بداية المعتقدات الدينية.. هل عرف الإنسان الأول الإيمان؟

30076
عدد القراءات

2018-03-05

أخذ الإنسان الأول يتميز، حين بدأ بصنع أدواته، وما جعله يتطور أكثر في ذلك الحين، هو صنعه أدواتٍ لصناعة أدواتٍ أخرى بها، ثم أخذ ربما، يشعر بالتفوق على الحيوانات؛ لأنه اكتشف النار وذلّلها لخدمته، وإذا أمكن اعتبار بشر العصر الحجري العلوي "بشراً كاملين"، فلا بد أن إحساسهم بالتفوق، منحهم القدرة على ممارسة شعائر أو معتقداتٍ ما.

توجه الإنسان إلى دفن موتاه في المقابر بعد اقتناعه بفكرة أن الحياة لا تنتهي لكنها تتجدد

ويشير توجه بشر العصر الحجري "قبل 600 ألف عام على الميلاد" إلى أكل اللحوم، وإراقتهم للدماء في سبيل ذلك، ومن ثم الانتباه إلى الدم البشري وحرمته، أنهم امتلكوا معتقداتٍ وطقوساً، لا بد أنّها رافقت الإنسان الأول، ولم يتم الكشف عن شيءٍ منها سوى خلال الحفريات المتعلقة بالعالم الديني لصيادي العصر الحجري، التي يعود تاريخ معظمها إلى "ثلاثين ألف عام قبل الميلاد فقط".

وفي كتابه "تاريخ المعتقدات الدينية" الصادر عن دار الشام العام 1986، يرى الكاتب والباحث ميرسيا إلياد، أنّ "الحفريات التي استهدفت مقتنيات ومعتقدات الصيادين البدائيين في العصر الحجري تكشف عن تقديس للحيوانات باعتبارها مشابهة للبشر، لكنها تتمتع بقدراتٍ فوق طبيعية بالقياس مع القدراتِ البشرية"، كما تشير إلى اعتقادهم "بتحوّل البشر إلى حيوانات والعكس، وأنّ روح الإنسان قد تنتقل إلى حيوان ما".

الكاتب والباحث ميرسيا إلياد

كما آمن الصيادون، بحسب إلياد، بوجود روحٍ عليا "تحمي الصيادين والطرائد في آن واحدٍ من الوحوش الكاسرة"، أما إماتة أو قتل الحيوانات لغرض تأمين الغذاء حفاظاً على البقاء، فيعد "شعيرةً دينية"، اعتقاداً أنّ هذه الروح، تسهر لتتأكد أنّ الصياد، لا يصطاد ويميت من الطرائد، إلا بقدر ما يحتاج إليه فقط.

وقادت هذا المعتقدات البدائية، إلى معتقداتٍ أخرى، من أبرزها أنه لا يجوز تبديد الطعام، أما عظام الطرائد، فهي تبقى في إطارٍ "مقدس"؛ "لأن الروح العليا، سوف تعود فتنبت اللحم فوق عظام هذه الحيوانات، خصوصاً جماجمها، وهو ما انسحب على الأموات من البشر بعد ذلك" وفق إلياد.

ولهذا، تعد عظام الموتى من البشر والحيوانات، من أقدم الوثائق التاريخية التي تشير إلى المعتقدات البشرية الدينية، خاصةً أنه لم يُعثر عليها في قبور بالبداية؛ أي إن الغرض من دفنها أولاً، لم يكن إخفاء جثثها تحت التراب فقط، كإجراء طبيعي مثل الذي يتخذه البشر اليوم.

ومن جهتها، تشير الباحثة في علوم وتاريخ الديانات "كارين أرمسترونغ" في كتابها تاريخ الأسطورة، الصادر العام 2008 عن الدار العربية للعلوم، إلى أنّ فترة الصيادين البدائيين اللاحقة (8000 – 2000 قبل الميلاد)، امتازت بطقوس تعبدية أكثر وضوحاً، إن صح التعبير، لا تتضمن "منافع أو مطالب خاصة بشأن الخلود أو تحقيق الأمنيات"، إنما كانت أقرب إلى الأساطير منها إلى التدين الذي نعرفه اليوم، وتتمحور حول البقاء والغذاء، دون طمعٍ بالخلود".

أما توجه الإنسان فيما بعد إلى الدفن في مقابر، فترى أرمسترونغ ومثلها إلياد، أنه  يرجع إلى اقتناعِ البشر البدائيين فيما بعد بـ"فكرة أنّ الحياة لا تنتهي، لكنها تتجدّد"، ومن هنا "أخذوا يدفنون موتاهم في قبورٍ خاصة، لاقتناعهم أنّهم سوف يعودون إلى الحياة"، ويفسر إلياد هذا الرأي بقوله إنّ "عودة الموتى من خلال الأحلام"، جعل من يحلمون بهم "يحتاطون بدفنهم في قبور معينة، تحسّباً لعودتهم في أيّ لحظة".

يرسم الباحثون صورةً عامة لمعتقداتِ ما قبل التاريخ على أنها تشكلت من خلال قصور فهم لدى الإنسان الأول

وباختصار، تقود معتقدات الدفن وتقديس الصيد وجمع الغذاء، وتطور عملية الدفن لتصبح في قبورٍ محددة ومنظمة، إلى وجود إيمانٍ بحياةٍ أخرى بعد الموت؛ حيث "يسمو الميت عن الحياة اليومية، وينتقل إلى بعد مختلف"، إضافة إلى الطوطمية "تقديس الحيوانات والأدوات"، واستخدامها كمؤشراتٍ تدل على تواريخ متعلقة بفصول الطبيعة الأربعة، والصيد، والموت، كعلاماتٍ مقدسة.

ويؤكد الباحث العربي في تاريخ الأديان خزعل الماجدي، من خلال كتابه "أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ" الصادر عن دار الشروق العام 1997، أن "التفكير بالموت لم يأخذ بعداً ميتافيزيقياً ودينياً شاملاً؛ بل تركز وفق القدرات العقلية لبشر العصور الحجرية، على الخوف وتقديس موت الفرد، بدلاً من التساؤل الفكري والديني حول أسباب الوجود والموت نفسها".

تشير طقوس الإنسان الأول التي عثر عليها في الكهوف والقبور إلى محاولته التعبير عن حياته وليس الإيمان

ويرسم هؤلاء الباحثون، صورةً عامة لمعتقداتِ ما قبل التاريخ، على أنها تشكلت من خلال قصور فهم لدى الإنسان الأول في العصور الحجرية، البدائي، الصياد تحديداً، وما تركه من آثار محدودة في المدافن، ورسوماتٍ لطقوسه، عثر عليها في الكهوف بفرنسا وأستراليا ومناطق أخرى من العالم، أشارت إلى أنه حاول التعبير، ولم يحاول الإيمان؛ حيث عبّر  عن معضلاته في مواجهة أسباب البقاء ومخاطر الزوال، وبقي مراوحاً بين قتل الطريدة لأكلها، أو قتلها خوفاً منها، وعدم قدرته على تفسير غياب الفرد حين يخطفه الموت، فجعل من طقوسه كلها، نوعاً من "الأساطير"، أو "السحر".

ولم يسأل عن طبيعة القوى أو الأرواح التي تسكن الحيوانات والغابات وظواهر الطبيعة، إنما بقيت مجهولة لديه، خلال العصور الحجرية الأولى، لتبقى مصدراً لخوفه، ممجّداً فيما بعد، المرأة، ومنحها الحياة من خلال "الولادة" للتخفيف من خوفه، وبقي على هذا التقديس، وهذه الطقوس، إلى أن اجتاز العصور الجليدية، وبدأ يصنع غذاءه بنفسه، من خلال اكتشافه "الزراعة".

اقرأ المزيد...

الوسوم: