كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟

كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟

مشاهدة

01/03/2021

ثمّة كتابات ومؤلَّفات غزيرة كُرِّست لنقد المثقف، سواء باعتباره بقايا نخبوية كريهة من ثقافة الاستعمار البرجوازية، يتحدث بلغة خشبية معقّدة غير مفهومة، أو "أرجوزاً" بيد السياسة الفاسدة المستبدة، وبعضهم عدّه من أسباب شرور العالم.

اقرأ أيضاً: هل يصلح المثقف بديلاً عن الشيخ: تأملات في مولد المثقف العربيّ
ساهم في ذلك انحدار الثقافة الفرنسية ومثقفيها، وعدم اليقين بنظريات الحداثة، التي دائماً ما مثلت مركزية بنى الثقافة الكونية، سيما بعد فشل الحركة الثورية، عام 1968، ما عزز من صعود الشعبويات، وتملق الثقافة الشعبية على حساب ما سُمّي بالثقافة الرفيعة التي توصف "بالاستعلائية". وفي عالمنا الثالث يُنظر إلى المثقف بأنّه مجرد تابع سلطوي يستحق أن ينسحب عليه ازدراء العوام للسلطة، إلى حدّ جعل البعض يتنكّر لثقافته خشية نعته بالمثقف، وكأنّها سبّة في حقّه.

المثقف هو انعكاس سياقه وواقعه الاجتماعي وتقسيمات النفوذ السياسي والاقتصادي محلياً وعالمياً

بيدّ أنّ هذا الطرح النقدي، على إطلاقه، يلزمه إعادة النظر حول ما إذا كان المجتمع في حاجة إلى المثقف، أم يمكن تشكيل ثقافاته ووعيه بآليات التنظيم الذاتي نفسها التي تعنى بالكفاءة المهنية التقنية ولغة الإنتاج والاقتصاد والكمّ، التي من شأنها أن توفّر للناس، على اختلاف انتماءاتهم، مساحة من التعبير وتمثيل ذواتهم دون وسيط؟ ثم أليس اختزال المثقف في تلك الصيغ النقدية بمثابة نوع من التعميم والخلل الموضوعي في عملية النقد ذاتها؟
في البدء؛ لا بدّ من أن نشير إلى أنّ مفهوم المثقف يلتبسه بعض الغموض، ولم يبلغ حتى بين المنظّرين والناقدين أنفسهم اتفاق حول ماهيته ووظائفه، فضلاً عن أنّ العلاقة بين السياسة وعملية إنتاج الفكر والثقافة، هي علاقة تاريخية وشيجة، وعملية احتكارية وسلطوية المنشأ أصلاً، ارتبطت بطبقة رجال الدين والكتّاب الذين احتكروا القراءة والكتابة وتفسير الكتب المقدسة، ثم تفريعاتها الفلسفية أو الفقهية، بما كان يمثل سلطة معرفية وقوة امتياز، قبل أن تخضعهم الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية في العصر الوسيط.

اقرأ أيضاً: هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟
فمفاهيم مثل: الدولة، والقانون، والمجتمع، والجسد السياسي النهضوي، هي من إنتاج فلاسفة وسياسيين نشأ معظمهم في رعاية الأرستقراطية الإقطاعية، إلى أن توسّعت البرجوازية في العصر الحديث خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بفضل الآلة والعلم الفيزيائي وحركة التجارة والانفتاح الاقتصادي، وتمكّنت بما استحوذته من معرفة حديثة ابتكارية، أن تنشئ قاموسها الثقافي الذي خدم مصالحها، وتوافق ومقتضيات التحرر الاجتماعي، الذي أنتج مفاهيم الفردية والحرية، والمساواة، والعدل، والحقّ المكتسب، والمجتمع المدني، والديمقراطية، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: المثقف إذ ينسحب تاركاً الساحة للتفاهة وللتشدّد والإرهاب

إذاً، فعملية انتقال المثقف من أرضية السلطة الدينية ثم السياسية إلى المجتمع هي حديثة المنشأ؛ بل لم تكتسب تلك العلاقة حسّ المعارضة أو التمرد والنظر إلى المعرفة بوصفها قوة تحرر لا عبودية ولا تبعية، إلا مع الثورات الاجتماعية الأوروبية في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر؛ حيث ظهرت جماعة المثقفين، أو "الأنتليجنسيا"، وأتباعهم من طلبة التعليم النظامي الذين ارتفعت معدلات التحاقهم، وتشربوا الثقافة البرجوازية التنويرية الحديثة.

تتمثل إشكالية المثقف في العالم الثالث بصلته بالنظام السياسي وكونه ركناً أساسياً في مرحلة تأسيس الدولة الحديثة

وقد آمنوا بالمبادئ الإنسانية المعلنة التي تحضّ على المساواة الاجتماعية، وضرورة الدفاع عن المهمّشين، والمهضوم حقّهم، جراء تطوّر الرأسمالية والآلية الصناعية، الأمر الذي جعل المناضل الماركسي، أنطونيو غرامشي (1891-1937)، يعيد تعريف المثقف، وما أسماه بالمثقف العضوي الذي يمثّل ويدافع عن مصالح طبقته وجماعته، مما أسبغ على الجانب الثقافي بعداً آخر، له أهميته في تشكيل الوعي، وعمليات التفاوض والمقاومة والتسوية في الصراع الطبقي والسياسي.

وقد وجد المثقف الاجتماعي الحواضن الاجتماعية الداعمة التي مكّنته من تمثيلها، والتحدث بلسانها، تلك الفاعلية التي رسخت صورة المثقف الاجتماعي المعارض والمتمرد، وربما فيما بعد الملتزم، بحسب توصيف جان سارتر(1905-1980)، بيد أنّ السياسة، ومن خلفها السوق، قسمت قوى هذا المثقف إلى تيارات متعارضة الانحياز، بدأت مع صعود تيارات القومية والفاشية بداية من الثلاثينيات من القرن العشرين، ثم حالة الزخم الوظيفي الاستشاري بعد الحرب العالمية الثانية، إلى ذروة عملية العسكرة شديدة الأدلجة، عقب سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1989.

اقرأ أيضاً: المثقفون "الزعران" في الأدب العربي

لكن، وعلى النحو الذي بينه المؤرخ إريك هوبزباوم (1917-2012)، لم تكبح تلك التحيزات المتعارضة، إرادة المثقف، من أن يشغل الصف الأمامي لقيادة "انتفاضات الحشود ضدّ الحرب النووية والإمبريالية المتأخرة لأوروبا العجوز، والأولى للأمبراطورية الأمريكية في الجزائر والسويس وكوبا وفيتنام، وضدّ الستالينية والغزو السوفييتي لهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا"، كما لم يتوقف دعم المثقف للتمردات الطلابية ضدّ السلطة ونظامها الرأسمالي حتى مطلع السبعينيات.
يسري على المجتمع العربي ذلك، بما أنّ مفهوم المثقف حديثاً وأوروبياً، لكن تتمثل إشكالية المثقف في العالم الثالث؛ أنّه وثيق الصلة بالنظام السياسي، وكان ركناً أساسياً في مرحلة تأسيس الدولة الحديثة، بل إنّ الدولة هي التي صنعته واستتبعته بتأسيس كيانه الاجتماعي الطبقي، على شاكلة الطبقة الأرستقراطية في العصر الوسيط.

المجتمع بحاجة إلى مفكرين بمقدورهم صياغة الأفكار وابتكار الأسئلة وطرحها بشجاعة للمساهمة في عملية تجديد المعرفة

فعلى سبيل المثال؛ قامت دولة محمد علي الحديثة في مصر على أفكار العقلانية الإدارية والحكم الرشيد والأفكار التي بثتها الفلسفة التنويرية الفرنسية على خطى البونابرتية (نسبة إلى نابليون بونابرت)، وجماعة سان سيمون، تلك الثقافة التي تشربها رجال الدين وطلاب التعليم النظامي ممن ابتعثتهم الدولة إلى أوروبا، وهؤلاء قد نظّروا للاستبداد السياسي تحت مظلة التنوير والوطنية التي تحتّم تأسيس دولة حديثة منافسة شرط الانضباط والمراقبة وكفاءة آليات التحكم.

ولم تجد كلمة المثقف الاجتماعي المتمرد بالمعنى الذي ندركه اليوم، سبيلها إلى المجتمع العربي إلا في العشرينيات، مع تصاعد المدّ الثوري وبزوغ دور الجيل الجديد من البرجوازية المحلية في عملية إنتاج المعرفة وتنظيم الأحزاب السياسية والحركة الوطنية، ثم ارتفاع معدلات التعليم العام، ودوران عجلة الاقتصاد الرأسمالي، عدا التأثر بالمدّ الاشتراكي والشيوعي الذي دفعته بقوة الثورة البلشفية في روسيا.
وتحت مظلة الاشتراكية، كنظام اقتصادي يمثّل العدالة الاجتماعية، قد ساند مثقف العالم الثالث، بصفته مثقفاً عضوياً وطنياً، دولة الاستقلال بالنظر إليها كمكتسب وليد يجب الحفاظ عليه ورعايته مهما تكبّد المجتمع من أثمان مادية ومعنوية فادحة.
هذا التيار كان يرى أنّ السياسي هو مَن له الأولوية في إحداث أيّ تغيير، يأتي بعده التحديث والتنمية والديمقراطية، ومن ثمّ، بحسبه، كان لا بدّ من تسخير كلّ طاقة فكرية لبناء وتعضيد السلطة من أجل مصلحة الشعب على المدى البعيد، حين يمتلك دولة قوية متماسكة بمقدورها أن توفر له الحماية والرعاية.
لكن تلك الأحلام اليوتوبية، قد تخلخلت ببدء انهيار دولة الاستقلال، كالناصرية في مصر، سيما بعد هزيمة 1967، ثم السقوط المدوّي للاتحاد السوفييتي، تلك اللحظة التي شعر فيها المثقف بخذلانه من النظام الذي ناصره وبايعه، قبل أن يُدان بدوره من المجتمع بالتواطؤ والخيانة.

اقرأ أيضاً: المثقف والفقيه.. هل من قطيعة بينهما؟ وكيف يمكن أن يواجها التطرف؟

عبّرت عن ذلك أروى صالح، في كتابها "المبتسرون": "لم نكن في الواقع إلّا جزءاً لا يتجزأ من هذه الخريطة التي يحدّها شرقاً المعسكر الاشتراكي، وغرباً المعسكر الرأسمالي، وفي الوسط بل القلب حركات التحرر الوطنية في العالم الثالث، كان وعينا التاريخي وطنياً، وليس في هذا شيء معيب، وحين انهدت تلك الخريطة بعوامل التعرية لا بفضل فعل ثوري متجاوز، أو اشتراكي (فالقصد واحد)، وتحوّل زمن عبد الناصر إلى ماضٍ ضاعت معالمه، تُهنا ولم نجد ما نتوكأ عليه في المتاهة سوى الحنين، تعرّى وعينا التاريخي، وهو يواجه حاضراً لا يسير وفق نبوءاته الثورية، فأخذنا نولول مع النادبين على "زمن الانهيار"، قياساً بالطبع على زمن عبد الناصر، ثم نجلس أيضاً ذات يوم جنب رفيقنا الأعلى، الاتحاد السوفييتي، ونبحث عن ثغرة في الحاضر اللئيم؛ عن ثغرة قد تنبعث من أشباح الماضي، كان أحدهم يسأل بالفعل الرفاق القدامى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، حين يقابل الواحد منهم: "أما زلت محتفظاً بإيمانك؟".

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟

تلك اللحظة الزمنية المنهزمة المُعادة عقب ثورات "الربيع العربي"، أفقدت المثقف إيمانه ويقينه بأفكاره التي أخلص لها، عوضاً عن النزعة الاستهلاكية وثقافة الكمّ المعولمة بقيادة الليبرالية الجديدة، التي صنعت" الشللية" الثقافوية، ساهمت جميعها في تدجين المثقف وتحويله إلى مجرد موظف إداري أو استشاري مهني وخبير متخصص في مؤسسة أو أكاديمية ما، وفاعل أيديولوجي زائف في عملية الاستقطاب.
ومن ثمّ؛ فالمثقف هو انعكاس سياقه وواقعه الاجتماعي وتقسيمات النفوذ السياسي والاقتصادي على المستويين المحلي والعالمي، قبل أن يكون اختياراً واعياً مستقلاً، وإن كان ذلك لا يعفيه من مسؤولية معرفته، كما لا يعني أيضاً أنّ جميع المثقفين خاضعين لتلك المعادلة، وإلا من الذين ينقدون مثقف السلطة ويلقون عليه باللائمة؟ أليس الناقد مثقفاً هو الآخر؟ أليس من يدوّن ويحاجج ويناصر الثورات، ويعاني ويلات النفي والسجن اليوم، بسبب رأي أو معتقد، مثقفاً؟!
لذا؛ يظل الطرفان؛ المجتمع والمثقف، في احتياج ماسّ إلى إعادة بناء الثقة بينهما، وقد يرى البعض خاطئاً أنّ منصات الإعلام الرقمي وسّعت من مساحة التعبير عن الرأي والذات، مما يجعل مسألة تمثيل المثقف لمجتمعه وجماعته أمراً لا معنى له، لكنّ ما تثبته الأيام؛ أنّ تلك المساحة باتت عُرضة للتضييق والاستغلال الاحتكاري والتوظيف السياسي، ناهيك عن أنّ هذا التدفق الهائل من الآراء والمعلومات، بشكل عشوائي ومشتّت، يحتاج أكثر إلى عقل متّقد ورصين، قادر على الفرز والنقد، وإجلاء الالتباسات والتناقضات التي تنطوي عليها، غير القدرة على التحليل واستقراء ما وراء الحدث والنظام الكلّي الذي يسيّره.

اقرأ أيضاً: المثقفون العراقيون.. قتلة ومقتولون
إنّ المجتمع في حاجة إلى إعادة إنتاج مفهوم "اختبار الحقيقة"، وفحص الانفعالات الجماعية اللاعقلانية، وفي حاجة إلى مفكرين بمقدورهم صياغة الأفكار وابتكار الأسئلة وطرحها بشجاعة للمساهمة في عملية تجديد المعرفة والكشف عن منطق الأشياء، وتحديات البحث عن القواسم المشتركة التي يمكن البناء عليها في مجتمع كوني.

وفيما يخصّ مثقف الدولة؛ ففي ظلّ الأطروحات السياسية والاجتماعية التي تنبئ بتفكك مفهوم الدولة ككيان تنظيمي سياسي دون طرح بديل، يبدو أنّ وجود هذا النوع من المثقف بات ضرورة أكثر مما مضى، لا من أجل السلطة ذاتها، وإنما لمواجهة تلك الأطروحات والقدرة على بلورة بديل تنظيمي فعال، أو ترميم ما تبقى من مفاهيم القانون والسيادة والمواطنة والديمقراطية، ...إلخ.

أما القول الاستسلامي بنهاية المثقف وعدّه من أسمال الماضي؛ فهذا وإن دلّ على شيء إنما يدلّ على العجز والبلادة أكثر مما يقرر واقعاً؛ بل إنّ هذا الكمّ من النقد المتعدّد، وعلى قدر قسوته، يعترف على نحو ضمني بأهمية المثقف، ويشير إلى حجم توقعات المسؤولية الاجتماعية المنتظرة منه، التي تتطلب منه تحري المعرفة الموضوعية قدر الاستطاعة، وتحمّل مسؤوليتها، دون الانزلاق في التسطيح والتعميم والشخصنة والتعصب الأيديولوجي؛ آفات واقعنا الراهن.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية