أم الزين بن شيخة: كيف للفنّ أن يقاوم ثقافة الموت؟

أم الزين بن شيخة: كيف للفنّ أن يقاوم ثقافة الموت؟
صورة فوزية ضيف الله
باحثة وأكاديمية تونسية
9882
عدد القراءات

2017-11-11

قالت الكاتبة والباحثة التونسية الدكتورة أم الزين بن شيخة المسكيني، إنّها تراهن على الفن بوصفه سبيلاً حقيقياً يمكن أن يقاوم الإرهاب في معناه الواسع. وتساءلت: "كيف للفنّ أن يقاوم ثقافة الموت"، مؤكدة في الوقت نفسه أنّ "المطلوب ليس مقاومة الإرهاب من جهة كونه تنظيماً عسكرياً"، ذلك أنّ "التنظيمات الإرهابية هي تنظيماتٌ عسكريةٌ حربيةٌ، ولا يمكن للفنّ أن يشنّ حرباً على أيّ كان، كونه منظومةً رمزيةً، أو نشاطاً رمزياً لا يملك أيّة ترسانةٍ حربيةٍ".

وأكدت المسكيني، في حوارٍ لصحيفة "حفريات"، أنّ علينا التفريق بين مستويات ثلاثة في واقعنا الراهن: الواقع؛ الذي يحاول الإرهاب السطو عليه، والممكن؛ وهو القضاء على التنظيمات الإرهابية، والمستحيل؛ وهو ما يطلبه الفنّ، بمعنى "أنّه يدفع بالممكن البشري إلى أقصى حدوده"، مشددة على ضرورة التمسك بالتخييل والحلم، بما أنّ الفنّ بوابة ينبجس منها الأمل دائماً.

والمسكيني؛ كاتبة متخصصة في الفلسفة الحديثة والجماليات، حاصلة على الدكتوراه في الفلسفة الحديثة ببحث حول كانط، وعلى التأهيل في الفلسفة في اختصاص فلسفة الفنّ والجماليات، وهي أستاذة الفلسفة في التعليم العالي في جامعة تونس المنار. لها مؤلّفات متنوّعة، منها:
- الفنّ يخرج عن طوره أو جماليات الرائع من كانط إلى دريدا (بيروت، جداول، 2011)، جرحى السماء، رواية (بيروت، جداول، 2012)، هنا تُباع الشعوب خلسة (تونس، 2013)، الثورات العربية، سيرة غير ذاتية (بالاشتراك مع فتحي المسكيني، تونس، 2013)، الثورة البيضاء (بالاشتراك مع المسكيني، تونس، 2013)، اضحك أيّها الدهر الشرقي، ديوان شعر (الجزائر، 2013)، تحرير المحسوس، لمسات في الجماليات المعاصرة (بيروت، دار ضفاف، 2014)، "لن تُجنّ وحيداً هذا اليوم" رواية (بيروت، 2014)، الفنّ في زمن الإرهاب (بيروت، دار ضفاف، 2016).

هنا نصّ الحوار:
* كيف تقدمون تجربتكُم الفلسفية ومساركُم العلمي والأكاديمي للقارئ؟

- اشتغلت، أوّلاً، على الفلسفة الحديثة، وعلى فلسفة كانط تحديداً، وهو الفيلسوف الألماني الذي أعطى صياغة دقيقة للمشروع الحديث بشكل عامّ، وهو الذي جعل من العقل البشري السقف الكونيّ الذي تشتغل تحت رايته كلّ أنشطة البشر، فجعل من شعار "تجرّأ على استعمال عقلك" شعاراً لفلسفة التنوير.

أن تُحبّ يعني أن تبني عالماً جديداً، تخترع فيه ذاتيّةً غير الذاتيّة القائمة على الأنانيّة والنرجسية وعلى التملّك

إنّ الإنسانية الحديثة لم تفعل شيئاً آخر غير محاولة إرساء هذا الشعار الذي يدفع بالشعوب إلى التحرّر، والخروج ممّا يسمّيه كانط حالة القصور العقليّ، وهي الحالة التي تنزل بالبشر إلى مرتبة الرعاع بجعلهم تحت الوصاية الدينية أو السياسية. لقد جعل كانط من فلسفة التنوير حقلاً لتحرير الشعوب من مرتبة القصور العقلي والسياسي والوجودي إلى مرتبة المواطنين الأحرار. إنّ الحرية هي السقف المطلق، أو هي المقدّس الوحيد الذي دافعت عنه فلسفة كانط عامّة، وقد كانت نقطة انطلاقي الأكاديمية.
إنّ كانط في الحقيقة، هو من صاغ مكاسب الفلسفة الحديثة في شكل فلسفةٍ عقلانيةٍ، دافع فيها عن العقل، وذلك يعدّ أهمّ مكسب من مكاسب الحداثة.

الفنّ في زمن الإرهاب

* كيف فكّكتم علاقة "الفنّ بالإرهاب" ضمن كتابكم الصّادر حديثاً لدى دار ضفاف؟

"الفنّ في زمن الإرهاب"؛ هو آخر كتاب نشرته ضمن منشورات "ضفاف" (بيروت 2016)، وهذا الكتاب يضمّ أكثر من مئتي صفحة، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأوّل؛ في تأويل الإرهاب، والقسم الثاني؛ الفنّ كمقاومة للإرهاب، والقسم الثالث؛ في إيتيقا المقاومة.
لم تكن هذه الأقسام الثلاثة مجرّد مفاصل شكلية أو منهجية أو إجرائية؛ بل كانت لحظات مهمّة جداً ضمن الإشكالية الكبيرة التي حاول "الفنّ في زمن الإرهاب" أن يعالجها، وقد خصّصت الفصول الستّة الأولى من القسم الأوّل لتحديد مفهوم الإرهاب، وانطلقت من وضعيّة الدّمار التي عاشتها بعض الدول العربية تحت راية "الربيع العربي".
قمت بتفكيك مقولة الإرهاب، بوصفه أجندة عالمية، لكنّه يستثمر في الإسلام السياسي الذي صار يحكم صلب ضرب من "الردّة إلى اللاهوت"، والخلط بين الدين والدولة، وقد حدث هذا الأمر في تونس بشكلٍ خاصٍّ.
ميّزت بين "العنف والإرهاب" و"العنف والعبودية"، وشدّدت على الإبداع شكلاً لاختراع الحريّة، كما اشتغلت، في هذا القسم الأول، على واقعة "شارلي إيبدو"، على ذلك الصراع العنيف الذي وقع بين الفنّ والإرهاب: كيف تمّ اغتيال الكاريكاتوريين الفرنسيين بسبب ما قاموا به من سخرية من المقدّس العربي الإسلامي. هذا المقال هو الفصل السادس من القسم الأول، تحت عنوان "الضحك والإرهاب" أو "في الرسوم القاتلة"- دفاعاً عن الفنانين، ولا عن الإرهابيين، وحاولت أن أجد مسافةً نقديةً عمّا وقع في الحقيقة؛ أوّلاً: لا ينبغي أن نسخر من مقدّسات الشعوب، فثمّة الكثير من الموضوعات التاريخية والسياسية القابلة للسخرية، ويمكن أن نسخر منها بعيداً عن مقدّسات الشعوب.
وثانياً: ينبغي أن نرسي حريّة الإبداع على نحو مغاير. إنّ السؤال الأساسي في هذا القسم الأول، هو: كيف يمكن أن نتّخذ مسافةً نقديةً مما يحدث تحت راية الإرهاب أو حتى تحت راية الإبداع الفني؟
أمّا في القسم الثاني؛ فقد كان الموضوع الأساسي هو: كيف تكون مقاومة الإرهاب؟  كيف يكون الفنّ حقلاً لمقاومة الإرهاب؟
إنّ الفنّ لا يقاوم الإرهاب على شاكلة الحلّ الأمني أو الحلّ العسكريّ، وإن كان هذان الحلّان ضروريّين دون شكّ، فمقاومة الفنّ للإرهاب هي مقاومة ثقافية ورمزية بعيدة المدى، وليست مقاومة حربية في المدى المنظور.
أمّا القسم الثالث من الكتاب؛ فقد كان حول "إيتيقا المقاومة" التي تتّخذ من الحبّ حقلاً للمقاومة في معنى استعادة مشاعر الفرح والحب والسعادة، لإعادة مشاعر الفرح إلى العالم- على طريقة ما كتبه آلان باديو أو بول ريكور- الفنّ: هو خلقٌ لقيم الحبّ والفرح، وهو وعدٌ بالسعادة أيضاً. وينتهي الكتاب بفصلٍ مثيرٍ حول المستقبل، سمّيته "قلق في المستقبل"؛ لأنّه ثمّة قلقٌ عميقٌ تعيشه كلّ الإنسانية راهناً، قلقٌ حول ما يمكن أن يكونه المستقبل؟ وهل هو ممكن أصلاً؟

*هل "الإرهاب ينبّئ حقّاً بوجود خللٍ في الحداثة"؟

- هذه القولة هي فاتحة من فواتح الكتاب، وقد وضعتها في بعض فصوله، وهي ليست مقولتي في الحقيقة؛ بل هي مقولة ذكرها الدكتور فتحي المسكيني في بعض ما كتب.
تقول هذه القراءة: ليس الإرهاب ظاهرةً تأتينا من الماضي؛ بل هي ظاهرة ولدت مع الحداثة نفسها، في معنى أنّ الحداثة بما تمتلكه من ترسانة تكنولوجية، وبقيامها على مجتمعات الاستهلاك، وقد فرضت على البشر شكلاً آخر من الحياة، فحولتهم إلى أفراد هشّين سلبيّين واستهلاكيّين ونرجسيّين، لقد أصيب كلّ الأفراد، في ظلّ الإمبريالية العالمية، بنوعٍ من الهشاشة الوجودية، وصاروا أفراداً سلبيّين، يستهلكون فقط، ويتحمّلون ما يمكن أن تفرضه هذه المنظومة العالمية تحت راية الحداثة، وعليه تؤوّل هذه القراءة الإرهاب بوصفه جزءاً من أجندات عالمية، وليس مجرّد عطبٍ في الذاكرة العربية الإسلامية.

 

الفلسفة والكونية
* كيف يكون الفنّ حقلاً لمقاومة الإرهاب فيتصدّى لثقافة الموت، ليصير وعداً بالسعادة؟

- ذلك هو الرهان الأساسي لكتابي "الفنّ في زمن الإرهاب"؛ كيف للفنّ أن يقاوم ثقافة الموت؛ لأنّ المطلوب ليس مقاومة الإرهاب من جهة كونه تنظيماً عسكرياً. صحيحٌ أنّ التنظيمات الإرهابية هي تنظيماتٌ عسكريةٌ حربيةٌ، ولا يمكن للفنّ أن يشنّ حرباً على أيّ كان، كونه منظومةً رمزيةً، أو نشاطاً رمزياً لا يملك أيّة ترسانةٍ حربيةٍ، وقد استأنست، في الحقيقة، بآراء فلاسفةٍ معاصرين؛ بل إنّ الكتاب ككلّ هو استئناس فلسفيّ بجملةٍ من آخر ما حدث في العقل الكوني الحديث؛ لأنّني لا أريد أن أستعمل عباراتٍ من قبيل (شرق/ غرب)، فالعقل لا هويّة له، والاستمرار في هذه الثنائية هو استمرار– إن شئنا - في تكريس نوع من القراءة الإيديولوجية التي يمكن أن تدعم الهاوية بين الشعوب أكثر، وهذا الأمر ليس من رهانات الفلسفة.
تفكّر الفلسفة في نوعٍ من الكونيّة التي يحلو فيها العيش معاً، فالعالم الكبير الذي يجمع الإنسانية كافّة لا ينبغي أن نودعه بأيدي دعاة الهويّات أو الأصوليات؛ لأنّ ذلك لا يؤدّي إلّا إلى صدامٍ بين الهويّات.
إذاً؛ "كيف يكون الحبّ مقاومة للإرهاب؟" تبدو هذه الجملة حاملةً لنوعٍ من اليوتوبيا البعيدة، وقد استأنست بآلان باديو فيما كتبه "في مدح الحبّ"، فيقترح كيفيةً "لإعادة ابتكار الحبّ من جديد"، هذه المقولة هي لرنيمبو، وقد اشتغل آلان باديو تحت راية هذا الحدس، وهكذا نرى معاً كيف أنّ الفلاسفة أنفسهم يجدون حدسهم لدى شعراء، أو الأدباء، ويلتقطون الحدس من أجل تفعيلها في الواقع، ومن أجل اقتراح حلول ناجعة للإنسانية حتى لا تبقى الفلسفة مجرّد تأمّلٍ، أو كوجيتو مغلق على ذاته يجلس في ركنٍ ركينٍ من العالم، فكيف يمكن استعادة الحبّ؟ كيف يمكن "إعادة ابتكار الحبّ من جديد"؟
يقترح علينا آلان باديو- الفيلسوف الفرنسي الكبير- ضرورة أن نخترع شكلاً جديداً من الحبّ، مناقضاً للشكل الإمبريالي الرأسمالي؛ لأنّ الرأسماليّة اخترعت منظومةً تكنولوجيةً سهّلت الحياة اليومية المادية، لكنها أنتجت، في الوقت نفسه، منظومةً وجوديةً للعالم، وأنتجت شكلاً معيّناً من الحياة يقوم على الاستهلاك، وعلى تحويل كلّ شيء إلى بضاعةٍ تُستهلك وتُباع وتُشترى، فالمنظومة الرأسماليّة حوّلت الحقل كلّه، البشري وغير البشري، إلى نوعٍ من السوق الكبيرة التي يمكن أن نشتري فيها حتّى مشاعرنا؛ لذلك ينبغي أن نقاومها بشكلٍ جديدٍ من الحبّ، وهذا الشكل الجديد ليس هو الحبّ الاستهلاكي؛ بل الحبّ هو أن ترى العالم وأنت مع شخص آخر، يعني شكلاً من الصّداقة مع الآخر، أو شكلاً من الصّحبة، ويمكن للحبّ أن يُولد ضمن الفنّ، فكلّ عمليّات الإبداع هي عمليّات تعبيرٍ عن الحبّ، حبّ الحياة، وحبّ الآخر؛ فأن تُحبّ يعني أن تبني عالماً جديداً، تخترع فيه ذاتيّةً جديدةً غير ذاتيّة الفرد الرأسماليّة؛ لأنّ ذاتيّة الرأسماليّة قائمةٌ على الأنانيّة والنرجسية وعلى التملّك، في حين أنّ الذاتيّة الأخرى هي ذاتيةٌ رمزيةٌ تعد بإمكانية "أن نرى العالم ونحن اثنان"، هذا ما يقوله آلان باديو بالضبط بشكلٍ أو بآخر، يعني ذلك أنّه علينا أن نتجاوز ما يُسمّى "الحبّ تحت التهديد"؛ لأنّ هذا الحبّ تُؤمّنه الإعلانات الإلكترونية، كأن نقول على صفحات التواصل الاجتماعي: "من يريد أن يحبّني؟" أو "من يريد أن يدخل معي في شكلٍ من الصّداقة؟".
إنّ الحبّ الذي يتحّدث عنه آلان باديو لا يصدر عن شخصٍ هشٍّ؛ بل يصدر عن لقاءٍ يجعلني أحبّ أن أرى العالم من جهتين: "أنا وهي"، أو "هو وأنا". إنّ استئناسي بهؤلاء الفلاسفة لا يأتي على سبيل استيراد الأفكار وضخّها في لغة الضّاد فحسب؛ بل هو للتساؤل عن الكيفيّة التي يمكن أن نفكّر بها اليوم ونحن نستثمر ونستفيد ممّا فكّر فيه فلاسفة آخرون، فالفلاسفة لا هويّة لهم بالمعنى الضيّق للكلمة؛ بل هم الذين يشرّعون للإنسانية، ويقترحون حلولاً لعالمٍ أجمل، وهذا هو ما نتمسّك به.

*ألا يبدو أنّ هذا الحبّ قد صار مغموساً في الموت هو الآخر؟ كيف نحرّر الحبّ من ثقافة الموت المحدقة به؟
هذه هي فاتحة كلامي حول "الفنّ في زمن الإرهاب": "إنّ الفنّ يغمس الحبّ في الموت كأنّه صلصة ميتافيزيقية؛ حيث يغرق البشر في وحل الآلهة ضدّ قوّة السرد" (ذكرتها الكاتبة أم الزين بن شيخة المسكيني ضمن فاتحة كتابها "الفنّ في زمن الإرهاب"، ص 11)، وهذه المقولة، مرّة أخرى هي للدكتور فتحي المسكيني، في نصٍّ له عن غارسيا ماركيز تكريماً له عن روايته "الحبّ في زمن الكوليرا".
إنّ هذا العنوان "الفنّ في زمن الإرهاب" يحاكي بشكلٍ ما عنوان غارسيا ماركيز، أو ربّما يجذبه إلى مرحلةٍ أخرى؛ لأنّ "الإرهاب"، كما "الكوليرا"، قاتلٌ ومنتشرٌ، وكلّ هذه الاستعارات موجودة، وينبغي أن نتمسّك دائماً ببصيصٍ من الأمل حتّى ونحن في زمن الإرهاب، ورغم تواجد هذه الأجندات التي تريد أن تحوّل حياتنا إلى خرابٍ ودمارٍ.
إنّ الفنّ بطبعه طوباويّ أو لا يكون، وينبغي أن نتمسّك باليوتوبيا مرّةً أخرى، رغم الإعلان عن نهايتها بأشكال مختلفةٍ في الفكر المعاصر: نهاية الإنسان، نهاية المؤلّف، أو كلّ أشكال الموت، أو الحداد الذي اندرج فيه كلّ فلاسفة الاختلاف حقيقةً، منذ رولان بارط وفوكو ودولوز وليوتار ودريدا ...إلخ، هذه هي فترة الحداد التي ينبغي أن نغلقها، ونعلن نهايتها أيضاً.
إنّ الفلاسفة الذين استأنستُ بهم في هذا الكتاب؛ هم فلاسفة "ما بعد الحداد"، أو "ما بعد فلسفات الموت"، وهذا مهمٌّ جدّاً، فالفنّ لا يولد إلّا ضمن هذا الحقل الذي يمكن أن يبشّر بالحياة على نحو مغايرٍ، أي بضربٍ من الأمل، إنّه يولد في الخراب والدّمار، لكنّه ينبّئ بالأمل، ويمنحنا إمكانيةً لمستقبلٍ آخر، لماذا؟ لأنّ الفنّ يشتغل على المستحيل.
إنّ الإرهاب سياسةٌ خبيثةٌ للعالم تقترح منظومةً سياسيةً اسمها "تنظيم الدّولة"، فوقع التشويش حتّى على مفهوم الدّولة الذي كان مكسباً حديثاً منذ قرنين من الزمن؛ فالدّولة المدنية هي مكسب حديث ضدّ حكم الملوك والأباطرة والطغاة. لقد أصبح "تنظيم الدولة" يعني "راية إرهابية"؛ فأن يولد الفنّ في كلّ ما يجري من أحداث، وأن يولد الإبداع في حقل الخراب، يعني أن نشير إلى الناس بأنّ المستحيل مازال ممكناً بضربٍ من الإمكان الذي "ليس بعدُ".

الكتابة هي مقاومةٌ رمزيةٌ لكلّ أشكال استعباد الناس، فمن يكتب إنّما يكتب من أجل أن يقول "لا"

نحن إزاء ثلاثة مفهومات، أو ثلاثة مستويات، ينبغي التفريق بينها تفريقاً لطيفاً: الواقع، الممكن، المستحيل، فإذا كان الإرهاب يريد أن يسطو على الواقع في بعض البلدان العربية، ويُهدّد كلّ العالم بشكلٍ ما، فإنّ السياسات الديمقراطية، إلى حدٍّ ما، تريد أن تدير شؤون ما نسمّيه بالممكن، حتّى نكون متفائلين قليلاً، فالممكن هو أن نقضي على التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق، كما وقع الانتصار عليها في الموصل، وهم اليوم بصدد مقاومتها بشكلٍ جميلٍ جدّاً، والإرهاب ينهزم كلّ يومٍ، تلك هي سياسة الممكن.
أمّا الفنّ فيريد أن يطلب المستحيل، بمعنى أنّه يدفع بالممكن البشري إلى أقصى حدوده؛ لأنّ الفنّ هو إبداع، ومعلومٌ أنّ الإبداع يقوم على التخيّل، فالفنّ يخاطب البشر عبر قوّة التخيّل: "لا ينبغي أن تتخلّوا عن مصيركم، فالمستقبل دائماً ربّما يكون أفضل، وثمّة دائماً إمكانية للحلم، وإمكانية لتغيير ما يحدث"، هذا هو الفنّ، الفنّ: هو الحقل الذي ينبجس فيه الأمل، فلا ينبغي أن نتخلّى عنه أبداً، تلك هي، إذاً، المستويات الثلاثة التي أردتُ أن أميّز بينها في كتابي "الفنّ في زمن الإرهاب".

علاقة الفنّ بالمقدّس
*تقترن مقولة الإرهاب بشعار "الدفاع عن المقدّس"، فكيف سيفتك الفنّ هذا المقدّس من طائلة الإرهابي حتّى لا يحوّله إلى وجهةٍ سيّئةٍ؟

- السؤال عن علاقة الفنّ بالمقدّس؛ هو سؤالٌ خطيرٌ نوعاً ما؛ لأنّ العلاقة بمقدّسات الشعوب علاقةٌ حسّاسةٌ، لكنّ الفيلسوف لا يخاف حتى الموضوعات التي تكون من هذا القبيل؛ فهو الذي يريد أن يفكّر، حتى لو كان الخطر يحدق به من جهة أو من أخرى، لقد اشتغلت على هذه الدائرة "الفنّ والمقدس" في كتابي "تحرير المحسوس" (الفصل الأخير، عنوانه "الفنّ والمقدّس")، واشتغلتُ في كتاب "الفنّ في زمن الإرهاب" على العلاقة برسومات النبي، ودافعتُ عن المقدّسات الإسلامية؛ فقد كان بوسع "الكاريكاتيريون" أن يسخروا من أشياء أخرى، وبشكلٍ آخر، فالسخرية من الشعوب بأيّ شيء لا تعني إلّا نوعاً من الإيمان بالتمييز العنصريّ، في جميع الحالات، وهي أمورٌ صارت القوانين الدولية تمنعها منذ النازية. نحن نعلم ذلك فعلاً، لكن- فلسفيّاً- ثمّة فروق أو لطائف (nuance) بين الدين والمقدّس، نقصد أنّ تنظيم الدولة أو التنظيمات الإرهابية ربّما تستثمر في حقل الدين تحت راية الإسلام، أو وفق شكلٍ مصطنعٍ أو متخيّلٍ من الإسلام، أو وفق شكلٍ من الإسلام يُشرّعون له بطريقةٍ أو بأخرى، في سياق الفتاوى والدّعاة التابعين لهم، وفي ضربٍ من تشويه نواته الأولى، وتحريف الرسالة، أو شيءٍ من هذا القبيل.
إنّهم يستثمرون في الدين، لكنّ المقدّس هو تحوّلٌ آخر؛ فمنذ القرن التاسع عشر، أصبحت مقولة المقدّس مقولةً أساسيةً، ونجد هذا الأمر عند هيدغر ضمن مؤلَّفه "أصل العمل الفني"، فحتّى الحقبة اليونانية تثبت رؤيتنا للعالم، فالمقدّس يكون مرسوماً في الأرض داخل المعابد، هو نداء للأرض، وثمّة نداء للأرض، لم يعد ثمّة مفارقة أو تعالٍ، فكلّ أشكال المفارقة هي أشكال دينيةٌ تقول: إنّ الله موجود في مكانٍ آخر، أو ربّما لا علاقة لنا به، أو شيء من هذا القبيل.
أمّا بالنسبة إلى القرن العشرين؛ فقد حدث منعرجٌ جديدٌ، ولد المقدّس في تاريخ الأديان مع أوتو ومع ميرسيا إلياد، وقد صاغه هيدغر بشكلٍ وجوداني، وتحدّث عنه هولدرلين في "الخبز والنبيذ" كذلك، (لماذا الشعراء؟) حينما غابت الآلهة، صار الشعراء يحرسون المقدّس.
أنا لا أرى أنّ التنظيمات الإرهابية تمسك بالمقدّسات؛ بل تُمسك برؤية معيّنة للإسلام، ربّما تكون رؤيةً مشوّهةً، خطيرةً ومخيفةً أيضاً، لكنّ مقدّسات الشعوب تكمن بعيداً؛ بل إنّ الفنّ نفسه هو شكل من استئناف المقدّس، فمقدّسات اليوم: هي "نجوم فنية"، أو "نجوم سينمائية"، أو "شهداء القضايا العادلة".
جيفارا، مثلاً؛ بطلٌ يصل إلى نوعٍ من القداسة، يثير ضرباً من الحماسة الكبرى والمحبّة تجاهه، فيصبح مقدّساً في معنى (Idole)، فمفهوم المقدّس، إذن، أوسع من الدّين بكثير.

الفن وفضاءات المواطنة
*في محاربتنا للإرهاب، أو لكلّ الرافضين للحياة، ألا ينبغي أن نجعل الفنّ تمريناً للمواطنة؟

- الفنّ يخترع فضاءات المواطنة؛ فعندما تذهب لمشاهدة مسرحيّة، تجد نفسك في شكلٍ من الانتماء إلى المشترك، فالمسرحية تخترع ذلك المشترك، وتجعلك تشارك الناس، لا أن تتفرج عليهم فقط؛ بل تشاركهم الحدث الفنّي، لأنّ مفهوم الفرجة يبقى فيه نوع من السلبية.
إنّ الحدث الفني يخترع الانتماء إلى المشترك، ويخترع شكلاً جديداً من الجماعة، على خلاف الجماعات الهووية (الجماعوية)، مثلاً؛ الوجود المشترك يجعل أغنيات "فيروز" حدثاً فنيّاً جميلاً جدّاً في الوطن العربي، ويجعل قصائد "محمود درويش" حدثاً شعريّاً يجمع كلّ المشاعر العربية، إذاً؛ الفنّ، وفق هذا المعنى الأول للمواطنة، يخترع ويساهم في تدعيم مشاعر المواطنة، وفي خلق المواطنة بين الناس، كيف يحدث ذلك؟
يخلق الفنّ الذاتية الفاعلة، ويراهن على إخراج الفرد من سلبيّته، وأنانيّته، ونرجسيّته، وانغلاقه على ذاته، إلى نوعٍ من الذاتية الفاعلة؛ ليصبح ضمن "حدثٍ عموميّ"، فالفنّ يخترع "فضاءً عموميّاً".
أمّا المعنى الثاني للمواطنة فيتحدّد ضمن القول: إنّ للفنّ رسالة مواطنيّة، تحمل قيم الحرية، وقيم العيش معاً، وقيم المحبّة، وقيم الانفتاح على الآخر، وقيم قبول الآخر، والمشاركة، وقبول الاختلاف، فكلّ الأحداث والآثار الفنية تدافع عن قيم معيّنة، وليست مجرّد موضوعات أو منتوجات للبيع أو للاستهلاك، إنّها تحمل رسائل مواطنية، وتشارك في بناء المجتمع المدنيّ، الذي يساهم الفنّ في بنائه، بخلقه مشاعر "المشترك" بين الجماعة، وانتصار للحياة ضدّ ثقافة الموت.

*لطالما أكّدتم في كتاباتكم أنّ الإرهاب هو الجدار الذي ينبغي أن يتصدّع بنيانه بواسطة الكتابة، فإلى أيّ حدّ كانت الكتابة بالنّسبة إليكم مشخّصة للوجع ومعالجة له في الآن نفسه؟

- أنتِ تقصدين الكتابات السياسيّة، أو مقالات الرأي السياسي التي نشرتها: الكتاب الأوّل عنوانه "الثورات العربية (سيرة غير ذاتية)"، وهو مؤلَّفٌ مشتركٌ مع الدكتور فتحي المسكيني.
والكتاب الثاني: هو كتاب "الثورة البيضاء" (كتاب مشترك)، والكتاب الثالث: هو كتاب في التهكّم الأسود على كلّ ما حدث بشكلٍ أو بآخر، وعنونته "هنا تباع الشعوب خلسةً"، وكتبت كذلك روايتين مثّلتا ضرباً آخر من المقاومة الفنية لما يحدث لنا تحت راية الإسلام السياسي؛ لأنّ الإرهاب ما هو إلّا الصياغة القصوى من صياغات الإسلام السياسيّ: رواية "جرحى السّماء"، ورواية "لن تجنّ وحيداً هذا اليوم"، وفيهما تخييل سرديّ لما حدث في تونس تحت راية "الربيع العربي".
الكتابة هي شكل من أشكال المقاومة، حتّى نفتح نافذة الأمل على مستقبل آخر، وأشير هنا إلى أنّ الكتابة لا تعني أنّ الانسان يكتب بشكلٍ نظريّ، دون أن تكون له علاقة بالواقع، ولا يمكنه أن يغيّر أو يفعل شيئاً لهذا الواقع، ذلك هو حكمٌ مسبقٌ؛ فليست الأجندات السياسية هي الفاعلة الوحيدة في الواقع، ولا ينبغي أن نسلّم أمرنا للسياسات والأحزاب والأيديولوجيات المتحكمة فينا، كأنّما ذلك هو قدرنا.
هذه الرؤية لما يحدث خطيرة جدّاً، ولا يمكنها إلّا أن تؤبّد الوضع السلبيّ على ما هو عليه، وتشجّع الطغاة والإرهابيين على السطو على حياتنا وعلى البلاد العربية، فيكون الوضع أشدّ خطورةً حيثما يهيمن الإسلام السياسي.

لم يعد الفن للمتعة أو للفرجة أو للتذوّق، فقد أصبح له رسالةً ثوريةً تحتجّ على حضارة الهيمنة

إنّ ما أردت أن أشير إليه هو الآتي: تساهم الكتابة في بناء ثقافةٍ جديدةٍ؛ أي ما نسمّيه "الثورة الثقافية"، وقد نتساءل "متى تحدث الثورة الثقافية؟" لكنّ الثورة الثقافية لا تقام باحتجاجٍ أو مظاهرةٍ في الشارع؛ أناس يموتون، وشهداء يستشهدون، كما في الثورة السياسية؛ بل على العكس من ذلك، تقوم الثورة الثقافية بشكلٍ رمزيّ ميكروفيزيائي، فنحن نراها تمرّ في كلّ الأحداث الفكرية التي تحدث والتي تكتب فيها كتب مؤثّرة، فكلّ روايةٍ ناجعةٍ، أو موسيقا أحبّتها الجموع هي لحظة من لحظات الثورة الثقافية، وكلّ مقالٍ نقديّ، وكلّ كتابةٍ فلسفيةٍ تمسّ الواقع وتشخّصه وتريد أن تفهمه، وتقدّمه للناس بطريقةٍ واضحةٍ هي لحظة من لحظات الثورة الثقافية، هي تحدث، إذاً، في كلّ لحظةٍ، لكنّنا لا نراها تمرّ، لأنّها تحدث بشكلٍ رمزيّ، وتنمو ضمن حقلٍ رمزيّ.
إنّ الكتابة هي مقاومةٌ رمزيةٌ لكلّ أشكال استعباد الناس، إنّها هكذا في كلّ مرّة هكذا؛ فمن يكتب إنّما يكتب من أجل أن يقول "لا" لمن يريد السطو على عقول الناس، وعلى مشاعرهم، وعلى مصيرهم. يقول الكاتب للناس: "بوسعكم أن تصنعوا قصّتكم بأنفسكم"، فالسرد، مثلاً، من جهة كونه كتابةً إبداعيةً، هو شكلٌ من أشكال صناعة المستحيل بشكلٍ ما، إذاً؛ عليك أن تسرد قصّتك، وأن تخلق مجتمعاً جديداً من القرّاء، وأن توجّه الناس نحو منطقة شعاعٍ صغيرةٍ، ذلك هو دور من يكتب.

* نستحضر كتاباً آخر لكم عنوانه "الفنّ يخرج عن طوره"، فماذا تقصدون بخروج الفنّ عن طوره؟

- "الفنّ يخرج عن طوره"؛ هو كتابي الأوّل في الجماليات، وهو بحثٌ جامعيّ أكاديميّ حول فكرةٍ أساسيةٍ هي فكرة "الرائع"، وبالفرنسية (Le sublime)، ويترجم هذا اللفظ، أيضاً، تحت راية "الجليل"، أو "السامي"، وكلّها اجتهادات صائبة.
جماليات الرائع: هي الجماليات التي تقف على حدود الجميل، فمنذ القرن العشرين لم نعد نستطيع التكلّم عن فكرة الجمال الكلاسيكي؛ بل نتكلّم عن فكرة "الرائع"، أي ما يفوق الجمال، أو ما يخرج عن شكله، من ذلك مفهوم "القبيح" تحديداً، والسؤال المؤرق راهناً هو: إذا كان ما يحدث قبيحاً جدّاً، فكيف نواجه هذا القبيح؟ كيف يكون ثمّة جماليات للقبيح؟ ونحن هنا طبعاً نجرّ حقل الجماليات إلى أفق جديد؛ أفق نهاية الجمال الكلاسيكي، والدخول في ضربٍ جديدٍ من تأويل الظاهرة الجمالية.
وعلينا هنا التنبيه إلى أنّه ثمّة، في هذا السياق الجمالي الجديد، انطلاقاً من النظرية الجمالية لثيودور أدرنو، معنى جديد للفنّ، فالفنّ لم يعد للمتعة، أو للفرجة، أو للتذوّق، فقد أصبح للفنّ رسالةً ثوريةً، الفنّ هنا يحتجّ على حضارة الهيمنة التي حوّلت كل شيء إلى بضاعة، والفنّ يقول إنّه بوسعنا تغيير العالم على نحو آخر، والفنّ يعيد للبشر قدرتهم على إبداع قصّةٍ مغايرةٍ، ورفض كلّ أشكال الوصاية على تاريخهم.

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



سناء هاشم: لماذا فشلت السينما المصرية بكشف حقيقة الإسلاميين؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-01-15

أجرت الحوار: منى يسري


قالت أستاذ السيناريو بالمعهد العالي للسينما في القاهرة، الدكتورة سناء هاشم، إنّه بالرغم من التاريخ الطويل للسينما المصرية، إلّا أنّها منذ بداية السبعينيات قد أخفقت في دورها التنويري، واكتفت بمناقشة قضايا اجتماعية، و"تشويه صورة النظام الناصري، بعد أن منحها السادات الضوء الأخضر".

السينما في جوهرها خطاب للمجتمع وليس لمجتمع متخيل في أذهان المحافظين تحت شعار السينما النظيفة

وأكدّت هاشم، في حوارها مع "حفريات"، أنّ السينما في مرحلة لاحقة منذ الثمانينيات والتسعينيات ناقشت قضايا الفكر المتطرف الذي سيطر على المجتمع و"لكن بسذاجة وسطحية، وجعلت من أبناء التيارات الإسلامية ضحايا للنظام السياسي الذي يحاول بشتى الطرق تشويه صورتهم، وهو ما وصل لأذهان البسطاء من المصريين".
وذهبت إلى أنّ "السينما بدلاً من أن تصبح حائط صد ووقاية من الفكر المتطرف، ساهمت في زيادته"، مؤكدةً أنّ الإخوان المسلمين لم يحركوا ساكناً أمام الموجة التكفيرية في التسعينيات، بل "استخدموها للمقايضة، ليعلم النظام والنخب المجتمعية، أنّهم البديل الأمثل عن التكفيريين".
ولفتت هاشم إلى أنّ ما تشهده الساحة السينمائية في مصر، منذ مطلع الألفية من انتشار أفلام الكوميديا "غير الهادفة" على حد وصفها، "ليس سوى نوع من أنواع الملهاة وغض للطرف عن الهزيمة التي تلاحق المصريين منذ نكسة 1967".
وهنا نص الحوار:

بداية تراجع السينما

تعد السبعينيات فترة حاسمة في تاريخ مصر والمنطقة، برأيك ما هو الدور التنويري الذي قدّمته سينما السبعينيات وما بعدها؟
الحقيقة أنّ السينما المصرية في السبعينيات لم تتطرق إلى أي قضايا تنويرية، ودعيني في البداية أفك الارتباط الحاصل بين السينما والسياسة؛ لأنّهما كما أرى وجهان لعملة واحدة، وكلاهما ينعكس على الآخر، وسأبدأ منذ الخمسينيات في الفترة التي بدأ فيها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر جعل صناعة السينما جزءاً من مهام الدولة، فتأسست الهيئة العامة للسينما المصرية في الستينيات، والتي أخذت على عاتقها الاهتمام بالصناعة، وترسيخ قضايا بعينها في نفوس الشعب، وامتزجت فيها السينما بالأدب، فصنعت العديد من الأفلام المأخوذة عن روايات مصرية مثل؛ روايات توفيق الحكيم وعبدالحميد جودة السحار وطه حسين ونجيب محفوظ ويوسف السباعي والكثير.

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
آنذاك أخذت الأفلام تؤكد على القضايا الوطنية الراهنة، مثل؛ ترسيخ قيمة العمل لبناء الدولة الحديثة، كما رأينا في أفلام مثل؛ اللص والكلاب، مراتي مدير عام، وأصبحت تتطرق لقضايا الصراع الطبقي كما رأينا في فيلم الأيدي الناعمة، ورُدّ قلبي، إلّا أنّ الانهيار جاء سريعاً وتحديداً منذ منتصف العام 1971، حين أعلن السادات دعوته للانفتاح الاقتصادي، ثم تلاها بالقضاء على الهيئة العامة للسينما صاحبة الفضل في معظم تراثنا السينمائي.

توظيف سياسي للفن

تأسست الهيئة العامة للسينما المصرية في الستينيات
إذن، لماذا فعل السادات ذلك رغم ولعه المعروف بالسينما ولماذا لم يستخدمها لدعم قضيته كما فعل عبدالناصر؟

هذا لأنّ السادات لم يكن يحمل قضيّة متماسكة يمكنه البناء عليها، فمرحلة السبعينيات عالمياً حملت الكثير من التحولات بعد انتهاء ثورات التحرر الوطني في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأصبح الاستعمار عن طريق الانفتاح الاقتصادي، الذي قطع أوصال الدولة وارتباطها بمواطنيها، فكان على السادات أن يتخلى عن السينما، ويتركها مساحة مفتوحة لكل من يريد ارتيادها دون قيود، فبدأت مرحلة جديدة من السينما التي انقسمت إلى شقين: إمّا أنّها تطعن نظام عبدالناصر مثل؛ فيلم الكرنك، وعودة الابن الضال، أو مجرد هزل خالٍ من الطرح الفني.

اقرأ أيضاً: سينما "عامر" تنقل البهجة لأهالي غزة بعد توقف ربع قرن
لم يكن في تلك الحقبة شيء يذكر عن التحولات التي تجرى داخل المجتمع المصري من انتشار التيارات الإسلامية التي أطلق سراحها السادات في 1977 أعقاب انتفاضة الخبز، ليجد دروع أمنه تحميه من انتفاضة اليسار المصري، وبذلك كما يقولون "ضرب عصفورين بحجر واحد"، قضى على الشيوعيين، وروجّ لانفتاحه بقناع ديني، مرتدياً عباءة "الرئيس المؤمن"، كما أطلق على نفسه.

على ضوء ما أوضحت من فقدان القضية الاجتماعية، ماذا قدّمت سينما السبعينيات إذن لذاكرة المصريين؟

اتسمت سينما السبعينيات بالطابع السياسي، وكانت متفرغة لذم النظام السابق، فقد أطلق السادات العنان وقتها للناقمين على عبدالناصر وصلاح نصر، فرأينا فيلم الكرنك، زائر الفجر الذي سحب من دور العرض بعد بضعة أيام من عرضه نظراً لحساسية الفترة، حيث عرض في بداية كانون الثاني (يناير) 1973 قبل الحرب مع إسرائيل.

السينما المصرية في السبعينيات لم تتطرق إلى أي قضايا تنويرية وتفرغت لذمّ النظام السابق بتشجيع من السادات

كان المصريون ما زالوا مترنحين من وقع الهزيمة، ولم تُشفَ جراحهم من نكسة 1967، ولم نرَ أي تأثير لخطاب الإسلام السياسي إذ لم يكن ذا أهمية أو ثقل، فكان نطاقه محصوراً في جماعات صغيرة داخل القرى والمدن البعيدة عن المركز، حتى بدأت الحركة الطلابية الإسلامية في الإنتعاش داخل جامعة القاهرة، وأعلنت عن نفسها وأفكارها، ولم يكن هنا سوى إرهاصة واحدة بتغيرات المصريين ظهرت في فيلم "الحب قبل الخبز أحياناً"، العام 1977 للمخرج سعد عرفة، حين وجدنا الفتاة المتحررة التي تنخدع في حبها الأول، ثم تعود لرحاب شقيقتها المتدينة، التي تضع حجاباً على رأسها في نهاية الفيلم ليكون هذا الفيلم جرس الإنذار المقبل بالقادم الذي احتدم ظهوره في سينما التسعينيات.
السينما والإسلاميين
لماذا التسعينيات؟ ألم تشارك سينما الثمانينيات في رصد ما يحدث داخل المجتمع؟

بالطبع شاركت، ولكن إلى هنا لا تزال المشاركة محدودة، خاصة بعد ظهور موجة الواقعيين الجدد، في مقدمتهم عاطف الطيب ومحمد خان، الذين ركزوا على تفاصيل الإنسان المصري، واهتموا بمعاناته، فشاهدنا أعمالاً مثل البريء، وزوجة رجل مهم، وكذلك مساهمات محمد خان في الاهتمام بسينما المرأة وتصدير بطلات نساء.
كل هذا أضفى طابعاً مميزاً على سينما الثمانينيات، ولم يبدأ طرح قضايا الإرهاب الفكري الذي تعيشه مصر في السينما إلا في التسعينيات، وكان وحيد حامد وشريف عرفة ونادر جلال حاملي تلك الراية، من أفلام عزّزت من تواجد الإسلاميين، وجلبت تعاطف المجتمع لهم أكثر منها سينما تنويرية.

المخرج المصري محمد خان

ماذا كان السبب الرئيسي لتلك الموجة السينمائية في مرحلة التسعينيات التي تناقش قضايا الإرهاب التي تم التغافل عنها لعقود؟
إنّه نظام مبارك الذي فشل في إدارة العملية السياسية أكثر مما فشل السادات، فشاهدنا في بداية التسعينيات العنف الصريح ضد النخبة الثقافية بدأت باغتيال المفكر فرج فودة، ثم محاولة الاغتيال الفاشلة للأديب الكبير نجيب محفوظ، تبعها حادث الأقصر الذي كشف الستار عن العنف الممنهج الذي يمارسه الإسلامويين ضد المجتمع، ثُم باغتونا بحرق مقرات نوادي الفيديو في القاهرة والإسكندرية وقتل البعض من أصحاب تلك المحلات، فأعلنوا بذلك موقفهم الصريح من السينما والفن برمته.

اقرأ أيضاً: كيف حطمت سينما الواقعية الجديدة المحظورات في مصر؟
بالتوازي مع هذا فقد انسلخ تواجد الدولة بشكل كلي عن المجتمع، فتركته نهباً مباحاً أمام قوى الظلامية، ودعيني أقول إنّ السبب الرئيسي كان برنامج الإصلاح والتكيف الهيكلي الذي قدمّه صندوق النقد وبدأ تطبيقه في العام 1991، تبعه المزيد من الإفقار والتجهيل للمصريين؛ فالدولة أصبحت بحاجة لملهاة الناس للانصراف عنها، وعدم خروجهم للمطالبة بحقوقهم، ووفّر لها تيار الإسلام السياسي ذلك الدرع الواقي من غضب الناس، فاستطاع مبارك استخدامهم بحرفية أكبر من استخدام السادات لهم.

ألا  يمكن مراجعة موقف الإسلاميين من السينما مع أدبيات الإخوان المسلمين ورسائل حسن البنا التي لم تنكر السينما ولكن وضعت لها شروطاً؟
صحيح ما ذكرت، ولكن دعيني أوضح أنّ الفن لا يخضع لشروط، والإبداع لا يحتاج سوى للحرية كي يتدفق، ولكي نكون منصفين، فإنّ موقف الإخوان "المعلن" من السينما كان يبدو إصلاحياً بشكل كبير ولم يرفضها في المطلق، ولكن ماذا عن الجماعة الإسلامية التي ولدت من رحم الإخوان، أليست هي من حملت راية التكفير، وإباحة الدماء في تلك الفترة؟ إنها وبلا منازع من قتل المصريين والأجانب، وكفّر كل مَن لم يشبهها.

أفلام الثمانينيات والتسعينيات ناقشت بسذاجة وسطحية قضايا الفكر المتطرف الذي سيطر على المجتمع

لم يحرك أفراد جماعة الإخوان ساكناً أمام تلك الموجة التكفيرية، بل استخدموها للمقايضة، ليعلم النظام والنخب المجتمعية، أنّهم البديل الأمثل عن التكفيريين، لا سيمّا بعد استمالتهم للشرائح الأكثر فقراً وتهميشاً بإقامتهم لمشاريع خيرية، فأصبحت المجمعات الطبية، والتعليمية كلها تحت إشراف الإخوان ومريديهم، وأقيمت منافذ بيع سلع مخفضة لتخفيف العبء عن الأسر المتضررة، وخاصة في الريف والنجوع الصعيدية، الضحية الأولى لسياسات التهميش والدافع الأكبر لكلفة الصراع الطبقي في مصر. فلا يمكننا أن نلوم تلك الطبقات التي دانت بالولاء للجماعة، وهرعت إلى صناديق الاقتراع بعد ثورة يناير لانتخابهم في مجلس النواب، ظناً منهم أنّهم سيجنون ثمرة انتهاء فترة القمع والفقر الذي شهدوه.

انفصال عن الواقع
هل كان هذا إيذاناً بفشل سينما التسعينيات وما بعدها، بعد كل الموجة الهجومية التي قدّمتها السينما على مدار عقدين؟

بالطبع، هو كان نتيجة عكسية لمبتغى الفنانين، والسبب الرئيسي هو التسطيح والمبالغة والطرح المباشر بفجاجة في الأفلام، بدءاً من تقديم الإسلاميين بملابس بهلوانية لا وجود لها على أرض الواقع، إلى جانب طريقة حوارهم الفظة والتي تبدو من عصور أخرى، هذا لم يكن واقع الإسلاميين كما قدّمته السينما، ولكن كانت تصورات خيالية لصانعي تلك الأعمال، وهذا يعكس مدى انفصال المبدعين عن المجتمع، فلم يصبح الفن مرآة للمجتمع ولا شرائحه المتباينة، وإنّما مجرد أفكار سردية من خيال المبدع.
ويمكننا رؤية هذا من فيلم الإرهابي وطيور الظلام والإرهاب والكباب، كلها برأيي جعلت الناس مفتقدين للثقة في أي طرح سينمائي مقدّم، بل وصل إلى حد أنّ البسطاء اقتنعوا أنّ الدولة تحارب الدين والمتدينين، وتشوه صورتهم، ما جعل التعاطف معهم يتزايد، وبالطبع نجحت السينما في هذا الدور، حين اعتلى مقاعد البرلمان مع اقتتاحية الألفية مقاعد البرلمان المصري لأول مرة، ورأينا صور حملاتهم الانتخابية تحت شعارهم الشهير "الإٍسلام هو الحل"، في كل أركان البلاد، وشاهدنا احتفاء الناس بهم، كان على تلك النتائج أن تكون صيحة نذير للسينمائيين لتغيير خطتهم وما يقدمونه من محتوى.

السينما فن وصناعة لا يمكن أن تخضع لأطروحات البنا أو غيره

لكن يرى بعض النقاد أنّ أفلام مطلع الألفية قدّمت صورة أكثر واقعية للإرهاب، ألا تتفقين مع هذا الرأي؟
قد تكون أقل سذاجة من نظيرتها في التسعينيات، وأحسنها كان ما قدّمه المخرج محمد ياسين في دم الغزال العام 2006، لأنّه تطرق لدوافع الإرهاب القادم من الأحياء المهمشة، والإفقار والرفض الإجتماعي، ولم يكن هناك ترهل في الحوار أو الطرح كما أفلام وحيد حامد ونادر جلال.

معظم الأفلام التي عالجت الإرهاب صورت الإسلاميين ضحايا للنظام السياسي الذي يحاول بشتى الطرق تشويههم

بخلاف ذلك لم نملك تجربة ناضجة لسينما تنويرية حقيقية، تكشف ألاعيب الإسلام السياسي، حتى الطرح الذي قدّمه يوسف شاهين في أفلام مثل المصير، والآخر، كان أشبه بطرح سيريالي، لم يفهمه الناس، ولم يصل إلى الشريحة المشتبكة مع الإسلام السياسي، التي بوصولها إلى حقبة الألفينات، هجرت دور السينما، بل لم تعد تبالي بأي شيء سوى قوت يومها، الذي قدّمته لهم الجماعة الإسلامية.
ومع تزايد عنف نظام مبارك، والمجاهرة بمشروع التوريث، كانت السينما قد أفلست، وقدمت تجربة جديدة في فيلم عمارة يعقوبيان عن التطرف الإسلامي، الذي جسده الفيلم كرد فعل على قمع النظام، ولكن مُنع من العرض بعدها مباشرة، بسبب تسليط الضوء على وحشية الداخلية في التعامل مع المتأسلمين، ولدينا أيضاً تجربة عاطف حتاتة في فيلم الأبواب المغلقة، الذي جمع كل الأسباب من الفقر والتهميش وفشل الدولة، والحروب الإقليمية التي دفع كلفتها الأكثر فقراً فعززت بذور التطرف في نفوس النشء وجعلتهم فريسة سهلة للقيادات الإسلامية.

طرح أصحاب التوجه الإسلامي، خاصة بعد ثورة يناير، تقديم سينما نظيفة، مستشهدين بما تفعله السينما الإيرانية، هل هذا ممكن التحقق في مصر؟
لا مجال للمقارنة بين السينما المصرية والإيرانية، فالإيرانيون تحت سطوة قيود معقدة، يحاولون الفكاك منها، فينشغلون بتقنيات أخرى غير ما يصنع في مصر، ومصطلح "السينما النظيفة" مضلل للغاية، ولا شيء يسمى هكذا، السينما فن وصناعة، لا يمكن أن تخضع لأطروحات البنا أو غيره، وأي محاولة للعمل بهذا الشيء، فالناتج سيكون مسخاً وليس فناً؛ لأنّ السينما في جوهرها خطاب للمجتمع، وليس خطاباً لمجتمع متخيل في أذهان المحافظين.

للمشاركة:

الزغول: إيران عاجزة عن إنتاج أنموذج وشعبها تعب من الإسلام السياسي

2020-01-14

أجرى الحوار: عاصف الخالدي
قال الباحث الأردني محمد الزغول إنّ نجاحات إيران في المنطقة، ليست ناتجة بالأساس عن عوامل القوة الذاتية، بل هي حاصل استثمارها في أخطاء الآخرين، وأنّ مَكْمَن قوتها يتمثل في انتهازيّتها لا في جاهزيتها للهيمنة، وأشار في حواره مع "حفريات" إلى ضرورة إعادة تعريف الدور القطري تجاه العالم العربي بعد المتغيرات الأخيرة منذ "الربيع العربي" وظهور محور اعتدال عربي يحاول استعادة منظومة الدولة العربية.
وأكد رئيس وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، أنّ معظم الشعب الإيراني تعب من الإسلام السياسي على النمط الخميني الذي لم يتمكن من تجسيد قدرات وطموحات الإيرانيين، "مع ذلك ثمة أطراف وفئات عربيّة لا تزال -للأسف- تراهن على المشروع الإيراني".

لم تنجح محاولات فرض الاعتدال والديمقراطية داخل إيران لأن أزمة النظام بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم

يذكر أن الزغول مهتم بالشؤون الإيرانية والإقليمية، وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة طهران عام 2004، يكتب باللغتين العربية والفارسية. وله عدد من المصنفات والترجمات العربية والفارسية، وعدد كبير من المقالات والدراسات والأبحاث في الأدب السياسية والشؤون الثقافية في إيران والعالم العربي، وعمل خبيراً في الشؤون الإيرانية مع عدة مؤسسات عربية ودولية.
وهنا نص الحوار:

في ظل الأزمة الخليجية الحالية، كيف ترى الجهود العربية اليوم  خاصة الخليجية لمواجهة الخطر الإيراني؟
تشهد منطقة الخليج العربي اليوم أزمتين كُبرَيَيْن، من المُرجَّح أنْ ترسم نتائجُهما ملامحَ مستقبل المنطقة جيوسياسياً؛ التصعيد الأمريكي-الإيراني، والأزمة القطرية. وتتفاعل هاتان الأزمتان بطبيعة الحال مع باقي أزمات الشرق الأوسط وصراعاته التي يُغذي كل منها الآخر، أو يؤثر فيه.
ويتمثّل التحدي الأبرز في الأزمة القطرية بمسألة "إعادة تعريف الدور القطري" وفق المتغيرات الخليجية، والإقليمية، والدولية الجديدة، وهي مسألة معقّدة، تتطلب إحداث تغييرات جذرية في ديناميّات صناعة القرار القطري، وإعادة هيكلة المؤسسات القطرية التي تشكَّلت في أعقاب احتلال الكويت 1990، وساهمت في دخول الدوحة لاحقاً تحت مظلة الحماية الأمريكية المباشرة، واضطلاعها بدورها الحالي.

صفقة القرن مزعومة ولا يمكن التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية في عهد إدارة ترامب

أما أزمة النظام الإيراني، فهي داخلية أكثر من كونها إحدى إفرازات النظامَيْن الإقليمي والدولي، أو الاختلالات الكبرى في خريطة توازنات القوة العالمية؛ فقد ثبت بعد أربعة عقود تقريباً على "الثورة الإسلامية في إيران" أنها غير قادرة على تقديم أنموذج سياسي أو اقتصادي قابل للاستمرار، لا في محيطها الإقليمي المباشر، ولا في الفضاء العالمي الأوسع.
إن الرّغبة الإيرانية في التوّسع والنفوذ على مستوى الإقليم، ليست ناتجة عن فائض قوة اقتصادية وعسكرية لم يعد الداخل الإيراني يتّسع لها، بل عن إدراك صُنّاع القرار في طهران لوجود هشاشة في المحيط الإقليمي، وخاصة العربي، تسمح لهم بالتوسع، وتحقيق مكاسبهم ، أو تتطلّب منهم التدخُّل لحماية مصالحهم من تدخلات قوى أخرى.
وكل ذلك على الرغم من تفاقُم نقاط الضعف الذاتية في الداخل الإيراني. وبعبارة أخرى فإنّ نجاحات إيران في المنطقة، ليست ناتجة بالأساس عن عوامل القوة الذاتية، بل هي حاصل استثمارها في أخطاء الآخرين. وبالتالي فمَكْمَن القوة الإيرانية يتمثل في انتهازيّتها لا في جاهزيتها للهيمنة.
لكنّ الإقليم يشهد منذ ثلاث سنوات تغيُّرات في هذه المعطيات، فهناك محور اعتدال عربي (سعودي-إماراتي-أردني-مصري-بحريني-كويتي) تشكّل، وهو يعمل على استعادة "الدولة" العربية، وترميم "المنظومة" العربية.

رغم أزماته إلا أن النظام الإيراني سيصمد لوجود إرادة هائلة للقمع وتطوير قدرته على ممارسته

واليوم، يستشعر النظام الإيراني كذلك خطراً وجودياً بعدما قامت الولايات المتحدة بإعادة تعريف علاقتها معه وفقاً لمعادلة صراع واضحة، ولعلها المرة الأولى التي تعلن فيها الولايات المتحدة الأمريكية عن استراتيجية واضحة المعالم تجاه المسألة الإيرانية منذ العام 1979.

وبالنظر إلى المعادلات الإقليمية الناشئة عن تفاعُل الأزمتين؛ القطرية والإيرانية، في سياق المشهد الإقليمي والدولي، فإنّه من المرجح أن تتواصل الضغوط الأمريكية على مختلف أطراف الأزمة للوصول إلى حلول وسط، دون أن تصل هذه الضغوط إلى حدّ التأثير على استمرار العلاقات الأمريكية بهذه الأطراف.
لكنّ حقيقة أن الأزمة هي في قطر، وليست مع قطر، تفرض نسقاً معيناً من المسارات المستقبلية التي تتطلب درجة عالية من المرونة، ولذلك تعتمد خيارات طرف الأزمة الرئيس (قطر) على مدى الواقعية والعقلانية التي تتمتع بها القيادة السياسية، في الوقت الذي تعتمد فيه "واقعيةُ استجابات هذه القيادة" على حجم المحفزات والتسهيلات التي يقدمها باقي الأطراف (الدول المقاطعة)، بموازاة الضغوط السياسية والاقتصادية.

تؤثر الأزمة الخليجية ودور قطر فيها على التوافق العربي

إيران واستثمار الأزمة الخليجية

هل لمست أي محاولاتٍ إيرانية واضحة لاستغلال الأزمة الخليجية أو دعم طرفٍ من أطرافها؟
جاء استثمار إيران في الأزمة القطرية انطلاقاً من كون الأزمة وفرت فرصة مجانية لتحقيق أهداف إيرانية غير مرتبطة مباشرة بجوهر الأزمة، لكنها متعلقة بصراع الهيمنة الإقليمي. فقد وجدت طهران فرصة لإضعاف المنظومة الخليجية المتمثلة في "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، ولذلك تركزت جهودها على إطالة أمد الصراع.
وبطبيعة الحال،حاولت إرباك المملكة العربية السعودية، وإشغالها بأزمات مُتعددة تُضعِف قدرتها على عرقلة الجهود الإيرانية للهيمنة الإقليمية، واتسعت خريطة الأهداف الإيرانية لتشمل أيضاً الحصول على التمويل القطري، خاصة في ظل النقص الحادّ في التمويل الذي تعاني منه إيران، والسعي لتحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية متعلقة بزيادة التبادل التجاري، والخدمات اللوجستية بين قطر وإيران، هذا علاوة على الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية في الملف السوري، أبرزها التقارب مع تركيا، وإضعاف الدور السعودي في الملف السوري.

يخطئ من يُفسّر تنسيق إيران مؤخراً مع تركيا وروسيا في المنطقة كإعادة نظر في سياستها الخارجية

ففي بداية الأزمة، حاولت طهران استكشاف فرص تحقيق مكاسب استراتيجية مثل الحصول على موطئ قدم داخل المنظومة الخليجية، لكنّ هذه المحاولة أخفقت، فقد فرضت الولايات المتحدة قيوداً صارمة على وتيرة التقارب الإيراني-القطري، وأُلزمت قطر بإبقاء العلاقات مع إيران في حدود احتياجات قطر اللوجستية للجانب الإيراني.
وبالنظر إلى خريطة الأهداف السابقة، يتضح أنّ طهران لم تحقق مكاسب سياسية أو اقتصادية مهمة نتيجة الوقوف إلى جانب قطر في الأزمة؛ إذْ فرضت الولايات المتحدة حدوداً ضيقة على التقارب القطري-الإيراني، ومنعت خروج قطر من "مجلس التعاون"، فاستأثرت تركيا بالحضور العسكري، واستأثرت عُمان بمعظم المكاسب الاقتصادية الناتجة عن تغيُّر حركة الملاحة والنقل بعد قرار المقاطعة.

اقرأ أيضاً: أنس القصاص: الأزمة السورية مغلقة حتى إشعار آخر

وما قيل ويقال عن ارتفاع التبادل التجاري الإيراني مع قطر بنسبة 60 بالمئة هو مجرّد تضخيم للواقع، ويتحوّل إلى أرقام صغيرة عند النظر إلى ميزان التبادل التجاري المتواضع جداً بين الطرفين قبل الأزمة. أما الموانئ الإيرانية التي خُصصت لنقل البضائع إلى قطر فهي هزيلة، وتعاني من ضعف القدرة الاستيعابية حتى قبل الأزمة، و"ميناء تشابهار" لا يزال تحت الإنشاء، وغير جاهز للاستخدام. وقد أظهر السوق القطري اهتماماً أكبر بالمنتجات التركية، وخاصة المحمولة جواً؛ ما جعل إيران مجرّد طريق عبور محدود الأهمية.
كيف تنجح إيران بتكريس سردية "محور المقاومة" في المنطقة على الرغم من تدخلها العنيف والصريح في مختلف الصراعات الإقليمية؟
دشَّنت ثورة 1979 حقبة من الصراعات الطائفية الحادة والاضطرابات في المنطقة. وفي حين ظهرَ أن معظم الشعب الإيراني تعب من الإسلام السياسي على النمط الخميني الذي لم يتمكن من تجسيد قدرات وطموحات الإيرانيين، مع ذلك، نلحظ اليوم أن هناك أطرافاً وفئات عربيّة لا تزال -للأسف- تراهن على المشروع الإيراني.
وأزعم أنّ الرهان على ما يسمى "النهضة الخمينية" في المنطقة العربية ينطلق من عُقدتين متجذّرتين في بعض الأوساط العربية؛ الأولى متعلقة بالكرامة، والأخرى متعلقة بالبقاء.

اقرأ أيضاً: إميل أمين: أمريكا لن تتوقف عن اللعب بورقة التطرف
إن شيوع شعور بالامتهان والإذلال نتيجة حقبة الاستعمار والإخفاقات العربية الكبرى طوال القرن الماضي جعل أعداداً كبيرة من الناس مستعدين لمناصرة كل من يحمل شعار استرداد الكرامة المفقودة. ولعل في ذلك تفسيراً لانجراف نسبٍ مرتفعة من المجتمعات العربية لتأييد أنظمة مستبدّة وتنظيمات متطرفة، وذلك قبل اتّضاح المآلات المفجعة لمثل هذا التأييد، التي عمّقت الخسارات العربية. وهناك أيضاً "عقدة أقلويّة" تطورت عند بعض الأفراد والجماعات من أتباع الأقليات الدينية والعرقية وبعض القوى السياسية في المنطقة، نتيجة إخفاقات بناء الدولة الوطنية، وبروز مخاطر الإسلام السياسي، وتنامي انتشار التنظيمات المتطرفة والإرهابية.

تحاول إيران استثمار عدم الاستقرار في بلدان "الربيع العربي"

إيران وحلفاؤها الواهمون

لكن، لماذا لا يمنع هذا قوى سياسية عربية (يسارية مثلاً) ترى في أذرع إيران كحزب الله، حليفاً ضمن ما يسمى محور المقاومة، كيف يمكن تفكيك هذه الرواية؟
لقد صعّدت إيران من الخطاب الطائفي في المنطقة بعد أحداث "الربيع العربي" بهدف الاستثمار في هاتين العقدتين في الشارع العربي، وقدمت طهران نفسها كـ"مركزية شيعية" متحالفة وحامية للأقليات في المنطقة. وعلى سبيل المثال، لم يجد النفوذ الإيراني قبولاً في المناطق ذات الأغلبية السّنية نتيجة لصبغته الطائفية، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، على الرغم من إصرار طهران على التدخل المباشر في هذه المناطق، واستخدامها أوراقاً قبليّة وعرقيّة متفاوتة فيها.

اقرأ أيضاً: خزعل الماجدي: المطلوب وقف الإسلام السياسي الذي يتلاعب بحياتنا ومستقبلنا
من جانب آخر، استفاد النظام الإيراني من انغلاقه، وصدّر أزماته بصورة معقدةٍ تجاه مراكز التفكير في العالم، وتجاه الدول التي تتقاطع بمصالحها وأمنها مع إيران؛ وعليه تمكّن النظام من ترويج قراءاته بالنسبة للمشهد السياسي الداخلي، وكذلك لأزمات منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد العام ٢٠٠١. ويمكن الاستشهاد بمثالين: قراءة اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية عن الإرهاب، وكذلك قراءته حول خيارات التعاطي مع الملف النووي؛ ما أفضى إلى توقيع الاتفاقية النووية بين إيران و مجموعة "5 + 1".

قدمت طهران نفسها كـ"مركزية شيعية" متحالفة وحامية للأقليات في المنطقة

ولعلّ حقيقة أن إيران دولة بلا أصدقاء في المنطقة والعالم، تُثبت بشكل قاطع أنها ليست مستعدة، أو أنّها ترفض، اتّباع نهجٍ مقبول دولياً في علاقاتها الخارجية. ولا يمكن النظر إلى علاقات إيران بوكلائها في المنطقة على أنّها علاقات صداقة، لأنّها ببساطة قائمة على الاستتباع. ويُخطئ من يُفسّر تنسيق إيران مؤخراً مع تركيا وروسيا في المنطقة كإعادة نظر في سياستها الخارجية؛ إذْ هو ليس إلّا مجرّد تحالف ضرورات لا يلبث أن يضمحلّ بنفس السّرعة التي تشكّل بها.

هل تعاني إيران انقساماتٍ داخلية حادة بعد التحركات الأمريكية الأخيرة ضدها بخصوص الاتفاق النووي؟

تشير الاحتجاجات الأخيرة، وتلك التي سبقتْها في الأعوام 1991 و1995 و1999 و2009، إلى تآكلِ شرعية النظام الإيراني، وتفاقمِ الأزمات الهيكلية الداخلية، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تدللُ على إخفاق "النموذج الإيراني".
وتعاني إيران من ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: أزمة الهوية، وأزمة بناء الأمة-الدولة، وأزمة نموذج بناء القوة. ولا يمكن التوصل إلى فهم دقيق لإيران دون تفكيك هذه الأزمات البنيوية التي تحكم نظرة النظام إلى نفسه وإلى العالم.
ولعلّ أحد مظاهر الأزمة الهيكلية في إيران، حالةُ التصارع بين مراكز القوة المتعددة في النظام، والتضارب في المصالح بين أركانه؛ ومن ذلك التنافس بين مؤسسات الثورة، ومؤسسات الدولة؛ فمؤسسة رئاسة الجمهورية، ممثلةً بحكومة حسن روحاني، تعبّر عن توجهات تكنوقراطية حداثية، وتسعى إلى إعادة انخراط إيران في العالم، وهو ما يتناقض مع توجهات "الحرس الثوري".

تعاني إيران من ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: الهوية وأزمة بناء الأمة-الدولة وأزمة نموذج بناء القوة

وتنعكس أزمة النظام الداخلية، وحالة الصراع بين تياري الدولة والثورة، على السياسة الخارجية التي تتسم بالتناقض والتعقيد؛ ففي السنوات الأخيرة تراجع دور وزارة الخارجية في صنع هذه السياسة، ودخل "الحرس الثوري" كطرف فاعل فيها، وهيمن على ملفات إقليمية (كالعراق وسوريا ولبنان واليمن)، ومن تداعيات هذه الازدواجية في مراكز اتخاذ القرار بين مؤسسات الثورة والدولة غياب ثقة الدول بالحوارات والتفاهمات والاتفاقيات مع الحكومة الإيرانية.
لقد مثّلت الاحتجاجات الأخيرة تجلياً لمركب الأزمات في إيران، وبيّنت خطأ كل الرهانات على أنّ حل أزمة الملف النووي ستتبعه بالضرورة حلول لأزمات إيران الداخلية، وأنّها ستساهم بإعادة رسم المشهد الداخلي نحو الاعتدال والانخراط البناء مع النظام الدولي، وبرأيي أن كل تلك الافتراضات كانت مُسيّسة وموجهة، وبعيدة عن واقع المشهد داخل إيران؛ لأنّ أزمة النظام الإيراني أزمة بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم.

عنف إيران ليس إلا تضخماً لأزمة داخلية

كيف تنعكس أزمات النظام الإيراني الداخلية على سياسته الخارجية؟ وهل يتأثر الداخل الإيراني بالصراعات الطائفية التي يخوضها النظام إقليمياً؟

هناك علاقة تبادليّة بين سلوك إيران الخارجي وأزمتها الداخلية، فكما يجب النظر إلى سلوك إيران الخارجي على أنه انعكاس لـ"أزمة الهوية والنموذج"، ليس من شك في أن صراعات الإقليمية، وبخاصة الصراعات ذات الصبغة الطائفية منها، كان لها انعكاساتها الداخلية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بما يعمق هذه الأزمة؛ وصحيحٌ أن اقتصاد إيران لم يدخل مرحلةً حرجةً بعدُ بسبب مواردها الغنية، لكنّ كُلفة الصراعات الإقليمية تمنع رخاءها الاقتصادي، وتُضعِف قُدرتَها على إرضاء الغاضبين والمهمّشين في الداخل، وهم كثيرون.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: الإسلام السياسي دمر مفهوم الوطن بشعارات دينية جياشة
وبالنتيجة يمكن القول إنّ سياسات إيران الخارجية لا تخدم بالضرورة الاستقرار الداخلي الذي تقول قيادتها السياسية إنّه يتعرّض للتهديد، وإنّها تريد أن تدافع عنه، ولا شكّ أنّ الاستقرار شرط أساسي لتحقُّق الازدهار الاقتصادي سواء في إيران أو غيرها.
في المقابل، على الرغم من كل الأزمات التي يمرّ بها النظام الإيراني والاحتجاجات المتتالية التي شهدها، إلّا أنّه يملك قدرة على البقاء والتحايل على تلك الأزمات، لأسباب موضوعية عدة، أهمها وجود إرادة هائلة لدى النظام للقمع، وتطوير قدرته على ممارسة هذا القمع، وعدم وجود انشقاقات جذرية داخل طبقة الحكم، فضلاً عن غياب الدعم الخارجي لأيّ تغيير داخلي.
ويزدادُ التحالف الحاكم المكوّن من مؤسسة "بيت القائد"، ومؤسسة "الحرس الثوري" سطوةً، مع سيطرته على كل مفاصل البلاد العسكرية والاقتصادية والمالية والإعلامية، فضلاً عن حالة التمدُّد الإقليمي للنظام، ومع ذلك فهذا لا يعني أن إيران أضحت أكثر قوة أو منعة.. لقد أثبت التاريخ أنّ هذا النوع من الأنظمة لديه قابلية للانهيار بشكل دراماتيكي ومفاجئ جداً في أحيان كثيرة.

لو ابتعدنا عن إيران قليلاً، لا تنفك وسائل إعلام مختلفة وسياسيون من بعض الدول يلوحون بـِ"صفقة القرن" ويربطون دولاً عربية بها، ما رأيك؟
لا شكّ بأن هناك إرادة أمريكية صلبة، وموافقة ضمنية من القوى الدولية الكبرى، على حفظ التفوُّق (الإسرائيلي) في الإقليم، وأيُّ طرف إقليمي يسعى إلى تغيير هذا الوضع، سيحتاجُ إلى كسر هذا الإجماع أولاً، وهو ما لم يتحقق لغاية الآن. ولا توجد مؤشرات على إمكانية تحقُّقه في المدى القريب. هناك من يذهب إلى الاعتقاد أنّ المنظومة العربية التي عرفناها بعد الحرب العالمية الثانية في طور التلاشي والزوال، وأنّ هناك "شرق أوسط جديداً" بدأ يتشكل وفق مفاهيم جديدة؛ ولذلك فإنّ أيّ حلول في ظل هذا الاختلال الكبير في موازين القوة لن تكون "عادلة بما يكفي" لاستدامتها، كما أنّ الأطراف التي يُعتقد أنّها معنية بتوقيع هذه الصفقة المزعومة تفتقر إلى الكفاءة أو الجاهزية للوصول إلى مثل هذه الصفقة.

تنعكس أزمة النظام الإيراني الداخلية على السياسة الخارجية التي تتسم بالتناقض والتعقيد

أزعم أنّه لا يمكن التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية في عهد إدارة ترامب لأسباب عدة؛ أهمها الأزمات الداخلية التي يعاني منها أطراف الصفقة المفترضة؛ فالإدارة الأمريكية الحالية مأزومة في الداخل الأمريكي، وغير قادرة على فرض حلول قاسية على إسرائيل، كما أنّ نتنياهو يواجه أزمته الداخلية هو الآخر، وكذلك الأطراف العربية، فهي في وضع هشّ، لا يسمح لها بتاتاً بتقديم تنازلات بحجم "صفقة قرن" أو إلزام الشارع العربي بها.

كيف تقرأ الواقع العربي حالياً؟ وهل ثمة حلول ممكنة في المدى المنظور بخصوص الأزمتين السورية واليمنية؟
هناك متغيرات مهمة في الإقليم؛ لاعبون دوليون جدد في المنطقة، فروسيا أصبحت لاعباً ذا أهمية كبيرة في الشرق الأوسط، ولم تعد الولايات المتحدة ساذجة فيما يخص إيران بعد ذهاب إدارة باراك أوباما.. اليوم أمريكا أكثر دهاء، وفاعلية، وجرأة في المنطقة، وأيضاً أكثر انحيازاً للقراءة (الإسرائيلية) للمشهد. وإيران باتت في حالة ضعف مقارنةً بما كانت تشعر به من قوة على المسرح العالمي، بصرف النظر عن تشنجات زعمائها وتصريحاتهم النارية. (إسرائيل) أيضاً لديها مشكلاتها وإن كانت تبدو في وضع أفضل، لعل أحد أهم إشكالات المنطقة تتعلق بالافتقار إلى "نموذج" جاذب للعيش، أو قابل للاستمرار. المشاريع الإقليمية المتناحرة كلها مأزومة داخلياً فضلاً عن أن تكون قابلة للتصدير خارجياً.

على قطر أن تعيد تعريف دورها في المنطقة والعالم العربي حتى لا تقف في وجه التضامن العربي

ووفقاً للمحددات التي أشرت إليها في إجاباتي السابقة، يمكن القول إنّ مستقبل علاقات التعاون والتنافس، أو الصراع بين الأطراف الإقليمية، تحكمه نتائج "طموحات غير واقعية" لبعض القوى الإقليمية، وبالتالي فإن الطرف الذي يمتلك واقعية وبراغماتية أكثر، وغروراً وأيديولوجيا أقلّ، هو الذي سوف يستمرّ في المنطقة، دون إغفال أهمية عناصر القوة والضعف الذاتية. ويمكن القول إنّه أمام دول "محور الاعتدال العربي" فرصة تاريخية حقيقية للتوسُّع في بناء القوة واستدامتها، وبالتالي منافسة المشاريع الإقليمية الأخرى بقدر أكبر من القوة والفاعلية.

اقرأ أيضاً: الإدريسي: لن تهدأ المنطقة إلا بإسقاط المشروع الإخواني الأردوغاني

للمشاركة:

العلّامة الشيخ محمد العاملي لـ "حفريات": إيران شوّهت الدين وخرّبت السياسة

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2020-01-08

أجرى الحوار: كريم شفيق


يرى العلّامة الشيعي اللبناني، محمد علي الحاج العاملي؛ أنّ إيران شوهت الدين وأفسدت السياسة، لافتاً إلى أنّ الوضع السياسي اللبناني في مرحلة تغيير حقيقية، تستهدف الطبقة السياسية الحاكمة، التي قامت سلطتها بناء على اتفاق "الطائف"، في المرحلة التي تلت انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وما ترتب عليهما من قيام نظام حكم طائفي، ينهل من المحاصصة الطائفية.

الاحتجاجات ساهمت في فضح مفاسد السلطة، في العراق أو في لبنان، وهذا ما سيؤدي لتغيير على مستوى الطبقة الحاكمة

ويوضح العاملي، في حواره مع "حفريات"؛ أنّ الاحتجاجات التي شهدتها بيروت وبغداد، تسعى نحو تقويض مفهوم تطييف السياسة، وإلغاء نفوذ طهران الأيديولوجي والأمني والعسكري في المنطقة، واستعادة حقوق المواطنين المنهوبة، تحت وطأة الصراعات الإقليمية، ووقف اقتصاد الحرب الذي يهدر الأموال على الحروب وصناعة الميليشيات.
ويطالب االشيخ الشيعي اللبناني الدولة في لبنان بإلغاء المحاكم الجعفرية، وإعادة النظر في منظومة القيم القانونية والفقهية السائدة، التي تحتاج إلى التحديث والتطوير، إضافة إلى استعادة الدولة لسيادتها المتآكلة، بغية تطوير وبلورة مفهوم دولة القانون، وردم الهوة بينها وبين المواطنين، على أساس قيم المواطنية والمدنية؛ حيث لا تدع ثمة فرصة إلى الأحزاب الطائفية، كحركة أمل وحزب الله، لتمارس التمثيل السياسي للطائفة الشيعية وتعمل على احتكاره.

وهنا نصّ الحوار:

ثمّة مقاربات عديدة تجري حول الاحتجاجات في بيروت وبغداد وارتباطها بالتوغل الإيراني عبر وكلائها المحليين في كلا البلدين، الأمر الذي ترتّبت عليه جملة من الأوضاع المتردية سياسياً واجتماعياً وأمنياً؛ كيف تفسّر لنا هذا الحال لو اتفقت معه؟
لا يحتاج الأمر إلى كثير كلام؛ حيث إنّ تجربة الإسلاميين الشيعة في لبنان والعراق لا تتشابه تحدياتها الراهنة فحسب، بل إنّها تجربة تزامنت فترة نشوئها في كلا البلدين، كما يمكننا إضافة الجانب الإيراني لهما أيضاً؛ حيث الارتباط الوثيق بين هذه المحاور الثلاثة، وهذا أمر غير خافٍ على أحد، وبنظرة فطرية بريئة، نرى أنّ الاحتجاجات هي أضعف الإيمان، وليس من داعٍ للتدليل على أحقية مطالب الناس المعترضة، بعدما تخطّت السياسة الإيرانية كلّ الخطوط الحمر، بتجاوزاتها في تعاطيها بالشؤون الداخلية اللبنانية والعراقية، بل والسورية أيضاً.

اقرأ أيضاً: مأزق الدولة الدينية في إيران.. هل يحتضر نظام الملالي فعلاً؟
وعلى كلّ حال، هناك قاسم مشترك في سلسلة الاحتجاجات التي تريد كسر الهيمنة الإيرانية، وسطوتها على القرار السياسي في بعض العواصم العربية، مثلما هو الحال في سوريا ولبنان واليمن؛ حيث رفض إهدار الأموال في الحروب الخارجية، والصراعات الإقليمية، ووقف اقتصاد الحرب لتدشين الميليشيات، وصناعة الأزمات الطائفية، بينما تعيش الشعوب والمجتمعات، في طهران كما في غيرها، تحت وطأة خطاب سياسي وأيديولوجي زائف، وتعاني من البطالة والحرمان من الخدمات الاجتماعية والصحية، مما أفقد خطابها الإقليمي والمحلي مصداقيته وشرعيته.

 

 

في ضوء ذلك، هل ترى فعلاً أنّ نظام الولي الفقيه استطاع في بيروت وبغداد مثلاً ابتلاع الطائفة الشيعية، وتقديم نفسه باعتباره الممثل لهم سياسياً، وتعبئتهم في خطابه الأيديولوجي والاستحواذ عليهم من خلال تطييف السياسية وتوظيف الرأسمال الرمزي للدين؟

نجحت إيران بالتغلغل إلى عمق المجتمعات الشيعية في العديد من الدول، رغم عدم تمكنها من إحكام السيطرة على كامل مفاصل المجتمع الشيعي، وأبرز ما تجلت قوتها فيه هو الفصيل العسكري في لبنان، وهذا الشأن لا يمكننا اعتباره إيجابياً بالكامل، بل هو سيف ذو حدين، بأحد وجوهه مصدر قوة لإيران، لكنّه بالعمق يمثّل وبالاً عليها وعلى أتباعها.

أنا لا أقبل بالنظام المدني فحسب؛ بل كنت من دعاة قيام هذا النظام، على أن يكون إلزامياً وموحداً لكل اللبنانيين

كما يعاني اللبنانيون، رغم توقيع الفرقاء على اتفاق الطائف عام 1989، والذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، بعد أزمة داخلية سببها الصراع على السلطة، والمكاسب السياسية والمغانم المادية، من أزمة محتدمة ومتفاقمة في ظلّ تطييف السياسة، ومسألة المحاصصة الطائفية التي حوّلت السياسة لعملية إقطاعية، تقتات من المذهبية، وكون الشيعة جزءاً من الكيان اللبناني فإنّ معاناتهم مزدوجة، في ظلّ سيطرة هذا الواقع وتلك الحالة.
ويمكن القول، من جهة ثانية؛ إنّه كان يمكن لإيران أن تقتصر على علاقات سياسية واجتماعية وثقافية مع البعض، ولكان ذلك مصدر قوة حقيقي، لكن أهدافها التوسعية، وتدخلها في الشؤون الداخلية لبلداننا، مع إنشائها لمجموعات وفصائل عسكرية وأمنية، انعكس سلباً علينا، كما أنّه حدّ من وطنية وقيمة المجموعات المرتبطة بها.

اقرأ أيضاً: الحوثيون وطهران: كيف أصبح اليمن مجالاً لحركة النشاط الثوري الإيراني؟

واللافت أنّ محاولات عدة سعت لتدشين أكثر من حراك، بهدف التغيير، وهي محاولات إصلاح داخل البيت الشيعي، خاصة في الفترة التي تلت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان، إلا أنّ الفريق الشيعي اللبناني ظلّ بعيداً ومتخلفاً عن بقية الأطراف اللبنانية، في ثورتها ضدّ الوجود السوري في لبنان؛ حيث قامت شخصيات شيعية متنوعة، تتفق على أمر واحد، وهو مناهضة توجه الثنائي الشيعي، المتحالف مع النظام السوري وإيران، حركة أمل وحزب الله، بمحاولة الإصلاح والتغيير؛ حيث قاد هذه المحاولة "اللقاء الشيعي اللبناني"، الذي تشكل بعد اغتيال الرئيس الحريري، عام 2005، وأطلق وثيقة تأسيسية بالكلية العاملية، في بيروت، برعاية العلّامة السيد محمد حسن الأمين، وحضور حشد من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية، والعاملين في الشأن العام.
الاحتجاجات في لبنان وتحديداً في الجنوب والنبطية والضاحية وهي مناطق تمركز حزب الله وحاضنته الاجتماعية؛ هل تبرز في رأيك تآكل لقاعدته الشعبية وفقدانه الشرعية؟

اقرأ أيضاً: العراق ولبنان: من يقتل الشيعة؟
واضح أنّ البيئة العامة التي كان يعتمد عليها الحزب قد تغير مزاجها، وأنّ الوعي في تزايد، فالانحدار في طور مستمر منذ أكثر من عشرة أعوام، وفيما يخصّ حالات الاحتجاجات في المناطق الشيعية، سواء في الجنوب اللبناني أو في البقاع، فإنّها لا تعبّر عن كلّ الواقع ومجرياته؛ إذ تمّ قمعها في بعض الأماكن، والسيطرة عليها ولجمها في أماكن أخرى.

ومن الضروري أن ننتبه إلى أنّ القوة الظاهرية للشيعة في لبنان، تعود حصراً بسبب الهيمنة السياسية لحزب الله، وقوة السلاح الذي بحوزته، لكن ثمة ضعف يتغلغل في العمق الشيعي عبر العجز الذي تعاني منه مؤسساته الدينية والثقافية والاجتماعية، فضلاً عن التراجع الذي يتحكم في نشاطها؛ فقوة الثنائي الشيعي في لبنان وأدوارهما السياسية والميدانية أضعفت عن عمد باقي المؤسسات، وألغت فعاليتها وأدوارها، حيث يبقى طرف واحد فقط هو المعبر عن الشيعة سياسياً واجتماعياً.
لكن هناك بعض الأنشطة التي نسعى لأن نتيحها في ظلّ هذا المناخ الصعب والمعقّد للعب دور إصلاحي، وبهدف تغيير الواقع القسري، منذ حوالي أربعة عقود، وفي الفترة بين اختطاف السيد موسى الصدر، وانتصار الثورة في إيران.

ماذا عن وضع اتفاق الطائف في ظلّ تعالي الأصوات المنددة بالمحاصصة الطائفية والإقطاع السياسي وفساد النخبة الحاكمة والرغبة في قوانين مدنية للفكاك من سيطرة الطائفة وقوانينها؟
الطائف ليس مقدساً، والنظام السياسي الطائفي الراهن من أسوأ ما يكون، والمفترض البحث جدياً عن نظام مدني بالكامل، بما فيه اعتماد نظام موحّد مدني إلزامي للأحوال الشخصية، وفكّ ارتباط السلطة اللبنانية بكلّ المؤسسات الدينية اللبنانية، حيث إنّ الثنائي الشيعي نجح في تشويه صورة رجالات الشيعة القدامى، سواء كانوا من رجال الدين أو السياسيين، لكنّ الصورة التي رسمها هذا الثنائي لأسلافهم من قادة الطائفة، قد تغيّرت وتبدّلت إلى النقيض مع تجربتهم في الحكم، خلال المرحلة الماضية.

اقرأ أيضاً: لبنان واجتثاث الطائفية
وتنبغي الإشارة إلى أنّ القوى المدنية والشعبية في المجتمع اللبناني، باتت تدرك في ظلّ الحراك الراهن، أنّ قيم المواطنية والمدنية هي وحدها السبيل لعزل الطبقة السياسية الحاكمة، وإلغاء مصادر شرعيتها؛ حيث أطالب الدولة اللبنانية في كلّ مساهماتي الفكرية ومشاريعي الإصلاحي بتعقّب مناطق الخلل، والقيام بواجباتها المنسية، والتي تعاني تحت وطأتها من الانفلات وعدم الانضباط، كوضع حدّ للاحتراب الأهلي والصراع الطائفي، التي تتوافر كلّ شروطه، إضافة إلى منع الخطاب التحريضي الذي ينتشر في أكثر من طائفة، وفي أكثر من منطقة، فما المانع من أن تضع الدولة حدّاً لرجال الدين الذين يثيرون العصبيات والفتن؟
كما ينبغي على الدولة منع انتشار السلاح، على مستوى كلّ الوطن دون استثناءات؛ حيث تنتشر في لبنان الأسلحة على أنواعها وبكلّ المناطق.

سبق وتحدثت عن الفساد في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى؛ ما هي أبرز مصادر وأشكال الفساد ومن المسؤول عن حمايتها من المساءلة والنقد والحساب؟

في الأساس؛ وجود هذا المجلس هو خطأ، وليس من حاجة إليه، ولا يؤدي أيّ دور إيجابي، بل تنحصر وظيفته، هو وغيره من المؤسسات الملية في ترسيخ النظام الطائفي.
ويمكن الكشف عن فساده على أكثر من مستوى، منها تعطيل الانتخابات العامة، منذ أكثر من أربعين عاماً؛ حيث أعاد رئيس المجلس تعيين نفسه بنفسه وهو فوق السنّ القانونية، ومن ثم تعيين ابنه خلفاً له، وهي ممارسات لا تخضع للقوانين التي تحكم عمل مؤسسات المجلس، بشكل عام، والإفتاء الجعفري والقضاء الجعفري، بشكل خاص، وقد رصدت لهما الدولة مبالغ من ضرائب المكلف اللبناني، بلغت عام 2018 أكثر من 29 مليار ونصف مليار ليرة لبنانية، مما يجعلها خاضعة للمساءلة والمحاسبة من قبل أيّ مواطن لبناني.

اقرأ أيضاً: اللبنانيون يعرفون من أوصلهم للتسول
كما أنّ عمل تلك المؤسسات يبدو منحازاً لجهات شيعية ضدّ أخرى، وتعمد إلى التفريط بأوقاف وممتلكات الطائفة وغيرها، وبينما نصت المادة 174 من قانون الملكية العقارية على أنّه "لا يجوز بيع العقار الموقوف ولا يجوز التنازل عنه لا مجاناً ولا ببدل، ولا انتقاله بطريق الإرث، ولا يجوز رهنه، أو إجراء تأمين عليه"، إلا أنّه قد حصل بيع للعديد من المساجد والأوقاف.
وسبق أن طالبت مؤسسات الدولة الرقابية والنيابة العامة المالية التحرك لمحاسبة المتسببين بإهدار المال العام، كما وجّهت بضرورة استثمار أموال الأوقاف في مواردها، والاهتمام بشؤون الفقراء والمساكين، فضلاً عن إلغاء الوظائف التي لا طائل منها، حفاظاً على المال العام، مثل وظيفة "مدرسي الفتوى" التي يشغلها عشرات الأشخاص دون أن تكون لها أيّة صلاحية أو منفعة.

 

 

هل يمكن القول إنّ الكتلة الشيعية متجانسة وتتعاطى كلّها مع وجهة النظر السياسية التي تؤيد المواقف لحزب الله وإيران ونظام الجمهورية الإسلامية؟
المجتمع الشيعي اللبناني غني جداً، وفيه كثير من الكفاءات والطاقات، وقد يبدو للوهلة الأولى أنّه من لون واحد، لكن بنظرة فاحصة دقيقة يظهر العكس، ويتضح أنّ عوامل القوة التي يحظى بها البعض تجعل الأمور تبدو وكأن السيطرة تامة على الشيعة بلبنان، وهنا لا ينبغي تجاهل الدور السلبي للطوائف غير الشيعية، التي تساهم بشكل وازن وكبير ومباشر، عن قصد أو بدونه، في بلورة الأحادية لدى الشيعة، بل يمكننا القول إنّهم يساهمون في توجيه الشيعة لتوثيق الارتباط بإيران.
قبل الجمهورية الإسلامية كانت تتعدّد المرجعيات الدينية الشيعية في الفقه والسياسة، وذلك قبل أن يؤبّد الخميني مرجعية الولي الفقيه فجرى تأميم باقي الآراء الحوزوية لحساب السياسة وتعرض المخالفون للاعتقال أو القمع إلى أيّ حدّ أصاب العمى السياسي والأيديولوجي واقع الشيعة على مستوى الفكر والممارسة؟
قبل انتصار الثورة في إيران واتجاهها لتأسيس كيان ديني سياسي، كانت حوزة جبل عامل، بالحدّ الأدنى، تتمتع بجملة مواصفات علمية وفكرية مميزة، منها الانفتاح وإعمال العقل، والتنوع، والمستوى العلمي الرفيع، وكلّ هذه الأمور تلاشت مع نشر الثقافة الإيرانية. والانحراف الكبير كان بزجّ الدين في السياسة، الأمر الذي شوّه الدين وخرّب السياسة، ثم كانت الأحادية في الزعامة الدينية، وفي هذا الإطار شهدنا سياسة قمع واضطهاد لعدد من كبار العلماء والمراجع في إيران.
ويبقى المطلوب هو السعي نحو الفصل التام بين السياسة والدين، وتالياً ينتفي الكلام حول ولاية الفقيه من أساسه، فإنّه ليس من المطلوب أن يكون للفقيه أيّ دور سياسي إطلاقاً، بوصفه فقيهاً، أما كمواطن فله الحقّ التام بممارسة دوره المواطني.

 

 

 

هناك حركة حقوقية نسوية في لبنان ضدّ أحكام المجالس الشيعية والمحكمة الجعفرية والتي تتصل بوضع المرأة وحضانتها لأطفالها؛ ما هو، في رأيك، السبيل كي تسترد المرأة حقّها المسلوب ومدى ضرورة تعديل هذه الأحكام التي تبدو مجحفة؟
سبق أن طالبت بإلغاء المحكمة الجعفرية، فالمشكلة تكمن بكون المحكمة الجعفرية في لبنان لم تطور نفسها إطلاقاً، هذا في الوقت الذي يتحدث فيه الشيعة عن كون مذهبهم مذهباً يفتح باب الاجتهاد، وفي الواقع ثمة جمود عقائدي يتمثل في الالتزام بحرفية النصوص، دون أيّة محاولة للتجديد في فهم هذه النصوص بما ينسجم مع روحية العصر.

اقرأ أيضاً: "حزب الله" يتلاعب بديمقراطية لبنان
كما أنّ تأسيس المحاكم الجعفرية في لبنان له خصوصية تاريخية؛ حيث جاءت منسجمة مع طبيعة النظام اللبناني الذي سمح لكلّ طائفة بأن تكون لها قوانينها وأحكامها "الطائفية"، وتنظيم أحوالها الشخصية بحسب المذهب، فلم يكن تأسيس المحكمة الجعفرية بطلب من علماء الشيعة.
والأصل في الأمور؛ أنّ علماء الشيعة كانوا يرفضون دوماً تولي منصب القضاء الشرعي، ومن المعروف أنّ رئاسة محكمة التمييز الجعفرية، قد عرضت على الشيخ حسين مغنية، في العشرينيات من القرن الماضي، لكنّه رفضها، ولذا لا نلاحظ أيّ اهتمام بالقضاء، بشكل كبير، من جانب علماء ومراجع الشيعة.

اقرأ أيضاً: الثورة اللبنانية والتنانين الأربعة
وفي كلّ الأحوال؛ نحن بصدد جهاز قضائي لم يتم تطوير أجهزته وقوانينه، فضلاً عن القيم التي يحكم بها؛ إذ تنبغي إعادة النظر بالمنظومة التي يحتكم إليها في المجمل، رغم أنّ تنظيم القضاء الشرعي، صدر منذ أكثر من نصف قرن، وتحديداً في العام 1962، إلا أنّ الشيعة لم يشعروا قبلها بأيّ خلل أو ضعف.

واضح أنّ البيئة العامة التي كان يعتمد عليها الحزب قد تغير مزاجها، فالانحدار مستمر منذ أكثر من عشرة أعوام

وأخيراً، يمكن القول إنّ تأسيس محكمة شرعية ضمن المجلس الشيعي هو أمر في غير مكانه، وهناك حالات تفلت عديدة في الإطار نفسه؛ حيث صار لدينا مكتب شرعي في مؤسسة السيد فضل الله، ومكتب شرعي للشيخ النابلسي في صيدا، وهذا أمر يعكس فوضى وانفلاتاً شديدين.
وفي تقديري؛ يجب تطوير أنظمة محاكمنا الشرعية، كما يجب إغلاق المحاكم الخاصة، والإبقاء على محكمة الدولة الرسمية، خاصة بعد أن تراكمت حالات تعسف وظلم كبيرين تعرضت لهما المرأة، فيما يتعلق بحقوقها بعد الطلاق، وحرمانها القسري من رؤية الأطفال، وفي ظلّ غياب الثقافة الشرعية ليست هناك ضمانات للمرأة لحفظ حقوقها، كمثل أن تكون وكيلة نفسها في أثناء عملية الطلاق، على سبيل المثال.

هل تقبل بقانون مدني للأحوال الشخصية بدلاً من المحاكم الشرعية وقوانينها باعتبارها ضمن الميراث السياسي لحكم الطائفة وهيمنتها المذهبية على أفراده؟

أنا لا أقبل بالنظام المدني فحسب؛ بل كنت من دعاة قيام هذا النظام، على أن يكون إلزامياً وموحداً لكل اللبنانيين، كما أشرت سابقاً، بل أكثر من ذلك؛ فقد أكون العالم الديني المسلم الوحيد في لبنان الذي طالب بالنظام المدني الإلزامي، وقد بتّ ألحظ وجود صدى في الوسط الديني الإسلامي، آخذاً بالنمو شيئاً فشيئاً، ولو أنّه ما يزال في طوره البدائي؛ حيث إنّ شؤون الأحوال الشخصية هي من التنظيمات الاجتماعية التي لنا أن نجتهد في تعديلها وتطويرها بما يتلاءم مع مصلحة البشر، ونظامنا الراهن، الذي يطلق عليه أنّه نظام ديني، بينما هو في حقيقته أبعد ما يكون عن فهم روحية الدين، نتيجة تعقيداته.

اقرأ أيضاً: اغتيال سليماني.. هل يوثر في تشكيل الحكومة اللبنانية؟
في حين أننا نرى أنّ النظام المدني أكثر انسجاماً مع روحية الفكر الإسلامي؛ لذا فإننا لا نترك مناسبة إلا وندعو فيها لإلغاء هذه المحاكم من أساسها.
كما لا يخفى على أحد أنّ الذهنية السائدة في مجتمعاتنا هي ذهنية ذكورية بامتياز، وتأثيرات هذه الذهنية لا يسلم منها بعض رجال الدين، إذا لم يكونوا أكثر ذكورية أحياناً من سواهم! وهذا ما يؤدي لهذه الحساسية الراهنة لدى الجمعيات النسوية، مثلاً، التي في رأينا تقوم بدور جليل، ولا شكّ في أنهنّ سيصلن إلى مبتغاهن، وفي تقديري، سنشهد حركة إصلاحية جراء الانتفاضة الشعبية الحالية بلبنان.

بين 7 أيار عام 2008 و2019، في الأولى احتلّ حزب الله بيروت واقتحم مقرات حزب المستقبل وغطى تمثال رفيق الحريري بأعلام الحزب، ثم محاولاته الأخيرة لبعث تلك المشاهد من خلال الاعتداءات المتكررة والمنفلتة على المتظاهرين لإرهاب المتظاهرين؛ ما هو الثابت والمتحول في المشهدَين، مع الوضع في الاعتبارين السياقَين التاريخي والإقليمي في اللحظتين؟

هذه مساوئ متوقعة من الأحزاب العسكرية التي تحاول العمل السياسي في المجتمعات الديمقراطية؛ فتنطلق من قوتها العسكرية لتفرض نفسها سياسياً، وهذا ما حصل بالفعل، والفارق بين المشهدَين أنّه في السابق كان يمكن إعادة ترتيب الأمور، فقد كان وضع الطبقة الحاكمة مقبولاً إلى حدّ ما، أما اليوم فالانهيار يصيبها بالصميم، وهي آيلة للسقوط، والشعب لم يعد يتحمل الفساد والابتزال السياسي، وفي هذا الجوّ المشحون بالعداء والسلبية، جاء الاعتداء على المتظاهرين السلميين، الذين ينتفضون بشكل حضاري.

اقرأ أيضاً: العراق هدف أمريكا وإيران
وإذا كان ٧ أيار موجهاً ضدّ فريق سياسي واحد؛ فإن مواجهة المتظاهرين اليوم تشكل تحدياً للشعب اللبناني بأكمله، ولن يلتئم هذا الجرح الوطني في المدى المنظور.
ناهيك عن تبدل المعطيات الخارجية، التي لم تعد لصالحهم إطلاقاً، انطلاقاً من وضع إيران الذي لا تحسد عليه، مروراً بأزمة سوريا التي ترخي بظلالها على هذا المحور، وليس انتهاء بتفاقم الأزمات المحلية اللبنانية؛ وكلّ هذا مرشح ليترجم على أرض الواقع في القريب العاجل.
برأيك؛ ما سيناريوهات الاحتجاجات ومآلاتها في بغداد وبيروت في ظلّ الأوضاع الإقليمية المعقدة؟ وهل سيتقلص نفوذ طهران أم ستراجع ذاتها؟
من الصعوبة بمكان تحديد إجابة، فما تزال الأحداث بالشارع تجعلنا نتفاجأ بمآلات ونتائج جمة، لكن من الواضح أنّ مشهد العنف سيتفاقم، والأطراف جميعها لا تتراجع عن مواقعها، وبمعزل عن تقييم التظاهرات، وعن الحديث عن إمكانية نجاحها، لكنها حققت الكثير من الأهداف، وساهمت في فضح مفاسد السلطة، سواء في العراق أو في لبنان، وهذا ما سيؤدي لتغيير على مستوى الطبقة الحاكمة.

للمشاركة:



الاتحاد الاوروبي يقطع مساعداته عن تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت تقارير إعلامية؛ إنّ الاتحاد الأوروبي سيصدر قراراً بقطع 75٪؜ من مساعداته لتركيا بسبب عمليات التنقيب التي تجريها في شرق البحر الأبيض المتوسط وعملياتها العسكرية في سوريا.

تأتي هذه الخطوة بعد أن قطع الاتحاد الأوروبي عن تركيا مساعدات بلغت 85 مليون يورو من ميزانية 2020، وذلك بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان.

أوروبا تقطع المساعدات عن تركيا بسبب عمليات التنقيب في البحر الأبيض والعمليات العسكرية في سوريا

وقالت مجموعة "فونكة" الإعلامية الألمانية، إنّها اطلعت على رسالة أرسلها إلى البرلمان الأوروبي الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية، جوزيف بورل، كشف فيها أنّ الاتحاد الأوروبي اتخذ قرارا بقطع 75٪؜ من المساعدات التي يقدمها الاتحاد لتركيا في إطار مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد.

ووفق وسائل الإعلام الألمانية؛ فإنّ مساعدات الاتحاد الأوروبي لتركيا ستقتصر على 168 مليون يورو، على أن تستخدم 150 مليون يورو منها في مجالات تطوير الديمقراطية وسيادة القانون، فيما ستنفق بقية المبلغ في سبيل تطوير المناطق الريفية.

وبحسب خبر أورده موقع "يورو نيوز"، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، فإنّ المساعدات التي قطعها الاتحاد الأوروبي عن تركيا خلال العامين الأخيرين وصلت إلى 1.2 مليار يورو.

واشتكى عدد كبير من المسؤولين الأوروبيين من سياسة الابتزاز التي انتهجاها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بما يتعلق بالمهاجرين والسماح لهم بالعبور إلى القارة الأوروبية عبر تركيا.

 

للمشاركة:

تعرّف إلى القيادي المسؤول عن الميليشيات السورية في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ أنّ القيادي الليبي المسؤول عن استقبال المرتزقة السوريين وتوزيعهم على محاور القتال في طرابلس.

وقال المرصد في تصريح لـ "سكاي نيوز": إنّ أحد أبرز قادة الميليشيات في طرابلس، وهو مهدي الحاراتي، صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية.

المرصد: مهدي الحاراتي صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية

ووفق المرصد؛ فإنّ الحاراتي هو من يستقبل المرتزقة في طرابلس، ويشرف على عملياتهم وتحركاتهم.

والحاراتي، بحسب المرصد، زعيم إحدى الميليشيات الليبية في طرابلس، وهو أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة.

وبرز اسم الحاراتي (46 عاماً) قبل أعوام، منذ بدء الاحتجاجات التي أطاحت بنظام معمر القذافي في ليبيا، وظهر في عمليات اقتحام لمنزل الزعيم الراحل في باب العزيزية بطرابلس، قبل أن يتم تعيينه في مجلسها العسكري لكنه سرعان ما استقال.

وفي عام 2012؛ سافر الحاراتي إلى سوريا في مهمة تقصي حقائق، لكنه بدأ سريعاً الانخراط في العمليات القتالية ضدّ القوات الحكومية، وشكّل ما عرف باسم "لواء الأمة"، لكنّ أعماله هناك لم تستمر، وسلم اللواء إلى فصائل مسلحة أخرى.

عاد الحاراتي إلى ليبيا وعين عمدة لطرابلس، لكن لاحقته تهم الإرهاب بسبب اشتراكه في قيادة ميليشيات متطرفة في بلده وفي سوريا، وهو مصنف بقوائم الإرهاب في عدد من الدول العربية.

ويلعب الحاراتي حالياً دوراً تنسيقياً مهماً مع مسلحين تابعين لفصائل معارضة سورية لدى وصولهم إلى ليبيا برعاية تركية، في تدفق للمرتزقة اعترف به المبعوث الدولي إلى ليبيا، غسان سلامة، الذي أشار أيضاً إلى إمكانية تواجد خبراء عسكريين أتراك في طرابلس.

الحاراتي أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة وشغل منصب عمدة طرابلس

لكن سلامة أكد، الجمعة، أنّ الأمم المتحدة لا تملك مؤشرات واضحة حتى الآن على نشر قوات عسكرية تركية هناك.

وتشعل أنقرة لهيب النزاع الليبي بإرسال المرتزقة لدعم ميليشيات طرابلس، بعد إغرائهم بالجنسية التركية وألفي دولار شهرياً، علماً بأنّ أعمارهم تتراوح بين 17 إلى 30 عاماً، في "تجارة حرب" نقلتها تركيا في وقت سابق إلى سوريا والآن تعيد تصديرها إلى ليبيا.

وتظهر في طرابلس الأسلحة التركية، ومنها مضادات الطائرات في أيدي مسلحي الميليشيات، وسبقتها الطائرات المسيرة التي يستهدفها الجيش الوطني بين الحين والآخر.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، وصول دفعة جديدة من المرتزقة من سوريا إلى ليبيا عن طريق تركيا، بهدف دعم ميليشيات طرابلس، ليصل إجمالي عددهم في العاصمة الليبية إلى نحو ألفي مسلح.

 

 

للمشاركة:

ماذا بعد تصنيف بريطانيا لحزب الله جماعة إرهابية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت وزارة الخزانة البريطانية؛ إنّها صنفت منظمة حزب الله اللبناني، بجميع أجنحتها، جماعة إرهابية، بناء على قواعد مكافحة الإرهاب، وقررت تجميد أرصدتها بدءاً من الأول من أمس.

وقال متحدث باسم الوزارة: "بعد المراجعة السنوية للتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري لحزب الله، اتخذ قرار بإدراج الجماعة برمتها منظمة إرهابية، وهذا يتماشى مع تصنيف وزارة الداخلية للجماعة، عام 2019، والتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري للحزب هو تصنيف مطبق على نطاق الاتحاد الأوروبي"، وفق ما أورت الـ "بي بي سي". 

وزارة الخزانة البريطانية تصنف حزب الله اللبناني بجميع أجنحته جماعة إرهابية وتجمّد أرصدتها

وأضاف: "ما تزال بريطانيا ملتزمة باستقرار لبنان والمنطقة، وسنواصل العمل عن قرب مع شركائنا اللبنانيين".

وسيمنع القرار الجديد أيّ شخص من التعامل مع أيّة جهات مالية أو اقتصادية يملكها حزب الله، أو المشاركة في تمويل أيّة جهة تابعة له أو خدمتها.

وأصدرت الحكومة البريطانية بياناً عاماً يشير إلى خطوات يجب اتباعها من أيّة مؤسسة مالية أو أفراد لهم تعاملات مع الحزب بعد قرار التجميد.

وهذه الخطوات هي: التحقق مما إذا كان هناك حسابات أو أموال أو موارد اقتصادية للحزب، أو توفير أية خدمات مالية، وتجميد هذه الحسابات وغيرها من الموارد المالية، وتعليق تقديم أية خدمات مالية للحزب، والامتناع عن التعامل بهذه الأموال أو إتاحتها لهذا الكيان المنصوص عليه في القرار، ما لم تكن مرخصة من قبل مكتب تنفيذ العقوبات المالية، وإبلاغ مكتب تنفيذ العقوبات المالية بأية نتائج ومعلومات إضافية من شأنها تسهيل الامتثال للقرار، وتقديم أية معلومات تتعلق بالأصول المجمدة للأشخاص المدرجين في القرار.

وتدرج بريطانيا 75 منظمة في قائمة الإرهاب الدولي لديها، تطبيقاً لقانون الإرهاب الصادر عام 2000.

 

 

للمشاركة:



ثلاثة أطماع عثمانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

محمد نور الدين
ليس من دولة تتحرك وفق العواطف فقط، فالمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية تتقدم كل الأولويات. لكن النموذج التركي في التعامل مع قضايا المنطقة، يُرفد بشحنة عالية جداً من الموروث التاريخي والإيديولوجي ويكاد أحياناً ينحبس فيه.
ولنا في حالات العراق وليبيا وسوريا نماذج واضحة على التوجهات التركية التي تختلط فيها المصالح والإيديولوجيا.
في الحالة العراقية: في العام 1926 انسلخت ولاية الموصل نهائياً عن خريطة حدود «الميثاق الملّي» التي رسمها البرلمان التركي/العثماني عام 1920. ولم تكن مطالبة تركيا بتلك الولاية حينها إلا لهدفين أساسيين، الأول وضع اليد على الثروات النفطية فيها، وهو الأمر الذي لم يتحقق، ولكن في اتفاق أنقرة 1926 نجحت تركيا في وضع اليد على عشرة في المئة من نفط العراق على مدى 25 عاماً. والثاني هو إلحاق أكراد العراق بتركيا، حيث يبقون تحت رقابتها المباشرة، فلا يتحركون ضدها من خارج الحدود، وضمن سيادة دولة أخرى.
لكن بعد ذلك، ولا سيما مع حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)، استيقظت العثمانية الجديدة عند الرئيس التركي الراحل طورغوت أوزال، وأراد إحياء ضم الموصل/كركوك، بفكرة دخول الجيش التركي إلى هناك. لكن معارضة رئيسي الحكومة والأركان منعاه من تنفيذ المشروع. ومع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 استعادت العثمانية الجديدة دماءها بسعي قادة حزب العدالة والتنمية لضم شمال العراق، بذريعة أن الفيدرالية الكردية تخالف اتفاق أنقرة 1926. وذهبت كلمة أردوغان من «أن الموصل كانت لنا» مثلاً، للتدليل على هذه الأطماع. كما أن الجيش التركي موجود في أكثر من عشرين مركزاً عسكرياً في شمال العراق وبشكل ينتهك السيادة العراقية التي يفرط بها حكام بغداد، ولا يجرؤون على حمايتها من نفوذ العثمانيين الجدد.
في الحالة السورية: كان اتفاق أضنة يضمن أمن تركيا مئة في المئة بين عامي 1998 و2011، ولم يكن أي مقاتل كردي من حزب العمال الكردستاني يستطيع التحرك من سوريا للقيام بعمليات في تركيا. لكن مع ما يسمى ب «الربيع العربي»، كانت أوهام «الربيع العثماني» تتحرك من جديد في رؤوس قادة حزب العدالة والتنمية جميعاً. المصالح كانت واضحة بالتدخل العسكري في سوريا. تريد أنقرة ضم الشمال السوري الذي كان ضمن حدود ميثاق 1920. وتريد تغيير البنية الديموغرافية حتى لا يبقى كردي واحد هناك. وعبر الاحتلال تتم المساومات في النهاية على تطلعات تركيا النفطية والاقتصادية والتاريخية، لتحقق تركيا في الشمال السوري ما فشلت فيه في كل سوريا. بل إن أردوغان هدد علناً الرئيس السوري بشار الأسد يوم الثلاثاء الماضي من أنه إذا لم يوقف خروقاته لوقف النار في إدلب، فسيتحرك الجيش التركي لوضع حد لها.
في الحالة الليبية: رغم آلاف الكيلومترات، فإن تركيا ترى في ليبيا المنقذ لسياساتها الفاشلة في المنطقة. حكومة في طرابلس تأتمر بإيديولوجيا الإخوان المسلمين، مستعدة لاستقدام الاحتلال التركي إلى ليبيا، ووقعت اتفاقاً مع أنقرة التي بدأت بإرسال قوات إلى ليبيا بعدما سبقت ذلك بإرسال آلاف المسلحين من إدلب السورية إلى ليبيا. وقد وجدت تركيا الفرصة مناسبة لوضع قدم لها هناك. من جهة للاستفادة من الثروات الليبية بحراً وبراً، ومن جهة ثانية تهديد الأمن القومي العربي والمصري تحديداً.
وفي الحالتين السورية والليبية يهدد المحتل أصحاب الأرض، لكن مع الأطماع التركية في الثروات الليبية، وتحويل ليبيا إلى منصة تهديد لمصر وتونس والجزائر وكل شمال إفريقيا، لا ينسى أردوغان في كلمة له الثلاثاء الماضي القول «إن البعض يرى ليبيا بعيدة عن تركيا لكنها بالنسبة لنا ليست كذلك. لقد كانت ليبيا جزءاً من الدولة العثمانية. ولا يمكن أن ندير ظهرنا لمطلب مساعدة إخوتنا هناك. إن الانقلابي حفتر يريد أن يقضي على بقية الدولة العثمانية هناك، قبيلة «كور أوغلو»، ووظيفتنا أن نحمي أحفاد أجدادنا هناك». وكان هو نفسه قال بعد عودته من زيارة تونس إن ليبيا «أمانة عثمانية».
ثلاثة نماذج تتعامل معها تركيا انطلاقاً من أطماع تجمع بين الراهن والتاريخي/الإيديولوجي. وعلى هذا المنوال، تتواصل الحركة التركية لتشمل لاحقاً كل زاوية من أراضي الوطن العربي كانت تحت الاستعمار العثماني. فهل ثمة شك بعد في ما يضمره حزب العدالة والتنمية من العام 2002 وحتى اليوم من تطلعات وأطماع عثمانية تجاه منطقتنا العربية؟

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

هل اقترب إجهاض التدخل التركي في ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

يوماً بعد يوم تجد انقرة نفسها معزولة في تدخلها غير المشروع في الشأن الليبي.

ويقترب يوما بعد يوم وبشكل متسارع اجهاض المشروع التركي التوسعي في ليبيا.

اوروبا التي رفضت بجميع دولها التدخل التركي في ليبيا أيا كان شكله او أسبابه يبدو انها أجمعت على امر واحد وهو انهاء هذا التواجد التركي في ليبيا بأي شكل.

وفي هذا الصدد، لم يستبعد مفوض الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل إرسال الاتحاد الأوروبي مهمة عسكرية إلى ليبيا.

وقال بوريل في مقابلة مع مجلة دير شبيجل الألمانية اليوم الجمعة: "إذا حدث وقف لإطلاق النار في ليبيا، سيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستعدا للمساعدة في تطبيق ومراقبة وقف إطلاق النار – وربما أيضا بجنود".

وتعتزم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الاجتماع مع قادة من الدول المشاركة في النزاع الليبي خلال مؤتمر في برلين بعد غد الأحد لبحث حل سلام في ليبيا، التي تشهد حربا أهلية منذ سنوات.

وتواجه حكومة رئيس الوزراء الليبي، فايز السراج، ضغطا من قبل المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على أجزاء واسعة في ليبيا، خاصة في شرق البلاد، بينما تسيطر حكومة الوفاق الليبي على أجزاء صغيرة في شمال غرب البلاد.

ومن المنتظر أن يشارك السراج وحفتر في مؤتمر ليبيا الأحد.

وقال بوريل إن روسيا وتركيا أعدتا خطة لوقف إطلاق النار في ليبيا.

وأضاف: "هذا من المحتمل أن يكون نبأ جيدا للغاية للمواطنين في ليبيا، لكنه ليس بالضرورة تأكيد على النفوذ الكبير للاتحاد الأوروبي"، مطالبا الأوروبيين بتطبيق حظر توريد الأسلحة لليبيا، موضحا أن هذا الأمر غير فعال حاليا بسبب عدم تولي أحد زمام المراقبة.

وكان  وزير خارجية الاتحاد الاوروبي ندد بتدخل تركيا في النزاع الليبي اثر اجتماع في بروكسل مع وزراء خارجية فرنسا والمانيا وايطاليا وبريطانيا.

وردا على سؤال للصحافيين يتصل ببيان مشترك يدين التدخل الأجنبي من دون اي توضيح اضافي، قال بوريل "من المؤكد ان ذلك يشير الى القرار التركي بالتدخل عبر قوات (برية) في ليبيا".

وأضاف "انه امر نرفضه ويزيد من قلقنا حيال الوضع” في هذا البلد.

وعقد بوريل واربعة من نظرائه في دول اعضاء في الاتحاد الاوروبي اجتماعا طارئا  لبحث الوضع في ليبيا.

وأورد البيان المشترك ان "الاتحاد الاوروبي مقتنع بان لا حل عسكريا للازمة الليبية”، داعيا الى “وقف فوري للعمليات القتالية".

وصرح وزير الخارجية الالماني هايكو ماس لدى وصوله الى بروكسل "باتت ليبيا مكانا تخوض فيه قوى اخرى حربا بالوكالة، ونرفض هذا الامر".

واعتبر بوريل أنّ "تركيا وروسيا غيّرتا التوازن في الحوض الشرقي للبحر المتوسط"، حذّر من أنّه "لا يمكننا أن نقبل بأن يتكرّر نفس الوضع في ليبيا".

واتّهم بوريل كلاً من موسكو وأنقرة بالانخراط عسكرياً في ليبيا بإرسال أسلحة ومرتزقة.

وقال "هناك المزيد والمزيد من الأسلحة والمرتزقة. لم يعد بإمكاننا القول إنّ في ليبيا حرباً بلا مقاتلين".

وبذلك تكون أوروبا قد وصلت الى قناعة راسخة بأن التدخل التركي سوف يقود الى فوضى لا مثيل لها في ليبيا ويغري المزيد من الجماعات المسلحة للانخراط في الصراع وبالتالي تتحول ليبيا الى ميدان صراع طويل الأمد تمتد مخاطره الى أوروبا مباشرة.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

حفتر يقطع الطريق أمام الخدعة الأردوغانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

جوان سوز

أحرز الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، تقدّماً ميدانياً كبيراً منذ إعلانه منتصف الشهر الماضي عن معركة الحسم لتحرير العاصمة طرابلس من المليشيات الإرهابية المدعومة من تركيا التي يقودها فايز السرّاج رئيس حكومة "الوفاق الوطني" المنتهية صلاحيتها، الأمر الّذي وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مأزق كبير.

فالرئيس التركي عارض حكومات اليونان ومصر وقبرص وغيرها من الدول للمضيّ قدماً في الاتفاقيات التي وقعها مع السرّاج رغم أن بعضاً منها ينتهك حقوق عدّة دول شرق المتوسط، كمصر واليونان وقبرص، لكن أردوغان تجاوز كلّ المواقف الرافضة لاتفاقياته تلك وقدّم الدعمين العسكري واللوجستي غير المحدود للسرّاج، كي يسيطر على ليبيا بأكملها، لا سيما أنها بلد غنيّ بالثروات النفطيّة وتستحق خوض هذه المغامرة، وفقاً لطموحات أردوغان غير المحدودة في العالم العربي.

وكان يهدف أردوغان من خلال تلك الاتفاقيات إنقاذ ميليشيات حليفه السرّاج، لا سيما أنها لم تصمد كثيراً أمام هجمات الجيش الليبي، حيث خسرت كثيرا من مواقعها، لذلك لم تكتفِ أنقرة بإرسال مرتزقةٍ سوريين للقتال إلى جانب تلك المليشيات، بل أرسلت كذلك خبراء ومستشارين وجنودا من الجيش التركي إلى الأراضي الليبية لدعم السرّاج. ومع ذلك، قُتِل عشرات الجنود الأتراك والمرتزقة السوريين هناك، ولم يستطع أردوغان إنقاذ حليفه الليبي في أرض المعركة.

ومع مرور نحو شهر كامل من المعارك بين الجيش الليبي والمليشيات التي يقودها السرّاج، أدرك أردوغان أن المعادلة العسكرية على الأراضي الليبية لن تتغير لصالح حليفه، فالمرتزقة السوريون يجهلون التضاريس الليبية وكذلك الجنود الأتراك، الأمر الذي يسهم في تقدّم مقاتلي الجيش الليبي، خصوصا أن مليشيات السرّاج تشكّلت على هيئة "عصابات"، وهي غير مدرّبة بالشكل المطلوب، لذا لجأ أردوغان مؤخراً إلى خدعة أخرى ليمنح من خلالها حليفه وقتاً إضافياً وليتقدّم نتيجة ذلك ميدانياً على الأرض.

وتأتي خدعة أردوغان على شكل هدنة لوقف إطلاق النار بين الجيش الليبي ومليشيات السرّاج بعد اتفاقٍ روسي ـ تركي، لكن في واقع الأمر، فالمليشيات التي يقودها السرّاج اخترقت الهدنة منذ لحظاتها الأولى ليلة الأحد الماضي، وشنّت بعد ذلك هجوماً مضاداً على مواقع الجيش الليبي، الأمر الّذي يعني أن هذه المليشيات لن تلتزم أبداً بأي هدنة، خصوصا أن مجموعاتها العسكرية غير منضبطة وقيادتها غير موحّدة، لذلك فالجيش الليبي رغم تقدّمه الميداني الكبير، كان سيخسر الكثير فيما لو لم يرفض هذه الهدنة الهشّة.

وباعتقادي، فإن أفضل ما فعله الجيش الليبي أكثر من تقدمه الميداني على الأرض، كان رفض قائده المشير خليفة حفتر، الموافقة على هذه الهدنة، فقد غادر العاصمة الروسية قبل ساعات، تاركاً أردوغان يسقط في ليبيا، لا سيما أن الأخير كان يسعى لنقل تجربة جيشه في سوريا إلى ليبيا.

وعلى سبيل المثال بعد فشل الجيش التركي من التقدم ميدانياً في مدينتي رأس العين/سري كانييه وتل أبيض/كري سبي، السوريتين قبل نحو ثلاثة أشهر، وافق أردوغان على هدنتين؛ الأولى أمريكية والثانية روسية، وكلتاهما مكّنت جيشه مع المرتزقة السوريين، من السيطرة على المدينتين، لذلك كان يرغب بتكرار الأمر ذاته في ليبيا، لكن مغادرة حفتر لموسكو قطع الطريق أمام هذه الخدعة الأردوغانية.

لذلك، الكرة الآن في مرمى الجيش الليبي وعليه أن يشدد بقوة على رفضه المطلق للهدنة الروسية ـ التركية التي تهدف بالدرجة الأولى لشرعنة الوجود التركي في ليبيا مع مليشيات السرّاج، فحصول هذه الهدنة، سينجم عنه تقدّم المليشيات الإرهابية على حساب الجيش الليبي، وهذا ما لا يجب أن يحصل أبداً.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية