مؤتمر في واشنطن يربط الحريات الدينية بالسلم الاجتماعي

في ظل التحديات الصعبة والمعقدة، التي تشهدها المنطقة العربية، بوجه خاص، أمام مشهد العنف الديني والإرهاب، الذي تتسع رقعته، وتزداد حدته ودمويته؛ إذ يسجل أعلى مراحله، في صورته "الداعشية"، ولا يستثنى العالم، بوجه عام، من ذلك الخطر، وتبعاته، فقد جاء مؤتمر الحريات الدينية في العالم، الذي انعقد، للمرة الأولى، في العاصمة الأمريكية، واشنطن، نهاية الشهر الماضي، لبحث قضايا التطرف، وسبل العيش المشترك، وحرية الاعتقاد.
استضاف المؤتمر، الذي جاء بمبادرة من الحكومة الأمريكية، ممثلي أكثر من 80 دولة، بالإضافة إلى أكثر من 175 ناشطاً، في المجتمع المدني، ونحو مائة رجل دين، ووزراء خارجية عدد من الدول العربية والخليجية، في مصر ولبنان والإمارات والعراق، وغيرهم.

مؤتمر الحريات الدينية يأتي في توقيت مهم يشهد فيه العالم حالة من تنامي الأفكار الآحادية والإثنية القومية

ودشن المؤتمر عدد من اللقاءات، مع رجال الدين والمسؤولين العرب، فيما تضمن فعاليات ونشاطات ركزت على مفاهيم حرية الأديان، وضرورتها في خلق السلام والأمان، وتقبل الآخر، أياً ما كان دينه ومعتقده، وسواء كان مؤمناً أو غير مؤمن.
تطرق المؤتمر إلى واقع الحريات الدينية، ومستواها في عدد من الدول، التي تتعرض فيها الأقليات الدينية والعرقية، إلى الاضطهاد والقمع؛ كمثل ما حدث للمسيحيين والإيزيديين، من قتل وبطش، وصل حد الإبادة الجماعية، وذلك، على يد تنظيم "داعش" في العراق.
أكد الشيخ عبدالله بن بيه على ضرورة ربط عنوان الحريات الدينية بالسلم الاجتماعي

انتقادات دولية ضد واقع الأقليات في عدد من الدول
وانتقد التقرير الصادر عن مؤتمر الحريات الدينية، عدة حالات، تعكس سوء معاملة الأقليات الدينية، وذوي القناعات العقائدية، المختلفة عن السائد في مجتمعاتها، فأشار إلى استمرار عمليات التطهير العرقي، الذي يستهدف مسلمي الروهينغا، في ميانمار، وكذلك الصين، حيث يجبر مئات الآلاف، من مسلمي الأويغور، بصورة قسرية، على الإلتحاق بما يعرف بـ "مراكز إعادة التثقيف"، فضلاً عن القس الأميركي، أندرو برانسون، المعتقل في تركيا، استناداً إلى "اتهامات عارية من الصحة". بحسب التقرير.

اقرأ أيضاً: التسامح: كيف تتحرر من الحكم على الآخرين؟
وفي المقابل، أوضح التقرير ذاته، أنه يتواجد ما بين 80 إلى 120 ألف سجين محتجز، في معسكرات الاعتقال، في كوريا الشمالية، بعضهم موقوف، لأسباب تتعلق بإنتمائهم الديني، وفي ظروف سجن صعبة وقمعية.
وبحسب السفير المتجول الأمريكي للحريات الدينية، سام براونباك، فإنّ "غياب الحرية الدينية، في مكان واحد، يشكل تهديداً للسلام والإزدهار والاستقرار، في كل مكان"، لذا، فقد أكد على اعتبار "الحق في الحرية الدينية، والقدرة على العيش، بما ينسجم مع ضمير المرء، هما عرضة لهجوم في العالم".

براونباك: غياب الحرية الدينية في مكان واحد يشكل تهديداً للسلام والإزدهار والاستقرار في كل مكان

حضر لمؤتمر الحريات الدينية، في مقر وزارة الخارجية الأمريكية، العديد من الممثلين الرسميين والدينيين، ومن بينهم الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، والذي فاز بجائزة الحريات الدينية، فيما أكد خلال حديثه، أثناء الاجتماع، ضرورة ربط عنوان الحريات الدينية بالسلم الاجتماعي، لأنه "من دون ضمان السلم، لا حقوق ولا حريات مضمونة ومصونة لأحد".
كما رصد تقرير الحريات الدينية، كذلك تنامي أعداد اللاجئين في بنغلاديش، وأوضح أن ثمة تصعيداً ملحوظاً يحدث في بورما خلال الآونة الأخيرة".

السفير الأمريكي للحرية الدينية، سان براونباك

آليات خفض مستويات العنف والتوتر الديني

ووثق التقرير حالات وصفها بـ"اضطهاد منهجي للناس بسبب دينهم في إيران"، وأشار إلى أنّ "هناك عدداً من الصعوبات، التي تعترض أتباع الديانات المختلفة، في إيران"، وأوصى السفير الأمريكي، براونباك، طهران، باحترام الحريات الدينية، والعمل على حماية الأقليات الدينية.
من جهته، قال مصطفى أمين، الباحث المتخصص فى شؤون الجماعات الدينية، إنّ مؤتمر الحريات الدينية، يأتي فى توقيت مهم، يشهد فيه العالم حالة من تنامي الأفكار الآحادية، الإثنية القومية، سواء القائمة على الدين أو على المذهبية، وهي المسؤولة، بشكل مباشر، عن تفاقم العنف، الذي اجتاح العالم، منذ العام 2013، ما يتطلب بلورة رؤية عالمية، موحدة، بغية أن تكون حاضنة لمختلف الأديان والمعتقدات، وتؤسس للتنوع والتعددية والمساواة والتعايش.

هناك صعوبات تعترض أتباع الديانات المختلفة بإيران وأوصى السفير الأمريكي براونباك طهران باحترام الحريات الدينية

وأوضح لـ"حفريات"، أنه ينبغي على الولايات المتحدة، أن تكف عن استخدام الفضاء العام للحريات الدينية فى العالم، كمجال حيوي وفزاعة لـ"إرهاب" الأنظمة، التي لاتتوافق وسياساتها مع المصالح الأمريكية، بذريعة التدخل فى الشؤون الداخلية، لتلك الدول، كما يجب صياغة رؤية جديدة، تربط ما بين الحريات الدينية والسلم الاجتماعي بها، لأنها الضمانة الوحيدة لبقاء الحريات عموماً.
وأردف الباحث في شؤون الجماعات الدينية، أنّ "مصر تعمل في مجال تعزيز الحريات الدينية، ومواجهة الارهاب والعنف، من خلال محورين؛ الأول، يتمثل فى جهود مؤسستي الأزهر والكنيسة المصريتين، لنشر ثقافة التسامح والتنوع، وتعزيز مناخ الحرية الدينية، والحوار بين الأديان، وتجديد الخطاب الديني التقليدي، والمحور الثاني، يتمثل في نشاط المجتمع المدني، القائم على خدمة المواطن، في مختلف القطاعات بالمجتمع،  بغض النظر عن دينه أو عرقه أو مذهبه، وهو الأمر الذى يدعم فكرة إعلاء مبدأ "المواطنة"، وترسيخ ثقافة التعددية، وقبول الآخر، وبالتالي، يحقق الاستقرار المجتمعي".

اقرأ أيضاً: وزير التسامح الإماراتي: نجاحنا يتحقق حين يختفي التطرف
وبسؤاله عن آليات خفض مستويات العنف، وكيفية بلورة مسودة عمل، وخطة لمواجهة التطرف، أكد أنّ الأمر يستلزم "إنفاذ القانون، فىي حالات التعدي كافة، على الحريات الدينية، من خلال عمل الدولة، بحياد تام، على مواجهة التطرف، وعدم المساس بالأديان، وتكون ركائزها احترام الخصوصية الدينية، وتنوعاتها، ووقف تأزم العلاقة بين الديانات، التى تطفو على السطح، كل فترة وأخرى، ما يؤدي إلى تمزق النسيج المجتمعي، مثل فتاوى التكفير وغيرها".
ودعا أمين إلى وضع "خطة عملية لمواجهة الارهاب والعنف الديني، بتعديل الدساتير، بما يتوافق مع مبدأ المساواة فى الحقوق والواجبات، على أساس المواطنية، حتى يكون بمقدورها إحداث تغيير حقيقى وإيجابي، فى مجال تعزيز الحرية الدينية، وتتوافق والالتزامات الدولية".

 

 

الأقسام: