معاداة السامية تقلق ألمانيا

12410
عدد القراءات

2018-06-25

ترجمة: علي نوار

بعد وصول لاجئين مسلمين وافدين من دول ينتشر فيها الخطاب المعادي لليهود والإسرائيليين، بدأت مدارس وشوارع ألمانيا تشهد وقوع حالات مضايقة بحق اليهود، ما دفع حكومة برلين لتدشين برامج تعليمية لتخفيف وطأة هذه الظاهرة.

في هذه البلاد، حيث تدرّس المحرقة النازية (هولوكوست) في المدارس، منذ الصغر، وحيث تلقّن الذاكرة التاريخية بشكل يخضع لسيطرة دقيقة، وحيث تعدّ الدولة أنّ ألمانيا تتحمل مسؤولية خاصة تجاه اليهود والإسرائيليين، نتيجة الماضي النازي المشين، تتمكّن معاداة السامية من البقاء، رغم كافة الجهود التي تبذل للقضاء عليها، وحيث يتواجد أتباع ليسوا من النازيين الجدد المحليين؛ ففي مقابلة أجرتها معها قناة "تشانل 10 نيوز" التلفزيونية الإسرائيلية، في نيسان (أبريل) الماضي، اعترفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأنّ "ألمانيا تشهد ظواهر جديدة؛ اللاجئون وأشخاص آخرين ينحدرون من أصول عربية يجلبون معهم صورة مختلفة من معاداة السامية إلى البلاد".

بدأت المدارس والشوارع تشهد حالات مضايقة لليهود ما دفع لتدشين برامج تعليمية لتخفيفها

فبعد قرار فتح الحدود الذي تبنّته ميركل، خلال صيف 2015، وصل إلى ألمانيا ما يزيد عن مليون شخص من طالبي اللجوء، أغلبهم من المسلمين الوافدين من الشرق الأوسط؛ حيث ينتشر خطاب معاداة السامية والمناهض لإسرائيل، أضيف هذا العدد إلى قطاع قائم بالفعل من الشعب الألماني، وقد أوضح جوزيف شوستر، رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، خلال لقاء عقد قبل أيام مع صحفيين أجانب؛ أنّ "الإحصائيات تشير إلى أنّ 20% من المجتمع الألماني، أو واحد من كلّ خمسة ألمان، لديهم أحكام مسبقة تجاه اليهود"، وأنّ هذا الوضع موجود منذ عقود.

يعرف يفجيني أبراموفيك، رئيس نادي (توس مكابي برلين) لكرة القدم اليهودي، معاداة السامية جيداً، خاصّة تلك التي تصدر من الألمان الأصليين، ويوضح أبراموفيك: "يتعرض لاعبونا للبصق عليهم، والركل، والسباب على أرضية الملعب، وهذه تفاصيل صغيرة فحسب؛ اشتدت وتيرة اللعب ذات مرة لدرجة أن لاعبي الفريق الآخر هددوا فريقنا بالقتل، وبالطبع ألغيت المباراة".

زينا أرنولد:يربط الكثير من اللاجئين بين اليهود والثراء والنفوذ ويحملونهم المسؤولية عن الحروب في العالم

وفي لقاء آخر، كان الفريق المنافس يضمّ بين صفوفه عدداً كبيراً من اللاعبين العرب، وقد انتهى بأعمال شغب، مرّ وقت طويل دون حوادث جسيمة مثل هاتين الواقعتين، وفق أبراموفيك، لكنّ "البصق وتوجيه السباب والركلات" تعود بين الحين والآخر.

وفي حالة طالبي اللجوء الوافدين إلى ألمانيا، أو الذين تشبّعوا بالخطاب المعادي لليهود السائد في بلدانهم الأصلية، أو يتعرّضون له هنا في ألمانيا من قبل لاجئين آخرين أو رجال دين، تؤكد خبيرة العلوم السياسية زينا أرنولد: "يربط الكثير من اللاجئين بين اليهود والثراء والنفوذ، وينسبون لهم المسؤولية عن الحروب في العالم، ويتّصف كثيرون منهم بما يمكن أن نطلق عليه معاداة السامية الكلاسيكية"، وذلك استناداً إلى نتائج دراسة أجرتها لصالح جامعة "همبولدت"، التي اهتمت برصد مؤشرات معاداة السامية بين اللاجئين والإستراتيجيات المتاحة للتعاطي معها.

لم تشر الدراسة إلى وجود صلة بين الهجرة وجرائم معاداة السامية، لكن إذا كانت هناك حالة ملتبسة، فإن الشرطة تنسب مسؤوليتها عادة إلى اليمين المتشدد.

تعلّم إحدى المؤسسات متعددة الثقافات ببرلين، صغار اللاجئين أنّ معاداة السامية هي فكر منحرف

كما أثبتت دراسة أجرتها مؤسسة "هانز زايدل"، التابعة للحزب الاجتماعي المسيحي البافاري، هذا التحليل؛ فوفق استطلاع رأي شمل 780 لاجئاً وصلوا إلى إقليم بافاريا، فإن 52% من السوريين، و53% من العراقيين، و57% من الأفغان، اعتبروا أنّ "اليهود يحظون بقدر كبير من السطوة في العالم"، وتوضح الباحثة أرنولد أنه "بشكل عام، تشهد المدرسة تشكيل اتجاه قومي معاد لليهود، يضع الصهيونيين في مرتبة العدو الأول"، واستطردت: "وفيما يتعلق بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، فإنهم يوجهون الكثير من الانتقادات لإسرائيل، ولا يميزون بين اليهود والإسرائيليين، لكنّهم يعرفون قدراً قليلاً للغاية عن الهولوكوست، أو ربما لا يعرفون شيئاً على الإطلاق".

ويلحظ تصاعد هذا الاتجاه بالمدارس الحكومية في برلين؛ حيث وقعت حالات قيام أطفال اللاجئين بتوجيه السباب أو التعرض في فناء المدرسة للأطفال اليهود، النتيجة: الأسر اليهودية تنقل أبناءها إلى مدارس يهودية أو مدارس خاصة.

ولتخفيف هذه الظاهرة؛ تعلّم إحدى المؤسسات متعددة الثقافات، في حي كرويتسبرغ بالعاصمة برلين، صغار اللاجئين كي ينقلوا إلى قصّر آخرين لاجئين كيف أنّ معاداة السامية هي فكر منحرف، وتنفّذ المؤسسة ذلك عن طريق ورشات ضمن ما يعرف باسم (فصول الترحيب)، حيث يدرس التلاميذ المهاجرون من أجل الوصول لمستوى كاف من اللغة الألمانية يؤّهلهم للالتحاق بالمدارس، ويقول أيكان دميرل، مدير مؤسسة مبادرة كرويتسبرغ لمكافحة معاداة السامية (كيجا)، وهو من أصول تركية: إنّ "اللاجئين أنفسهم يجب أن يقوموا بعملية التوعية هذه مع لاجئين آخرين، لتحويلهم إلى جزء من الحلّ، بدلاً من النظر إليهم بوصفهم جزءاً من المشكلة".

الشرطة تنسب مسؤولية جرائم معاداة السامية عادة إلى اليمين المتشدد

وفي مقرّ (كيجا)، تنتشر الكتب التي تتحدث عن المذبحة اليهودية التي ارتكبها النظام النازي، ويوضّح دميرل أنّ الشباب من اللاجئين، وكذلك والديهم، يكون لديهم عادة معرفة تاريخية ضئيلة بالهولوكوست، وإضافة إلى الأحكام المسبقة المعادية لليهود التي تلقوها في دولهم، والشعور بالتمييز بسبب معاداة الإسلام من جانب الغرب، يتولّد أو يتعزز تيار معاداة السامية، وللحد من ذلك؛ تعمل (كيجا) على خلق حالة من التعاطف. ويضيف دميرل: "في إحدى الورشات، تسرد قصة حقيقية تدور حول طبيب مسلم من برلين، أنقذ خلال الحقبة النازية اليهود من الملاحقة".

تشارك ساندي وسامر، أبناء الـ 20 عاماً، (فضّلا عدم ذكر اسميهما كاملين)، في المجموعة التي تذهب إلى المدارس لرواية هذه القصة باللغة العربية.

درست ساندي المحاسبة في بلادها، بينما يحمل سامر شهادة في الاقتصاد من جامعة دمشق، تقول ساندي: "لطالما شدّتني السياسة والتاريخ، يعتقد الألمان أننا جميعاً في العالم العربي معادون للسامية، لكننا رأينا في مدننا أشخاصاً من جميع الأديان يتعايشون معاً دون أيّة مشكلات"، ويؤكد سامر من ناحيته: "عندما أتأمل مسؤولية ألمانيا بسبب النازية، أتساءل عمّا إذا كنا جميعاً (كسوريين) سنحمّل الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية الجهادي (داعش) مسؤولية كلّ ما يفعلونه؟".

في أجواء يشوبها القلق بسبب معاداة السامية، شهدت ألمانيا، في 25 نيسان (أبريل) الماضي، يوماً للتضامن، في تجمّعات في برلين ومدن أخرى حضرها المشاركون معتمري القلنسوة اليهودية (كيبّاه)، التي يرتديها الرجال اليهود، كان مصدر هذا القلق هو تلك الواقعة التي حدثت في حي نيوكولن ببرلين؛ فقد تعرض شاب يرتدي الكيبّاه (لم يكن يهودياً، بل من عرب إسرائيل كان يرتدي القلنسوة كتجربة) لهجوم من قبل شاب صرخ عليه "يهودي"، واعتدى عليه بالضرب.

ألقت معاداة السامية بظلالها على جوائز إيكو الرفيعة وهي الأهم في عالم الموسيقى بألمانيا خلال هذا العام

أثارت هذه الواقعة حالة واسعة من الجدل، لكن رغم كلّ شيء، تكشف الإحصائية أنّ العلاقة بين الهجرة وجرائم معاداة السامية واهنة جداً؛ فمن بين ألف و366 حادثة من هذا النوع، جرى توثيقها عام 2015، فإنّ ما نسب منها إلى المهاجرين كانت 78 حالة فحسب، أما أغلب هذه الوقائع (ألف و246 حالة) فقد ألقيت اللائمة فيها على اليمين المتشدد، لكن يجب الانتباه -في الوقت ذاته- كذلك إلى أنّ الشرطة في بعض الحالات غير الواضحة تشير بأصابع الاتهام لليمين المتشدد عادة، في جرائم معاداة السامية، وفق الباحثة آن كريستين فجنر، في دراسة نشرت أواخر 2017، لصالح مكتب حماية الدستور في ولاية هيسن، فقد كتبت فجنر في تقريرها: "رموز اليمين المتشدد يتعرضون للملاحقة في ألمانيا، إلا أنّ الأمر عينه لا يطال الأوساط الإسلامية، لذا فإن الجرائم التي تستخدم فيها اللغة العربية أو التركية تحظى بقدر أقل من اهتمام أجهزة الأمن".

كما ألقت معاداة السامية بظلالها على جوائز (إيكو) الرفيعة، وهي الأهم في عالم الموسيقى بألمانيا، خلال هذا العام؛ ففي مطلع نيسان (أبريل) الماضي، نال ألمانيان اثنان من مغنيّي موسيقى الراب، هما كوليجاه وفريد بانج، الجائزة، وتقول إحدى أغنياتهما: "جسدي محدد أكثر من أجساد سجناء أوشفيتس"، أكد كوليجاه، وهو متحول للإسلام، واسمه الحقيقي فليكس بلومه، وفريد عبد الله المنحدر من أصول مغربية، أنّهما لا يكرهان اليهود، لكنّ مشاعر السخط أجبرت أشخاصاً فائزين بالجائزة في نسخ سابقة على إعادتها، ثم إلغاء حفل جوائز (إيكو) نهائياً، زار كوليجاه وعبد الله مؤخراً معسكر الاعتقال النازي السابق (أوشفيتس)، تعبيراً عن تفهّمهما للماضي النازي الذي ربما لم يكن يدركاه من قبل.

يحذر رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، جوسيف شوستر: "ما تغيّر هو أنه كانت هناك خطوط حمراء قائمة منذ حقبة ما بعد الحرب، والآن تحدث تجاوزات لهذه الخطوط، أصبح الناس حالياً أكثر جرأة عند قول أشياء عن اليهود، كانوا يفكّرون فيها فقط من قبل، لكن لم يكونوا يستطيعون التعبير عنها على الملأ"، معتبراً أنّ هذا التغيير ناتج عن ظهور حزب (بديل لأجل ألمانيا) اليميني المتشدد، وهجومه المستمر على ثقافة الذاكرة التاريخية، بسبب نزعة الفخر القومية المفرطة، وهو التشخيص الذي يتفق معه فيه مفوض مكافحة معاداة السامية فليكس كلاين.

حزب(بديل لأجل ألمانيا) يعاني من تناقض واضح إذ يعادي الإسلام وفي الوقت ذاته يحتوي معاداة السامية

أنشأت المستشارة ميركل هذا المنصب في أعقاب حرق أعلام إسرائيلية وترديد هتافات معادية لليهود في برلين (هذه المرة من قبل متشددي اليسار) احتجاجاً على قرار ترامب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ويرى كلاين، الذي تولى منصبه نهاية نيسان (أبريل) الماضي، أنّ معاداة السامية باتت أكثر "حضوراً"، وأنّ "حزب "بديل لأجل ألمانيا" أسهم في ذلك".

لكن الوضع لا يخلو من التعقيد، فحزب (بديل لأجل ألمانيا) يعاني من تناقض واضح؛ نظراً إلى أنّه يتبنى فكراً معادياً للإسلام، لكنه يعمل جاهداً، في الوقت ذاته، لاحتواء معاداة السامية الدفينة داخل صفوفه؛ فقد كشف تقرير أعدته مؤخراً وزارة الداخلية: أنّ "الأحزاب الشعبوية اليمينية تركز على المسلمين، وتحاول بكل ما أوتيت من قوة تجنب الظهور على هيئة المعادين للسامية".

يعدّ المفوض كلاين اللاجئين "مشكلة أخرى من حيث معاداة السامية؛ فالسلفيون والجماعات الأصولية الأخرى يحاولون التأثير عليهم، ومن هنا يتعين على أجهزة الأمن أن تظل متيقظة"، بينما يدعو اليهودي شوستر لزيادة جرعة دورات الاندماج، بما لا يشمل فحسب هذه المسألة؛ بل أيضاً المساواة لصالح النساء وجميع التوجهات الجنسية المختلفة؛ نظراً إلى أنّ المهاجرين يظهرون مؤشرات تدعو للقلق في هذا الصدد.

مقال للصحافية ماريا باث لوبيث منشور في جريدة "لا بانجوارديا" الإسبانية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هكذا يمكن تفسير دور تركيا المتنامي في الصراع الليبي

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-08-18

ترجمة: مدني قصري


ظهر مصطلح "الربيع العربي"؛ الذي ميّز هذا العقد في وسائل الإعلام، عام 2011، حول تمرّد الشعب الليبي ضدّ الرئيس معمّر القذافي، بعد ثمانية أعوام من مقتله، تحت قصف الطائرات الفرنسية والبريطانية، لم يعد الهدوء بعدُ إلى ليبيا، ولم يصل الصراع أبداً إلى الحدّ الذي وصله اليوم بعد أعوام من الفوضى، التي أدّت إلى احتلال البلاد بأكملها من قِبل القبائل والميليشيات المتصارعة، كلّ منها مدعوم من قِوَى أجنبية بأهداف مختلفة.

اقرأ أيضاً: هكذا تؤجّج تركيا القتال في ليبيا
"حرب بالوكالة" حقيقية تُذكّرنا بالنزاعات السورية واليمنية، التي وُلدت أيضاً من "الربيع العربي"، وبالنزاعات اللبنانية أيضاً قبل أعوام عديدة؛ لأنّه منذ وفاة العقيد السابق، قائد البلاد، إذا كانت الجهات الدولية الفاعلة تحاول دعم مشروعٍ افتراضي مشترك قادر على تحقيق الاستقرار في رأس هذه الدولة؛ فالذي يحدث في الوقت الحالي؛ أنّ هناك طرفَيْن متعارضَيْن يتقاتلان على الأرض لتجسيد هذه الشرعية؛ شعبياً ودولياً.
تجسيد الشرعية شعبياً ودولياً
من ناحية؛ هناك بقايا جيش القذافي السابق، بقيادة المشير حفتر، ومقرّه في مدينة بنغازي الشرقية، بدعم من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ومصر..

دعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكّك العلاقات مع أنقرة

ومن الناحية الثانية؛ حكومة الاتحاد الوطني التي تسيطر على العاصمة طرابلس، بدعم من الميليشيات والأمم المتحدة وقطر وإيطاليا وتركيا، هذه المواجهة تبدو مثيرة للذهول في ضوء العلاقات الدولية الحالية، ولكن يمكن تفسيرها بقضايا الهجرة أو الرهانات الاقتصاد أو الأمنية، بقدر ما يمكن تفسيرها بالرهانات الأيديولوجية والتاريخية. القوى الغربية، وفي مقدّمتها فرنسا والولايات المتحدة، تدعم التقدم العسكري لحفتر، باسم الحرب على الإرهاب، الذي تطور وتفاقم منذ وفاة القذافي، ولكن أيضاً من أجل هدف ضمني، وهو الحصول على رجل قوي جديد على رأس البلد، قادر على استعادة السيطرة على طريق الهجرة إلى أوروبا، وعلى استغلال موارد الطاقة الهائلة التي تمتلكها ليبيا.
 المشير خليفة حفتر

دور تركيا الرائد في الصراع
هذه الطموحات المتعددة يتقاسمها أنصار آخرون لحفتر، الذين يعتمدون عليه أيضاً لمنع انتشار الإسلام السياسي، مع تقديم وتعزيز بيادقهم الجيواستراتيجية الخاصة في هذا البلد الذي تجب إعادة بنائه في يوم من الأيام، فضدّ تحالف المصالح هذا، فإنّ الأمم المتحدة وإيطاليا وقطر وتركيا هي آخر من يدعم التحالف السياسي المعترَف به من قبل المجتمع الدولي بأسره حتى الآن.

اقرأ أيضاً: هذا ما فعله الإخوان في ليبيا
كانت عزلة معسكر طرابلس تبدو في الآونة الأخيرة، حتمية وقاتلة، بالنظر إلى تقدّم قوات حفتر في ضواحي العاصمة، والتي تمكّنت في الأسابيع الأخيرة من الصمود في وجه هجوم مضاد غير متوقع، كانت الأسلحة التركية والمرتزقة الأتراك بمثابة العمود الفقري فيه، كيف إذاً نفسر دور تركيا في هذا الصراع؟
وجود تركي راسخ في ليبيا
بعد أن كانت على التوالي، يونانية ومصرية ورومانية وبيزنطية وعربية، وأخيراً عثمانية، تميّزت الأرض التي نسمّيها اليوم ليبيا بثقافات مختلفة يمكن أن تفسر جزئياً تعقيدها الحالي. احتاجت هذه الثقافات الأجنبية المتنوعة أحياناً إلى تدمير كلّ آثار أسلافها في المنطقة، كما كان الحال في العصور الوسطى على وجه الخصوص مع الفاطميين الذين دمّروا الآثار القديمة، من أجل منع قيام تجمعات مستقرة على هذه المساحة، المأهولة أصلاً بالقبائل الرحّل.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن قراءة الدورين المصري والتركي في ليبيا؟
لذلك؛ كان من الضروري انتظار الفتح العثماني لِما ما يزال يسمّى "Cyrenaica" (برقة)، وفق التقاليد اليونانية القديمة، لرؤية ظهور مدن أخرى، مثل بنغازي، وهي تتطور على طول الساحل.
كانت القسطنطينية ترغب في تعزيز سيطرتها على البحر الأبيض المتوسط، ولذلك سعت لتنصيب الباشوات والحاميات العسكرية في مدينتَي طرابلس ومرزوق، وقد كان ربط هاتين المدينتين بالمقاطعة القديمة لمدينة سيرين، والتي تقع أطلالها بين بنغازي وطبرق، شرق ليبيا، هو الأصل في الشكل الحالي للبلاد.

هذا الانصهار تُفسّره الرغبة في تعزيز وزن هذه المقاطعة العثمانية الجديدة، عن طريق ربطها بمنطقة المرفأ الروماني القرطاجني، وهو إقليم طرابلس، مع حمايتها من تهديدات الصحراء، عن طريق تحصين مدينة أخرى في الجنوب من البلاد، وهكذا ضمّن العثمانيون الخناق على الحدود بين شرق وغرب البحر الأبيض المتوسط؛ حيث حكم القراصنة البربر(1) انطلاقاً من موانئ الجزائر العاصمة، وتونس ومن ثم طرابلس، وكانت هذه المنطقة، التي كانت العمود الفقري لعمليات اللصوصية البحرية منذ القرن السادس عشر، هي أيضاً الطريق التجاري الرئيس لتجارة الرقّ العربية الإسلامية، لأعوام عديدة.

اقرأ أيضاً: ليبيا... أطماع وأوجاع
في محاولة للسيطرة على هذا الموقع الجديد المتقدم المشهور، اعتمدت السلطة العثمانية على حكام موثوق بهم، كان لمصيرهم تأثير في ظهور القومية الليبية، في فجر تفكّك الإمبراطورية خلال الحرب العالمية الأولى.
كان القرمانليون (نسبة إلى الأسرة القرمانلية)(2)، المتمركزون في طرابلس، هم الذين أداروا أوّلاً، بصفتهم باشوات، النشاط البحري باسم القوة العثمانية، وفي أعقاب هزيمة القراصنة في حروب القراصنة البربر ضدّ الولايات المتحدة، التي ادّعت حماية التجارة العالمية في أوائل القرن التاسع عشر، وبعد خسارة الجزائر العثمانية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أصبحت جماعة الأخوية السنوسية هي المسؤولة عن حكم هذه الأراضي لصالح القسطنطينية، وبدعوتها إلى العودة إلى تفسيرٍ صارم للقرآن الكريم، وبالتوازي مع تطور الحركة الوهابية في نفس الوقت في شبه الجزيرة العربية، سرعان ما أصبحت هذه الجماعة الدينية شعبية؛ بسبب أنشطة مقاومتها للوجود الفرنسي الإيطالي، وأتاحت لليبيا أن تظلّ آخر معقل عثماني في شمال إفريقيا حتى سقوط الإمبراطورية، عام 1920.

اقرأ أيضاً: لأهداف إيديولوجية واقتصادية، أردوغان يزيد من تدخله في ليبيا
بقوة هذا الإرث، ورغم استيلاء إيطاليا موسوليني، عام 1931، تمّ تعيين حفيد إدريس، مؤسس الأسرة الحاكمة، مَلِكاً على ليبيا، عام 1951، بعد استقلال البلاد، وظلّ العاهل الليبي، المنبثق من أسرة عثمانية عريقة، وبعد أن أصبح على رأس منطقة ظلت لقرون من الزمن، واحدة من جسور الإمبراطورية في المنطقة، يقيم علاقات جيدة مع تركيا طوال فترة حكمه.
يفسِّر هذه العلاقات الوثيقة أيضاً الوجودُ الكبير لسكان من أصل تركي، منبثقين من الإمبراطورية العثمانية القديمة، وهو الوجود الذي اختلط خلاله الجنود والمستوطنون الأناضوليون أو القوقازيون مع السكان المحليين على مدى أجيال، وهو ما أدّى إلى ولادة مجموعة عرقية معينة تسمى الكراغلة(3) "Kouloughli"، هذه المجموعة العرقية والاجتماعية المتميزة، التي يمكن تحديد أصلها بأسماء العائلات "التركية"، مثل عائلة قارمنلي، والتي تأكدت واتسعت أهميتها الكمية بعد الاستقلال.
وافق أردوغان على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة للمعارضة

أتراك تركيا النخبة الموروثة من العهد العثماني
أتراك ليبيا، هؤلاء الذين بلغ عددهم 35000 (عام 1936)، بما في ذلك 30000 في منطقة طرابلس وحدها، ولا سيما مدينة مصراتة، كانوا يمثلون بالفعل في ذلك الوقت 5٪ من السكان الليبيين، وقد مكّنهم هذا الموقع الجغرافي الدقيق من تطوير تأثيرهم على هذه المنطقة بالذات، حيث شكّلوا نوعاً من النخبة الموروثة من العهد العثماني.

اقرأ أيضاً: تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و"أخونة"
هؤلاء الكراغلة، الذين جلبوا طقوسهم الدينية من القسطنطينية، وشكّلوا جمعيات المساعدة المتبادلة للمغتربين، ما لبثوا أن جذبوا غضبَ النظام الجديد عليهم بمجرد إلغاء المَلكية.
وهكذا؛ ففي أعقاب انقلاب العقيد القذافي، عام 1969، الذي استفاد من إقامة طبيّة للمَلك إدريس في تركيا، وجدت الأقلية التركية في ليبيا نفسها مُجبَرة على التخلي عن ثقافتها وامتيازاتها التي عُدَّت مُضرّة بعروبة القائد الجديد، بعد ذلك؛ تعقّدت العلاقات التركية الليبية، بفعل شخصية معمر القذافي، الذي ضاعف الاتفاقيات الاقتصادية مع نظرائه الأتراك المتعاقبين، لكن مع دعمه، بموازاة ذلك، للتمرد الكردي في الأناضول.
تركيا العثمانية تعزز نفوذها في ليبيا
هذه العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا، لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها؛ حيث اجتذبتهم الفرص الاقتصادية لهذه المنطقة التي تعيش من ريع مواردها من الطاقة، ومنذ بداية الستينيات وحتى منتصف الثمانينيات، انتقل العدد من 664 عاملاً متواجداً على الأراضي الليبية، بين 1961 إلى 1973، إلى 48457 عاملاً بين عامَي 1974 إلى 1980، وإلى 106735 عاملاً من 1981 إلى 1985، استقروا بكثافة حول مدينتَي طرابلس ومصراتة، وعززوا التأثير التاريخي التركي العثماني غرب البلاد، وهم ينشطون في صناعة البناء، ويلتزمون مع شركاتهم بعقود بمليارات الدولارات، مثل مشروع امتداد الطريق الساحلي انطلاقاً من العاصمة.

اقرأ أيضاً: لماذا تدعم تركيا الميليشيات المسلحة في ليبيا؟!
هذا الالتزام لا يمنع حكومة تركيا رجب طيب أردوغان من أن تعلن نفسها من بين البلدان الأولى المطالبة باستقالة القذافي، عام 2011؛ فدعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكك العلاقات مع أنقرة، وهو التفكّك الذي أصبح رسمياً عندما ضمِن ممثلو المتمردين لتركيا استمرار العقود الموقعة.
فشل مرحلة ما بعد القذافي الانتقالية
بعد تقديم العديد من الخطط للعقيد القذافي لإنهاء النزاع سلمياً، بما في ذلك العرض الذي قُدّم له بمغادرة البلاد، وتعيين رئيس بدلاً منه، قررت أنقرة أخيراً دعم تدخّل المجتمع الدولي، ومع ذلك؛ فمن دون المشاركة في العمليات العسكرية الفرنسية البريطانية التي استهدفت النظام، وافق أردوغان مع ذلك على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة إلى معارضي النظام، وفق قرار صادر عن الأمم المتحدة، وبعد ذلك، وبدعمٍ رسميّ من المجتمع الدولي بأسره، انتصر معارضو النظام في نهاية المطاف، بعد ثمانية أشهر من الصراع، في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2011.

العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها

والحال؛ أنّ إعلان رئيس المجلس الوطني الانتقالي عزمه وضع دستور ليبي جديد..، بدأ يُقلق القوى التي أيدته، وكانت أسلمة الدولة مقيَّدة من قبل العقيد، ولذلك كان يُخشَى ظهورُ عنف جديد في البلاد، خاصة أنّه، منذ آذار (مارس) 2012، أعلن أحد أفراد العائلة المالكة السابقة، سليل الملك إدريس، وجماعة الأخوية السنوسية، والذي عُيّن على رأس المقاطعة الشرقية من البلاد، استقلال برقة (سيرينايكا) "Cyrenaica"، عن طرابلس، جرت هذه المحاولة لتقسيم ليبيا قبل أسابيع قليلة من أول انتخابات تشريعية، في تموز (يوليو) 2012، لتعيين 200 عضو في المؤتمر الوطني العام، وتمّ استبعاد جميع أقارب نظام القذافي السابقين تلقائياً منها.
هذا القرار ساعد في ظهور طبقة سياسية متجددة بالكامل، ولكنّها في الغالب إسلامية وغير ملتزمة سياسياً، وهو ما حال دون ظهور أيّ ائتلاف قابل للحياة ومستقر على رأس الدولة، وهكذا؛ ففي آذار (مارس) 2014، تمت الإطاحة بالشخص الذي تمّ تعيينه رئيساً للوزراء من قبل هذه الجمعية التأسيسية الأولى، من قبل هذه الهيئة التشريعية نفسها، وأجبِر على الفرار من البلاد أمام تجدد أعمال العنف من جانب الميليشيات المسيطرة في العاصمة، مثل القبائل في بقية البلاد.

اقرأ أيضاً: التهريج الأردوغاني في ليبيا
إنّ ضعف القوة المركزية هذه أمام القوى المسلحة ذات التوجه الديني أو الطائفي، أو القائمة على تجنيد المرتزقة، يعزز هذا الشعور بالانقسام الذي تعيشه ليبيا، وممّا يعزز هذا الاتجاه الانتخابات الجديدة، التي جرت في حزيران (يونيو) 2014، والتي شهدت رفض الأغلبية الإسلامية في المؤتمر الوطني العام لهزيمتها في صناديق الاقتراع، بحجة نقص مشاركة الناخبين، والتي وصلت إلى 30 ٪ فقط من الأصوات؛ لذلك قرّر مجلس النواب الجديد الذي كان من المفترض أن يحلّ محلّ الجهاز التأسيسي لما بعد الثورة، الانتقالَ إلى طبرق، بدلاً من طرابلس، في أقصى شرق البلاد، لتشكيل حكومته الخاصة.

انقسام ليبيا يقلق القوى الدولية
انقسمت ليبيا بعد ذلك إلى عدة معسكرات: معسكر المؤتمر الوطني العام في طرابلس في الغرب، ومعسكر مجلس النواب في الشرق، والمعسكر الذي تنتمي إليه القبائل التي لا تعترف بأيّة وصاية، في الأجزاء الصحراوية من البلاد، وبات هذا الوضع يقلق القوى الدولية، التي ترى الآن الإرهاب وتهريب البشر، والإسلاموية، وحركات الهجرة، وهي تتضاعف في قلب هذه الأرض التي لا يمكن السيطرة عليها، والتي أصبحت فريسة للفوضى، وقد فقد الغربيون أهميّتهم في عيون المتمردين السابقين، الذين كانوا يهتفون لهم عام 2011، وأصبحوا هدفاً للهجمات: عام 2012، تعرضت القنصلية الأمريكية في بنغازي للهجوم، ما تسبّب في وفاة الممثل الدبلوماسي المحلي لواشنطن، كما تعرضت سفارة فرنسا أيضاً لهجوم، عام 2013، مما أجبرها على الانتقال إلى تونس.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

وجهان لعملة واحدة.. ما أوجه الشبه والاختلاف بين ترامب وجونسون؟

2019-08-15

ترجمة: علي نوار


يسعى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، لتعزيز علاقة التحالف التاريخي بين دولتيهما، رغم أنّ لكلّ منهما دوافعه الخاصة والتي يصعب التوفيق بينها.

ترامب وجونسون سياسيان وافدان من أوساط تتمتّع بالامتيازات كما وصل كلاهما إلى السلطة بعد ركوبهما موجة الشعبوية

وفي كل مرة يحدث فيها تغيير داخل البيت الأبيض أو 10 داونينج ستريت، تسود حالة من الترقّب تجاه مدى التناغم على المستوى الشخصي أو حتى انعدامه بين الشخصين المكلّفين بالحفاظ على ما كان يُنظر إليه باعتباره أمتن تحالف في العالم الغربي منذ الحرب العالمية الثانية، وهو "العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة وبريطانيا. وبالعودة إلى الوراء في كتاب التاريخ، يتبيّن أنّ الأمر سار على ما يرام حين كانت هناك أيديولوجيا تربط بين زعيمي البلدين- مثل الفكر الليبرالي في حالة رئيس الولايات المتحدة السابق رونالد ريجان ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر- أو البحث عن مسار ثالث في حالة الشابين الأمريكي بيل كلينتون والبريطاني توني بلير- أو قضية مشتركة قوية مثل إلحاق الهزيمة بالنازية التي جمعت بين فرانكلين روزفلت ووينستون تشرشل، رغم أنّهما سليلا عائلتين سياسيتين متناحرتين.

اقرأ أيضاً: جونسون والحلف الشعبوي المحافظ

وخلال زيارتها للبيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 2017، كشفت الصور القليلة التي التُقطت بكل وضوح، غياب التفاهم بين ترامب ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي، رغم أنّ الزيارة عنت بالطبع أنّ العلاقات لم تُمسّ. إلّا أنّ استقالة ماي بعد هذه الزيارة بعامين ونصف العام تقريباً ووصول بوريس جونسون إلى داونينج ستريت أسهم في زيادة التوقّعات بتعضيد العلاقات الثنائية الخاصة بدرجة أعمق.

رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي

لا يمكن بتاتاً التغافل عن التوافق بين ترامب وجونسون. فهما سياسيان غير تقليديين، وافدان من أوساط تتمتّع بالامتيازات، كما وصل كلاهما إلى السلطة بعد ركوبهما موجة الشعبوية. ربما يكون صحيحاً أنّ جونسون صرّح حين كان لا يزال عمدة العاصمة لندن بأنّ السبب الوحيد الذي يحول دون زيارة مناطق معينة من نيويورك هو "الخطر الحقيقي" المتمثّل في لقاء دونالد ترامب. لكن المديح الذي كاله الرجل فيما بعد لرجل الأعمال النيويوركي يبدو أنّه نجح في رأب الصدع الذي شاب العلاقة بينهما. ويهدف الطرفان اليوم لتعزيز العلاقات الثنائية القوية. بيد أنّ المشكلة تكمن في اختلاف دوافع كلّ منهما والتي يتعذّر تحقيق التوافق بينها.

اقرأ أيضاً: جونسون على خطى ترامب

ويتطلّع جونسون لاتفاق تجاري كبير يعلّق عليه آمالاً عريضة في تخفيف العواقب الوخيمة المتوقّعة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست). في المقابل، يبحث ترامب عن حليف له في الجبهات العديدة التي فتحها على الساحة السياسية العالمية. ومن الواضح أنّ أياً من الرجلين سيعثران بسهولة على ضالتهما في الشريك الآخر القابع على الجانب المقابل من المحيط الأطلسي.

نجح الزعيمان بتحويل الطابع المحافظ الذي اتّسم به حزباهما لنوع من القومية الجديدة

ولا تتبنّى بريطانيا سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران، ولا مواقفها إزاء ملفات مثل التغيّر المناخي ومستقبل حلف شمال الأطلسي (ناتو). وبالقطع ليس السياسة الأمريكية العدائية في التعامل مع التهديد الاستراتيجي الذي تمثّله الصين، الدولة التي تنوي لندن الاتجاه إليها بعد البريكست. ولعلّ أبرز ما ميّز مسيرة جونسون السياسية هو الانسيابية التي يغيّر بها مواقفه. رغم أنّ النظام البرلماني البريطاني لديه ما يقوله بشأن هذه السياسات لمجلس العموم حيث لا يحظى جونسون بأغلبية مريحة من الأعضاء المؤيدين له.

علاوة على ذلك، لا يضمن التوافق الشخصي إبرام اتفاق تجاري بشكل سريع ومُرضٍ، رغم أنّه وبعد مرور 48 ساعة فحسب على تولّي جونسون لمنصب رئيس وزراء بريطانيا، تحدّث الزعيمان عن "فرصة سانحة" تلوح في الأُفق لتقوية الروابط الاقتصادية. كل ذلك رغم أنّ ترامب أظهر بعد مرور ثلاثة أعوام من تواجده داخل البيت الأبيض أنّ العلاقات الشخصية تعتمد كلّية على تنفيذ نظرائه لما يريده هو. لكن لا يمكن لأحد التشكيك حيال قُرب دخول ترامب وجونسون في فترة وردية، بدأت مؤشراتها خلال قمة الدول السبع الكبار (جي7)، خاصة مع وجود هدف مشترك لديهما هو العبث مع بروكسل. بيد أنّ لا أحد يستطيع الجزم في الوقت ذاته بأنّه فور تقارب الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني، أن يتخلّى ترامب على الفور عن شعاره (أمريكا أولاً).

لا يضمن التوافق الشخصي إبرام اتفاق تجاري بشكل سريع ومُرضٍ

والواقع أنّ لندن لا تتوفّر على هامش كبير للمناورة في المفاوضات. فبريطانيا تمتثل منذ عقود طوال للمعايير الأوروبية، ولن يكون من السهل بالنسبة لجونسون تخفيف وقع هذه العملية الطويلة كي يفتح الباب أمام الشركات الأمريكية العاملة في مجالات مثل الزراعة والعقاقير الطبية، لدخول السوق البريطانية بدون الدعم البرلماني المتواضع. وكلّما تباعدت المسافة عن المعايير الأوروبية، كان من السهل إحراز تقدّم في اتفاق تجاري، لكن هذا الأمر سيستلزم في التوقيت عينه تشديد الرقابة على الحدود الأيرلندية. وفي المقابل يرفض الكونغرس الأمريكي، مثلما حذّرت رئيسته نانسي بيلوسي، أي اتفاق من شأنه إقامة حدود مع بين شطري أيرلندا وينتج عنه تقويض السلام في الجزيرة.

صرّح ترامب مؤخراً بأنّ جونسون رجل صالح إنّه صلب وذكي يلقّبونه بـ "ترامب بريطانيا" ويقولون إنّ هذا شيء جيّد

وتوجد على المحك واردات وصادرات متبادلة قفزت قيمتها الإجمالية عام 2018 إلى 262 ملياراً و300 مليون دولار، وفقاً للبيانات الرسمية الأمريكية. وتعدّ الولايات المتحدة الشريك التجاري الأبرز للمملكة المتحدة (رغم أنّ حجم التبادل الثنائي لا يمثّل 30% من التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي في عام 2017). أما بالنسبة للولايات المتحدة فإنّ بريطانيا تحتلّ المركز السابع في ترتيب الشركاء التجاريين لها.

لقد نجح الزعيمان في تحويل الطابع المحافظ التقليدي الذي لطالما اتّسم به حزباهما إلى نوع من القومية الجديدة، قاطعين الوعود لناخبيهما بالعودة إلى حقب ماضية. "جعل أمريكا عظيمة من جديد" في حالة ترامب و"استعادة السيطرة" في حالة جونسون. وفي طريقهما نحو أضغاث الأحلام هذه، يطرح رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء بريطانيا رؤية غريبة للعلاقات الثنائية تتبلور في التخلّص من النظام متعدّد الأطراف القائم على الصعيد الدولي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والذي أسهم التحالف التاريخي بين واشنطن ولندن في التأسيس لقيامه.

رئيسة الكونغرس الأمريكي  نانسي بيلوسي

لكن ما هي أوجه الشبه بين الرجلين؟

أثناء زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، مرّ رئيس الوزراء البريطاني بتجربة فريدة من نوعها بالنسبة له شكا منها فيما بعد، فقد أحاط به المصوّرون والمارّة الفضوليون الذين كانوا يطلبون إليه التقاط الصور معه ومنحهم توقيعه.

ليس الأمر أنّه لا يحبّذ أن يكون مشهوراً في شوارع نيويورك، واحدة من أكثر مدن العالم تنوّعاً من الناحية الثقافية، ولا لأنّ شهرته كعمدة لندن قد عبرت المحيط الأطلسي، لكن الحقيقة كانت أنّ الناس خلطت بينه وبين أحد أغرب الشخصيات وإثارتها للجدل في المدينة؛ رجل الأعمال ونجم التلفزيون دونالد ترامب.

اقرأ أيضاً: بريطانيا: جونسون يتسلّم رئاسة الحكومة.. أهم ما ينتظره فيها

ويروي جونسون "كنت في نيويورك وحاول بعض المصوّرين التقاط الصور لي، بل أنّ فتاة عبرت الطريق تجاهي ثم توقّفت وقالت "يا إلهي! هل هذا ترامب؟" كانت واحدة من أسوأ اللحظات على مدار رحلتي".

كايل سميث: يوجّه الاثنان دائماً سهام النقد اللاذع لوسائل الإعلام ويتّهمانها على طول الخط بالتضليل ونشر أنباء كاذبة

بعدها بفترة وجيزة، عاد جونسون للتعبير عن "قلقه العميق" من فكرة وصول رجل الأعمال الأمريكي إلى سدة الحكم. لذا يُعتبر رئيس الوزراء البريطاني الحالي هو أول شخصية عالمية تصنّف ترامب بأنّه "لا يصلح" لشغل هذا المنصب، لكن الوقت مرّ وبات الاثنان على رأس قوتين عالميتين، ويبدو أنّ أيام الريبة قد باتت من الماضي. وقد صرّح رئيس وزراء بريطانيا أنّه يودّ العمل مع ترامب، وأنّه يرى ثمة مستقبل "رائع" للعلاقات بين البلدين.

لكن الإطراء لم يكن يسير في اتجاه واحد، فمن البيت الأبيض صدرت الإشادة أيضاً حين صرّح الرئيس الأمريكي مؤخراً، أثناء مؤتمر انعقد في العاصمة واشنطن، بأنّ "بوريس جونسون رجل صالح. إنّه صلب وذكي. يلقّبونه بـ "ترامب بريطانيا"، ويقولون إنّ هذا شيء جيّد"، والحقيقة أنّ ترامب لم يكن الأول ولا الوحيد الذي أجرى هذه المقارنة.

 صرّح جونسون أنّه يودّ العمل مع ترامب وأنّه يرى أنّ هناك مستقبلاً رائعاً للعلاقات بين البلدين

فمنذ وصول بوريس جونسون إلى مقر رئاسة الوزراء البريطانية الكائن في العقار رقم 10 بشارع داونينج ستريت في لندن، انطلقت وسائل الإعلام على جانبي الأطلسي تعقد المقارنات وتسلّط الضوء على أوجه الشبه الكبير بين جونسون وقرينه المقيم بجادة بنسيلفانيا في المبنى رقم 1600.

ويرى الكثيرون أنّ نقاط التشابه تذهب لما هو أبعد من مجرّد الشعر الأصفر الفاقع، فرغم أنّ هناك فارق 20 عاماً في العمر بينهما، إلّا أنّ قصتي حياة جونسون وترامب متماثلة بدرجة كبيرة، فقد وُلد الاثنان في نيويورك لأسرتين ميسورتي الحال وارتادا جامعات الصفوة؛ حيث درس ترامب في جامعة بنسيلفانيا بينما التحق جونسون بجامعة أوكسفورد المرموقة عالمياً، رغم أنّ البريطاني تحصّل على منحة دراسية، فيما اعترف الأمريكي بأنّه طلب المعونة المالية من أسرته كي يستكمل دراسته.

اقرأ أيضاً: لماذا يحبّ الناس دونالد ترامب؟

كما أنّ الزعيمين سلكا مسارات غير معتادة في طريقهما نحو السلطة؛ حيث فعل ترامب ذلك بفضل إمبراطوريته العقارية الهائلة وخاصة برامجه التلفزيونية، بينما وصل جونسون لمراده بفضل مسيرته العملية كصحفي ونجم مدعو في برنامج استعراضي تلفزيوني شهير.

جونسون متحدّث مفوّه ويتّسم خطابه بالبلاغة على النقيض من ذلك تبدو خطابات ترامب كمزيج من أفكار غير مترابطة

بالمثل، يعُتبر 2016 عاماً فاصلاً بالنسبة للحياة السياسية للاثنين: حين فاز ترامب بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة التي أُجريت ذلك العام، وكذا حين دُعي البريطانيون للاستفتاء على البقاء في الاتحاد الأوروبي من عدمه، ولم يكن أحد يتصوّر وصول جونسون لرئاسة الحكومة البريطانية.

كتب الصحفي كايل سميث في مجلة (ناشونال ريفيو) ذات الميول المحافظة أنّ "صعود جونسون يشبه صعود ترامب، لذا لا يحب النخبة السياسية، وهو لا يروق بالمثل لأفراد هذه النخبة ولا يثقون به"، علاوة على ذلك يوجّه الاثنان دائماً سهام النقد اللاذع لوسائل الإعلام ويتّهمانها على طول الخط بالتضليل ونشر "أنباء كاذبة".

ترامب وجونسون لمع نجمهما بفضل طبيعة شخصيتيهما ذات الأبعاد المُركّبة شديدة التعقيد

بالمثل، يُتّهم الاثنان بالكذب وبثّ الهراء في خطاباتهما، وقد سبق أن تعرّض جونسون للفصل من جريدة كان يعمل بها بعد فبركته مقابلة صحفية، وعلى الجانب الآخر من الأطلسي يُنظر لترامب دوماً على أنّه يفتقر للصواب السياسي وخطاباته المثيرة للجدل وانحرافاته وتصريحاته العدائية المستفزة، فضلاً عن دأبهما على تغيير معاييرهما وآرائهما التي تتأرجح حتى بين نقيضين في ليلة وضحاها حسبما تقتضي الأمور.

اقرأ أيضاً: هذا رأي الأمريكيين بالرئيس ترامب.. استطلاع

فقبل أسابيع معدودة، لاحظت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية واسعة الانتشار أنّ البريطاني- مثله في ذلك الأمريكي- هو "رجل أبيض ممتلئ الجسم ذو شعر أشقر، لديه قاعدة من المريدين، وحياة شخصية غير واضحة المعالم، وعلاقة ضعيفة للغاية مع الحقيقة والمبادئ"، وقد ظهر ذلك بشكل جليّ حين قرّر جونسون وفي اللحظات الأخيرة اتخاذ الجانب المؤيّد للبريكست خلافاً لقناعات رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون رغم انتمائهما لنفس الحزب- (المحافظين)- نكاية في الأخير ومن أجل مصلحته الشخصية فقط بدافع الانتهازية.

نقاط التشابه تذهب لما هو أبعد من مجرّد الشعر الأصفر الفاقع فقصتا حياة جونسون وترامب متماثلة بدرجة كبيرة

ووفقًا لأنتوني زاركر، خبير الشؤون الأمريكية في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، فإنّ كلّاً من ترامب وجونسون لمع نجمهما في سماء الساحة السياسية بفضل طبيعة شخصيتيهما ذات الأبعاد المُركّبة شديدة التعقيد؛ حيث يرى أنّ "الاثنين يُظهران إيماناً مطلقاً بقوة إرادتهما في سبيل تجاوز العقبات، وهو عنصر يعتقد الآخرون أنّه لا يمكن التغلّب عليه".

وعلى الرغم من أوجه التشابه العديدة في الحياة الشخصية وأسلوبهما الفريد، يظنّ الكثيرون أيضاً أنّ الرجلين يمثّلان مرحلة خاصة في التاريخ الحديث، مع وصول أزمة الزعامة بالنسبة للأحزاب التقليدية إلى قمة المنحنى، وبالتزامن مع صعود التيارات الشعبوية والقومية الأكثر تشدّداً، ويمكن ملاحظة ذلك في التاريخ الطويل من التصريحات المسيئة للأقلّيات والأشخاص المنحدرين من جماعات عرقية بعينها.

اقرأ أيضاً: ترامب يوظّف عنصريته للفوز في الانتخابات.. هذا ما قاله

فمنذ بداية حملته الانتخابية، وضع ترامب المكسيكيين في مواجهة هجماته العنيفة وانتقاداته الحادة، ولم تسلم النساء من الهجوم كذلك، ثم طلب مؤخّراً إلى أربع نائبات ديمقراطيات في الكونغرس، يعارضن سياسات إدارته، أن يعدن إلى بلادهن "التي تعجّ بالجريمة" رغم حملهن الجنسية الأمريكية إلّا أنّ أيّاً منهن تنحدر من العرق الأبيض.

أما جونسون، فيتلقّى الانتقادات بشكل مُعتاد بسبب تصريحاته التي تنمّ عن سخريته من المسلمين والأشخاص من أصحاب البشرة السمراء.

ويشترك الاثنان في أنّهما قدّما أنفسهما بوصفهما "منقذ من الفوضى" التي تعيشها بلادهما.

فقد أعلن ترامب عام 2016 حين فاز بالانتخابات التمهيدية ونال ترشيح الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية "اقتحمت معترك الحياة السياسية حتى يتوقّف الأشخاص ذوي النفوذ عن ضرب هؤلاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. لا أحد يعرف النظام مثلما أفعل أنا، لذا فإنّني الوحيد القادر على إصلاحه".

بينما تعهّد جونسون مؤخّراً بـ "إضفاء الحيوية" على بلاده التي شبّهها بـ "عملاق نائم"، مردفاً "سنستغلّ جميع الفرص التي يوفّرها وصول روح جديدة إلى السلطة. سنستعيد الثقة من جديد في أنفسنا وفيما بوسعنا تحقيقه".

اقرأ أيضاً: هل ترامب عنصري؟ 10 تغريدات تكشف الحقيقة

عمد السياسيان إلى إظهار نفسيهما على أنّهما الأنسب لتسوية بعض الملفّات الأكثر إثارة للجدل في بلديهما، فقد اعتبر ترامب نفسه "خبيراً لا يُشقّ له غبار في المفاوضات" سواء فيما يتعلّق بالخلاف مع كوريا الشمالية أو عملية السلام بالشرق الأوسط أو التوتّر التجاري، الذي انتهى في آخر المطاف بحرب تجارية. وعلى الرغم من عدم تحقيقه أي شيء يُذكر في المفاوضات، لكن الرئيس الأمريكي يصرّ على أنّ طريقته تسير في الاتجاه الصائب.

وُلد الاثنان بنيويورك لأسرتين ميسورتي الحال وارتادا جامعات الصفوة حيث درس ترامب بجامعة بنسيلفانيا بينما التحق جونسون بأوكسفورد

من جانبه، تعهّد جونسون بإنهاء الملفّ المضني الذي كلّف سلفيه منصبهما: مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، حيث وعد بإنجاز المهمة قبل 31 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، وهو الوعد الذي يعتقد حتى المدافعون عن "بريكست حاد"- مثل القومي نايجل فاراج- باستحالة الوفاء به، رغم تمسّك رئيس الوزراء بهذا الأمر، معتبراً أنّ المسألة بالنسبة له هي "خروج أو موت" وتشديده على أنّه الوحيد الذي بوسعه إنجاز هذا العمل.

لكن هل يعني كل ذلك عدم وجود أي نقاط اختلاف؟ بالقطع لا فهناك مواضع تباين واضحة للغاية.

يذكّر الخبراء بأنّ الخبرات التي يتمتّع بها الرجلان متباينة إلى حد بعيد، لذا فإنّ مشروعاتهما قد تكون مختلفة بالتالي: فترامب بدأ مسيرته السياسية بحملته الرئاسية قبل أربعة أعوام، بينما يحمل جونسون في جعبته خبرة سياسية تمتدّ لقرابة عقدين، وسبق وأن شغل مناصب حكومية عدة.

اقرأ أيضاً: من جديد.. تغريدات عنصرية لترامب تثير جدلاً واسعاً

كما أنّ البريطاني متحدّث مفوّه ويتّسم خطابه بالتراص والبلاغة حين يفتح فاه. على النقيض من ذلك تماماً، تبدو خطابات ترامب- حين لا تكون مقروءة- كمزيج من أفكار غير مترابطة فيما بينها.

علاوة على ذلك، فإنّ النظام السياسي مختلف؛ ولا يحظى رئيس الوزراء البريطاني بصلاحيات كبيرة مقارنة برئيس الولايات المتحدة، ويجرى انتخاب كل منهما بطرق متباينة. فلم يفز ترامب في التصويت الشعبي، حيث وصل للبيت الأبيض بـ62 مليون و979 ألف و879 صوتاً، في المقابل انُتخب جونسون بفارق 159 ألف و320 صوتاً فحسب، وهو رقم ضئيل للغاية.

وجّه ترامب انتقادات حادة لسلفه باراك أوباما

لكن بعيداً عن أنظمة الحكم، فإنّ الأفكار السياسية لدى كل من ترامب وجونسون تتباين فيما بينها هي الأخرى، فإذا كان ترامب ينكر حقائق مثل الاحتباس الحراري وقرّر إخراج بلاده من اتفاقية باريس للتغير المناخي، فإنّ جونسون يؤكّد التزامه في هذا الصدد، ولا يتوانى عن التشديد على أنّ بلاده ستظلّ داخل الاتفاقية التي تهدف للحدّ من الانبعاثات الملوّثة.

اقرأ أيضاً: بالصور: ترامب وكيم..خصومة فغزل فلقاء عند الحد "المتأزم"

كذلك، وجّه الرئيس الأمريكي انتقادات حادة لسلفه باراك أوباما، وأعلن العام الماضي مغادرة بلاده للاتفاق النووي مع إيران، الأمر الذي رفع منذ ذلك الحين حدّة التوتّر في منطقة الخليج. ورغم دعوته لخفض أسعار العقاقير الطبية، إلّا أنّه عاد واستبعد تدخّل إدارته في النظام الصحي الذي يهيمن عليه التأمين الخاص باهظ الثمن.

من جانبه، بدا رئيس الوزراء البريطاني مؤيّداّ للإبقاء على الاتفاق النووي مع طهران، ويدافع بقوّة على النظام الصحي في بلاده.

أما فيما يخص سياسة الهجرة، ونظراً لوقوف عمدة لندن السابق شاهداً عياناً على الدور الذي لعبه العاملون الأجانب في تنمية العاصمة البريطانية، وصل الأمر بجونسون إلى درجة اقتراح منح العفو عن جميع هؤلاء الذين أقاموا في البلاد بصورة غير شرعية. رغم أنّ الخبراء يتّفقون على أنّه وترامب ربما يغيّران مواقفهما بين يوم وليلة، وأنّ سياسة المملكة المتحدة بدأت في السير سريعاً نحو نفس الاتجاه الذي تسلكه الولايات المتحدة: التخبّط.


المصادر:

مقال للكاتب بابلو جيمون: https://bit.ly/2MGUr9K

مقال نشرته النسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): https://bbc.in/32MMhSZ

للمشاركة:

مخاوف في ألمانيا من اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات قبيل الانتخابات

2019-08-13

ترجمة: علي نوّار


هل باتت أجهزة الاستخبارات الألمانية مُخترقة من قبل النازيين الجدد؟ هذه هي الفرضية الباعثة على القلق والتي ظهرت عقب اغتيال سياسي مؤيّد للهجرة ووقوع هجمات أخرى على يد عناصر اليمين المتشدد في البلاد.

اقرأ أيضاً: ألمانيا في مواجهة اليمين المتطرف

يشير قطاع من الخبراء إلى وجود صلة محتملة بين أجهزة الأمن الألمانية ومتطرّفين من اليمين المتشدّد، الأمر الذي قد يعني عملياً استحالة مكافحة جرائم الكراهية.

يشير قطاع من الخبراء إلى وجود صلة محتملة بين أجهزة الأمن الألمانية ومتطرّفين من اليمين المتشدّد

يعيش في ألمانيا حالياً 12 ألف و700 متطرّف عنيف، طبقاً لبيانات المكتب الفيدرالي لحماية الدستور. لكن بعض الخبراء ألمحوا إلى أنّ هذا الجهاز، الشرطة السرية في البلاد، ربما يعاني مشكلات في الحقيقة عند محاولة الحدّ من هذا الرقم، بسبب صلاته المحتملة باليمين المتشدّد.

وتدور على وجه التحديد تفاصيل مثيرة للشبهات حول اغتيال السياسي المؤيد للهجرة، فالتر لوبكه، وكذلك هجمات أخرى وقعت مؤخّراً ويُعتقد أنّها وقعت بسبب دوافع سياسية، أثار ذلك فرضية أنّ أجهزة الاستخبارات الألمانية ربما تكون مُخترقة من قبل نازيين جدد جرى تجنيدهم قبل أعوام.

أنصار اليمين الألماني يحتجون في شيمنيتز، ألمانيا، في 27 أغسطس 2018

يوضّح الصحفي، ديرك لابس، المتخصّص في شؤون جماعات اليمين المتشدّد لموقع (مندوزا) أنّ الشكوك ظهرت بعد 5 أعوام من التحقيقات بشأن جماعة (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض) والتي قتلت 9 مهاجرين وضابطة شرطة في الفترة بين عامي 2000 و2007 قبل أن يختفي كل أثر لها.

اقرأ أيضاً: تصاعد اليمين المتطرف يزيد مخاوف المسلمين

ففي العام الماضي صدر حكم بالسجن المؤبّد على بياتي شابه، العضوة السابقة في (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض) في محاكمة يؤكّد ذوي الضحايا أنّها لم تشهد مطلقاً الكشف عما وصلت إليه أجهزة الاستخبارات في ألمانيا من معلومات بشأن الجماعة أو معرفتها بعمليات القتل التي ارتكبتها.

يعتبر شولتس أنّ الثقة في أجهزة الاستخبارات تعرّضت للتقويض الشديد لدرجة أنّه بات يتعذّر للغاية حمايتها

وتتحدّث وسائل الإعلام المحلية الآن عن صلة محتملة بين هذه الجرائم وواقعة اغتيال لوبكه، التي أُلقي القبض بموجبها على ستيفان إرنست، وهو شخص على علاقة بجماعات من اليمين المتشدّد. وبحسب مجلة (دير شبيغل)، فإنّ إرنست كان على معرفة بعميل سرّي كان يتواصل بدوره مع (مكتب حماية الدستور) عن طريق أندرياس تيمه، وهو مسؤول كان حاضراً في لحظة ومكان وقوع جريمة القتل التاسعة التي ارتكبتها (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض) لكنّه لم يدل أبداً بشهادته في هذا الصدد، ولم تجر محاكمته كذلك.

يقول لابس: "قبل التحقيقات بشأن (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض) لم يكن بوسع أحد أن يتخيّل على الإطلاق أنّ الدولة تمنح المال لنازيين جدد خطرين، لكن يتّضح أنّ الغالبية العظمى من قيادات الحركات النازية المسلحة كانوا عملاء سابقين"، كاشفاً أنّ التحقيقات تشير إلى "اجتماعات لقيادات عصابات حصل أربعة من كل خمسة منهم على المال من جانب الدولة".

ويُعتقد أنّه في العام 2011، وبعد ساعات من تسليم شابة نفسها للشرطة، أمر مسؤول رفيع المستوى بتدمير سجلّ يحوي بيانات حول أجهزة الاستخبارات الألمانية. ويتكهّن تانييف شولتس، مؤلّف عدة كتب عن (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض) بأنّ السجلّات التي تعرّضت للإتلاف لم تكن تتضمّن معلومات حول الجماعة المتشدّدة بل "أدلة حول جمعها لمعلومات".

اقرأ أيضاً: من يخشى اليمين الأوروبي الجديد؟

وقد سجّلت السلطات الألمانية ارتفاعاً في معدلّات وقوع الجرائم بجميع الولايات الفيدرالية تقريباً منذ العام 2017. وشهد العام الماضي وحده رصد ألف و200 حالة اعتداء بدني ولفظي ضد موظفين حكوميين. بينما جرى تقليص التقرير الناتج عن التحقيقات حول (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض) إلى 250 صفحة قدّمها المكتب الفيدرالي لحماية الدستور، إلّا أنّ السلطات قرّرت عدم الكشف عنه حتى عام 2134 نظراً لطبيعته.

لذلك يعتبر شولتس أنّ "الثقة في أجهزة الاستخبارات تعرّضت للتقويض الشديد لدرجة أنّه بات يتعذّر للغاية حمايتها".

يسعى اليمين المتشدّد لكسر الحظر المفروض عليه في ألمانيا

وعلى التوازي، يسعى اليمين المتشدّد لكسر الحظر المفروض عليه في ألمانيا رغم رفض المستشارة أنجيلا ميركل لذلك، إلّا أنّ الضغوط تتزايد من داخل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي من أجل إبرام اتفاقات مع حزب (بديل من أجل ألمانيا) الشعبوي الذي يُعتقد أنّه سيحصل على 20% من الأصوات في الانتخابات الإقليمية المزمع إجراؤها الخريف المقبل.

لكن إمكانية التوصل لاتفاقات مع المحافظين تضفي قدراً من التوتر على النزاع بين الجناح العملي والمتشدّد في الحزب الشعبوي.

لابس: قبل التحقيقات بشأن الاشتراكيين الوطنيين لم يكن بوسع أحد أن يتخيّل أنّ الدولة تمنح المال لنازيين جدد خطرين

يبذل اليمين المتشدّد قصارى جهده للوصول إلى سدّة الحكم، إلّا أنّه سيكون بحاجة لإبرام اتفاقات يبدو أنّ التوصل لها حالياً ضرباً من المستحيل. لذا جرى مؤخّراً تسليط الضوء على واقعة فريدة من نوعها حين قرّرت مونيكا شفايدرفان، عمدة بلدية فرانكنشتاين الصغيرة في غرب ألمانيا، تجاوز لوائح حزبها الديمقراطي المسيحي وأبرمت اتفاقاً مع حزب (بديل من أجل ألمانيا) الذي يمثّله في المجلس البلدي زوجها، هورست فرانتس.

كان هذا الاتفاق باهظ الثمن. فبعد ساعات من خرق اللوائح، تقرّر فصل شفايدرفان من عضوية الحزب الديمقراطي المسيحي. ورغم أنّها تبدو علامة محدودة التأثير، إلًا أنّها تعكس ارتفاع وتيرة الجدل الدائر داخل أوساط المحافظين الألمان بشأن الحظر على التيار الوطني المتشدّد. رغم استبعاد الحزب الذي تتزعّمه ميركل خلال المؤتمر العام للحزب الذي انعقد في كانون الأول (ديسمبر) الماضي بمدينة هامبورج أي "تعاون" مع حزب (بديل من أجل ألمانيا) بهدف وقف تطلّعاته.

اقرأ أيضاً: وثيقة سرية: اليمين المتطرف بألمانيا يتدرب على سيناريو الحرب الأهلية

لكن ونظراً لتقلّص المسافة الانتخابية بين الحزبين، يبدو أنّ هذا الإطار الفاصل أصبح موضع اختبار. ويرفض قطاع من الحزب الاعتراف بالمتشدّدين كقوة معارضة مشروعة، رغم أنّ آخرين مثل المرشح السابق لزعامة الحزب، فريدريش ميرتس، يرون أنّ من الخطأ استبعاد (بديل من أجل ألمانيا) باعتبار أنّ الحظر المفروض عليه هو أثمن هدية حيث يمكنه لعب "دور الضحية" الذي يتغذّى عليه. وهناك حوار داخلي بين الديمقراطيين المسيحيين في هذا الصدد حالياً.

حظر ذو فجوات

وبعيداً عن تعليمات الهيئة العليا، فالواقع أنّ الثقل المتزايد الذي يكتسبه اليمين المتشدّد بدأ يجذب انتباه بعض أعضاء وناخبي الحزب الديمقراطي المسيحي. فقد أظهر استطلاع رأي كان قد أُجري في نهاية حزيران (يونيو) الماضي أنّ 49% من الذين شملهم الاستطلاع في شرق ألمانيا، المنطقة المُفضّلة بالنسبة لليمينيين المتشدّدين، يطالبون بـ"عدم استبعاد التعاون" مع (بديل من أجل ألمانيا)، بينما ما يزال 46% يرفضون ذلك. أما في الغرب الألماني فالفارق شاسع حيث تقفز نسبة الرافضين للتعاون مع اليمين المتشدّد إلى 68%، مقابل 28% فحسب لا يمانعون إبرام اتفاقات.

اقرأ أيضاً: بعد فلندا.. هل يصعد اليمين المتطرف في إسبانيا؟

وفي بلدة بنتسلين الصغيرة الواقعة بولاية ماكلنبورج فوربومورن شرقي البلاد، يبدو أنّ هذا الإطار قد انكسر للمرة الأولى حيث يتعاون الاتحاد الديمقراطي المسيحي منذ الانتخابات المحلية في آيار (مايو) الماضي، رغم معارضة برلين.

 يورج مويتين

عملية فائقة

طوال أعوام، روّجت ميركل لسياساتها بوصفها "بلا بديل". لكن رفض هذه السياسات كان هو الركيزة التي قام عليها (بديل من أجل ألمانيا) وكذلك القطاعات الأكثر محافظة وتشدّداً وقومية من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. ورغم رفع (بديل من أجل ألمانيا) على مدار الأعوام الخمسة منذ نشأته للواء انتقاد ميركل، لكن من الواضح أن ليس ثمة طريق نحو السلطة خلافاً لـ "سنّ سياسات عملية مع الآخرين"، وهو الأمر الذي صرّح به رئيس الحزب، يورج مويتين.

سجّلت السلطات الألمانية ارتفاعاً في معدلّات وقوع الجرائم بجميع الولايات الفيدرالية تقريباً منذ العام 2017

وتبدو الرياح مواتية لأشرعة (بديل من أجل ألمانيا) قبيل الانتخابات الإقليمية التي تُجرى في ألمانيا الخريف المقبل. ويتطلّع الحزب القومي المتشدّد لحصد ما يفوق الـ20% من الأصوات في ولايات براندنبورج وساكسونيا وتورينجن، وهو ما سيخوّله لأن يكون لاعباً أساسياً في تشكيل الحكومة. وانطلاقاً من وعيه بذلك، أخذ الحزب بالفعل في الحراك من أجل التقارب مع القطاعات الأكثر محافظة من الديمقراطيين المسيحيين الذين ينتابهم الشعور بالقلق وتسعى قيادتهم للحيلولة دون حدوث أي اتفاق مع الشعبويين. وقد عبّرت خليفة ميركل في زعامة الحزب، آنيجريت كرامب-كارنباور، عن ذلك التوجّه بشكل قاطع بكلمة واحدة هي "أبداً". ورغم أن احتمالية إبرام اتفاق تبدو بعيدة المنال في الوقت الراهن، إلا أنّ مويتين يؤكّد من جانبه أنّ المحادثات "بدأت بالفعل".

صراع داخلي

تعدّ الخلافات مرادفاً للسياسة تقريباً، لكن حزب (بديل من أجل ألمانيا) يشهد منذ نشأته نزاعات داخلية باتت هي جوهر تأسيسه. وقد كانت إمكانية إبرام اتفاق مع المحافظين بمثابة إذكاء للنار المستعرة بالفعل بين الجناح الأكثر عملية في الحزب والآخر الأكثر تشدّداً، وهو الخلاف الذي سيكون له بالغ الأثر في نتائج الانتخابات المرتقبة في خريف العام الجاري. وسيتعيّن على الحزب وقتها أن يقرّر؛ إمّا خفض حدة خطابه العدائية من منطلق وقوفه في موقع القوة أو الإبقاء على اللهجة الحادة.

اقرأ أيضاً: هل حفّز حريق "نوتردام" من "كراهية الإسلام" عند اليمين الأوروبي المتطرف؟

علاوة على ذلك، يعقد (بديل من أجل ألمانيا) أواخر العام الجاري قمة جديدة من أجل انتخاب هيئة فيدرالية للحزب ستشهد صداماً قوياً. حيث يرغب مويتين في إعادة انتخابه مجدّداً رئيساً للحزب، لكن يقف له بالمرصاد بيورن هوكه، رئيس الحزب في ولاية تورينجن وممثّل الجناح الأكثر تقارباً مع النازيين الجدد. وسيرسم هذا الصراع بشكل كبير مسار إستراتيجية الحزب اليميني المتشدّد في المستقبل القريب.


مقال حول احتمالية اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات الداخلية في ألمانيا، بالتزامن مع قرب الانتخابات الإقليمية الخريف المقبل.
المصادر:

روسيا اليوم : https://bit.ly/2GHbRPI
مقال كارليس بلانا بو في صحيفة (البريوديكو) الإسبانية:  https://bit.ly/2KnNTKr

للمشاركة:



آخر تطورات ناقلة النفط الإيرانية.. هل تعيد واشنطن احتجازها؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

ذكر الموقع الإلكتروني "مارين ترافيك"، المتخصّص في تعقّب حركة السفن، اليوم؛ أنّ "ناقلة النفط الإيرانية "غريس 1"، التي كانت محتجزة في جبل طارق منذ 4 تموز (يوليو) الماضي، تتجه نحو كالاماتا في اليونان، ومن المتوقع أن تصل إليها في 25 آب (أغسطس)"، ولم يوضح الموقع سبب توجه الناقلة إلى اليونان أو ما إذا كانت ستغير وجهتها لاحقاً".

وأبحرت الناقلة في وقت متأخر، أمس، بعد رفض سلطات المنطقة البريطانية طلباً أمربكياً لاحتجاز الناقلة، التي تحوّل اسمها من "غريس 1" إلى "أدريان داريا 1" مجدّداً، بتهمة انتهاك العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران. بحسب وكالة "أسوشييتد برس" الأمريكية للأنباء.

ناقلة النفط الإيرانية تتجه نحو اليونان، وطهران تحذّر واشنطن من القيام بمحاولة أخرى لاحتجاز

وفي سياق متصل؛ قالت طهران، اليوم: إنها حذرت واشنطن من القيام بمحاولة أخرى لاحتجاز ناقلتها، وصرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، في مؤتمر صحفي: "إيران أرسلت التحذيرات الضرورية للمسؤولين الأمريكيين من خلال القنوات الرسمية بعدم القيام بمثل هذا الخطأ، إذ ستكون له عواقب وخيمة".

وكانت وزارة العدل الأمريكية قد قدمت، الجمعة، طلباً لاحتجاز الناقلة على اعتبار أنها متورطة في نقل شحنات ممنوعة إلى سوريا عبر "الحرس الثوري" الإيراني، المدرَج على لائحة المجموعات الإرهابية في واشنطن.

وقالت سلطات جبل طارق، في بيان أمس: "بموجب القانون الأوروبي، ليس بمقدور جبل طارق تقديم المساعدة التي تطلبها الولايات المتحدة"، إذ تريد واشنطن حجز الناقلة استناداً إلى العقوبات الأمريكية على إيران.

 

للمشاركة:

داعش يتبنى التفجير الانتحاري في عرس أفغاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

أعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن الهجوم الانتحاري الذي استهدف، أول من أمس، قاعة أعراس في كابول، وراح ضحيته 63 شخصاً، فيما جرح أكثر من 180 شخصاً.

وقال بيان التنظيم: إنّ "أحد الانتحاريين من باكستان من أعضاء التنظيم فجّر نفسه في حفل عرس لأحد أفراد الأقلية الشيعية في العاصمة كابول، وتبع التفجير، انفجار سيارة مفخخة قرب القاعة في "فندق مدينة دبي" في منطقة تشار قلعة".

وكشف التنظيم المتطرف، أمس، هوية منفذ الهجوم، مشيراً إلى أنّه يدعى "أبا عاصم الباكستاني"، طبقاً لما ذكرته وكالة "خاما برس" الأفغانية للأنباء، أمس.

تنظيم داعش الإرهابي يعلن مسؤوليته عن الهجوم الانتحاري الذي استهدف قاعة أعراس في كابل

وتناقلت صفحات للمتطرفين على مواقع التواصل الاجتماعي، بياناً صادراً عن "ولاية خراسان"، ذكرت فيه أنّه تمّ استهداف المكان بتفجيرَين، أحدهما انتحاري.

وأضاف البيان؛ أنّ المهاجم تمكن من الوصول لتجمع كبير لحضور حفل الزفاف؛ حيث فجّر سترته الناسفة، وبعد قدوم عناصر الأمن للمكان تم تفجير سيارة مفخخة مركونة.

 وقال شهود عيان: إنّ "الانتحاري كان يقف إلى جانب المنصة التي تجمّع عليها الأطفال والمدعوون للعرس حين فجّر نفسه".

وبدورها، نددت حركة طالبان بالتفجير، واصفة إياه بأنّه إجرامي يستهدف المدنيين والسكان الآمنين.

وقال نصرت رحيمي، الناطق باسم الداخلية الأفغانية: إنّ كثيراً من القتلى والجرحى من النساء والأطفال، فيما لم تذكر أيّة مصادر وجود أيّة شخصيات سياسية أو قيادية أفغانية ضمن المدعوين للحفل.

وسبق التفجير في كابل انفجار في أحد المساجد في منطقة كتشلاك، قرب مدينة كويتا، مركز إقليم بلوشستان الباكستاني، قتل فيه إمام المسجد، وهو شقيق زعيم حركة طالبان الأفغانية.

وصرّحت مصادر أفغانية بأنّ الجناح المنشق عن طالبان، بقيادة ملا رسول، أعلن مسؤوليته عن مقتل شقيق مولوي هبة الله أخوند زادة، زعيم طالبان، فيما أكّدت مصادر أخرى؛ أنّ التفجير من تدبير تنظيم داعش، المعادي لـطالبان؛ حيث قُتل خمسة أشخاص وجُرح أكثر من عشرين آخرين.

 

للمشاركة:

ماذا وراء تأخير تشكيل المجلس السيادي في السودان؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

أعلن المجلس العسكري الانتقالي بالسودان، اليوم، إرجاء تشكيل المجلس السيادي لمدة 48 ساعة، بناءً على طلب من "قوى الحرية والتغيير".

ونقلت وكالة السودان للأنباء "سونا"، عن الفريق الركن شمس الدين الكباشي، رئيس اللجنة السياسية، الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري الانتقالي، القول في تصريح صحفي: إنّ "قوى الحرية والتغيير طلبت الإرجاء حتى تتمكن من الوصول إلى توافق بين مكوناتها على قائمة مرشحيها الخمسة لمجلس السيادة، وواجهت قوى إعلان "الحرية والتغيير" حملة انتقادات واسعة في أعقاب الكشف عن مرشحيها لمجلس السيادة، الذي سيتولى الحكم مع القوات العسكرية خلال الفترة الانتقالية الجديدة.

ووفق موقع "سودان تريبيون"؛ فقد أثار الإعلان عن تسمية 5 من الشخصيات موجة رفض كبيرة، طالت عدداً من الكيانات المهنية، التي رأت في اختيار بعض المرشحين نقضاً لقرارات سابقة بعدم مشاركة تجمع المهنيين الذي قاد الحراك الشعبي في السلطة الانتقالية.

كما دعا تجمع المهنيين السودانيين شركاءه في قوى إعلان الحرية والتغيير إلى احترام قرارات التجمع، في وقت قد تؤدي فيه هذه الخلافات إلى تأجيل أداء أعضاء مجلس السيادة اليمين الدستورية.

من المنتظر أن يصل المرشح لتولي منصب رئيس الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك اليوم إلى الخرطوم

وأصدر التجمع بياناً أشار فيه إلى أنّ "المجلس القيادي لقوى الحرية والتغيير عقد اجتماعاً، يوم الجمعة الماضي، للبتّ في الترشيحات النهائية لأعضاء مجلس السيادة؛ حيث قرر المجتمعون إحالة الحسم النهائي إلى لجنة مفوضة، تتكون من 12 عضواً، إضافة إلى عضو واحد مفوض من كلّ كتلة"، وفق ما أوردت "روسيا اليوم".

وتابع البيان؛ أنّ تجمع المهنيين السودانيين رشّح محمد أحمد يوسف الذي اعتذر بعد انتهاء اجتماع المجلس المركزي.

وأشار البيان إلى أنّه؛ في ظلّ اعتذار يوسف، اجتمعت سكرتارية تجمع المهنيين السودانيين مع ممثلي التجمع في المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، السبت، وقرّر المجتمعون الامتناع عن تقديم مرشّح، وترك الأمر للجنة المفوضة من قوى الحرية والتغيير.

وأضاف البيان: "اجتمعت اللجنة المفوضة، اليوم، وناقشت موضوع المرشح لمقعد دارفور، ورشحت كلّاً من البروفسور موسى آدم عبد الجليل، والأستاذ طه عثمان إسحاق، وثبت ممثلو التجمع قرار تجمع المهنيين، بعدم مشاركة أعضائه في مجلس السيادة، وامتنع ممثلو التجمع عن التصويت، وقبل حسم الترشيحات تلقت اللجنة اتصالاً من البروفسور عبد الجليل، اعتذر فيه عن شغل المنصب".

وبعد ذلك؛ اتّفق بقية المجتمعين على ترشيح طه باعتباره المرشح الوحيد المتبقي، فأصبح ترشيح طه قراراً يعود للّجنة المفوضة، ورهناً لآلية اتخاذ القرار فيها.

ومن المرجَّح أن يؤدي التراجع بعد رفض مكونات داخل التجمع للمشاركة وخلافات بين مكونات قوى الحرية والتغيير إلى تأجيل أداء اليمين الدستوري لأعضاء مجلس السيادة، اليوم.

هذا وقد كان من المنتظَر أن يصل عبد الله حمدوك، المرشَّح لتولي منصب رئيس الحكومة الانتقالية في السودان، اليوم، إلى الخرطوم، قادماً من أديس أبابا، تمهيداً لأداء اليمين الدستورية.

عبد الله حمدوك

وحمدوك، الذي اتفقت قوى "إعلان الحرية والتغيير" بالسودان على تسميته لرئاسة الوزراء خلال الفترة الانتقالية، هو الأمين العام السابق للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، عمل خبيراً اقتصادياً وخبيراً في مجال إصلاح القطاع العام والحوكمة والاندماج الإقليمي وإدارة الموارد والأنظمة الديمقراطية والمساعدة الانتخابية.

وهو حاصل على درجة الدكتوراه في علم الاقتصاد من كلية الدراسات الاقتصادية في جامعة مانشستر البريطانية.

بدأ عبد الله حمدوك مسيرته المهنية عام 1981؛ حينما انضم للعمل في وزارة المالية حتى عام 1987، ثمّ غادر بعدها إلى زيمبابوي، ليعمل في شركة مستشارين خاصة حتى عام 1995، ومن ثم مستشاراً في منظمة العمل الدولية، حتى عام 1997.

عُيّن بعدها في بنك التنمية الإفريقي في ساحل العاج، والذي بقي فيه لما يقارب الـ 4 أعوام، قبل أن ينضم إلى اللجنة الاقتصادية لإفريقيا، التابعة للأمم المتحدة في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، في عدة مواقع، حتى أصبح نائباً للأمين التنفيذي.

وفي الفترة من العام 2003 حتى 2008، عمل حمدوك في المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، ثم شغل في وقت لاحق منصب كبير الاقتصاديين ونائب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا، منذ عام 2011.

وبحلول 2016؛ تمّ تعيينه من قبل الأمين العام للأمم المتحدة السابق، بان كي مون، قائماً بأعمال الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا.

ومن المقرر أن يصادق مجلس السيادة، أحد أجهزة السلطة خلال الفترة الانتقالية في السودان، على اسم رئيس الوزراء، الثلاثاء المقبل، على أن يؤدي القسم أمام مجلس السيادة ورئيس القضاء.

ووقعت "قوى التغيير" و"المجلس العسكري" الحاكم، أول من أمس، بصورة نهائية على وثيقتَي الإعلان الدستوري والإعلان السياسي لهياكل وتقاسم السلطة في الفترة الانتقالية، واتفق الطرفان على جدول زمني لمرحلة انتقالية من 39 شهراً، يتقاسمان خلالها السلطة، وتنتهي بالانتخابات.

 

 

للمشاركة:



الجنوبيون ومؤتمر جدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

عبد الرحمن الراشد

في لحظة مخيفة مضت الأسبوع الماضي وجدنا أنفسنا أمام أزمة خطيرة أخرى في المنطقة، وربما حرب أهلية أعنف في جنوب اليمن تبدأ وقد تدوم عشر سنوات. وفي هذه اللحظة الرائعة نرى أنه تم تجنبها بتغليب الحكمة من كل الأطراف. الأزمة انتهت الآن على الأقل، فالجميع ذاهب إلى جدة للبحث عن حلول دائمة، والمجلس الجنوبي الانتقالي تراجع عن استيلائه على مؤسسات الحكومة اليمنية، وأصدر بيانات أكد رضاه وقبوله بالشرعية اليمنية كما سنتها الأمم المتحدة.
الحقيقة أن الانتقالي طمأن السعوديين، وأعفى الإمارات من إحراجات كبيرة، والأهم أنه أنقذ نفسه وأهله، مواطني الجنوب، وكل المنطقة من نتائج كارثية كان يمكن أن تقودها تلك الخطوة، بغض النظر عن مبرراتها.
لكن النقاش بطبيعة الحال لن يتوقف، وقد قرأت مقالين للدكتور محمد الرميحي (في الشرق الأوسط) والدكتور سعد العجمي (في إندبندنت عربي) حول الخلاف القائم. وباختصار قد لا يفي برأيهما، هما يعتقدان أن استقلال الجنوب هو الحل الأمثل. بل إن سعوديين مثقفين أيضا يعتقدون أن المصلحة السعودية هي في يمنين أو ثلاثة وليس في يمن موحد أكبر سكاناً، خاصة أن تجربة التعامل مع يمن موحد حكمه نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح عشرين عاما، كانت مرحلة صعبة ومؤذية للسعودية.
إنما من الخطورة العبث السياسي مع كيانات الدول. وأقول للصديقين المثقفين الكويتيين إن نزع الشرعية عن دولة معترف بها في الأمم المتحدة وتفكيكها يهدد كل دول المنطقة، والكويت من بينها. فالقبول بالانفصال غير الشرعي يماثل تماماً الضم غير الشرعي!
أنا، أبداً، لست ضد حق الجنوبيين الراغبين في دولة منفصلة ولا ضد قيام جمهورية جنوبية، لكن عليهم تحقيقها بالطرق الشرعية، إما بالتفاهم مع الدولة اليمنية عندما تعود مؤسساتها إلى العمل، أو الآن من خلال الأمم المتحدة. حينها كلنا سنقبل بها كدولة لكن ليس من خلال الاستيلاء. وطالما أن كثيرين يرددون أن اليمن الجنوبي أصلاً دولة شرعية، وهذا صحيح في الماضي القريب، فإن بمستطاعهم تصديق الطلاق من محكمة الأمم المتحدة، وحينها لن توجد دولة تعارضهم، وإذا وجدت لا قيمة لموقفها ولا تستطيع أن تحرم الجنوبيين هذا الحق. ونستطيع أن نمضي الأيام المقبلة نلوك الحديث عن الماضي والدولة الماضية وجذورها التاريخية ولا قيمة له. ولا يصدق أحدكم أبداً أن الجنوبيين متفقون وعلى قلب رجل واحد، ولا حتى أن المتفقين يجمعون على اسم الدولة، ولا قياداتها، ولا نظامها، هناك قيادات سياسية منافسة لركوب الشعبية وإعلان زعامتها، وهناك مكونات متباينة في الجنوب قبلية ومناطقية وهناك زعماء سياسيون وسادة وأشراف وسلاطين وتجار كلهم طامحون في الحكم. ما حدث فلتة كفى الله اليمن شرها، ونرجو أن يلتقي الفرقاء في جدة وأن يتفقوا على طبيعة العلاقات داخل الدولة، ويتركوا حديث الانفصال للمستقبل أو يحتكموا فيه في نيويورك.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أفغاني يروي كيف حول تفجير انتحاري عرسه إلى مأتم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

تحدث عريس أفغاني عن تفاصيل مأساته بعدما تعرض حفل زفافه لهجوم انتحاري أودى بحياة العشرات، وقال إنه "فقد الأمل ولن يشعر بالسعادة مرة أخرى" بعدما مقتل أقاربه وأصدقائه.

وقال مرويس علمي، في مقابلة تلفزيونية، إنه فقد شقيقه والكثير من أقاربه في الهجوم الذي أودى بحياة 63 شخصا مساء السبت.

وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان مسؤوليته عن الهجوم، الذي أصيب فيه 180 شخصا.

وأدان رئيس أفغانستان أشرف غني، الهجوم ووصفه بأنه "همجي".

وألقى غني باللوم على حركة طالبان لأنها "توفر منصة للإرهابيين". وتجري طالبان محادثات سلام مع الولايات المتحدة، وأصدرت بيانا أدانت الهجوم.

وروى العريس المكلوم معاناته لقناة "تولو نيوز"، واسترجع ذكريات ما قبل التفجير حين كان يحي الضيوف السعداء في قاعة الزفاف المزدحمة، قبل أن يراهم وقد أصبحوا جثث بعد ذلك بساعات.

وقال "عائلتي وعروسي يشعرون بصدمة ولا يمكنهم التحدث. عروسي تفقد الوعي من حين لآخر".

وأضاف: "لقد فقدت الأمل. فقدت أخي، فقدت أصدقائي، فقدت أقاربي. لن أرى السعادة في حياتي مرة أخرى".

وأوضح أنه لا يستطيع المشاركة في جنازات الضحايا، قائلا: "أشعر بالضعف الشديد ... أدرك أنها لن تكون المعاناة الأخيرة للمواطنين الأفغان، وستستمر المعاناة".

وقال والد العروس لوسائل الإعلام الأفغانية إن 14 من أفراد أسرته لقوا حتفهم في الهجوم.

ماذا حدث؟
أصدر تنظيم الدولة الإسلامية بيانا يتبنى فيه الهجوم، وقال إن أحد مسلحيه فجر نفسه في "تجمع كبير" بينما فجر آخرون "سيارة متوقفة محملة بالمتفجرات" عندما وصلت القوات وسيارات الإنقاذ إلى موقع الانفجار.

ووقع الهجوم في منطقة غالبية سكانها من الشيعة.

ومن على سرير في المستشفى، روى أحد الناجين من الهجوم، ويدعى منير أحمد (23 عاما)، ما حدث قائلا إن ابن عمه كان من بين القتلى.

وأضاف لوكالة الأنباء الفرنسية: "ضيوف حفل الزفاف كانوا يرقصون ويحتفلون عندما وقع الانفجار".

وأشار إلى أنه بعد الانفجار "كانت هناك فوضى كاملة. كان الجميع يصرخون ويبكون من أجل أحبائهم".

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

أحمد جميل عزم: نتغنى بالأيديولوجيا والهوية على حساب النظرية والعلم

2019-08-19

أجرت الحوار: رشا سلامة


قال الأكاديمي والكاتب الفلسطيني أحمد جميل عزم إنّ الفلسطينيين يعيشون، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعوا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، مضيفاً في حواره مع (حفريات) "لا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة إلى معضلة سياسية ووطنية".

استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة

وأكد، الأستاذ المساعد في الدراسات الدولية والعلوم السياسية في جامعة بيرزيت، أنّ استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة، "مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة".
وحول تراجع دور المثقف يرى عزم أنه لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتّيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني.
وبوصفه أكاديمياً يرى عزم أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنّى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، "فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو آخر نمارس نوعاً خاصاً من الاستشراق".

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟
يذكر أنّ عزم شغل سابقاً منصب رئيس برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد أبو لغد للدراسات الدولية، ومدير برنامج الدراسات العربية والفلسطينية في الجامعة نفسها، وقد كان سابقاً باحثاً زائراً في كلية الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية في جامعة كمبريدج-المملكة المتحدة. كما عمل لنحو عشرة أعوام، في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبو ظبي، باحثاً ومحاضراً في مناهج البحث العلمي.
وهنا نص الحوار:
الحياة الأكاديمية في فلسطين

باحث ومحاضر في مناهج البحث العلمي
- اختبرت الحياة الأكاديمية في بلاد عدة، وصولاً إلى جامعة بيرزيت. هلاّ قيّمت لنا واقع الحياة الأكاديمية في فلسطين حالياً؟

في الواقع أنّه يَصعب الحديث عن الحياة الأكاديمية في فلسطين، باعتبارها شيئاً واحداً، فهناك فرق بين جامعة وأخرى، وحتى بين منطقة جغرافية وأخرى.
عودتي لبيرزيت كانت حلماً يتعلق بالعودة لفلسطين، ويتعلق بالصورة العامة التي تراكمت لدي منذ كنتُ طفلاً يعيش خارج فلسطين، عن الجامعة ومناخها.

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني
في تقييم الحياة الأكاديمية في فلسطين، هناك أمور مشتركة لا تختلف عن تطورات الحياة الأكاديمية عالمياً وعربياً، وهناك أمور خاصة بفلسطين، وهناك ما هو خاص أيضاً بجامعة دون أخرى.
لعبت الجامعات عموماً دوراً وطنياً تنويرياً في فلسطين، ولا زالت، وعندما أُقيّم تجربة بيرزيت مثلاً، مقارنة بما عرفته من تجارب جامعات عربية أخرى، أجد أنّ هناك سقفاً عالياً جداً من الحرية والتعددية، نعيشها في بيرزيت؛ فالعلاقات بين الإدارة من جهة ومجتمع الأكاديميين والإداريين من جهة، وبين الجامعة والطلاب، وبين الطلاب أنفسهم، فيها تقاليد ديمقراطية نادرة الوجود عربياً.

مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد بل غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويله لإجراءات محاسبة

وهنا اسمحي لي أن أروي قصة صغيرة؛ في إحدى المرات التي أقفلت فيها الجامعة بسبب إضراب الطلاب احتجاجاً على رسوم الجامعة (والإضرابات للأسف شيء متكرر في بيرزيت)، وكنتُ ضمن ممثلي إدارة الجامعة للحديث مع الإعلام، وحوار الطلاب في الإعلام، قال أحد أفراد "خلية" الأزمة في اجتماع مصغر أنّ هناك مشكلات بين الطلاب، وقد تفتح الجامعة قريباً، لأنّ فريقاً من الطلاب يريد ذلك. رد رئيس الجامعة (وهو رئيس سابق الآن)، أن هناك خطين أحمرين، يجب عدم الاقتراب منهما؛ الأول السماح للأجهزة الأمنية بالتدخل في شأن جامعي، والثاني اللعب على أوتار خلافات الطلاب، وقال رئيس الجامعة: أعتقد أن الإضراب خطأ لكن هذه الممارسة جزء من تدريبنا وتعليمنا للطلاب، "هكذا يتعلمون ويستعدون للحياة".

اقرأ أيضاً: هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟
تمتاز بيرزيت بأنّ أطراف مجتمعها يختلفون وينقسمون أيديولوجياً وسياسياً وإدارياً، ولكن مع وجود آلية لتنظيم هذا، ومع اتفاق أنّ القاسم المشترك هو الحفاظ على استقلالية الجامعة عن أي تدخل خارجي، يُساعِد في هذا حقيقة أنّ الجامعة لا تتلقى فعلياً تمويلاً حكومياً، وأنّها ليست ربحية. ومن هنا فاستقلالية الجامعات أمر مهم، ولكنه متفاوت بين جامعة وأخرى.
هناك حياة انتخابية ممتازة في بيرزيت، وبعض الجامعات الأخرى، سواء على صعيد الانتخابات الطلابية، أو النقابية، ولكن هذا مثلاً للأسف توقف في قطاع غزة، منذ سيطرت "حماس" على السلطة هناك، العام 2007. وهو ليس على نفس المستوى في كل الجامعات.

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟
من هنا فالجو الجامعي مهم جداً ومتميز، وما لمسته منذ اللحظات الأولى في بير زيت، أنّ كثيراً من الأساتذة والعاملين، يتعاملون مع عملية مستوى الأداء الأكاديمي، باعتباره أمانة شخصية وعلمية ووطنية.
على المستوى الأكاديمي، تحاول الجامعات التميز قدر الإمكان، لكن هناك مشكلات أهمها الاحتلال؛ فمثلاً هذا العام منع الاحتلال تجديد إقامات عدد من الأساتذة أو إقامات عائلاتهم، وبالتالي حَرموا الجامعات، وخصوصاً بيرزيت، من عدد من الكوادر المهمة، منهم أجانب ومنهم فلسطينيون، هذا فضلاً عن منع الكثيرين من الدخول إلى فلسطين والتدريس والدراسة فيها. أضف لذلك الأزمة المالية المزمنة في فلسطين والجامعات، تؤدي لنزيف عقول بخروج أساتذة للعمل في التدريس بالخارج.
لكن عموماً بالقياس للظروف المختلفة: الجامعات الفلسطينية، ولا سيما بيرزيت، تحقق نتائج متميزة أكاديمياً، وتحقق نتائج أهم في إعداد الشخصية والتدريب للمستقبل.  

مرحلة الثورة

المثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية وبالتالي يعزل نفسه أو يستسلم لعمليات عزله
- تحضر القضية الفلسطينية في معظم كتاباتك، هل ترى في هذا نوعاً من القيد على حرية انطلاق المثقف والأكاديمي؟

في الواقع هذا صحيح فيما يتعلق بالكتابات الصحافية، وصحيح إلى حد كبير في المشاركات في المؤتمرات والندوات، لكنه ليس صحيحاً في الكتابات الأكاديمية، والتدريس، خصوصاً الأبحاث العلمية، حيث أهتم بشكل خاص بنظريات العلاقات الدولية، ودراسات إدارة الصراع، وعلى سبيل المثال أنا لا أدرس القضية الفلسطينة في الجامعة، وأتفرغ وأهتم أكثر للكتابة والتدريس في الاقتصاد السياسي، والعولمة، والصراع والعلاقات الدولية، ومناهج وأساليب البحث.
أتفق مع السؤال أنّ القضية الفلسطينية تشكل عاملاً ضاغطاً، تستهلك جزءاً من وقت وجهد الأكاديمي؛ لأنّه مضطر للتعامل مع تحدٍّ ضاغط يومياً هو الاحتلال واللجوء والشتات، بدل التفرغ لقضايا علمية تنموية وتطويرية، وللأسف هذا الوضع إجباري، في ظل أي عملية صراع. حيث المثقف في موقف الدفاع بدل المبادرة للتطوير والتنمية.

اقرأ أيضاً: موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟

لكن أحاول، ويحاول غيري، الخروج من هذه المعضلة، بربط التجربة الفلسطينية بتجارب أوسع في الحياة الإنسانية، والمقاومة، وقضايا الهوية، والتاريخ، والسياسة، وسوى هذا. وهنا أتذكر مقولة مُنظّر العلاقات الدولية، المعروف،  كينيث والتز، "الحرب في أحسن حالاتها تُبعد الناس عن العمل الذي يُنتِج ضروريات الحياة وكمالياتها، وفي أسوأ حالتها تدمر ما أنتجوه".
- يظهر أثر مرحلة الثورة الفلسطينية واضحاً في كتاباتك ماذا تعني لك مرحلة الثورة، وأين تقف القضية الفلسطينية من تلك المرحلة حالياً؟
تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"؛ أي الاعتماد على الهوية والانتماء، رغم الافتقار للمقومات المادية والمؤسسية، لصناعة ثورة وكيان وشخصية، نضالية. لذلك فتجربة الثورة الفلسطينية، بما فيها من تحدٍّ ومن نجاح في تحول من حياة لاجئ مشرد إلى شعب مقاتل ومناضل في مختلف المجالات، وليس فقط المقاومة الصّلبة المُباشرة، أمر يستحق الاستحضار دائماً.

ثمة معضلة كبرى في كيفية تفاعلنا خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة مع المدارس الغربية

نعيش، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعنا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، ولا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة لمعضلة سياسية ووطنية.
المطلوب حالياً إعادة البناء الوطني، أولاً بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك بالعثور على أشكال تنظيمية جديدة، للفعل الشعبي والدبلوماسي الرسمي، تراعي تطورات عصر العولمة، وتغير أشكال التنظيم السياسي عالمياً، وتراعي فشل تجربة السلطة تحت الاحتلال، وتجربة بناء الدولة قبل زوال الاحتلال، كما تراعي شيخوخة الأطر القديمة (الفصائل). وهذه كلها أمور غير مستحيلة رغم صعوبتها.
في كتابي الأخير "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"، توسعت في بحث هذه التحديات، لذلك استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة.
مسؤولية المثقف 

غلاف كتاب "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"
- تتجنب انتقاد المؤسسة السياسية الفلسطينية بشكل لافت، أليس من مسؤولية المثقف مراقبة السلطة السياسية ومحاسبتها؟

يدفعني هذا السؤال للابتسام، فعادة أُتهم بالشيء ونقيضه، أُتهم بتجنب انتقاد المؤسسة الرسمية، كما أُتهم بتجنب انتقاد المعارضة، وأُتهم بالعكس أني أنتقد كليهما بشدة، وأتلقى اللوم من كليهما بسبب هذا النقد. وحقيقة أعتقد أني أمارس الكثير من النقد، ولكن طبيعة لغتي ومفرداتي تُحاول دائماً مناقشة القضايا، لا اتهام ومهاجمة الأشخاص والجهات المختلفة، وبعيداً عن التخوين والتكفير، وأنطلق من مجموعة قواعد في الكتابة، منها اللغة المباشرة الصريحة البسيطة، دون استعارات أدبية ولغوية، مع حرص كبير على التزود بالمعلومة الدقيقة، عند مناقشة قضايا سياسية، وهذا يقلل من التوتر في مقالاتي، إلا التَوتُر المعرفي، وذلك بعكس لغة مقالاتي التي تتعلق بالشأن الإنساني الاجتماعي، التي تحتمل الأدب والمجاز والعاطفة والتوتر. أعتقد أني أحرص على تقديم معلومات وبيانات، بلغة مدروسة، تجعل رسالتي النقدية، أو السياساتية، تصل دون حاجة للغة شعبوية.

اقرأ أيضاً: هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟
مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة، ولسياسات بديلة، ولنقد عملي مباشر في مؤسسات رسمية وشعبية للمحاسبة والنقاش. وهذا الغياب لمنابر وأطر الحوار المؤسسية، يؤدي إلى شيوع الشعبوية التي أشرتِ لها، أو لانفصال المثقف عن السياسي، وعن الشارع أحياناً.

- بحكم دراستك في المهجر، كيف أثّرت المدرسة الأكاديمية الغربية في منهجية تناوُلك للقضية الفلسطينية؟
لم أصنف نفسي يوماً بأنّي من مثقفي المهجر؛ لأني لم أكن يوماً كذلك، ولم أرغب، وذلك عن سابق إصرار وتصميم، بأن أكون في المهجر. أنهيت الشهادات الجامعية الأولى في الوطن العربي، قبل مرحلة الدكتوراة وما بعدها، وأنا سعيد بالحياة في العالم العربي،  خصوصاً في بيرزيت، أذهب للمؤسسات الغربية للدراسة، أو لزمالة بحثية، أو لإجراء بحث، أو المشاركة في مؤتمر أو مشروع ما، ولي أصدقاء كُثر في الغَرب، وجزء من جمعيات وجماعات ومشاريع أكاديمية غربية عدة، لكن لم يكن في نيتي يوماً، أو تفكيري، حتى الآن على الأقل، الاستقرار في مؤسسة غربية.

نحن في القضايا السياسية العربية والوطنية مثقلون بالأيديولوجيا وبالموقف الدفاعي وبالتركيز على التاريخ

أعتقد، أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو بآخر نمارس نوعاً خاصاً من "الاستشراق". بمعنى جزء  كبير من باحثينا وأساتذتنا في العلوم الإنسانية، يدرس في دوائر الدراسات الشرق أوسطية، والعربية، والإسلامية، في الغرب. فتجد أستاذ العلوم السياسية، والاجتماع، والأدب، والترجمة، والشريعة، والجغرافيا، والتاريخ، والاقتصاد، والإعلام، درسوا في هذه الدوائر التي نشأت لدراسة الشرق، ولها مناهج خاصة، تركز على اللغة والمعلومات والأرشيفات، أكثر مما تهتم بمناهج ونظريات العلاقات الدولية، والسياسة، والاجتماع.
ومن هنا تجد أحياناً أنّ الفروق بين منهجية أستاذ الأدب الانجليزي أو العربي وعالم السياسة، والشريعة، و..إلخ،  في جامعاتنا العربية، محدودة؛ لأنّهم درسوا في ذات الدائرة أو القسم في الجامعة الغربية، وربما على يد ذات المشرف. فالمدرسة الغربية ترحب بالطالب العربي؛ لأنه يساعدها في تقديم دراسات تؤدي إلى فهم أفضل لوصف الشرق، ولأنه مصدر دخل بسبب الرسوم العالية التي يدفعها، في دوائر الدراسات المناطقية (الشرق الأوسط).

اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المثقفون والناشطون من السجال العام؟
في المقابل يقل عددنا في الدوائر العلمية المتخصصة، (السياسة، الاجتماع، التاريخ، الاقتصاد، الإعلام، ...إلخ)، ويغلب بالتالي علينا مناهج الاستشراق، بما فيها مناهج نقد الاستشراق، وتشيع لدينا مناهج تحليل الخطاب، ونظريات ما بعد الاستعمار، لدرجة أن نحصر أنفسنا في ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وإدوارد سعيد، وفرانز فانون، ونعوم تشومسكي، وغيرهم ممن لا يمكن تجاهل أهميتهم، ولكن مناهجهم النقدية والمرتبطة بالنقد المهجوس بالأيديولوجيا، والهوية، يقلل من فرص الذهاب الى مجالات أرحب من النظرية والعلم، ويجعلنا في موقع الدفاع أو في أحسن الأحوال الهجوم المضاد، بدل تقديم بناء علمي متكامل، أو الإسهام في ذلك.

اقرأ أيضاً: أين المثقف العربي؟
أحاول قدر الإمكان أن أتعمق في العلم البحت، مع حصر قلقي، بالقضايا التي أعالجها، وبمدى صحة ونجاعة النظريات العلمية، عموماً لدراسة الشأن الفلسطيني، أو غيره من الشؤون، بمعنى أحاول تجاوز النقد والتفكيك، إلى البناء والسياسات التي تتجاوز الواقع المرفوض، بسبل بناء بديلة، وأن لا أحصر نفسي بمنهجيات الدراسات الشرق أوسطية، أو منهجيات ما بعد الاستعمار، أو أن يكون همي الرد على ما هو قائم.

عزم: تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"

- أما زال المثقف الفلسطيني يحظى بالموثوقية ذاتها التي أسبغها عليه الشعب الفلسطيني سابقاً؟
بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري، بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري، وتراجع العمل السياسي الحزبي والوطني الشعبي، ما أدى لأزمة في مكانة المثقف.
هناك تحول هائل في طبيعة الإعلام والتعليم، لم نعها تماماً، ليس عربياً فقط، ولكن حتى عالمياً. فمع عصر وسائل التواصل الاجتماعي، شاعت نظرية أنّ الإعلام أو المعلومة وبعض أوجه الثقافة انتقلت من كونها إنتاج النُخب، إلى أنها إنتاج جماعي. وأنّ العصر السابق (زمن الإعلام والتعليم التقليديين)، كان عدد المرسلين فيها قليل والمستقبلين كبير، وأننا الآن في عصر الكثير من المرسلين يتجهون إلى كثير من المستقبلين (كما نرى في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي).

بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري

وهذا التشخيص صحيح، ويعني صعوبة مهمة المثقف، لكنه لن يستمر. فمع الوقت اتضح مثلاً أنّ الإعلام الجماهيري لا يتمتع بنفس حصافة وقوة الإعلام الذي تقوم عليه مؤسسات لها قواعد وموارد، وأعتقد أننا اقتربنا من مرحلة عودة المؤسسة الإعلامية التي تفرض نفسها، بدل الإعلام الفردي، باكتشاف جماهير لفقاعة الإعلام الاجتماعي. وبالتالي لبروز دور المثقف، وحتى لإعادة تعريف دور مؤسسات الثقافة.
هذا ينطبق على الجامعات التي أصبحت في متناول الغالبية الكبرى من البشر، لدرجة أنّها لم تعد تجد عدد الطلاب الكافي الذي تستطيع استيعابه، بعد أن كان هناك ندرة في المقاعد الجامعية، قبل ربع قرن مثلاً. أعتقد أننا سنشهد الآن عودة لنخبوية الجامعات.
لتوضيح هذه الفكرة أقول إنّ المشكلة ليست الموثوقية فقط (الوثوق بالمثقف)، بل هناك مشكلة "الوصول" للجمهور، في عصر فيه تنافسية هائلة، وتعددية لا نهائية في المصادر (المُرسلين)، فلجأ البعض من المثقفين للشعبوية، والبحث عن التفاعل السريع، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن تراجع الأفكار والأيديولوجيا والفكر السياسي عموماً، قلل من أهمية المثقف "المُنظّر". مثلما يشعر الكثيرون بفقدان الأمل من التنظير، ومن الجامعات، والحقيقة، أنّ هناك مشكلة بنوع الفكر والتنظير والتعليم المقدمين، بقدر ما هو بآلية التوصيل.

اقرأ أيضاً: تيسير أبو عودة: سيظل المثقف رسولاً قابضاً على جمر السؤال
فالمشكلة أن المثقف لا يجيب في أغلب الأحيان عن أسئلة الشارع، ومن أسباب هذا تراجع العمل الحزبي، وتراجع المشاركة المباشرة للمثقف بالنضال، أو تراجع الهامش المسموح له بأن يفعل هذا فيه.
يكفي أن ننظر كيف تفاعل الشباب في فلسطين، مع استشهاد الشاب باسل الأعرج، فباسل كان لديه مجموعة أطروحات، قد لا تكون نضجت أو تطورت، لكنّها كانت تلامس أسئلة مهمة في وجدان الشباب، مثل نوع المقاومة المطلوبة في عصر الفردية، ومقولاته حول عصر تراجع الثورية الجمعية، وأفكاره حول مفهوم العمل الميداني المباشر، وكلها أمور مهمة بحاجة للمزيد من النقاش، لكن المهم أنّ شباناً، ومثقفين، بذلوا جهداً بعد استشهاد باسل لجمع ونشر أفكاره، ما يوضح التعطش للفكر والثقافة اللذان يجيبان عن أسئلة عملية.

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني، فالمثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية، فلا ينخرط بالواقع، وبالتالي يعزل نفسه، أو يستسلم لعمليات عزله، أو يرد على العزل بطريقة خاطئة، فيها قدر من الترفع والنخبوية، أو الشعبوية.
لكن أعتقد أن هذه المرحلة لن تستمر، فمثلاً الجامعات، فقدت دورها الذي ساد في القرن العشرين، باعتبارها مكاناً لتصنيع "الشَهادات" التي تفتح أبواب العمل والحراك الاجتماعي، وسيُصبح لدينا من يؤمن بدور نخبوي للجامعات في تزويد علوم وثقافة ومهارات، لا شهادات، ولكن هذا يعني تراجع جماهيرية الجامعات، وهذا التراجع ليس شيئاً سيئاً بالضرورة.
وأيضاً المؤسسات الإعلامية والثقافية، تستعيد مكانتها، كإطار مُنظّم بدل الفردية الفوضوية، وحتى تراجع الأحزاب لصالح الحِراكات الاجتماعية قصيرة العمر، سيتوقف لكن الشكل الجديد للعمل السياسي والشعبي لا زال لم يتطور بعد، وهنا ألفت النظر مثلاً لورشتي عمل، قام بهما شباب فلسطينيون في الولايات المتحدة الأميركية، وفلسطين، وأعتقد دون تنسيق بينهما، لمناقشة الفرق بين الحركة (السياسية والاجتماعية)؛ أي الشكل القديم، وفكرة "الحِراك" الذي شاع في السنوات الأخيرة.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية