الفتاوى بين التوظيف السياسي وفخ التناقضات

7312
عدد القراءات

2018-06-05

لطالما رافق الجدل بعض الفتاوى خاصة إذا ما شابتها الشكوك بوجود دوافع سياسية واضحة تقف وراءها، وقد تثير أحياناً السخرية أو الدهشة، فتوضع على رفوف الفتاوى الشاذة أو الخارجة عن سياق الواقع إلى فضاء الخيال.

صاحبت الفتاوى عصور التاريخ الإسلامي جميعها، ولم تكد تخلو فتوى في مرحلة ما من فتوى أخرى مناقضة لها، فقتل عثمان بن عفان، الخليفة الراشد الثالث، وعلي بن أبي طالب، على أساس فتوى، وتولى يزيد بن معاوية الحكم خلفاً لوالده بفتوى، وقتل الحسين بن علي على الأرجح بفتوى، واندلعت حركات التمرد والخروج على الحكام بفتوى.

صاحبت الفتاوى عصور التاريخ الإسلامي جميعها ولم تخل فتوى في مرحلة ما من أخرى مناقضة لها

ولم يقم تنظيم "داعش" بأي من أفعاله الوحشية والبشعة إلا بفتوى سبقت ذلك، فقبل أن يحرق أو يغرق أو يقطع أو يدفن حياً، أو يلقي البشر من فوق الجبال أو أن يرمي رؤوسهم بحجر، استند إلى فتاوى صادرة من لجانه الشرعية الفرعية أو المركزية.

بعض الفتاوى تثير الجدل ولكنها غير ذات فعل عنيف ودموي، ولا يترتب عليها أمر ذي بال، كتلك الفتوى التي عكف صاحبها عليها حيناً من الدهر وخرج بإباحة أكل لحوم الجن! إلا أنّ غيرها يمضي ليدخل في السياسة، ويدور معها؛ حيث ما تريد، بغية تحقيق مصالحها وأغراضها، فتتحول الفتوى التي هي في الأصل اجتهاد المفتي، للإجابة عن سؤال سائل عن الحكم الشرعي، إلى تجسيد لمراد الله، في عقل ووجدان كثير من المؤمنين، فتحول بذلك إلى فعل إيجابي أو سلبي، دموي أو سلمي، قد تسفك الدماء أو تعصمها، وبسببها تشتعل أوار الحروب، أو تضع أوزارها، وتستتب ممالك، وتهوي عروش، وتندثر عصور، وتقوم أخرى.

خلال حكم السادات عام 1979 أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى تجيز معاهدة كامب ديفيد

كامب ديفيد: الفتوى التنظيمية في مواجهة فتاوى الدولة

بعد أن قرّر الذهاب إلى عقر دار إسرائيل، وأن يقف في الكنيست خطيباً يتحدث عن السلام، ربما لم يلحظ كثيرون أنّ الرئيس المصري الراحل أنور السادات تحدّث عن شرعية دينية لما قام به، مع أنّه كرجل دولة كان يؤمن بأنّ أصل الصراع العربي الصهيوني سياسي لا ديني، إلا أنّ دار الإفتاء المصرية، أصدرت فتوى العام 1979، تجيز فيها معاهدة كامب ديفيد، وعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل، ولم تتعرض دار الإفتاء لمثل تلك الفتوى إبان عصر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي كانت سياسته هي المواجهة الحربية المستمرة ضد الكيان الصهيوني؛ بل سادت فتاوى دينية تؤكد أنّ الجهاد فرض عين على كل مسلم، طالما أن العدو اغتصب أرضاً تعد جزءاً من ديار المسلمين، فكيف بالمسجد الأقصى مسرى النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وأولى القبلتين.

سيقت واقعة صلح الحديبية في مواجهة المعارضين لكامب ديفيد إلا أنّها لم تقنع منظري التنظيمات الإسلامية

تحدثت الفتوى عن الإسلام الذي هو دين الأمن والسلام، وجنوح العدو للسلم أثناء الحرب واجب القبول، وبدء المسلمين بالصلح جائز ما دام ذلك لجلب مصلحة لهم أو لدفع مفسدة عنهم، وقبول المسلمين لبعض الضيم جائز ما دام في ذلك دفع لضرر أعظم، وأنّ نصوص اتفاقية السلام وملحقاتها لم تضيّع حقاً ولم تقرّ احتلالاً، "وما كان لقلة من العلماء أن تنساق أو تساق إلى الحكم بغير ما أنزل الله، وتنزل إلى السباب دون الرجوع إلى أحكام شريعة الله"، وفق نص الفتوى.

وفي حديث السلام كان لا بد أن تعرج الفتوى على واقعة صلح الحديبية، وهي المعاهدة التي عقدها الرسول، صلى الله عليه وسلم، مع مشركي قريش، وسط اعتراض عدد من الصحابة، إلا أن الواقع أثبت لهم أن تلك المعاهدة ما كانت سوى إرهاصة لفتح مكة، "فانظروا أيها العرب والمسلمون كيف كان هذا الصلح فتحاً ونصراً لدين الله ولرسوله، وكيف مهّد الأرض لانتشار الإسلام..."، وفق نص الفتوى.

سيقت هذه الواقعة في مواجهة المعارضين للصلح، إلا أنّها لم تقنع منظري التنظيمات الإسلامية التي برزت على السطح في هذه الآونة، إذ وصفوا الشيخ جاد الحق، مفتي الديار المصرية وقتها، بأنّه شيخ السلطان، ورأوا من قياس واقعة صلح الحديبية مع كفار قريش، بحالة احتلال فلسطين واغتصاب المسجد الأقصى قياسا ظالماً وفاسداً؛ إذ إنّ كفار قريش لم يستلبوا أرضاً كانت تحت سيطرة المسلمين، وتساءلوا لم فرض الله الجهاد على جميع المسلمين عند احتلال أرضهم من قبل عدو خارجي، وحث على بذل الأرواح والأموال في سبيل تخليصها منهم.

وذهبت الجماعة الإسلامية لإصدار فتوى تقضي بحرمة الصلح مع إسرائيل، مستندة لكمّ من الأدلة يحاول دحض ما جاء به مفتي الديار المصرية، فأفضى ذلك إلى قتل الرئيس السادات وسط قادته العسكريين والسياسيين في ذكرى نصر أكتوبر العام 1981.

لم يقم تنظيم داعش بأي من أفعاله الوحشية والبشعة إلا بفتوى سبقت ذلك وبرّرته

لم يكن السادات في حاجة لإيمانه بفتوى دار الإفتاء حتى يقوم بمبادرته للصلح مع إسرائيل، لكنّه بحث عن غطاء ديني يدعمه في قراره وفي مواجهة معارضيه، ولم يكن الصراع مع إسرائيل سوى صراع سياسي تحركه الأطماع الصهيونية ومصالح القوى الاستعمارية المهيمنة.

ولم تكن الجماعات الإسلامية في حاجة لأن يقوم "السادات" بالصلح مع إسرائيل حتى تغتاله، فالإطاحة بنظامه وقيام نظام إسلامي وفق مفهومهم، كان الدافع الرئيس لاغتياله، بدليل أن تلك الجماعات حاولت اغتياله والإطاحة بنظامه مبكراً بداية العام 197، قبل أن يعقد اتفاقية السلام مع إسرائيل، فيما عرف وقتها بتنظيم الفنية العسكرية.

ولم تؤثر تلك الفتاوى على مؤيدي اتفاقية السلام أو معارضيها، الذين كانوا قد حسموا أمرهم وفق مرجعية سياسية أو منطقية أو عروبية أو أيديولوجية.. ألخ.

بعد غزو صدام للكويت عام 1991 أفتت جماعات بحرمة دخول القوات الأجنبية الخليج وأخرى حللته

حرب الخليج وعاصفة الفتاوى

بعدما غزا صدام حسين الكويت العام 1991، أفتت جماعات وتيارات إسلامية بحرمة دخول القوات الأجنبية الخليج، بينما ذهبت تيارات سلفية أخرى للقول بمشروعية دخول تلك القوات ووقفت في المقابل موقفاً معادياً لمن يحرّم دخولها أو ينكر على الدولة ذلك، على أساس مرجعية سلفية تتمترس بأدلة من القرآن والسنة، ومن الملاحظ أنّه في البدء يأتي الفعل السياسي، ثم تلحقه الفتوى كمظلة لذلك الفعل أو رافضة له، ففي المثال السابق أتى قرار جامعة الدول العربية بالسماح بدخول القوات الأجنبية للخليج، ثم اشتعلت بعده حرب الفتاوى.

وقبل ذلك بعقد من الزمان دخل صدام حسين حرباً طاحنة مع إيران "حرب الخليج الأولى" والتي بدأت بعدها حركة الفتاوى السنية والشيعية، لتحول الصراع السياسي لديني طائفي، ويتحول صدام حسين إلى مدافع عن الإسلام في مواجهة المطامع الفارسية، حتى إذا دخل الكويت تحول إلى معتد أثيم وإلى حاكم باغ وكافر.

بعض الفتاوى تثير الجدل ولكنها غير ذات فعل عنيف ودموي ولا يترتب عليها أمر ذي بال

وفي الحروب يعلو صوت الفتوى وينحاز شيوخ التدين التنظيمي والسياسي إلى جماعاتهم، فيفتي شيوخ الإخوان بوجوب القتال بجوار علي عبدالله صالح في مواجهة انفصال علي سالم البيض بجنوب اليمن، وعندما تتاح الفرصة للإطاحة به بعد ثورات "الربيع العربي"، تتحول الفتوى لتأخذ مساراً مناقضاً تماماً.

ويصمت الشيخ يوسف القرضاوي عن الأوضاع في ليبيا حتى إذا هبت ثورة مسلحة في مواجهته خرج ليفتي بإباحة دم القذافي ليلقي حتفه بعدها بأشهر معدودة، ويعلو صوت الشيخ لتأييد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فيفتي بمناصرته أثناء حربه ضد الكرد فأردوغان: "معه جبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير" وفق تعبيره.

ولم يتوقف تأييد القرضاوي الديني لأردوغان المبني على أساس سياسي بحت عند هذا الحد، بل اعتبره -إبان التصويت على التعديلات الدستورية التي وسّعت صلاحيات الرئيس-  أمير المؤمنين، "وهو الرجل الذي غيّر تركيا، ومن حقه أن يقود المسيرة، ومن واجب الشعب التركي- وأنا أدعوه- أن يكون مع رجب طيب أردوغان، فهو الرجل القائد الذي يعرف ربه، ومن واجب الأمة ومن واجب الشعب أن يكون مع هذا الرجل، وأن يعطوه صوتهم".

طوّع الشيخ فتواه في خدمة أردوغان ومعاركه السياسية والدولية، وهو الذي احتوى فلول جماعة الإخوان، فذهب لإدانة ما أسماه الممارسات الهولندية غير المقبولة تجاه تركيا داعياً العالم الإسلامي للوقوف مع تركيا والتضامن معها في أزمتها مع هولندا.

أما في مصر فطالب القرضاوي في العام 2014م، المصريين في الداخل والخارج بمقاطعة الاستفتاء على تعديلات الدستور، وأفتى بحرمة المشاركة فيها معتبراً أنّها نوع من التعاون على الإثم والعدوان.

في مصر اعتبر السلفيون نظامَ الحكم شركياً وحين وصل مرسي للسلطة اعتبروه شرعياً

فتاوى ذهاباً وإياباً

حرّم السلفيون الحركيون في مصر كل مظاهر العمل الديمقراطي، واعتبروا أنّ نظام الحكم قائم على أسس شركية، حتى إذا وصل الرئيس الإخواني محمد مرسي للسلطة، اعتبروه "نظاماً شرعياً"، وأنّ الإطاحة به "انقلاب محرم شرعاً"، يستوجب الخروج وعدم الاعتراف بمن قام به، وأطاحوا بقاعدة "الإمام المتغلب"، التي طالما رددوها حينما كانوا يرون أنّ وقت الخروج والتمرد على النظم القائمة لم يأتِ أوانه بعد.. فباتت الفتوى والحكم الشرعي مطاطاً يتغير حسب تغير الحال، ووفق تموضع الجماعة الجديد.

عندما قامت تظاهرات في مصر وتونس أصدر الشيخ صالح اللحيدان فتوى تجدّد تحريم المظاهرات باعتبارها تثير الفوضى لا هدف لها إلا ضرب الأمة والقضاء على دينها وقيمها، إلا أنه عاد لتأييد المظاهرات في سوريا واليمن، وإن تسبب ذلك في سقوط ضحايا، فقد أيّد الشيخ التظاهرات باعتبار أن تلك النظم "فاسدة وتتبنى عقائد منحرفة وضالة".

صمت القرضاوي عن الأوضاع في ليبيا حتى إذا هبت ثورة مسلحة في مواجهة القذافي أفتى بإباحة دمه

ولطالما رفض السلفيون المصريون الدخول في الانتخابات باعتبارها تؤدي إلى التنازل عن عقيدة الولاء والبراء، وأفتوا بكفر المجالس النيابية، إلا أنهم بعد ثورة يناير 2011 في مصر تغيرت فتاواهم فشكّلوا "مجلس شورى العلماء" الذي ذهب للدعوة للنزول لتأييد التعديلات الدستورية والمشاركة في الانتخابات التشريعية. ومضت الدعوة السلفية لتأسيس حزب سياسي "النور".

وبعد سقوط نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، ظهرت فتاوى تحريم التصويت في الانتخابات لمصلحة "فلول" حزب الوطني، وتزعم الشيخ عمر بسطويسي والشيخ عماد عفت الدفاع عن هذه الفتوى.

ودخل الشيخ محمد علاء الدين أبو العزائم، شيخ الطريقة العزمية، على خط الفتاوى حتى حرم التصويت لخصومه السلفيين في أي انتخابات مقبلة.

وظهرت الفتاوى "الإخوانية" التي تبيح قتل المتظاهرين المعارضين لحكم الرئيس الإخواني الأسبق محمد مرسي، باعتبار أنهم خوارج وبغاة، إلا أن هذا الموقف تغير تماماً بعد الإطاحة بمرسي فباتت المظاهرات باباً من أبواب الجهاد في سبيل الله، "والأحاديث والآيات والقواعد الشرعية كثيرة جداً في هذا الباب، وفق فتوى للشيخ السلفي هاشم إسلام.

السلفيون المصريون الذين طالما رفضوا دخول الانتخابات ما لبثوا أن أسسوا حزباً سياسياً وحازوا مقاعد في البرلمان

وفي خضم الصراع والاستقطاب السياسي، أفتى الشيخ السلفي محمد عبدالمقصود بجواز تطليق الزوجة إذا كان الزوج مؤيداً للنظام الحالي، وفي المقابل يفتي مظهر شاهين بفتوى عكسية وهي جواز تطليق المرأة من زوجها الإخواني.

وحثّ صبحي صالح، القيادي الإخواني، على عدم زواج الإخواني من غير الإخوانية مستشهداً بالآية الكريمة "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير"، معتبراً أنّ الزواج بهذه الطريقة خطأ في مسار التربية يؤخّر النصر، وأن زواج الإخواني بالإخوانية يؤدي إلى إنجاب إخواني بالميراث!

لكن معارضي السلفية الحركية والقطبية، من داخل التيار السلفي العام، حاولوا أن يردّوا على تلك الفتوى، لكن بنفس الأسس الشرعية؛ فالقيادي السلفي تامر عزت يقول: تحريف الأدلة الشرعية هي التي أوصلت هؤلاء إلى ما وصلوا إليه، فكيف أفتى وجدي غنيم مثلاً بقتل ضباط الشرطة؟ هو أفتى بدليل لكن الدليل لا علاقة له بالفتوى، فالآية التي استدل بها نزلت في المسلمين لمقاتلة المشركين الذي آذوا النبي، صلى الله عليه وسلم، لكن المستمع لا يفهم ذلك.

ويضيف: يفتي الشيخ محمد عبدالمقصود أنه لا يجوز الصلاة خلف إمام من الأزهر إن ثبت عدم دعمه للشرعية، فهذا كلام فارغ لا دليل عليه، بل من الصحابة من صلى خلف الحجاج بن يوسف الثقفي!، وفق تصريحاته لجريدة اليوم السابع المصرية.

مفتي مصر: توظيف الفتوى من جانب فصيل سياسي ما لتحقيق مكاسب سياسية مرفوض شرعاً

محاولة لوقف النزيف

لا يتورع هؤلاء عن إصدار الفتاوى، فهي تخرج بدوافع نفسية بحتة، يصب فيها المفتون وابلاً من نار غضبهم تجاه من يكرهون أو من يحبون، ضاربين بعرض الحائط ما ورد في كتب التراث من التحذير من الاقتراب من الفتيا، ففي الحديث الشريف "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار".. وكانت فرائس الصحابة والتابعين ترتعد إذا سئلوا في حكم شرعي، ويروى أن البدريين كانوا في مسجد رسول الله، عليه السلام، فيسأل أحدهم عن مسألة فيحلها إلى أخيه، ويحيلها أخوه إلى أخيه، وهكذا حتى قال أبو حنيفة لولا الخوف من الله لما أفتيت.

الشيخ على جمعة، مفتي مصر الأسبق، قال في تصريح صحافي سابق له: استخدام الفتوى في الصراعات السياسية كالتنازع الحزبي بين الطوائف من أجل الحصول على مكاسب فذلك مرفوض شرعاً، ولا يصح الإفتاء وفق الأهواء السياسية، ويعد من باب الممنوع شرعاً أن تطلق الفتوى دون دراسة متأنية تحدد حكما شرعيا يعمل به الناس.

إلا أن الشيخ نفسه تورط في عدد من الفتاوى السياسية، فذهب للإفتاء بأنّ الجماعات الإسلامية المعارضة للنظام في مصر هي من الخوارج الذين يجب قتلهم مكداً "طوبى لمن قتلهم وقتلوه".

الدكتور شوقي علام، مفتي مصر الحالي، يقول في تصريحات صحفية: إنّ توظيف الفتوى من جانب فصيل سياسي ما لتحقيق مكاسب سياسية لا مصلحة الوطن والأمة مرفوض شرعاً، مشيراً إلى أنّ خطراً أكبر يقع عند استخدام الفتوى وتوظيفها في حسم صراع سياسي بين قوى متناحرة، فهذا من شأنه تعميق الخلاف والشقاق بين المسلمين وأبناء الوطن الواحد لمجرد خلاف سياسي، وهو أمر ممقوت ومحرم شرعاً، وقد يؤدي إلى اقتتال واحتراب لا شرعية دينية له، ولا مصلحة فيه إلا لأعداء الأمة في الداخل والخارج.

عرض تقرير مرصد الإفتاء عدداً من الفتاوى السياسية التي أسهمت في تعزيز حالة الانقسام المجتمعي في مصر

لكن من الملاحظ أن دار الإفتاء المصرية ابتعدت في السنوات الأخيرة عن الزج بنفسها في الفتاوى السياسية؛ إذ يحث الدكتور إبراهيم نجم، مستشار مفتي الجمهورية، في تقرير للدار عن الفتوى السياسية على: قيام مؤسسات الإفتاء الرسمية بمهمة إصلاح ظواهر الانقسام المجتمعي والخلل الاجتماعي الناتج عن فوضى الفتاوى، حيث إن من المقرر أن الفتوى تحدث أثراً عميقاً في المجتمع ونظمه وتقاليده، مع ضرورة ألا يتأثر منهج الإفتاء بالسياسة الحزبية فيما يصدره من فتاوى وأن يظل على حياده وعدم التبعية لأي حزب أو شخص أو رأي سوى المبادئ الحاكمة للسياسة الشرعية في الإسلام.

كما شدّد على أنّ دار الإفتاء بمرجعيتها الوسطية ومنهاجها المعتدل تعيد التوازن إلى الساحة السياسية في المجتمع المصري، "ومن هنا كان دورها فاعلاً في توجيه وتصويب وتوضيح أي رأي صادر من أي جهة تنتصر لاتجاهها السياسي وتحاول أن تصبغه بصبغة دينية لتؤثر على الرأي العام".

القرضاوي: جبريل والملائكة تدعم أردوغان! - شاهد الفيديو:

 

 

ويتحدث المرصد الإعلامي لفتاوى التكفير التابع لدار الإفتاء المصرية، عن تأثير السياسة على فتاوى التكفير فيؤكد أنّ: الفتاوى أصبحت إحدى أكثر القضايا التي تحتاج إلى مزيد من الضبط والتأصيل، في ظل فوضى الفتاوى وانتقالها من الاجتماعي إلى السياسي لتهدد وتروع وتحرض وتشعل الفتن وتدعو إلى القتل وتبيحه، بما يضع المجتمعات كلها دون استثناء فوق بركان يتطاير شرره بالفعل في خضم الواقع السياسي المتصارع.

وأوضح تقرير مرصد الإفتاء تصاعد حدة الفتاوى السياسية الصادرة من غير المتخصصين منذ ثورة 25 يناير 2011 خاصة مع صعود التيارات الإسلامية، مؤكداً من خلال رصده المتتابع للأحداث ظهور فتوى دينية مصاحبة لأي بيان أو تصريح سياسي بالتأييد أو المعارضة، بما يكشف يقيناً توجيه هذه الفتاوى لخدمة أهداف سياسية حزبية معينة، وتوظيف الدين لاستقطاب الأتباع، واستغلال شغف الناس بالدين من أجل سحب البساط من تحت أقدام منافسيهم بإطلاق فتاوى تكفير المعارضين والمثقفين، ثم أفراد الجيش والشرطة الذين اعتبرهم أصحاب تلك الفتاوى التكفيرية طاغوتاً، وكان نتيجة تلك الفتاوى سقوط الكثيرين من أفراد الجيش والشرطة شهداء وضحايا عمليات إرهابية جاءت استجابة لها.

وعرض التقرير عدداً من الفتاوى السياسية التي أسهمت في تعزيز حالة الانقسام المجتمعي في مصر، والتحريض على الاقتتال، وتخريب البيوت، ومنها على سبيل المثال: الفتوى بإهدار دم المتظاهرين الذين خرجوا في مظاهرات 30 حزيران (يونيو) 2013 ضد حكم الرئيس الإخواني الأسبق محمد مرسي، وأخرى تحرّم الخروج عليه قبل هذه المظاهرات، والإفتاء ببطلان محاكمته، مقابل أخرى تعطي المسوغ الشرعي لقتل أنصار الإخوان، مروراً بتحريم المشاركة في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وفتاوى تبيح قتل المشير عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع العام 2013 باعتباره "مرتداً عن الإسلام"، انتهاءً بفتوى تطليق الزوجة الإخوانية، وآخرها فتوى تبيح حرق سيارات ومقرات الشرطة والاعتداء على بيوت الضباط وممتلكاتهم.

من الكوارث المترتبة على الفتاوى السياسية إدخال المجتمع المسلم في دوامة من الصراعات المذهبية المختلفة

نبيل البكيري في حوار لموقع "إسلام أون لاين" يؤكد أنه لا إفتاء في السياسة، وإنما رؤى ومشورة؛ فالسياسة شأن دنيوي بحت يتعلق عملها بتسيير شؤون الناس وإدارة اختلافاتهم، وبالتالي فأيّة فتوى تأتي في هذا الاتجاه إنما تكون عبارة عن رأي سياسي مجرد من أيّة قداسة دينية.

ويرى أنّ الفتوى تكون في اجتهاد فقهي حول مسألة تعبدية مجردة، يتمحور الحكم حولها وفقاً لمراتب الشريعة الأصولية المعروفة، وبعد التقدم الهائل في كل مناحي الحياة المختلفة، بات من الضروري، اليوم، أن تتحول الفتوى من مجرد اجتهاد بشري محصور في فرد إلى اجتهاد جماعي في إطار مؤسسة علمية ينضوي تحت لوائها مختلف التخصصات العلمية والشرعية والفلسفية والقانونية، وكل فنون المعرفة الأخرى.

"وبالتالي فإن توسع معارف الناس ومداركهم، وتداخلات الحياة وتعقيداتها بات يفرض، اليوم، علينا شيئاً من المنطق في تحويل الفتوى من مجرد رأي فردي إلى ما يشبه المؤسسة العلمية، كما هو حاصل اليوم في مسألة المجامع الفقهية الرائدة، والتي تنأى بالفتوى عن دائرة الاحتكار الفردي، لتكون رأياً عاماً مستنداً للخلفيات المرجعية الإفتائية اللازمة"، وفق البكيري.

ويذهب إلى أنّ الفتوى السياسية هي "رأي سياسي محدّد وواضح حول قضية معيّنة، يتدخل فيها الديني بالدنيوي، والمقدس بالمدنس، والحرام بالحلال، أما الفتوى الشرعية في رأي شرعي بمسألة معيّنة، ليست ذات خلفية أو هدف دنيوي في الغالب".

ويخلص إلى أنه من الكوارث المترتبة على الفتاوى السياسية إدخال المجتمع المسلم في دوامة من الصراعات المذهبية المختلفة، والتأسيس لحالة من الاقتتال الأهلي والصراع التاريخي المستمر، "وخطورة مثل هذه الخطوة أنها تأخذ طابعاً شرعيّاً، ومرجعية مقدسة ينخدع بها الناس والبسطاء، ويتورطون بموجبها".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أثّر ارتفاع سعر الدولار على الحياة اليومية في سوريا؟

2019-09-18

في شهر أيلول (سبتمبر) من كلّ عام؛ تستعدّ العائلات والأهالي في سوريا، لاستقبال موسم دراسي جديد، ويتوجهون إلى السوق لشراء الحقائب المدرسية والدفاتر وأدوات القرطاسية لأولادهم.
ويلي الموسم الدراسي الجديد، قدوم فصل الشتاء، الذي يستدعي أيضاً ميزانية مالية إضافية؛ لشراء ملابس شتوية تحميهم من برودة الطقس. لكنّ شهر أيلول (سبتمبر) هذا العام فاجأ الناس في سوريا؛ إذ بعد ثمانية أيام من الشهر الجاري، شهد سعر الليرة السورية انخفاضاً حاداً مقابل الدولار الأمريكي.

اقرأ أيضاً: أين سيُحاكم المعتقلون من تنظيم داعش في سوريا؟
ففي يوم الأحد 8 أيلول (سبتمبر) 2019، وصل سعر الدولار الأمريكي إلى 680 ليرة سورية للمبيع، و676 للشراء، حسبما جاء في موقع الليرة السورية، وهذا بعد أن حافظت الليرة السورية على سعر 500 مقابل الدولار الواحد، طوال عام 2018، و2017، وهذا الانخفاض في سعر الليرة السورية كان قد شهد انخفاضاً مماثلاً عام 2016؛ إذ وصل سعر الدولار الواحد في ذلك العام إلى 645 ليرة سورية، ومع نهاية عام 2018؛ بدأ سعر الليرة السورية ينخفض تدريجياً، حتى وصل إلى الانخفاض الحادّ الذي شهدته سوريا مطلع الشهر الجاري.

وصل سعر الدولار الأمريكي إلى 680 ليرة سورية للمبيع
لكنّ سعر الليرة السورية بدأ يرتفع بعد أسبوع من انخفاضه؛ إذ سجلت الليرة السورية، يوم الأحد 15 أيلول (سبتمبر)، سعر 605 للشراء، و610 للمبيع مقابل الدولار.
وتعدّدت التحليلات حول أسباب هذا الانخفاض الحاد في سعر الليرة السورية؛ فذهب محللون إلى ربط انخفاض الليرة السورية بالعقوبات الاقتصادية الأمريكية على النظام السوري، وتحديداً تصريحات نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى، والمبعوث الخاص لسوريا، جويل رايبورن، أثناء زيارته إسطنبول، في السابع من الشهر الجاري ، وحديثه لوسائل إعلام سورية حول الأوضاع السياسية والأمنية في سوريا.

اقرأ أيضاً: الدور العربي المطلوب في سوريا.. الإمارات نموذجا‬ً
وبحسب تقرير نشره موقع قناة سوريا حول المؤتمر الصحفي، قال رايبورن: إنّ بلاده "ستواصل عقوباتها إلى جانب العقوبات الأوروبية؛ لتجفيف موارد النظام وحلفائه، مما يجعل وضعهم أسوأ فأسوأ، مستشهداً بانهيار الليرة السورية (التي تجاوزت قيمتها ٦٦٠ ليرة مقابل الدولار الواحد)، وتوقّع أن تواصل نزيفها لـ ٧٠٠ ليرة وأكثر، مع انخفاض احتياط القطع الأجنبي لدى النظام، إلا أنّه، في الوقت ذاته، بيّن أنّ النظام راغب في هذا الانهيار الذي يضمن له مواصلة العمليات العسكرية في إدلب بقيمة أقل".
أما موقع "سيريا ريبورت"؛ فقد أشار في تقرير له، نشر في الثالث من الشهر الجاري؛ أنّ أسباب تدهور الليرة السورية تعود إلى ارتفاع الطلب على الدولار في لبنان؛ إذ إنّ لبنان تعدّ سوقاً أساسياً للدولار بالنسبة إلى المستوردين السوريين الذين يستخدمون النظام المصرفي اللبناني للقيام بعملياتهم التجارية.
موقع "حفريات" تواصل مع بعض الشابات والشباب السوريين، ممّن يعيشون داخل سوريا، ومن مناطق مختلفة، للحديث معهم عن الأوضاع المعيشية الصعبة التي يمرون بها في ظلّ الأزمة الاقتصادية.
الحياة في دمشق
وصفت المصورة الفوتوغرافية السورية، يمام الشاعر، يوم ارتفاع سعر الدولار بـ "اليوم المشؤوم"، وتقول يمام لـ "حفريات": "في ذلك اليوم؛ كانت وجوه الناس شاحبة، وبعضهم كانت ظهورهم محنية، ولم ينجُ أحد من ارتفاع سعر الدولار؛ لا المحلات، ولا بسطات الخضار والفواكه، ولا حتى أكياس بودرة الحليب الصغيرة".

اقرأ أيضاً: لمصلحة من عاد تنظيم داعش بقوة شرق سوريا؟
"شو صاير لهالبلد! حدا يطلع يحكيلنا شي أي شي؟" هذه الجملة كانت تعلو في إحدى وسائل النقل العام، بين النساء اللواتي يحاولن تقنين احتياجاتهنّ، بالاختصار في جلب بعض الخضار، لتكفي وجبة اليوم فقط، ومحاولة "تسليك" الأمور، "بلكي الله بيفرجا وهالدولار بينزل شوي" تقول إحداهن.

ذهب محللون إلى ربط انخفاض الليرة السورية بالعقوبات الاقتصادية الأمريكية على النظام السوري
وكثُرت العبارات والنكات المتهكمة، والمتعلقة بارتفاع سعر الدولار، والتي يرددها السوريون في حياتهم اليومية، و"يتفننون" بتأليفها.
وتتابع يمام حديثها: "يقول لي جاري "أبو جورج"، صاحب السوبر ماركت: "يا عمو جاي تحاسبيني؟ روحي حاسبي المسؤول"، وذلك بعد أن جادلته لنصف ساعة؛ لأنّه لم يرد لي شيئاً من ١٠٠٠ ليرة سورية، سوى حبتين من علكة بنكهة النعناع".
يتابع أبو جورج تذمّره من تساؤلاتي حول الغلاء بقوله: "يا عمي اليوم الدولار بـ ٧٠٠، وأنا هيك لازم بيع".
وتضيف: "لأجل الصدفة، تزامن ارتفاع سعر الدولار مع بداية الشهر، وكوني أعمل مع وكالة أجنبية، فإنّ معاشي بالدولار، فابتسمت ابتسامة عريضة، وبدأت أجمع وأطرح الفرق بين الدولار والليرة السورية، لكن للأسف الشديد، الشركات ومكاتب الصرافة المرخصة في دمشق تمتنع عن بيع العملات الأجنبية، مما يجعلني أتعامل مع السوق الحرة، والذين، بدورهم، لا يقبلون بشراء الدولار، إلا عندما يكون منخفضاً".
وتحدّثت يمام أيضاً عن أخيها الصغير، الذي يبلغ من العمر 19 عاماً، ويدرس إدارة الأعمال في جامعة حلب: "أخي يحاول إقناعي بالهجرة؛ إذ إنّ الدراسة في الجامعة باتت مكلفة جداً، في ظلّ وضع اقتصادي أقل ما يمكن وصفه أنّه "مخيف" بالنسبة إلى طالب جامعة".

اقرأ أيضاً: إخوان سوريا ومغارة علي بابا في تركيا
وتتساءل يمام؛ ماذا سيكون مصيرها في حال تخرجت وتوظفت وظيفة حكومية؟ لتستنتج أنّ متوسط دخلها سيكون تحت خطّ الفقر العالمي للفرد الواحد، وتسأل نفسها: "كيف لي أن أكوّن عائلة في سوريا؟!" ما يجعلها ترى في الهجرة الحلّ المثالي للحلم في حياة جيدة.
تقول يمام: "أزمة الدولار تقتحم بيوتنا وأحلامنا وأطباقنا، بشكل يومي، والوضع الاقتصادي المتردّي في البلد، حرم أطفالاً كثيرين من الحليب، وهجّر شباباً كثيرين، وأبعدهم عن عائلاتهم، الشعب السوري تصدى للصواريخ والقذائف، لكنّ الدولار انتصر عليه".
وتضيف: "كما أننا لم نتحدث إلى الآن عن الشباب الذين يرغبون أو يفكرون في الزواج، ففكرة أن يحضر الشاب لزوجته المستقبلية، خاتماً وعقداً من ذهب، بات أمراً مستبعداً في الظروف الاقتصادية السيئة في الوقت الحالي، حتى فكرة تكوين عائلة جديدة باتت بالغة الصعوبة، كون المدخول المادي للفرد السوري، لا يتناسب مع ارتفاع الدولار، كما كان قبل الحرب". 
تأخذ يمام والدها ووالدتها مثالاً حيّاً على الوضع الاقتصادي الذي تمرّ فيه البلاد، فتقول: "أمي تعمل مدرّسة، وأبي موظف في قطاع الكهرباء، عملياً، إذا جمعت راتب الاثنين، لا يصل إلى الـ 100 ألف ليرة سورية؛ ففي حال فكرت في شراء حذاء جديد من أيّ محل اليوم، أقل حذاء يبلغ ثمنه 40 ألف ليرة سورية، تخيَّل الوضع الذي وصلنا إليه، أب وأم يعملان، ويفعلان ما بوسعهما كي يكونا أشخاصاً منتجين، لكنّهما غير قادرَيْن على تأمين جميع المستلزمات الأساسية في الحياة؛ لذلك أنا وإخوتي مجبرون على العمل، إلى جانب أبي وأمي، حتى تستمر الحياة، فهما لا يستطيعان أن يصرفوا علينا، وغير قادرَين على تأمين مصاريف الجامعة لإخوتي، على سبيل المثال".

اقرأ أيضاً: فاينانشال تايمز: حكومة أردوغان تعاقب السوريين على فشلها الاقتصادي
أما ريم محمد (اسم مستعار)، التي تعمل مدرّسة حرة (freelance)، ومتطوعة بالعمل المجتمعي مع الأطفال والنساء، فقالت لـ "حفريات": إنّ الصعوبات التي يعيشيها الناس في دمشق هذا العام، لا تنفصل عما مرّوا به من صعوبات في الأعوام الماضية، في ظلّ الحرب، وانعكاسها المباشر على الحياة المعيشية"، مضيفة "جميع الناس مضغوطون ومرهقون؛ بسبب الأوضاع المعيشية، ولارتفاع الدولار، مقابل انخفاض سعر الليرة السورية، تأثير كبير عليهم".
وتعزو ريم الضغوطات الشخصية، وخصوصاً داخل نطاق الأسرة، إلى "ارتفاع أغلب أسعار المنتجات التي تستهلكها العائلات في سوريا بشكل أساسي، كتحضير مستلزمات "المونة"، والاستعداد لفصل الشتاء، والاستعداد للمدارس، والتي تزامنت مع ارتفاع سعر الدولار في الأيام الأخيرة".

الناس باتوا يبحثون عن بدائل لأغلب المستلزمات التي ثمنها مرتفع فإذا ارتفع سعر اللحمة يتم الاستغناء عنها

الضغوط اليومية كبيرة، أبرزها أنّ الدخل الذي يحصل عليه الفرد لا يتناسب مع حجم الإنفاق، مثل ما يقول المواطن السوري بالعامية: "المصاري ما عاد فيها بركة"، وباتت قيمة مبلغ قدره 2000 ليرة سورية، مثل قيمة الـ 200 ليرة سورية. ولحسن الحظ؛ أنّه إلى الآن هناك مواصلات عامة، بقيمة 50 ليرة، و100 ليرة، كـ "السرافيس". وهناك أشياء ما تزال أسعارها مقبولة إلى حدّ ما، رغم ظروف الحرب، مثل الألبسة المستعملة، التي باتت ملاذ أفراد كثيرين، من شرائح عديدة في المجتمع السوري، أضف إلى ذلك أسواق الجملة".

اقرأ أيضاً: تركيا قد تبدأ عملية ترحيل جماعي للسوريين بحجة المنطقة الآمنة
وتتابع ريم كلامها: "الضغوطات ترمي بثقلها على أغلب شرائح المجتمع السوري، والدخل المادي، بالكاد يغطي التزاماتهم الشخصية؛ من مصاريف ركوب المواصلات، وشحن رصيد للهواتف الجوالة، وثياب، وفواتير كهرباء، وماء، وغذاء، ...إلخ؛ أغلب المستلزمات موجودة، لكن هناك دائماً حسابات دقيقة للصرف. على سبيل المثال: لو صرفنا هذا الشهر مبلغاً كبيراً، فعلينا في الشهر القادم أن نوفّر في المصاريف".
تضيف ريم: "في المقابل؛ تشهد الأسواق والمحلات حركة كبيرة، والأشخاص الذين دخلهم متوسط، لا يستطيعون العيش إلا وفي أيديهم آلة حاسبة، أو الاضطرار للعمل بعدة وظائف، أو أعمال لتوفير الاحتياجات".
وعلى الصعيد الشخصي أيضاً؛ تقول "مدخولي المادي بالكاد يكفي مستلزماتي الشخصية، ولا أستطيع الادّخار إلا بعد تخطيط وتنظيم مصروفي".

اقرأ أيضاً: تركيا وشرق الفرات: ابتلاع الأراضي السورية بذريعة المناطق الآمنة
وتروي ريم، لـ "حفريات"، كيف أنّ الناس باتوا يبحثون عن بدائل لأغلب المستلزمات التي ثمنها مرتفع؛ فإذا ارتفع سعر اللحمة، يتم الاستغناء عنها، أو يتم شراؤها مرتين أو مرة في الشهر فقط، و"كما قلت إنّ الناس استغنوا عن شراء الملابس الجديدة، وباتوا يشترون ثياباً مستعملة، وفي الشتاء، يستعملون المدافئ الكهربائية، في حال لم تنقطع الكهرباء. حتى الخضار والفواكه الغالية يستبدلونها بأخرى أرخص سعراً، لأنّ الفقر داخل شرائح المجتمع باتت له درجات".
أما عن غلاء أسعار بعض المأكولات الجاهزة، التي تباع في المطاعم ومحلات الأكل في دمشق، فتقول ريم: "سندويشة "الشاورما" بات سعرها اليوم يتراوح بين 300 و400 ليرة سورية (كان سعرها قبل عام 2011 يتراوح بين 30 و50 ليرة سورية)، أما وجبة دجاج "البروستيد"؛ فيتراوح سعرها بين 1700، و2000 ليرة سورية، السندويشات الجاهزة، مثل "الشيش طاووق" أو "السكالوب"؛ تبدأ أسعارها من 800 ليرة سورية، وقد تصل إلى 1500 ليرة سورية، بحسب الإضافات، وهناك وجبات دجاج تبدأ من سعر الـ 2000 ليرة سورية".

شمال سوريا – إدلب
أما الإعلامي أحمد الضعيف، الذي يعيش في مدينة إدلب، فيروي لـ "حفريات" كيف أنّ ارتفاع سعر الدولار بات يؤثر في الناس بشمال سوريا بشكل كبير، خاصّة أنّ أغلب المواد الأساسية لمستلزمات الحياة اليومية تستورد للمنطقة من تركيا.
يقول أحمد: "أكثر شيء أثّر فينا، خلال أزمة ارتفاع سعر الدولار، هو ارتفاع سعر المحروقات، مثل البنزين والمازوت، الذي ارتفع خمسين ليرة لسعر اللتر الواحد، كما ينطبق الأمر على أبسط التفاصيل؛ كسعر "القداحة" على سبيل المثال؛ حيث كان سعرها 50 ليرة سورية، وبات اليوم 100 ليرة سورية، وكيلو السكر كان سعره 400 ليرة سورية، واليوم سعره 500 ليرة؛ أي إنّ الأسعار ترتفع بشكل جنوني".

اقرأ أيضاً: لماذا انقلب "الأنصار" في تركيا على "المهاجرين" السوريين؟
ويضيف: "بالمقابل، في حال انخفض سعر الدولار، فالأسعار لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الارتفاع؛ إذ يقول لك التاجر إنّه اشترى هذه البضاعة بسعرها المرتفع، ولن يبيعها اليوم بسعر رخيص، حتى لو انخفض سعر الدولار، وارتفع سعر الليرة السورية، ستبقى الأسعار نفسها، لن يتغير عليها شيء".
ويرى أحمد أنّ هذا الموضوع أثّر كثيراً في أغلب المواطنين السوريين، الذين يكسبون مدخولهم المادي بالليرة السورية، لا بالدولار؛ ويقول: "عامل البناء، مثلاً، في حال وصل أجره اليومي إلى 10000 ليرة سورية، لن يكفيه، بسبب ارتفاع الأسعار".
ويختم كلامه قائلاً: "الخضروات والفواكه ارتفعت بالتزامن مع ارتفاع المحروقات، ويقول لك البائع إنّه دفع مبلغاً كبيراً من المال لقاء أجرة نقل الخضروات والفواكه، كلّ ذلك كان له تأثير كبير على المواطنين هنا".

للمشاركة:

قيس سعيد: الرجل الآلي الوفي لمبادئ الثورة

2019-09-17

رفض المرشح للانتخابات الرئاسية التونسية قيس سعيّد (61 عاماً) تمويل الدولة لحملته الانتخابية، وتعفّف عن السلطة، غير أنّ دخوله للسباق الانتخابي السابق لأوانه والذي أجري في 15 أيلول (سبتمبر) الجاري، شكّل منعطفاً غيّر مجريات الأحداث، وسرعان ما ظهر متلحفاً بعلم بلاده، ودموع الانتصار تملأ عينيه، وهو يحتفل مع أنصاره، في شقةٍ صغيرةٍ بأنحاء العاصمة، على وقع شعاراتٍ ثوريةٍ أهمها؛ "أوفياءٌ لدماء الشهداء"، متوعداً أنّه سيعيد لتونس مجدها، وسيمضي في تركيز دعائم دولة القانون والعدل.

خاض تجربته في الوصول للرئاسة بإمكانيات محدودة اعتمد فيها على أموال المتطوعين من الشباب

المرشح المستقل وأستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد استطاع، ومن دون "ماكينة" حزبية أن يتصدر نتائج استطلاعات الرأي وتقديرات هيئة الانتخابات الأولية، ليمرّ للدور الثاني، مع المرشح الحزبي نبيل القروي، الذي يقبع في السجن منذ 23 آب (أغسطس) 2019، مطيحاً بأبرز مرشحي الأحزاب الكبرى، على غرار رئيس البرلمان بالنيابة ومرشح حركة النهضة الإسلامية ذات الثقل السياسي الكبير، عبد الفتاح مورو، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، ووزير الدفاع، المرشح المستقل، عبد الكريم الزبيدي، الذي تلتف حوله مجموعةٌ من الأحزاب الحداثية.
المرشح المستقل استطاع من دون "ماكينة" حزبية أن يتصدر نتائج استطلاعات الرأي

الرجل الآلي
يُلقب أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد بـ "الروبوكوب؛ أي الرجل الآلي" ويتحدث اللغة العربية في جميع مداخلاته باسترسال، تحوّل في بعض الأحيان إلى موضوع تندّرٍ بين نشطاء التواصل الاجتماعي، وحرص على أن تكون حملته معتمدةً على التواصل المباشر مع الناخبين.

صعود سعيّد غير المتوقّع شكل صدمة لباقي المرشحين الذين أنفقوا ملايين الدولارات على حملاتهم

صعوده غير المتوقّع شكل صدمةً لباقي المرشحين الذين أنفقوا ملايين الدولارات على حملاتهم الانتخابية، التي تستوجب، بحسب مراقبين، ضرورة إعادة قراءة معمقة لمفهوم الخطاب الاتصالي في برامج الأحزاب وخطابها السياسي.
سعيّد خاض تجربته في الوصول للرئاسة بإمكانيات محدودة، اعتمد فيها على أموال المتطوعين من الشباب، وملصقات وصور دعائية (الفلاير) بمبالغ صغيرة جداً، رافضاً للتمويل العمومي الذي تمنحه الدولة للمرشحين للقيام بحملاتهم الانتخابية، وقد برّر ذلك بأنّها تقتطعه من أموال الشعب.

اقرأ أيضاً: التونسيون يقلبون الطاولة على "النهضة" والطبقة السياسية
الباحث علي الفالحي، يرى أنّ قيس سعّيد جاءت به فكرةٌ ومشروعٌ انطلقا بعد 2011، وأنّ المتطوعين الأوائل لهذا البرنامج ليسوا قيس سعيّد بل مجموعة من المهندسين اليساريين الذين يرفضون الحالة الذهنية لليسار الحالي، ويرفضون انتهازية النخبة الحالية، على حد تعبيره، "حيث تم تأسيس نواة عملٍ تحت اسم "تونس الحرة"، اعتمدوا فيها على فلسفةٍ جديدةٍ، بعيداً عن المشهدية الفلكلورية الاستعراضية، لأنّهم كانوا ينصتون للواقع وأحسنوا التموضع فيه، تقوم على سياسة القرب، كالمقاهي، والمعاهد والجامعات وغيرها، وقد ساهم في نجاحه البعد عن مهاترات الأيديولوجيا".

الفالحي: مجموعة متطوعي سعيّد لم تهدر وقتها في تشويه الخصوم كما فعلت كل الفصائل السياسية المترشحة

وأضاف الفالحي، في حديثه لـ "حفريات"، أنّ هؤلاء الشباب المتطوعين لم يحاولوا تغيير الواقع بل استجابوا لانتظاراته وفهموا تطلعاته، و"استوعبوا أنّ مشكلة التونسي ليست المساواة في الإرث ولا المسائل الهوياتية، فاعتمدوا فلسفة "الهرم المقلوب"، الذي يبدأ بفهم انتظارات الواقع ثم بلورة مشروعٍ وشخصية تكون ملائمة له، وليس العكس بإسقاط مشروع أو شخصية"، لافتاً إلى أنّ هذه المجموعة من المتطوعين "لم تلجأ طيلة حملتها، كما قامت محموعاتُ النهضة (يمين)، والجبهة (يسار)، والشاهد (علماني)، بالسب والشتم للمنافسين، بل كانت ملتزمةً بالضوابط الأخلاقية، ولم تهدر وقتها في تشويه الخصوم، كما فعلت كل الفصائل السياسية المترشحة".
وُصف سعيّد أيضاً بكونه مرشح النخبة التونسية المتمثلة خاصّةً في الشباب، الذين توافدوا على مراكز الاقتراع لاختياره رئيساً لهم، كأملٍ أخير، في الانتصار لمطالب مؤجلةٍ رفعوها منذ العام 2010، خلال ثورة كانون الثاني (يناير)، عزّز ذلك إطلالاته غير المتكلفة ومداخلاته الإعلامية كخبير في القانون الدستوري.
ويرى مراقبون أنّ هذا الانتصار غير المتوقع، الذي شكّل صدمةً للرأي العام، أحدث زلزالاً غيّر تضاريس الخريطة السياسية بإسقاط المنظومة الحزبية الحاكمة، أو ما يصفها الإعلام التونسي  "بالسيستام"، فظهر المرشح المستقل برداءٍ الوفاء لمبادئ الثورة وشعاراتها.
تونس تجري ثاني انتخابات رئاسية منذ ثورة يناير 2011

مشروعٌ يثير مخاوف الحقوقيين
قبل صدور نتائج الجولة الأولى من الانتخابات، لم يكن سعيّد سوى رجلٍ مثقفٍ بسيطٍ كل ما يملكه شقةً في أحد الأحياء الفقيرة بالعاصمة تونس، ليتحوّل فجأةً إلى مهربٍ لشباب عانى البطالة والتهميش لعقودٍ، وتجنباً لأيّ اتهاماتٍ، شدّد في أكثر من مناسبةٍ على أنّه لا يرغب في القصور والمآدب الفاخرة، وأنّ قراره خوض الانتخابات الرئاسية ليس سوى تلبية لنداء الواجب ومواجهة المنظومة الحزبية.

اقرأ أيضاً: شعارات "الإخوان" في رئاسيات تونس.. تزوير للتاريخ وتلاعب بالرأي العام

ولئن عرف سعيّد طريق قصر قرطاج، بخطابٍ شعبي قريبٍ إلى قلوب التونسيين الذين منحوه الثقة، بعد الوعود التي راحت هدراً مع تسع حكوماتٍ بعد "ثورة يناير"، فإنّ خطابه السياسي ما انفك يثير جدلاً في الأوساط السياسية والحقوقية، بدايةً من موقفه الرافض للمساواة، فضلاً عن وعوده باسترجاع ثروات البلاد وخيراتها، متوعداً بأن تسترجع تونس سيادتها وثرواتها المنهوبة، حتى إعلانه نيّة إلغاء الانتخابات التشريعيّة إذا وصل إلى قصر الرئاسة، الأمر الذي يخشاه الحقوقيون وجُلّ السياسيين.

يرى مراقبون أنّ هذا الانتصار شكّل صدمةً للرأي العام وأحدث زلزالاً غيّر تضاريس الخريطة السياسية

في هذا السياق، يرجّح المحلل السياسي، محمد بوعود، في حديثه لـ "حفريات"، أنّ تتغير هذه المواقف و"تصبح أكثر عقلانية؛ لأنّ مواقف رؤساء الدول تختلف كثيراً عن مواقف الناشطين السياسيين، والمرشحين الرئاسيين أو البرلمانيين، في انتظار حسمه موقفه من مسألة الإعدام التي لم يحسمها بعد".
ويتابع بوعود: يبدو تبعاً لهذه المواقف، أنّ الأستاذ الجامعي، قد جهل عن وعي أو قصد الصلاحيّات المحدودة التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهوريّة، لاسيما أنّه يفتقد حزاماً حزبياً أو كتلةً برلمانيّة تعزز قدرته على المناورة والقيام بتحالفات لتفعيل الحدّ الأدنى ممّا يُحلم به في حملته، وهو الذي صدح صوته بين صفوف الطلاب في الكليات حول مضمون الدستور.
ورغم اختلاف القراءات حول صعوده، وحظوظ نجاحه في أداء مهامه كرئيسٍ، فقد التقت جميعها حول نجاحه في تلقين خصومه درساً عجز المراقبون عن فك شفرة رموزه، في حربٍ اتصالية لم يبذل فيها سعيّد وأنصاره جهداً كبيراً.
قيس سعيد حال صدور النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية وتصدر اسمه

خطّ الثورة المنسيّة
يؤكد كل من التقتهم "حفريات" ممن انتخبوا سعيّد، أنّه "الرجل الأصدق" بين المرشحين الـ26، وأنّه قريبٌ من الشعب، ويعي تماماً كل ما يعانيه، كما يعرف جيداً متطلبات الفئة المهمشة والفقيرة، ويشعر بمعاناتهم، لذلك اختاروه أملاً بتحقيق أهداف الثورة التي دفنت على امتداد تسع سنواتٍ، تولت خلالها تسع حكومات حكم البلاد، دون فائدة.

رفض سعيّد التمويل الذي تمنحه الدولة للمرشحين للقيام بحملاتهم الانتخابية مبرراً ذلك بأنّها تقتطعه من أموال الشعب

وشدد الطبيب عارف عزيزي من محافظة سيدي (وسط غرب تونس) وهو أحد القائمين على حملة سعيّد طوعاً، على أنّ "صدق مرشحهم ونظافة يده، وتواضعه إلى جانب التصاقه بهموم الناس، كانت أكثر الأشياء التي جعلتهم يقفون معه ويدعمونه، ويحرصون على إنجاح حملته."
وأضاف عزيزي في تصريحه لـ "حفريات"، أنّ برنامج سعيّد يقوم على "التأسيس الجديد، أي القطع تدريجياً مع منظومة الحكم القائمة، وتغييرها بنظامٍ جديدٍ، تكون فيه السلطة بيد الشعب، الذي سيصبح اللاعب الأساسي في اللعبة السياسية وفي حكم بلاده، ومن نقاط برامجه؛ تخليص البلاد من "الاستعمار الخفي"، والتركيز على الحكم المحلي، عبر تغيير آلية الانتخاب في التشريعية، وحل البرلمان لفائدة المجالس المحلية، مشيراً إلى أنّه سيعمل أيضاً على "تغيير منظومة التشريع، وبعض القوانين".

للمشاركة:

كيف يمكن قراءة الهجوم على أرامكو السعودية وتداعياته على المنطقة؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-09-17

تتعدّد الروايات والسيناريوهات حول الجهة التي تقف وراء الهجوم الذي تمّ تنفيذه السبت الماضي على منشآت نفطية تتبع لأرامكو، شرق المملكة العربية السعودية، بقيق وخريص، وتتراوح بين إعلان جماعة أنصار الله الحوثية اليمنية التي تشكّل أحد أبرز وكلاء الحرس الثوري في المنطقة، مسؤوليتهم عن العملية، وتنفيذها بعشر طائرات مسيرة، واتّهام الحشد الشعبي العراقي بالمسؤولية، وما تبعه من نفي عراقي رسمي، رغم تزامن العملية مع اكتشاف طائرة مسيَّرة في أجواء الكويت فوق القصور الأميرية.

اقرأ أيضاً: استهداف السعودية بندٌ إيرانيٌّ ثابت
فيما ذهبت اتهامات أمريكية وغربية إلى أنّ للحرس الثوري الإيراني مسؤولية مباشرة عن العملية، بإطلاق صواريخ "كروز"، وأكثر من عشرين طائرة مسيَّرة، من الأراضي الإيرانية مباشرة إلى "بقيق وخريص" السعوديتين؛ حيث أصابت أهدافها في المنشآت النفطية؛ حيث أكّد وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، أنّ لدى الولايات المتحدة ما يكفي من الأدلّة على هذا الاتهام.
وبمعزل عن الجهة التي نفذت العملية؛ سواء أكانت من قبل الحرس الثوري مباشرة، أو من خلال وكلائه، خاصّة الحوثيين، فالمرجح مسؤولية إيران عن الهجوم، التي ما برحت تصرّح بأنّها لن تسمح بحرّية إمدادات النفط وعبوره من منطقة الخليج مع استمرار منعها من تصدير نفطها.

بمعزل عن الجهة المنفذة للعملية سواء نفذها الحرس الثوري مباشرة أو من خلال وكلائه فالمرجح مسؤولية إيران
ويبدو، وفق كثير من التحليلات المرجَّح صحّتها، استبعاد أن يكون الحوثيون وراء العملية، وفق سيناريو تسيير طائرات مسيرة من شمال اليمن إلى المنطقة الشرقية في السعودية؛ حيث تخضع الحدود السعودية اليمنية لرقابة شديدة، وربما أقصى ما يستطيع الحوثيون الوصول إليه من أهداف سعودية، هي المناطق الحدودية في جنوب السعودية، التي تمّ استهدافها مراراً في مطار أبها ونجران وغيرها من المناطق ذات الطبيعة المدنية، وربما تمّ إدخال أجزاء من تلك الطائرات إلى السعودية، وإعادة تركيبها وإطلاقها، خاصة أنّ إعلان الحوثيين زعم أنّ هناك جهات داخل السعودية، قدّمت "دعماً لوجستياً لإتمام العملية".

ثبوت سيناريو مسؤولية الحرس الثوري المباشرة عن العملية يعني دخول الصراع في المنطقة مرحلة جديدة

أما سيناريو أن يكون الحشد الشعبي العراقي هو المسؤول عن العملية؛ فيبدو ضعيفاً لا تدعمه أدلة كثيرة، وهو ما أكّده الأمريكيون، وفي حال ثبوت سيناريو مسؤولية الحرس الثوري المباشرة عن العملية، كما جاء في الرواية الأمريكية، فإننا أمام أول عملية يقف وراءها الحرس الثوري مباشرة منذ انطلاق الأزمة، وهو ما يعني دخول الصراع في المنطقة مرحلة جديدة، تعكس اتجاهات إيرانية جديدة، مؤكَّد أنّها مرتبطة بسياقات وتطورات جديدة.
السياقات الجديدة تتجلى بتطورَين رئيسَين هما؛ الأول: إقالة مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، وانكشاف حدود سياسات وتكتيكات الرئيس دونالد ترامب في إدارة الصراع مع إيران، وفق مقاربة "حافة الهاوية" التي تستخدمها القيادة الإيرانية تاريخياً في إدارة صراعاتها، إلا أنّ ترامب يستخدمها من موقع الأقوى، وفق سياسة "العصا والجزرة"، وربما عجّلت إقالة "بولتون"، بوصفه من أشدّ أعداء إيران، والداعين لاستخدام الخيار العسكري ضدّها، في اندفاع الحرس الثوري الإيراني، للانتقال من مرحلة استخدام الوكلاء لخوض المعارك بشكل مباشر، مدركاً أنّ ردّ الفعل "الأمريكي"، مهما بلغ من القوة، لن يصل حدّ اندلاع حرب شاملة في المنطقة، وأنّ القيادة الإيرانية لديها القدرة على استيعاب أية ضربة والتكيف معها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ أوساطاً بالحرس الثوري تتطلع لضربة "أمريكية" محسوبة، لاستثمارها بالداخل الإيراني، وإظهار القدرة على الصمود أمام "الشيطان الأكبر"، على خلفية مخاوف من انتفاضة داخلية مرتبطة بتداعيات العقوبات الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: بعد ضرب منشآت النفط.. بهذه الطريقة ستعوض السعودية عملاءها

أما السياق الثاني: فمن غير الممكن أن يتمّ التعامل مع الضربة الإيرانية لمنشآت سعودية نفطية بمعزل عن احتمالات عقد لقاء بين الرئيسَين؛ ترامب وروحاني، ورفض أوساط إيرانية، في التيار المتشدّد والحرس الثوري الإيراني، لهذا اللقاء، وما سبقه من اتهامات في البرلمان الإيراني لجواد ظريف وحسن روحاني بـ "الخيانة"؛ على خلفية الزيارة المفاجئة لظريف إلى فرنسا؛ حيث كانت تعقد قمة السبع الكبار، وتقديرات التيار المتشدّد والحرس الثوري بأنّ مخرجات لقاء "ترامب – روحاني" المفترض لن تخدم إيران بهذه المرحلة، وستصبّ بمصلحة ترامب، في إطار استعداداته للانتخابات الأمريكية القادمة، وهدفه بالحصول على "صورة" تجمعه مع الرئيس روحاني، وهو ما يرجّح احتمالات أن تكون العملية لقطع الطريق على قمة "ترامب- روحاني"، التي أصبحت احتمالات عقدها أقلّ بعد الضربة.

من غير الممكن التعامل مع الضربة الإيرانية لمنشآت سعودية نفطية بمعزل عن احتمالات عقد لقاء بين الرئيسَين ترامب وروحاني

يبدو أنّ لدى الولايات المتحدة "معلومات" ذات طبيعة استخبارية، تتجاوز المعلومات التحليلية، سيخضع استخدامها لمتطلبات الإستراتيجية الأمريكية في إدارة الصراع مع إيران، تمّ التمهيد لها بالإعلان الأمريكي عن رفع مستوى التنسيق الأمني "تبادل المعلومات" مع السعودية، وهو ما يفسّر عدم كشف السعودية عن نتائج تحقيقاتها الأولية في العملية، والاكتفاء بالتصريح حول قدرتها على التعامل مع استهدافها، وهو ما يقلّل احتمالات ردّ عسكري أمريكي على إيران، رغم تزايد الأصوات "داخل أمريكا"، التي تطالب بردّ عسكري على التجاوزات الإيرانية، وهو ما يبدو أنّ الرئيس ترامب لن يذهب إليه، لحسابات أمريكية داخلية، فيما لا يُستبعد أن يشنّ التحالف العربي، بقيادة المملكة السعودية، ضربات "نوعية" ضدّ مراكز القيادة والتحكم الحوثية، في صنعاء ومراكز تخزين وانطلاق الطائرات المسيَّرة.

للمشاركة:



مؤتمر صحفي لعرض نتائج التحقيق في هجوم "أرامكو"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-18

أعلنت وزارة الدفاع السعودية، أمس، أنّها ستعقد مؤتمراً صحفياً، اليوم، حول الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له منشآت نفطية تابعة لـ "أرامكو".

وقالت وزارة الدفاع السعودية في بيان: "ستُعرَض أدلة تورط النظام الإيراني بالهجوم الإرهابي على منشآت أرامكو"، وفق ما أوردت وكالة الأنباء "واس".

وأضافت الوزارة: "سنعرض أيضاً الأسلحة الإيرانية المستخدمة في الهجوم الإرهابي على "أرامكو"".

وزارة الدفاع السعودية تعلن أنّه سيتمّ عرض أدلة تورّط النظام الإيراني بالهجوم الإرهابي على "أرامكو"

هذا وقد أفادت تقارير إعلامية أمريكية بأنّ الولايات المتحدة حددت مواقع في إيران أُطلقت منها الطائرات المسيَّرة وصواريخ الكروز، التي استهدفت منشآت النفط السعودية يوم السبت.

وقال مسؤولون كبار لشبكة أنباء "سي بي إس": إنّ المواقع حُددت في جنوب إيران، في الطرف الشمالي للخليج.

وأضاف المسؤولون؛ "الدفاعات الجوية السعودية لم توقف الطائرات بدون طيار والصواريخ؛ لأنّها كانت موجَّهة جنوباً لمنع هجمات قادمة من اليمن".

في سياق متصل، قال وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، في مؤتمر صحفي عقده في جدة أمس: إنّ "إمدادات السعودية من النفط عادت إلى مستوياتها قبل الهجوم على مرافق "أرامكو""، مؤكّداً أنّه "لا يوجد اجتماع عاجل لمنظمة "أوبك""، وفق ما نقلت "العربية".

وأضاف وزير الطاقة السعودي: ""أرامكو" مستعدة للطرح الأولي لأسهمها، بصرف النظر عن آثار العدوان السافر"، موضحاً أنّ "آثار هذا العدوان تمتد إلى أسواق الطاقة العالمية، وزيادة النظرة التشاؤمية حيال آفاق نمو الاقتصاد العالمي".

أمريكا تؤكد أنّ إيران أطلقت الطائرات بدون طيار وصواريخ كروز التي استهدفت منشآت النفط

من جانبه، صرّح الأمير عبد العزيز بن سلمان؛ "لن تتأثر صادرات السعودية النفطية، ودخلها من هذه الصادرات للشهر الحالي، بالاعتداءات".

وأكّد أنّ شركة "أرامكو" السعودية "سوف تفي بكامل التزاماتها مع عملائها في العالم، خلال هذا الشهر من خلال المخزونات، ومن خلال تعديل بعض أنواع المزيج، على أن تعود قدرة المملكة لإنتاج 11 مليون برميل نفط يومياً نهاية شهر أيلول (سبتمبر) الحالي، وإلى 12 مليون برميل يومياً نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل"، مضيفاً: "إنتاج النفط سيبلغ 9.89 مليون برميل يومياً، في تشرين الأول (أكتوبر)، والسعودية ستصون دورها كمورد آمن لأسواق النفط العالمية".

 

للمشاركة:

سعيّد وقروي إلى الدورة الثانية.. والنهضة تقرّ بهزيمتها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-18

أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس، أمس، مرور المرشَّح المستقلّ، قيس سعيّد، والمرشَّح السجين بتهم تتعلّق بالتهرب الضريبي وغسيل الأموال، رجل الأعمال نبيل القروي، إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.

هيئة الانتخابات في تونس تعلن مرور سعيّد والقروي إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية

وأشارت نتائج الدورة الأولى من الانتخابات، التي جرت الأحد الماضي، إلى تصدّر المرشح المستقل، قيس سعيّد، وهو أستاذ قانون، لنتائج التصويت بنسبة 18.4% من أصوات الناخبين (620711 صوتاً)، يليه مرشَّح حزب "قلب تونس"، نبيل القروي، الموقوف منذ أكثر من 3 أسابيع على ذمّة القضاء، بنسبة 15.6%؛ حيث حصل على (525517 صوتاً)، وفق وكالة الأنباء التونسية.

وحصل مرشَّح حركة النهضة، عبد الفتاح مورو، على دعم 434530 ناخباً فقط، أي بنسبة 12.8% من مجموع الناخبين ليحتلّ المرتبة الثالثة، يليه المرشَّح المستقل ووزير الدفاع السابق، عبد الكريم الزبيدي، الذي حلّ رابعاً في الترتيب بنسبة 10.7% (361864 صوتاً)، وخلفه مرشَّح حزب "تحيا تونس" رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، الذي حصل على ثقة 7% من الناخبين فقط (249042 صوتاً)، بينما حصل منصف المرزوقي على 3% من الأصوات.

وشارك في هذه الانتخابات أكثر من 3 ملايين و465 ألف ناخب، من مجموع 7 ملايين و747 ألف مسجلين في الانتخابات، أيّ بنسبة إقبال بلغت 45%.

ومن المتوقَّع أن تُجرى الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية في تونس، والتي ستحدّد هويّة رئيس تونس القادم، في الفترة بين 29 أيلول (سبتمبر) و13 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل؛ حيث سترتبط روزنامة هذه الدورة بوجود طعون في نتائج الدورة الأولى للانتخابات من عدمه.

وتعليقاً على تأهله للجولة الثانية؛ شكر قيس سعيّد "الإعلام وكلّ من ساهم في بناء هذه المرحلة الجديدة"، معتبراً أنّه "لا مجال لإقصاء أو إبعاد أحد".

واعترفت حركة النهضة الإسلامية بهزيمة مرشّحها، عبد الفتاح مورو، في الانتخابات الرئاسية في بيان أصدرته أمس.

حركة النهضة الإسلامية تقرّ بهزيمة مرشّحها، عبد الفتاح مورو، في الانتخابات الرئاسية

بدوره، أقرّ مرشَّح الحركة، عبد الفتاح مورو، أمس، بهزيمته، معلناً قبوله بالنتائج النهائية التي أعلنتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، والتي لم تمكّنه من العبور للجولة الثانية.

وقال مرشَّح النهضة في مؤتمر صحفي بحضور مدير حملته، سمير ديلو، ورئيس الحركة راشد الغنوشي، أمس، في العاصمة تونس: "قبلنا بنتائج الانتخابات، وبادرنا بتهنئة المرشَّحين اللذين عبرا للدور الثاني (قيس سعيّد ونبيل القروي)".

ومن المنتظَر أن يطفو على السطح جدل قانوني بخصوص استمرار توقيف القروي بتهمة تبييض أموال، رغم تأهّله إلى الدور الثاني للانتخابات الرئاسية؛ إذ من المرجحّ أن يواجه القضاء ضغوطاً أكبر من أجل الإفراج عنه، والبحث عن حلول قانونية ممكنة يمكن تطبيقها في حال فوزه بالرئاسة.

من جانبها، رأت الهيئة العليا للانتخابات في مؤتمرها اليوم للإعلان عن النتائج؛ أنّ "القروي كمرشَّح يملك كامل الحقوق طالما أنه لا يوجد مانع قانوني".

 

 

 

 

للمشاركة:

الإمارات تواصل حملة الاستجابة العاجلة في المحافظات اليمنية المحرَّرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

تواصل دولة الإمارات تقديم قوافل الإغاثة في عدد من المحافظات اليمنية، ضمن حملة الاستجابة العاجلة التي أطلقتها في مجال الإغاثة والصحة والتعليم والنظافة في اليمن، مطلع الشهر الجاري، بمناسبة عام التسامح 2019، وذلك ضمن المبادرات والمشاريع الإنسانية التي تواصل الإمارات تنفيذها عبر أجنحة العمل الإنساني في المحافظات اليمنية المحررة، منها: عدن، ولحج، وأبين، والضالع، وحضرموت، وشبوة، والساحل الغربي اليمني "الحديدة وتعز".

حملة الاستجابة العاجلة تتضمن توزيع 15 ألف سلة غذائية في كلٍّ من عدن ولحج وأبين

وتضمّن الجانب الإنساني والإغاثي في حملة الاستجابة العاجلة؛ توزيع 15 ألف سلة غذائية في كلّ من عدن ولحج وأبين، وتستهدف لإغاثة أسر الشهداء والمتضررين والأسر المتعففة، وفق وكالة "وام".

وبادرت الفرق التطوعية التابعة للهلال الأحمر الإماراتي في عدن بتنفيذ حملة الاستجابة العاجلة، منتصف شهر آب (أغسطس)، والتي شملت توزيع أكثر من 3000 سلة غذائية، استفاد منها 21000 نسمة، إضافة إلى توزيع أكثر من 80 ألف لتر من المياه الصالحة للشرب في عدد من أحياء عدن.

كما دشّن الهلال الأحمر الإماراتي حملة إغاثة واسعة في مدينة زنجبار، عاصمة محافظة أبين، ومنذ انطلاق الحملة وزعت الفرق التطوعية التابعة للهيئة أكثر من 2000 سلة غذائية، استفاد منها 14000 نسمة، وما يزال تسيير القوافل وتوزيعها مستمر.

وفي هذا السياق، قال خالد إبراهيم، منسّق المنظمات الإغاثية في محافظة أبين: إنّ "دولة الإمارات بدأت حملة استجابة عاجلة تتمثل بمواد إغاثية وتوفير الأدوية لمستشفيات المحافظة، وتدشين حملة نظافة واسعة، ومواساة أسر الشهداء والجرحى، وتقديم المساعدات لهم"، معرباً عن تقديره وامتنانه لهذه المساعدات.

من جانبهم، أعرب المواطنون المستفيدون عن فرحتهم وسعادتهم بوصول الحملة الإغاثية التي تنفّذها دولة الإمارات في محافظة أبين.

بدوره، سيّر الهلال الأحمر الإماراتي قافلة إغاثية إلى منطقة الخداد بمديرية تبن في محافظة لحج، تعدّ أول إغاثة تصل إلى المنطقة.

وتواصل هيئة الهلال الأحمر الإماراتي توزيع المساعدات الإغاثية والغذائية في محافظة حضرموت؛ حيث وزعت الهيئة 1115 سلة غذائية، استفاد منها 5575 نسمة من الأسر الفقيرة والمحتاجة؛ في الديس الشرقية، ومناطق دمون والفجيرة بمديرية تريم بالوادي، ومناطق الغرف والردود وشريوف بمديرية تريم بوادي حضرموت.

المواطنون يعبّرون عن فرحتهم وسعادتهم بوصول الحملة الإغاثية التي تقوم بها الإمارات في اليمن

كما وزّعت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي مساعدات غذائية على ذوي الدخل المحدود، بمنطقة عريض آل الشيخ في مديرية مرخة السفلى بمحافظة شبوة، وذلك في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية التي تبذلها على مختلف الأصعدة، لمساعدة الأشقاء في اليمن والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية.

وقام الهلال الأحمر الإماراتي بتنفيذ حملات إغاثية لمساعدة متضرري السيول في الساحل الغربي؛ حيث وزّعت الفرق التطوعية 180 ألف سلة غذئية استفاد منها مليون و260 ألف نسمة في الساحل الغربي اليمني، منذ بدء عام التسامح 2019، حتى شهر أيلول (سبتمبر) الجاري.

يذكر أنّ إجمالي السلال الغذائية التي تمّ توزيعها منذ انطلاق عام التسامح 2019 حتى شهر ايلول (سبتمبر) الجاري أكثر من 320 ألف سلة غذائية، استفاد منها مليونان و240 ألف نسمة في مختلف المحافظات اليمنية المحررة.

 

للمشاركة:



لماذا بقيق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

سوسن الشاعر
الهجوم على "بقيق" في المملكة العربية السعودية يؤكد ثلاث حقائق مهمة، الأولى حجم الضغط الحقيقي الذي تشعر به إيران، والحقيقة الثانية أن أذرعها "العربية" أينما كانت هم جيش إيراني بامتياز، أما الحقيقة الثالثة علينا تجاهل تصريحات المسؤولين الإيرانيين وإعلامها تماماً، فتلك لا تزيد عن بروباغندا أجادتها إيران لفترة من الزمن وانتهت صلاحيتها، أما الحقيقة الأخيرة والأهم فهي أن المملكة العربية السعودية ترد بهدوء بأنها قادرة على تعويض النقص الذي تحتاجه الأسواق النفطية، وهنا بيت القصيد!!

مجرد أن تعلم إيران قامت باستعداء عالمي لا أمريكي فحسب حين أوعزت لوكلائها سواء كانوا في اليمن أو العراق أن يهاجموا معامل النفط في السعودية، فتأكد أنها متضررة داخلياً بشكل كبير ومربك بالنسبة لنظامها، خاصة مع اقتراب احتمال اجتماع روحاني وترامب على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، لأنها تعلم أنها بهذا الفعل تقوض المبادرات الفرنسية التي تحاول إنقاذها وتخليصها، وأنها تحرج ماكرون الذي يحاول أن يعيد تسويقها من جديد، ومع ذلك لا تبالي بهذه النتائج، فقيامها بهذا الفعل يؤكد أن صبرها، الذي جعلها تبدو هادئة وغير متأثرة منذ بدأ تنفيذ العقوبات إلى الآن، قد بدأ ينفد، وأن العقوبات بدأت تؤثر بالفعل على الداخل.

فصادراتها النفطية تقلصت من ثلاثة ملايين برميل إلى 300 ألف برميل يومياً، والعقوبات تخنق صادراتها من التعدين أيضاً، وتطال مساراتها المالية التي تغذي بها وكلاءها "العرب"، فلا يخلط الأوراق بهذا الشكل من كان مسترخياً كما يدعي وغير متأثر كما يروج، أنها تضعف أوراقها التفاوضية وتقيد حلفاءها.

الحقيقة الثانية هي "الجيش العربي" الذي يقع تحت قيادة إيرانية يقود حرباً على المملكة العربية السعودية من العراق ولبنان واليمن، مطلقاً صواريخ إيرانية وطائرات إيرانية مسيرة لا تحدث أضراراً كبيرة ولكنها تحدث عملية استنزاف طويلة الأمد وقليلة الخسائر على الطرف الذي يقودها، والأهم أنها تحدث ضجة أكبر على المستوى الإعلامي، وهذا ما تلعب به إيران أي حرب "البروباغندا".

في نهاية المطاف نعود للحقيقة الأهم من هذا كله، إيران تحاول أن تحدث نقصاً في الإمدادات النفطية، والمملكة العربية السعودية تعرف ذلك جيداً وتملك من النفس الطويل والهدوء في ردة الفعل مما يبطل مفعول جميع هذه المحاولات.

تحاول إيران أن تحدث نقصاً في السوق النفطية من أجل الضغط على ترامب لدفعه للتفاوض والإسراع بقبول العروض الإيرانية، لذلك تسارع المملكة العربية السعودية بنفي أي تأثر وتعويض السوق بالسرعة المطلوبة، فهذا هو الاتفاق الذي يضمن استمرارية العقوبات والضغط على إيران.

ما يهمنا ويهم المملكة العربية السعودية أن تستمر العقوبات الاقتصادية، وأن نوسع دائرة التحالفات حتى لا تتم عملية الاختراقات التي تعمل عليها إيران.

الوقت في صالحنا ولسنا من يتعرض للضغوطات، لذلك ضبط النفس والنفَس الطويل هما أهم الأدوات التي نحن بحاجة لتعزيزها.

عن "الوطن البحرينية"

للمشاركة:

الملالي وطوق النجاة: ارتهان أمن المنطقة بمنطق الميليشيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

يوسف الديني

أصبحت كل أزمات المنطقة مرتبطة بشكل جوهري بوضعية دولة الملالي في طهران التي ترسل أذرعها لتهديد المنطقة عبر الميليشيات التي تدعمها في العراق ولبنان، وبشكل مركز الآن في اليمن من خلال ميليشيات الحوثي.
تركز إيران على استراتيجية نقل المعركة إلى الخارج لتخفيف أزمتها مع المجتمع الدولي في الملف النووي، مستغلة أنه لا يأبه بغير المصالح الاقتصادية. ربما لهذا السبب تحديداً تدرك دولة الاعتدال وفي مقدمتها السعودية أن دولة الملالي، الراعية للإرهاب في المنطقة والمتحالفة مع دول التصعيد ضد استقرار ومنطق الدولة وفي مقدمتها تركيا وذراعها الإعلامية قطر - «الجزيرة» -، تحاول إدارة أزمتها عبر استثمار حالة «الفزع» التي يعيشها المجتمع الدولي تجاه ملفات المنطقة وحضيض الوضع الأمني والاقتصادي وانتعاش الميليشيات، إذ يحاول الملالي في لغتهم مع الدول الأوروبية الضعيفة أمام إمدادات النفط استخدام الشعارات البلاغية في إيصال حقيقة لطالما بشروا بها وهي تفجير الأوضاع في المنطقة واللعب على إمدادات النفط، وكان آخرها، نقل تصعيد ميليشيا الحوثي من الصواريخ إلى الطائرات المسيرة التي قاموا بتدريبهم عليها، بسبب قدرتها على التخريب بأقل الإمكانات في ظل صمت المجتمع الدولي عن إعادة موضعة الميليشيا كمنظمة إرهابية، وليس كطرف نزاع حتى بعد تغير الأوضاع في اليمن واختطاف الدولة وتغيير هويتها السياسية، فإيران تعتبر نفسها كياناً ثورياً عابراً للقارات محكوماً بمنطق الميليشيات والحرس الثوري، وليس الدولة التي تداعب أحلام الدول الأوروبية حول صيغة توافقية في ظل ارتباك البيت الأبيض في اتخاذ خطوات حاسمة تجاه الوضع في إيران، بسبب عامل الوقت والانتخابات. الملالي يرون في المنطقة جغرافيا يجب حرثها من جديد عبر التخريب، بحيث لا تبقى مستقرة في حال انهيارهم الداخلي أو قدرتهم على جر المنطقة إلى حرب كبرى لا يريدها أحد.
في السياسة لا مجال للعاطفة أو التحليل المبني على معطى رمزي عادة ما يتم الحديث عنه بنرجسية بالغة، وهو الوطن العربي الكبير الذي تحول إلى أوطان مهددة بانقسامات صغيرة وهشة، واللافت في الموضوع أن رمزية «الوطن» غير المقسم وبطريقة عاطفية هي الحجة التي يرفعها أنصار الشرعية في اليمن، لكنه لم يرتق إلى مستوى الحتمية التي يجب الحفاظ عليها عبر مصالحة شاملة بين كل الأطراف، خصوصاً الفاعلين في الجنوب الذين لا يرون أبعد من تجاوز إخفاقات صالح في إدماجهم بعد الوحدة القسرية.
الأكيد أن سيناريو التقسيم هو هدف ميليشيا الحوثي والملالي لتفرد ذراعهم بالشمال وتهديد أمن المملكة، وهو ما تدرك السعودية مبكراً خطورته، كما تدرك بالتالي مسؤوليتها في حث الفاعلين في الجنوب على المصالحة، وإيجاد صيغة تفاوضية عادلة تمكنهم من اقتسام السلطة دون استئثار الشمال الذي اتخذ أشكالاً متعددة من رحيل الاحتلال البريطاني.
المعطيات الجديدة التي أفرزتها لنا الأزمة اليمنية التي لعب فيها صمت المجتمع الدولي وتباطؤه وتقاعسه عن طرح حلول جادة أو التفكير خارج صندوق المصالح الضيقة تبدو كارثية جداً، ويوماً بعد يوم تزداد الفجوة بين الأطراف المؤثرة في اليمن بسبب حالة الشره السياسي، وتركة صالح الثقيلة من الانقسام وضعف مستوى النخبة السياسية، وهي معطيات لا يمكن للتحالف تحمل مسؤوليتها دون اليمنيين.
يجب على الفاعلين في اليمن الخروج من ثنائية منطق القوة والغنيمة، من خلال التأثير على وضعية الداخل عبر استثمار التقدم على الأرض كل في سبيل أجندته السياسية وليس الوطن الواحد الموحد، ومن هنا فإن الانفصال بين «الثوار» أو المقاتلين الفاعلين على الأرض، وبين من يتحدثون باسمهم في الخارج، يبدو كبيراً في حالة قد تلقي بظلالها على مستقبل اليمن بشكل جذري وغامض.
النظام الإيراني يهمه نفوذه وسلطته في المنطقة أكثر من وضعيته المتراخية مع المجتمع الدولي التي يلعب فيها على عامل الزمن، وفيما يخص اليمن يحرص على تقوية وضعية ذراعه في الشمال عبر سيطرة ميليشيا الحوثي على أكبر قدر من الأرض، واستمرار تهديدها العبثي والفوضوي للتخفيف على إيران مما يعرض أمن منطقة الخليج إلى حالة التهديد الدائم، لكن ما لم يدركه الملالي في ظل هذا الصلف والتمادي هو أن الوضع الآن انتقل من تهديد أمن الملاحة الدولية إلى إمدادات النفط التي لا يمكن التعامل معها بذات الوضعية المتراخية للملف النووي، وهو ما يعني المزيد من فرص الانقسام في اليمن، ليس بفعل وضعية التحالف، وإنما نتيجة أخطاء فادحة من التيارات السياسية والفاعلين الذين لا يفكرون أبعد من أرنبة مصالحهم.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

نصرالله "قائم مقام" علي خامنئي وحامل سيفه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

هشام ملحم

في ذكرى عاشوراء، جدد الأمين العام لـ "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله ولاءه وولاء حزبه المطلق للجمهورية الإسلامية في إيران، ونصّب قائدها آية الله علي خامنئي، "حسين" هذا الزمان، وشبّه النزاع السياسي والاستراتيجي بين إيران ومحورها والولايات المتحدة وحلفائها، "بمعركة الحق والباطل، وفي معركة الحسين ويزيد."، مشددا على أنه لا حياد في مثل هذه المعركة الوجودية.

وغالى نصرالله في لغته الغيبية حين قال "نحن من لبنان نقول للعالم إن إمامنا وقائدنا وسيدنا وعزيزنا وحسيننا في هذا الزمان هو سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي دام ظله، وأن الجمهورية الإسلامية في إيران هي قلب المحور... نرفض أي مشروع حرب على الجمهورية الإسلامية في إيران، لأن هذه الحرب ستشعل المنطقة، وتدمر دولا وشعوبا، ولأنها ستكون حربا على كل محور المقاومة".

تحدث نصرالله وكأنه مَرْزُبان (حاكم ولاية فارسية) وهذا المفهوم أو التقليد السياسي ـ الإداري لحكم الولايات البعيدة، الذي أتقنته الامبراطورية الفارسية القديمة، يعرف الآن بالإنكليزية بكلمة Satrap التي دخلت إلى اللغة الإنكليزية في القرن الرابع عشر، بعد أن عبر أصلها الفارسي في تنويعات إغريقية ولاتينية وفرنسية.

وهذا الأسلوب الفارسي القديم للحفاظ على المقاطعات المختلفة للإمبراطورية، يعرفه اللبنانيون في تاريخهم الحديث بمنصب قائم مقام في الدولة العثمانية، أي قائم مقام الباب العالي.

حروبنا الأهلية وحروب الآخرين

الحروب التي شهدها لبنان منذ 1975، والتي لم تنته حتى الآن بسلم حقيقي ووفاق وطني قابل للحياة، كان لها أسباب سياسية واقتصادية واتسمت، بسبب طبيعة النظام السياسي والتركيبة الاجتماعية للبلاد، بأبعاد طائفية ومذهبية، واكتسبت أبعادا إقليمية زادتها تعقيدا، بسبب الوجود الفلسطيني في لبنان والنزاع العربي ـ الإسرائيلي، وتنافس، لا بل تصارع دول المنطقة فوق أرض لبنان وإن بأدوات لبنانية.

معظم الحروب الأهلية، وخاصة تلك التي لا تحسم بسرعة وتتصارع فيها أطراف عديدة وتطول لسنوات، تؤدي حتميا إلى تورط جيرانها فيها.

وحدها الحرب الأهلية الأميركية (1861 ـ 1865) من بين الحروب الأهلية الكبيرة في القرنين الماضيين، والتي انتهت بغالب ومغلوب بعد سقوط 750 ألف جندي، لم تتدخل فيها دول أخرى لأن أميركا محاطة بمحيطين ضخمين في الشرق والغرب ودولتين أضعف منها في الشمال والجنوب، كندا والمكسيك.

ولكن الحرب الأهلية الإسبانية (1936 ـ 1939)، التي أدت إلى مقتل نصف مليون نسمة، هي النقيض للحرب الأميركية، لأن دولا أوروبية مثل ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية والبرتغال أرسلت عشرات الآلاف من الجنود للقتال إلى جانب المتمردين اليمينيين وحلفائهم المحافظين، بينما أرسل الاتحاد السوفياتي مئات الجنود والطيارين للقتال إلى جانب الحكومة الجمهورية اليسارية (جوزف ستالين لم يفعل ذلك تضامنا مع اليسار، بل لقاء كميات كبيرة من احتياط الذهب الاسباني).

وانضم إلى الجمهوريين اليساريين أكثر من 40 ألف متطوع أجنبي حاربوا كألوية دولية، من بينهم حوالي 2800 أميركي نظموا أنفسهم باسم "لواء لينكولن" تيمنا بالرئيس أبراهام لينكولن.

القتال الشرس الذي جرى بين هذه القوات (من بينها أكثر من سبعين ألف جندي مغربي بأمرة الجنرال يسيمو فرانسيسكو فرانكو، شكلوا في بداية الحرب رأس الحربة للمتمردين) حوّل اسبانيا إلى مسرح اقتتال عالمي بين اليمين واليسار، كان مقدمة للحرب العالمية الثانية، التي بدأت فور انتهاء الحرب الإسبانية.

الحرب السورية في السنوات الماضية جرت وفقا "للنموذج" الإسباني، مثلها مثل الحرب اللبنانية. الدول الإقليمية ومن بينها إيران وإسرائيل وتركيا، ولاحقا روسيا، إضافة إلى عشرات الآلاف من المتطوعين "الجهاديين" والإسلاميين من سنّة وشيعة، من آسيا الوسطى إلى أوروبا حوّلوا سوريا إلى مسرح قتال إقليمي وعالمي، هو الأسوأ في القرن الحادي والعشرين.

وبعد بروز ظاهرة تنظيم "الدولة الإسلامية" تدخلت الولايات المتحدة وحلفائها لشن حرب جوية ضد هذه الظاهرة التي اقتربت وحشيتها من وحشية النظام السوري. وعند كتابة تاريخ الحرب السورية بشكل كامل، سوف يكون هناك فصلا رئيسيا حول إيران ورأس حربتها في سوريا، قوات حزب الله، التي لعبت دورا ربما مفصليا في إنقاذ نظام الطاغية بشار الأسد من الانهيار.

خصوصية "حزب الله" في لبنان

خلال الحرب اللبنانية حصلت الأطراف المتقاتلة على دعم سياسي ومالي وعسكري من دول عربية ومن إسرائيل ومن دول غربية. ولم يحدث أن تدخل أي جيش أجنبي بدعوة من طرف لبناني أو آخر، أو اجتاح جيش إقليمي جزءا من الأراضي اللبنانية، إلا ووجد طرفا لبنانيا يرحب به ويهلل لدخوله كمنقذ، ويرمي على جنوده الأرز والورد.

كانت الأطراف المتقاتلة تتمتع بمستويات مختلفة من "الاستقلالية" في تعاملها مع حماتها أو داعميها من الخارج. وفي هذا السياق لعبت "الفهلوية" اللبنانية دورا هاما في إقناع بعض الأطراف المحلية بأنها قادرة على استخدام أو استغلال القوى الخارجية كأدوات للتخلص من أعداء الداخل أو إضعافهم، ما أدى إلى نتائج عكسية وحتى كارثية.

لبنانيون راهنوا على إسرائيل، وآخرون (من لبنانيين وفلسطينيين) تعاونوا مع سوريا، آخرون فتحوا لبنان لإيران، بينما تعاون بعضهم مع العراق، وقبض آخرون من ليبيا أو من السعودية، وهكذا. اليساريون ومنظمات فلسطينية تطلعوا إلى الاتحاد السوفياتي للدعم والإرشاد، ورحب كثيرون بمجيء القوات المتعددة الجنسيات.

ولكن لم يحدث أن كان لفريق لبناني علاقة عضوية بدولة أجنبية كما هي علاقة حزب الله بإيران. إيران لم تساعد "حزب الله" كفريق لبناني سعى إليها طلبا للمساعدة؛ وإيران لم تكن حاضنة لـ"حزب الله"، لأن "حزب الله" خرج من رحمها. وهو، أي الحزب، غير قادر على البقاء دون مقومات الحياة التي توفرها إيران، من إرشاد وتوجيه سياسي ومذهبي إلى دعم مالي ومادي وعسكري ولوجستي.

وللمرة الأولى منذ الحروب الإغريقية ـ الفارسية التي استمرت لعقود قبل 500 من الميلاد، أصبحت إيران دولة متوسطية بسبب وجودها العسكري والسياسي والمذهبي في سوريا، ولأنها تهيمن على ولايتها في لبنان من خلال "حزب الله".

ضغوط أمريكية غير مسبوقة

خطاب نصرالله تزامن مع وجود مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر في بيروت. زيارة شينكر هي لمواصلة مساعي سلفه ديفيد ساترفيلد للتوسط بين لبنان وإسرائيل لمحاولة ترسيم الحدود البحرية والبرية، ولكنه حمل معه رسائل واضحة للسياسيين اللبنانيين وخاصة المتواطئين مع سياسات وطموحات "حزب الله"، إما عن قناعة أو عن خوف، وتحديدا "التيار الوطني الحر" الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون ويقوده الآن صهره وزير الخارجية جبران باسيل، بأن "تفهم" واشنطن التقليدي لمعضلة "الدولة" اللبنانية مع "حزب الله" وعجزها أو رفضها عن الوقوف، ولو رمزيا، بوجهه يشارف على النهاية.

ويؤكد المسؤولون الأميركيون، وآخرهم مارشال بيلينغسلي، مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، أن سياسة واشنطن بتقويض اقتصاد إيران وتجفيف مصادر تمويل "حزب الله" سوف تستمر وتتفاقم في المستقبل.

وفي هذا السياق سوف تدرج واشنطن للمرة الأولى شخصيات سياسية ومالية لبنانية من خارج "حزب الله" ومن خارج الطائفة الشيعية ـ في إشارة واضحة لعون وأنصاره الذين تتهمهم واشنطن بتوفير "الغطاء المسيحي" لـ"حزب الله" ـ على لائحة العقوبات.

بعض رسائل شينكر للسياسيين اللبنانيين ولقادة الجيش الذين التقاهم، وفقا لما قالته مصادر مسؤولة قبل وصوله إلى بيروت تشمل تأكيده بأن واشنطن ستؤيد أي إجراءات عسكرية تتخذها إسرائيل ضد "حزب الله" في لبنان أو قواته وقوات إيران في سوريا، وأن واشنطن "تتفهم وتتعاطف" مع قلق إسرائيل من حصول "حزب الله" على معدات وأجهزة متطورة مصممة لتحسين آداء ودقة الصواريخ الإيرانية الموجودة في ترسانة الحزب، وهو ما دفعها لإطلاق مسيرات لتدمير هذه المعدات التي وصلت إلى مقر قيادة تابع لـ "حزب الله" في الضاحية الجنوبية لبيروت. أحد الاسئلة التي طرحها شينكر هي كيف يمكن تبرير عجز الجيش اللبناني عن دخول الضاحية الجنوبية لمعاينة الأهداف التي قصفتها إسرائيل؟

وهناك جدل في الأوساط الأميركية المعنية بلبنان، بين من يدعو إلى الحفاظ على العلاقات العسكرية الأميركية ـ اللبنانية، وضرورة مواصلة تسليح وتدريب القوات اللبنانية المسلحة، وبين من يقول إن الجيش اللبناني غير قادر أو غير مستعد للتصدي، ولو بشكل خجول أو محدود، لـ"حزب الله"، ولذلك يجب أن تقلص واشنطن من مساعداتها العسكرية أو تجعلها مشروطة بإجراءات لاحتواء نفوذ "حزب الله"، وإذا لم ينجح ذلك، يتم قطع هذه المساعدات.

معقل المتشددين هو مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. في المقابل، لا تزال القيادة العسكرية الأميركية تدعو للحفاظ على العلاقة العسكرية، لأن قطع الإمدادات الأميركية سوف يدفع بلبنان للجوء إلى سوريا وإيران. ووفقا للمطلعين على هذا الجدل، يقول العسكريون الأميركيون إن أداء الجيش اللبناني ضد "التطرف السنّي" المتمثل بعناصر تنظيم "القاعدة" أو تنظيم "الدولة الاسلامية" وخاصة في شرق لبنان كان جيدا، وإن اعترفوا بأن تصدي الجيش "للتطرف الشيعي" المتمثل بـ"حزب الله" غير وارد.

ويتبين من سلوك الدولة اللبنانية الرسمية أنها إما غير قادرة على استيعاب أبعاد هذا الجدل في واشنطن، أو أنها تعيش في حالة نكران. الصمت الرسمي للدولة اللبنانية في أعقاب خطاب نصرالله وصل دويه إلى واشنطن، قبل عودة ديفيد شينكر إليها.

لخطاب نصرالله في ذكرى عاشوراء، والذي أكد فيه تبعية لبنان للجمهورية الإسلامية في إيران، جذور قديمة ويمثل استمرارية واضحة لتفكيره ولرؤيته للبنان كولاية إيرانية. وهناك شريط قديم لنصرالله، بالأبيض والأسود ويعود ربما لسنة 1988 أي قبل قيادته للحزب، ويقول فيه بكل وضوح إن مستقبل لبنان هو أن يصبح جزءا من جمهورية إسلامية واسعة يقودها آية الله روح الله الخميني آنذاك.

أنصار "حزب الله" لا يجاهرون بهذا الشريط لأنه يحرجهم مع حلفائهم ويخيف الفئات اللبنانية الأخرى. يقول نصرالله الشاب، وبلكنة فارسية واضحة "ومشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني".

هذا هو مشروع إيران الإسلامية الإنقلابي في لبنان، وهذا ما يقوم به حسن نصرالله لتحويل لبنان إلى ولاية إسلامية يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق آية الله علي خامنئي.

أيها اللبنانيون وطنكم أسير إيران.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية