة عن هذا التشخيص، بدليل أنّ الصاحب بن عبّاد يُعدّ الرّاعي الأكبر لأدب الكُدية والمُكْدِين، وقد استفاض الثعالبي في (يتيمة الدهر) بسرد مظاهر احتفائه بهذه الشريحة من الأدب والأدباء. 

ويظل لزاماً علينا بعد هذا العرض، الإجابة عن بعض الأسئلة التي يصعب استيفاء مطلوب هذا المقال دونها، وعلى رأسها: هل هذه المثالب هي المسؤولة عن تهميش التوحيدي ثقافياً؟ وهل هذه المساوئ يمكن أن تقلّل من منزلة (أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء)؟ بكل اطمئنان يمكننا تأكيد أنّ هذه المثالب اضطلعت بدور ثانوي أو مساعد في تهميشه؛ لأن إصرار التوحيدي على مجافاة مدرسة ابن العميد والصاحب بن عباد في النثر وتمسّكه بمدرسة الجاحظ، قد كان السبب الرئيس الذي حال دون بلوغه المنزلة التي يستحقها في البلاط البويهي. وإذا أضفنا إلى هذا السبب اختلافه المذهبي ومخاصمته المعلنة للمعتزلة الذين كانوا قد تحالفوا مع المذهب الاثنا عشري، فضلاً عن ميله إلى التصوّف، صار في مقدورنا تفهّم الدوافع الثقافية والأيديولوجية لاستبعاده شكلاً ومضموناً، دون أنّ نعفيه من بعض المسؤولية عن هذا الاستبعاد، بسبب سلوكياته التي لا تليق بمَلَكاته الذهنية النادرة وتكوينه الثقافي الشاهق. وبكل اطمئنان أيضاً، يمكننا تأكيد حقيقة التميّز اللامحدود في كل ما كتبه ولا يتسع المقام لبسطه شكلاً ومضموناً؛ فهو ليس مجرّد مثقّف أو كاتب أو مفكّر بارز، بل هو أحد متون الثقافة العربية الإسلامية بلا منازِع. ولو لم يكن له من الإنجازات سوى أنه ربط الفلسفة بالأدب وجَمْهَر الفلسفة لكفاه فعلاً.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية