هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟

2840
عدد القراءات

2019-04-28

يلفت النظر في كتاب عبدالله العروي، "السنة والإصلاح"، قوله: "لا أحد مجبر على التماهي بمجتمعه، لكن إذا ما قرر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذاً أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه"1.

اقرأ أيضاً: المثقف إذ ينسحب تاركاً الساحة للتفاهة وللتشدّد والإرهاب

الشطر الأول من الفكرة يشير إلى حرية الفرد (والفرد في السياق هو المثقف)؛ لا مراءَ، ولا جدالَ في حرية الفرد، مثقفاً كان أم من عامة الناس، (مع أن جميع الأفراد مثقفات ومثقفون بالقوة أو بالفعل، وفق التعريف الأوسع للثقافة).

ثقافتنا السائدة لا تتيح لنا فرصاً مناسبة أو مساحة كافية للتفكير الحر والمعرفة المستقلة

في الظاهر، الأفراد غير مجبرين على التماهي بمجتمعاتهم، الصغيرة والكبيرة، لكن المجتمعات التقليدية، الصغيرة والكبيرة، ولا سيما العشائر والطوائف، تعاقب الأفراد الذين لا يتكلمون بلسانها ولا ينطقون بمنطقها ولا يخضعون لقوانينها، بصور شتى وأساليب مختلفة، قد تصل إلى حد قتل النساء اللاتي يخرجن على العادات والتقاليد والأعراف، والتشهير بالرجال، ولا سيما المثقفين منهم، وعزلهم اجتماعياً. ثمة إذن قسر وإجبار خفيين يرضعهما الأفراد مع حليب الأمهات، غير أنّ الأفراد يستطيعون بالفعل ألا يتماهوا بمجتمعاتهم، إذا أرادوا.

أما الشطر الثاني ففيه نظر؛ لأن "المجتمع" المعني، في سياق مقولة العروي، لا يتكلم بلسان واحد، ومنطقه ليس واحداً، و"قانونه" ليس واحداً؛ إذ يتألف من مجتعات صغيرة وفضاءات خاصة، لكل منها لسانها ومنطقها و"قانونها"، وهذا الأخير تركيب من العرف والشرع، وهو شيء غير القانون، شيء مما دون القانون، وما قبل القانون؛ للقانون صفتان أساسيتان هما العمومية والتجريد .. وهاتان صفتان للدولة أيضاً؛ الدولة فضاء عام  أو شيء عام، وتجريد للمجتمع المدني ولكل فرد من أفرده.

اقرأ أيضاً: باريس في عيون المثقفين المصريين الأوائل

ومن ثم، إنّ الذي يريد أن يتماهى بمجتمعه، أن يتكلم بلسانه، أن ينطق بمنطقه، ويخضع لقانونه، هو شخص يعتقد أنّ المجتمع فضاء متجانس، يتكلم بلسان واحد، وله منطق واحد، و"قانون" واحد، أو هو شخص (مثقف) منح نفسه حق الكلام باسم مجتمعه ونيابة عنه، كما لو أنّه مفوض بذلك، ومحيط بظواهر المجتمع وبواطنه جملة وتفصيلاً. ثمة بون شاسع بين المجتمع الموحد، المتماسك، وبين المجتمع المتجانس.

نعتقد أن الشخص الذي يتماهى بـ"المجتمع"، فيتكلم بلسانه، وينطق بمنطقه، ويخضع لقانونه، هو نفسه الشخص، الذي يعتقد أنه يمثل المجتمع، فيبيح لنفسه أن يتكلم بلسانه ونيابة عنه من دون إذن أو تفويض من أحد. (أعضاء البرلمان المنتخبون انتخاباً صحيحاً والقضاة، فقط، يمكن اعتبارهم، بكثير من التحفظ، مفوضين بالتكلم باسم الشعب والتشريع له). بهذا الاعتبار، يمكن القول إن التكلم بلسان المجتمع هو بذرة الشعبوية وجنين التعصب، وسر النماذج النمطية للأفراد والفئات الاجتماعية والجماعات الدينية.

اقرأ أيضاً: هجوم نيوزيلندا.. مثقفون يحذرون من تنامي التطرف وصدام الأصوليات

ما نفترض أنها شعبوية غير مُدركَة أو غير واعية، تتجلى في الأحكام الافتخارية، التي يطلقها المثقفون على "المجتمع"، في خطاباتهم، والصفات، التي ينسبونها له، والمزايا التي يخصونه بها أو يقصرونها عليه، من دون أي سند واقعي ومن ودون أي حجة أو دليل عقلي.

نشير هنا إلى افتقار معارفنا عن المجتمع إلى البيانات والإحصاءات والدراسات العلمية والبحوث الميدانية، وكسل جامعاتنا وجامعيينا عنها، وندرة مراكز الدراسات والبحوث العلمية، وفقر ثقافتنا بوجه عام بالعلوم الحديثة والأحدث، التي يمكن أن تساعد في تصويب أحكامنا، وتجعلنا أقل ادعاء أو أدنى إلى الموضوعية.

أغلب الظن أن المثقف الذي "يتماهى بمجتمعه"، ويتكلم بلسانه، وينوب عنه، إنما يُسقط أفكاره وتصوراته ومطالبه ورغباته وأشواقه وغاياته على "المجتمع"، لكي يكسبها صدقية وشرعية قد تفتقر إليهما، ولكي يكتسب هو حظوة لدى "المجتمع" و"الرأي العام"، بل لدى السلطتين السياسية والدينية الممسكتين بتلابيب المجتمع والقيمتين على "الرأي العام"، تقمعان كل من يخالفه، وتنبذان كل ما يختلف عنه.

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟

يفسر أحد المفكرين المرموقين نجاح الإسلاميين (الصحويين) في الحصول على جمهور في كل مكانٍ نشطوا فيه، بـ"قدراتهم التلاؤمية" في الشأن الديني؛ أي إنهم يستجيبون لـ"أشواق عارمة لدى الجمهور العام أن يكون لدينهم تأثيرٌ في إدارة الشأن العام، ليس في المجتمع فقط؛ بل في الدولة أيضاً، وزادت من فاعليتهم العولمة والميول لخصوصيات الهوية". "التلاؤمية" الصحوية، في رأيه، "اشتغلت وتشتغل على إعطاء الانطباع بالقدرة على التأليف بين الأصالة والمعاصرة: الأصالة في تأكيد الهوية واستطراداً الأمانة للإسلام، والمعاصرة في تبني الأدوات الحديثة في الرئاسات والبرلمانات والمصارف (الإسلامية)، وإيلاء الشأن الاجتماعي اهتماماً خاصاً. وتزداد مظاهر كسب الشعبية بالمعارضة والتواصُل مع الخارج الإقليمي والعالمي"2.

التكلم بلسان المجتمع هو بذرة الشعبوية وجنين التعصب وسر النماذج النمطية للأفراد والفئات الاجتماعية والجماعات الدينية

ليس بوسع من يقرأ هذا التفسير أو يسمعه أن يحكم بصحته أو عدم صحته؛ لأنه نوع من الكلام الذي لا يقبل التكذيب، وما لا يقبل التكذيب يُفترض أنه لا يقبل التصديق3. الكلام الذي لا يقبل التكذيب والتصديق هو الإنشاء الذاتي ، الذي يعبر عن اعتقاد شخصي، أو تقدير شخصي وعاطفة شخصية أو عن ميل أو رغبة وهوى، أو هو ما يسميه الفلاسفة "حكم القيمة"، وهذا أدق. الإنشاء الذاتي4، هو صفة مشتركة لخطابات المثقفين الذين يتكلمون بلسان مجتمعاتهم وينطقون بمنطقها ويخضعون لقوانينها

عدم القابلية للتكذيب، ومقابله عدم القابلية للتصديق، في الصيغ اللغوية وأساليب الخطاب، مزيَّةٌ من مزايا اللغة - الفكر، المزايا، التي لا يعرفها معظمنا، نعني، هنا، عدم جواز الحكم، بالإيجاب أو السلب، على ميول الآخر وانحيازاته ومعتقداته وتقديراته الشخصية واختياراته وعواطفه.

سنقول، هنا، استطراداً: نحن غرباء عن لغتنا، وهي غريبة عنا، لأسباب شتى من أهمها أننا لا نفكر، بعقولنا نحن، لكي تكشف لنا اللغة عن أسرارها. حين نفكر بعقولنا نحن، ونحتكم إلى ضمائرنا نحن، نقترب من قلب اللغة، ونلامس شغافه، هذا يعني أننا نقترب من ذواتنا، ونكتشف ثرواتها. من جانب آخر، إنّ قابلية أحكام الواقع (عكس أحكام القيمة) للتكذيب والتفنيد، هي التي تؤدي إلى تطور الوعي والفكر، وتطور العلوم ونمو المعارف.

اقرأ أيضاً: المثقفون العراقيون.. قتلة ومقتولون

ثقافتنا السائدة لا تتيح لنا فرصاً مناسبة أو مساحة كافية للتفكير الحر والمعرفة المستقلة: أسلافنا فكروا لنا، وكذلك الأوصياء على ضمائرنا وخلاص نفوسنا؛ الأرجح أنّ هؤلاء وأولئك لا يفكرون، إنهم يحكمون فحسب ويتسلطون فحسب، ويسوغون تسلطهم بكونهم يتكلمون بلسان "المجتمع"، وينطقون بمنطقه، ويخضعون لقوانينه.

في ضوء هذه السمة الغالبة على ثقافتنا نعتقد أن المثقف الحق هو من يتكلم بلسانه هو، لا بلسان مجتمعه، (العروي لم يفعل غير ذلك)، وهو من ينطق بمنطقه هو، ويحترم القانون العام، ولكنه لا يخضع إلا لقانونه المعرفي - الأخلاقي، أو هو المثقف الذي تصلح مسلماته أو مبادئ فكره وسلوكه، أن تكون قانوناً عاماً، وليس هو من يفرض هذا القانون على مجتمع/ـه؛ وإلَّا، يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ويستوي الذين يعقلون والذين لا يعقلون.


هوامش:

1- عبد الله العروي، السنة والإصلاح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 2008، ص 7.
  2- رضوان السيد، الحركات الإسلامية وإلى أين تتجه، جريدة الشرق الأوسط. بشيء من التصرف.
3  - حكم القيمة، الذي لا يقبل التصديق أو التكذيب، هو الذي يصدقه بعض الناس، ويكذبه بعضهم الآخر، فيذهب تصديق أولئك بتكذيب هؤلاء، أو العكس.
4  - يفرق علماء اللغة بين الجملة الخبرية، التقريرية، التي تقبل التصديق والتكذيب، والجملة الإنشائية، التقديرية، التي من قبيل الاستفهام والتعجب والاستنكار والقسَم والترغيب والحض والتفضيل وما إلى ذلك. وقد تخرج الجملة التي لها شكل الجملة الخبرية عن دلالتها الخبرية، إلى دلالة إنشائية، كقولنا: الحياة شاقَّة، والرغيف مغمس بالدم، هذا غير قولنا حياة الفقراء شاقة ورغيفهم مغمس بالدم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: